اللجوء السوري وتداعياته على الأردنيين

عمّان اضطرت لإغلاق الحدود لاعتبارات أمنية بغض النظر عن الوضع الإنساني

طفل لاجئ بانتظار والدته التي تخضع للعلاج في أحد المراكز الصحية في 3 ديسمبر في مخيم الزعتري للاجئين بالأردن (رويترز)
طفل لاجئ بانتظار والدته التي تخضع للعلاج في أحد المراكز الصحية في 3 ديسمبر في مخيم الزعتري للاجئين بالأردن (رويترز)
TT

اللجوء السوري وتداعياته على الأردنيين

طفل لاجئ بانتظار والدته التي تخضع للعلاج في أحد المراكز الصحية في 3 ديسمبر في مخيم الزعتري للاجئين بالأردن (رويترز)
طفل لاجئ بانتظار والدته التي تخضع للعلاج في أحد المراكز الصحية في 3 ديسمبر في مخيم الزعتري للاجئين بالأردن (رويترز)

اتخذ الأردن خلال العام الحالي 2016 قرارات مصيرية في التعامل مع الأزمة السورية كان انعكاسها على ملف اللاجئين الذين يشكلون نحو 18 في المائة من عدد السكان. إذ طالب الأردن المجتمع الدولي منذ بداية الأزمة السورية بضرورة مساعدته للتغلب على تدفق اللاجئين والتخفيف من تداعياته على المجتمعات المضيفة وكذلك على الاقتصاد الوطني، إذ إن نسبة الاستجابة للعام الماضي كانت أقل من 40 في المائة. ومن ثم استنجد بالدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بعدما تراكمت الديون وبلغت أكثر من 36 مليار دولار أميركي مشكلة 95 في المائة من الناتج المحلي.
انعقد مؤتمر لندن في مطلع فبراير (شباط) الماضي وخرج عدة قرارات لمساعدة الأردن، وقال وزير التخطيط والتعاون الدولي الأردني عماد نجيب الفاخوري، بعد المؤتمر، إنه تم طرح 3 محاور رئيسية في هذا المجال: أولها ضرورة التركيز على دعم خطة الاستجابة الأردنية، وثانيها دعم الفجوة التمويلية التي تعاني منها موازنة الدولة الأردنية، وثالثها طرح موضوع تشغيل اللاجئين من خلال التركيز على جذب الاستثمارات الجديدة.
وأضاف الفاخوري أن المجتمع الدولي تعهد بتقديم 8700 مليون دولار خلال السنوات 2016 - 2018 ضمن منح ومساعدات ذات شروط ميسرة، وفي المقابل تعهد الأردن بتشغيل اللاجئين في سوق العمل، خاصة في المصانع المؤهلة للتصدير للاتحاد الأوروبي في أعقاب تبسيط قواعد المنشأ لمدة عشر سنوات شريطة تشغيل 25 في المائة من العمالة السورية. ولكن على الرغم من تبسيط قواعد المنشأ والسماح للاجئين لدخول سوق العمل، فإن السوريين لم يقبلوا على العمل بهذه المصانع خشية سحب بطاقة اللجوء من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حتى إن مسؤولا أردنيا قال إن ستة مصانع فقط تم تأهيلها للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مع نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بسبب نقص العمالة السورية والحاجة إلى مزيد من الوقت للتكيف مع قرارات قواعد المنشأ. إضافة إلى ذلك تعهد الأردن بتعليم جميع أبناء السوريين في المدارس الحكومية، وبالفعل أدخلت وزارة التربية والتعليم 165 ألف طالب سوري، وفتحت 200 مدرسة بنظام الفترتين وقدمت جميع التسهيلات الطبية وللمعالجة في المراكز الصحية والمستشفيات الحكومية.

الشق الأمني
إلا أن تأثير أزمة اللاجئين تعدى الإقامة والتعليم والصحة، إذ كانت هناك الحاجة للسيطرة الأمنية على الحدود من قبل القوات المسلحة الأردنية المنتشرة على طول 378 كلم منذ عام 2011 والتعامل من الإرهابيين ومهربي المخدرات، إضافة إلى المشاكل الأمنية والاجتماعية داخل المجتمع حيث ارتفع معدل الجريمة خلال السنة الحالية بأكثر من 12 في المائة إضافة إلى انتشار ظاهرتي التسول والدعارة.
أمام هذا الواقع، جاءت عملية التفجير الإرهابية في شهر يونيو (حزيران) الماضي التي نفذها تنظيم داعش الإرهابي واستهدفت جنودا أردنيين يقدمون خدمات لوجستية للاجئين سوريين على الحدود بين البلدين في منطقة الرقبان. وأسفرت العملية عن سقوط ستة قتلى من العسكريين الأردنيين ونحو 14 مصابًا، وتدمير عدة آليات مماثلة حاولت الاقتراب. وعلى الأثر، أعلن الأردن إغلاق الحدود الأردنية مع سوريا واعتبارها «منطقة عسكرية مغلقة»، وتوعد كل من يحاول اختراق الحدود بالموت. ومع أنه حدثت بعدها محاولات لمهربي المخدرات فإنها جميعا باءت بالفشل، وذكرت قيادة الجيش الأردني بعد حادثة الرقبان أن قوات حرس الحدود تصدت وبقوة النيران لأكثر من محاولة تهريب مخدرات أو أسلحة أو عبور أشخاص لأن الأوامر التي صدرت للجنود منع أي كان وأي شيء الاقتراب من الحدود واعتباره «هدفًا غير صديق». وبهذا الإعلان يكون الأردن قد بدأ استراتيجية جديدة تتلخص بـ«الأمن أولا» على حساب كل شيء، من أجل إبعاد الإرهاب عن الداخل الأردني.
من ناحية ثانية، أبقى الأردن على علاقات دبلوماسية مع النظام وعلى مسافة واحدة مع المعارضة، إلا أن علاقته بالنظام كانت بعيدة عن الأضواء، وإذا كانت هناك اتصالات فإنها جرت وتجري عبر السفارة السورية في عمان وفي دائرة ضيقة. وقال وزير الدولة لشؤون الإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني، إن الأردن لن يدعو الحكومة السورية - أي النظام - إلى المشاركة في القمة العربية المقرر عقدها في عمّان، يوم التاسع والعشرين من آذار (مارس) المقبل. وأضاف أن جامعة الدول العربية أصدرت قرارا بتعليق عضوية سوريا، في حين أشار إلى أن علاقات الأردن الدبلوماسية مع سوريا قائمة. وتابع أن ما تتعرض له المدن السورية من قصف عنيف «جريمة على جبين الإنسانية». وأردف: «هذا القتل لآلاف الأبرياء في سوريا يجعلنا ندفع لأن يكون هناك حل سياسي سريع»، مشيرا إلى «إننا نتحدث عن أزمة تداعياتها باتت تمس كل ركن دولي... وهناك حاجة لوجستية وأمنية لفتح معبر بين الأردن وسوريا».
وأكد في المقابل أن الأردن يدخل الحالات الإنسانية والطبية من مخيم الرقبان على الحدود الأردنية السورية، وأوضح أن «المملكة اتخذت إجراءات أمنية لا نستطيع الإفصاح عنها بخصوص إدخال المحتاجين وعندما تأتي مرحلة التأريخ، أيا كان مشربه السياسي، سيقدر لنا ما نقوم به»، مشيرا إلى أن «ما نقوم به عجزت عنه دول وقارات». ووصف الحدود الأردنية السورية بـ«المنطقة العسكرية المغلقة... ويتم التعامل معها على هذا الأساس»، وأضاف أن الأردن توافق مع منظمات الأمم المتحدة على عدة نقاط لإدخال المساعدات إلى سوريا، قائلا: «سبق وأدخلنا مساعدات الإنسانية والطبية والمياه منذ فترة، وجرى حديث عن إنشاء مراكز توزيع داخل سوريا من أجل توزيع المساعدات على السوريين العالقين في الأراضي السورية»، لكنه عاد واستدرك ليقول إن «الأمن الوطني يسمو على كل شيء، خاصة مع وجود عناصر إرهابية موجودة داخل المخيمات ولا نريد أن تتسلل إلينا». وعن حجم الدعم الدولي للمملكة على استضافتها اللاجئين قال إن هناك الـ38 في المائة من حجم الدعم المتراكم. ونحن نقوم بالعبء بالنيابة عن دول العالم.

قلق في 2017
في الحصيلة النهائية، فإن الأردن بدأ يعاني من أثر اللجوء السوري على اقتصاده وعلى طبيعة الحياة اليومية. ويقول وزير المالية الأردني عمر ملحس إن عام 2017 لن يكون سهلا، على الصعيد الاقتصادي، وإن الأردن جوبه بخذلان، إلى حد ما، من العالم على صعيد تغطية المتطلبات المالية، لمواجهة اللجوء السوري إلى الأردن. واعتبر ملحس أن الضغط الخارجي، جراء أزمات الإقليم، هو العنصر الأكثر صعوبة في إدارة الاقتصاد الأردني.
كلام الوزير ملحس أن عام 2017 ليس سهلا، وهناك قرارات مقبلة، غير مريحة، لا يعني أن العبء العام في الأردن تشكل بسبب تدفق السوريين وحده بل هو عبء قديم تزايدت حدته، عاما بعد عام. ولكن ربما أسهمت الأزمة السورية التي فتح الأردن أبوابه بوجهها، لاعتبارات إنسانية، في زيادة حدتها.



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.