الأسس الفلسفية لمفهوم الحق

عدّه هابرماس «ثمرة للتواضع بين جميع الفاعلين والذوات المكونة للمجتمع»

الأسس الفلسفية لمفهوم الحق
TT

الأسس الفلسفية لمفهوم الحق

الأسس الفلسفية لمفهوم الحق

يعتبر توماس جفرسون (1826 - 1743)، أول رجل معاصر، صاغ مبادئ الديمقراطية في عبارات ذات صبغة إنسانية، واعتبرها حقائق واضحة بذاتها، وضوحا يجعلها في غير حاجة إلى دليل أو برهان. فجميع الناس خلقوا متساوين، وقد وهبهم الخالق حقوقا ذاتية كامنة فيهم، ولا يجوز التنازل عنها بأي حال من الأحوال. ومن هذه الحقوق: حق الحياة، وحق الحرية، وحق السعي وراء السعادة.
ويرى جفرسون أن كل شيء يمكن أن يتغير إلا حقوق الإنسان التي لا يجوز المساس بها، لأنها مقدسة، فهي جزء من جوهره الذي وضعه فيه الخالق، ولا يحق لأحد أن ينتزعها منه، لأنه بذلك يهدم القانون، ويدمر ما أبدع الخلاّق العظيم. وقد تكون هذه الحقوق في بدايتها «مبادئ أخلاقية»، لكن لا يجوز استخدامها على هذا النحو الذاتي، فلا يكفي أن نقول إن الإنسان حر ونقف عند هذا الحد، وأن نستنتج أن له الحق في أن يفعل ما يشاء، فتلك هي الفوضى بعينها. أو من حقه أن يحيا كيفما اتفق. بل لا بد من تقنين هذه الحقوق، أعني وضعها في صورة قوانين محددة. فالحرية هي ما تجيزه القوانين، كما قال مونتسكيو بحق، عندما توضع الحقوق في قوانين تصبح موضوعية وتنتفي منها صفة الذاتية، فلا يستطيع أحد أن يفسرها على هواه. ومعنى ذلك، أنها لا بد أن تلتحم في نسيج اجتماعي عام ينظم سلوك الجماعة. وعلى هذا الأساس، نلاحظ أن الحق إن كان معطى طبيعيا يتجسد في كونه مثالا أخلاقيا، فإنه لا يصبح ذا قوة إلزامية، إلا حينما يجري تقنينه، والتواضع عليه بكونه حقا لكي تكون له قوة إكراهية. وعلى هذا الأساس نتساءل: هل الحق قيمة متجذرة في طبيعة الإنسان الأصيلة؟ أم هو قيمة ثقافية وضعية؟ هل وجد الحق منذ وجد الإنسان الطبيعي؟ أم هو نتيجة اتفاق إرادي أبدعه الإنسان المدني؟ ومن أين يستمد الحق قوته الإلزامية، هل من القانون أم من قيمته الأخلاقية؟ بعبارة أخرى هل يتأسس الحق على ما هو طبيعي أم على ما هو وضعي؟
حينما نتحدث عن الحق الطبيعي، فإننا نتحدث عن مجموع الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الإنسان، بحكم طبيعته كإنسان. وقد كان رجوع فلاسفة الحق الطبيعي، كهوبز واسبينوزا وروسو، إلى حالة الطبيعة، بهدف معرفة الطبيعة الإنسانية، وتأسيس المجتمع انطلاقا منها، حتى تكون الحقوق والتشريعات عادلة ومناسبة لأصل الطبيعة الإنسانية، وغير متعارضة معها. صحيح أن هؤلاء الفلاسفة، اختلفوا في تصورهم لحالة الطبيعة ولأصل الإنسان، إلا أنهم يشتركون في مبدأ أساسي، هو جعل الطبيعة المفترضة للإنسان أساسا لكل حقوقه في الحالة المدنية أو في حالة الاجتماع البشري. من هنا، فإن للإنسان، حسب هذا التصور الطبيعي للحق، حقوقًا لا يمكن المساس بها، وهي حقوق مطلقة وكونية. وإذا أخذنا نموذج توماس هوبز مثلا، فإننا نجده يعرّف حق الطبيعة، بأنه الحرية التي تخوّل لكل إنسان أن يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته الخاصة، وما يراه نافعًا له. وعلى هذا الأساس، يقيم هوبز تمييزا حادا بين «الحق الطبيعي» و«القانون الطبيعي». فالحق الطبيعي يتسم بإعطاء الإنسان الحرية المطلقة لكي يفعل كل ما يراه ضامنا لحفظ حياته وبقائه.
يقول توماس هوبز، في كتابه «اللفيثان»: «إذا ما نظرت إلى القوة البدنية، لوجدت أن الأضعف جسميًا في مقدوره أن يقتل الأقوى، إما باستخدام الحيلة أو بالتحالف مع الآخرين، مهددين بالخطر نفسه الذي يتهدده». أما القانون الطبيعي، فهو من وضع العقل، ويقوم على تحويل الحرية الطبيعية لكل فرد إلى حرية مدنية، بحيث لا يعود من حق الفرد فعل كل ما يريد ويشتهيه، وإنما يصير ملزما وخاضعا للقاعدة القانونية التي تضمن للجميع البقاء والعيش، بغض النظر عن إمكاناتهم ومؤهلاتهم. وهكذا يبدو أن الحق الطبيعي حق لا يتيح إمكانية العيش بالمعية، لأنه يتيح للجميع السعي وراء إرضاء رغباتهم. لذلك وجب الاستغناء عنه لحساب الحق الوضعي، أو القانون المدني، الذي يجعل الفعل الإنساني المطبوع بالأنانية، عبارة عن فعل اجتماعي، يصبح كل واحد بموجبه، عنصرا ضمن مجتمع يسمى «الدولة». إن حالة الطبيعة، التي هي تجربة ذهنية والتي يعتبرها هوبز، هي الوضع الأصلي المفروض في الاجتماع البشري٬ تجسِّد حالة غير مريحة تهدد المرء في أقدس حق لديه، وهو حق البقاء. وما دام حق الفرد لن يتوقف إذا غابت الكوابح، وسينطلق بلا حدود٬ فلا خيار إلا بالعمل على صده من الخارج، وذلك بأن نرغمه على التعايش مع حقوق أخرى هي، أيضًا، تتملك اللامحدودية في الطلبات والرغبات. وهكذا يتضح أن الحق الطبيعي في حالة الطبيعة، لا يستند إلى أي وازع أخلاقي. إنه قائم على رغبة الفرد واندفاعاته في الحصول على كل شيء، ما يجعل الإنسان في حرب دائمة، وهو ما يجعل السعادة منعدمة. وفي هذا يقول هوبز، في كتابه «اللفيثان»: «إن قانون الطبيعة، هو مبدأ، أو قاعدة عامة، يجدها العقل، وبها يمنع الإنسان من فعل ما هو مدمِّر لحياته، أو ما يقضي على وسائل الحفاظ عليها، ومن إهمال ما يظن أنه يمكن أن يحفظها. فعلى الرغم من أن الذين يتكلمون عن هذا الموضوع يخلطون عادة بين (jus) و(lex)، أي بين الحق والقانون، غير أنه يجب التمييز بينهما، لأن الحق يقوم على حرية الفعل أو عدمه، بينما القانون يحدد ويلزم بأحد الأمرين».
ويضيف في الكتاب عينه: «فطالما أن كل إنسان يتمسك بهذا الحق في أن يفعل أي شيء يود أن يفعله، يكون البشر جميعًا في حالة حرب». وهكذا نجد أن أساس الحق عند هوبز، هو القانون الطبيعي الذي يدفع الجميع إلى البحث عن السلم والاستقرار من أجل حفظ بقائهم وأمنهم.
في السياق نفسه، حاول جان جاك روسو تحليل الأساس الذي يقوم عليه الحق. فانطلق من اعتبار حالة الطبيعة مجرد افتراض وليست حالة واقعية أو تاريخية. وبأنها حالة تتميز بالسلم والمساواة. بل إنها عند البعض، وفي جميع الأساطير القديمة، تمثل الفردوس الذهبي للإنسان، وكلما ابتعد عنها الإنسان ابتعد عن السعادة. كما أنها تتميز بالسلم والخير والمساواة. لكن العائق الوحيد الذي يكمن فيها، هو عدم قيامها على نظام موحد ومشترك. لذا كانت الحاجة ماسة إلى المدنية أو التمدن. وهكذا يرفض التبرير الذي يقدمه توماس هوبز كأساس للتعاقد وهو اللجوء إلى القوة، قوة الأمير الذي سيتنازلون له على كل حقوقهم (هوبز)، أو جزء منها (اسبينوزا). بل يرى روسو أن القوة لا تؤسس الحق، لأن الربط السببي بينهما غير سليم من الناحية المنطقية. فالقوة لا توجد الحق دائما وتضمنه بالضرورة، كما أن الحق لا يوجد القوة. لذلك وجب تحويل القوة إلى حق، والطاعة إلى واجب قانوني (الالتزام وليس الإكراه). وفي هذا الصدد، يقول روسو: «إن أقوى الناس لا يكون قويا بالشكل الذي يمكنه من أن يكون دائما السيد، ما لم يحول قوته إلى حق، والطاعة إلى واجب».
وهكذا يرفض روسو أن يعتبر مالك القوة صاحب حق، لأنه في حاجة إلى أن يجعل الآخرين خاضعين له، ليس عن طريق الإكراه والجبر والقوة، بل عن طريق الواجب، لأنهم يحترمون القانون ولا يخافونه، ولأنهم يحترمون الملك ولا يهابونه لقوته، بل لأنه يجسد الإرادة العامة التي اتفقوا عليها، حينما أبرموا العقد للخروج من حالة الطبيعة. وهكذا يكون انتقال الإنسان إلى حالة التمدن سيكسب الإنسان معه مجموعة من الامتيازات، لن يعود الحق معها هو ما تمليه حيوانية الإنسان، بل ماهيته العاقلة، كما لن تعود القوة أساس للحق، لأن الحق الطبيعي القائم على القوة يخلو من كل أخلاقية، بل ستصير الأخلاق قاعدة كل حق، وبالتالي انتقال الإنسان من حق القوة الطبيعي إلى قوة الحق المدني الأخلاقي.
في أقوى الأطروحات الليبرالية المعاصرة، نجد الفيلسوف يورغن هابرماس، المولود بتاريخ 18 يونيو (حزيران) 1929، ينتقد، في كتابه الشهير «الحق والديمقراطية» Droit et démocratie، التصورات الطبيعية التي جعلت من الاختيار العقلاني للأفراد، في التنازل عن حقوقهم، ومنهم هوبز مثلاً، لصالح الدولة، لأن هذه النظرية تعطي للدولة الحق في التصرف، مع إقصاء كلي للمواطنين في المشاركة حسب هابرماس. كما انتقد التصور التعاقدي عند روسو وغيره، لأنه جعل من الدولة وحالة التمدن مركز العملية الديمقراطية وشرعنة الحق. فالدولة في التصور التعاقدي عند هوبز أو روسو، تظل، دائما، دولة إكراه وإلزام، على الرغم من تمتع الأفراد فيها بحق المشاركة والتداول على السلطة. أما هابرماس، فإنه يدافع عن الديمقراطية التشاورية la démocratie délibérative، التي يكون فيها الحق محط نقاش بين السلطة الإدارية، ممثلة في أجهزة الدولة، والسلطة التواصلية، ممثلة في الفضاءات العمومية والمجتمع المدني. وهكذا يكون الحق ثمرة للاتفاق والنقاش الذي يخضع لسلطة العقل والقدرة على التبرير الحجاجي للمعايير القانونية داخل الفضاءات العمومية، باعتبارها مصدرًا لتشكيل الإرادة العامة، لأن الحق، في النهاية، يتشكل عبر سلسلة من الإجراءات القانونية الممأسسة، التي تسمح بتشكيل الرأي العام والإرادة، عن طريق المناقشة المفتوحة بين ذوات مستقلة قادرة على استخدام عقلها استخداما عموميا ونقديا، في دولة الحق والقانون، التي تكون فيها السلط متمايزة، ويكون فيها المجتمع منفصلا عن الدولة، لأن تدخل الدولة في المجتمع المدني، هو بمثابة تشويه وتأثير، حسب هابرماس، في السيادة الشعبية النابعة من النقاش بين جميع الذوات المشكلة للمجتمع. وهكذا لا يعود الحق مشتقا من الأخلاق أو من حالة طبيعية مفترضة، بل هو مؤسس على قواعد المناقشة التي تقتضي ألا أخضع للحق إلا إن كان مشروعًا. والمشروعية عند هابرماس، ليست ما تفرضه الدولة بل ما تكون قادرة على تبريره للجميع تبريرا منطقيا وعقلانيا.
وفي هذا الصدد، يقول هابرماس، في كتابه الحق والديمقراطية: «إن الحق يجد أساسه في الحوار العمومي حول معايير الفعل». وهكذا يكون الحق ثمرة للتواضع بين جميع الفاعلين والذوات المكونة للمجتمع، وتكون وظيفته هي تعزيز الاندماج داخل مجتمع متغير، يعرف صعودا متناميا للخطابات الهوياتية وللتعددية الثقافية. وهكذا يكون الحق ثمرة للنقاش والصراع الاجتماعي الذي يتخذ، عند هابرماس، طابعا تشاوريا تؤطره أخلاقيات النقاش. وما هو حق، لا يمكن أن يتصف بالثبات، لأنه لا يقوم على أي أساس ميتافيزيقي، بل قابل للتغير ما دام يعكس إرادة الذوات المكونة للدولة.



قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث
TT

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

منذ مدة طويلة وأنا أتابع أصدقائي الشعراء وأقرأ لهم ما تيسر لي من الوقت جديدهم الشعري، وأفرح أيما فرح حين يدهشني احدهم بقصيدة أو ومضة أو بيت شعري فارق، ولكن ويا للأسف مر وقت ليس بالقصير دون أن تهزني قصيدة، أو دون أن أقول «يا الله» من كل قلبي، حتى ظننت أن ذائقتي عطبت، أو أن العمل الإداري أكلني، وترك روحي جافةً أمام النصوص الإبداعية، فما بين مذكرات مُديري الإدارة والحسابات إلى مدير القانونية ومطالعاته إلى مشاكل اللجان وصعوباتها، حتى ظننت أني نشفت تماماً من ماء الشعر كتابةً وتلقياً، حتى استقبلت قبل أيام الشاعر عباس حسين، وأنا أراه للمرة الأولى قادماً من محافظة بابل، حيث أهداني نسخةً من ديوانه الأول، الذي طبعته «دار الشؤون الثقافية» 2026 «القبور ظروف والموتى رسائل». وهذا الأمر أسعدني كثيراً أن تطبع الدار مجموعة شعرية لشاعر أو لشعراء لا أعرفهم مباشرة، وليسوا أصدقاء لي، إنما العمل يأخذ طريقه من حيث عرضه على لجنة التأليف والنشر، ومن ثم خبير مختص، وبعدها مصحح، ليأخذ طريقه الروتيني لطباعة العمل، وكل هذه الرحلة للكتاب داخل المؤسسة لا علاقة لي بها، من حيث التأثير والضغط في طباعة الأعمال؛ لأن العمل الجيد هو من يفصح عن نفسه دون وساطات، المهم أنني التقيت الشاعر عباس حسين وسلمني نسخة من ديوانه، وبدأت أتصفح المجموعة وأنا في طريقي إلى البيت، فتوقفت عند جملة مضيئة في بداية المجموعة صرخت عندها وصحت «يا الله»، ماذا يقول عباس حسين:

لستُ صفحةً لتطويها

أنا دمعةٌ

امسحني

بصراحة هزتني هذه الومضة الساحرة، فقد اكتنزت بالتكثيف الشديد والحاد، كما يحمل النص القصير هذا دلالته التي تُمسك ولا تُمسك، تشير على المعنى ولا تدل عليه، أعدت قراءة النص هذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وما زال محتفظاً بحرارته، انقطعت القراءة حين رن الهاتف وأنا في السيارة، فتركت المجموعة حتى وصلت البيت، ومع إعجابي الشديد بهذا المقطع، لكني قلت بيني وبين نفسي لا تكن انطباعياً فتهزك جملة شاعرية، فاستيقظ بداخلي فجأةً الأكاديمي الذي كنت أقمعه أمام برية الشعر ولا منطقيته، ولكني بقيت مصرّاً ولا همّ لدي إلا التفرغ لهذه المجموعة، واكتشاف هذا الشاعر الذي وجدته ممتلئاً صدقاً وانكساراً وشاعرية، فهو بلا ضجيج، حيث يأخذ بيدك ليدلك على جمرات هذه الحياة، ولكنها جمرات لغوية تشعر أنها لك، ولكنك لا تعرف سر كتابتها، وكيف خرجت بهذه الشاعرية.

المجموعة «القبور ظروف والموتى رسائل» صغيرة جداً، حيث لا تتجاوز الـ130 صفحة من القطع المتوسط، وتحتوي 29 نصاً أو قصيدة من قصائد النثر، القصائد بمجملها قصائد قصار تكاد تأخذ معماراً معتمداً على الومضات داخل النص الواحد، فالنص لدى عباس حسين مبني بطريقة النصوص المتعددة أو المفككة، كل مقطع يتحدث عن موضوعة ما، ولكنه يربطها بخاتمة تجمع النصوص في وحدة عضوية كاملة تندب فيها الإنسان ووحشته على هذا الكوكب:

اقلبِ الصفحة

ولكن برفق

هذه

صفحة

حياتي

يا لها من مفارقة ذكية، حيث يربط القارئ الذي يقلب صفحات هذا الديوان بالشاعر نفسه وبحياته، التي سكبها على الورق، دون أن يحشر القارئ بالاستعارات والكنايات وحذلقة اللغة أو التجريب الممل على النصوص، إنها الحياة على شكل قصيدة بلا رتوش، تلك الحياة التي افتتح بها مجموعته الشعرية أيضاً حين قال:

لم أتعلم من حياتي سوى أن أكتبها هكذا

ح ي ا ة

واضح أنها ممزقة

وما زلت أنتظر امرأةً تخيطها

إنه يتلاعب بقصيدة النثر برشاقة لاعب سيرك ماهر، يمسك بها فيمسح عنها غبار التجريب الصعب والتلاعب اللغوي المجتر ويمنحها الصدق فقط، حين يكون الشعراء صادقين فإنهم يمنحون اللغة حساسية مختلفة، وحين يكونون منغمسين مع طينهم اليومي وحياتهم الطبيعية سينتجون نصوصاً تشبههم:

أتذكر القلب الطيني

الذي صنعناه معاً في صغرنا

يدق الآن في صدري

أي اختزال وأي تكثيف للغة وللوقائع وللذاكرة والطفولة والحياة والحب، كل ذلك بسطرين وبجملة صادمة «يدق الآن في صدري» دون أن يلتف الشاعر على المعنى ليذهب بعيداً ويتحذلق باللغة ويجرّها من شعرها، دون أن يصل للمعنى الذي يريد، ليرهق نفسه، والقصيدة، والمتلقي، وهذا ما تجاوزه عباس حسين في هذه المجموعة الصادمة والمكثفة ذات الجملة الخاطفة، والجمل الخاطفة بصراحة من أكثر الأشياء التي يحتاج إليها الشاعر، فالشاعر من دون رشاقة جمله والتماعها بشكل سريع وخاطف لا يعول عليه وعلى تجربته؛ ذلك أن عدداً كبيراً من شعراء العربية الذين يكتبون وفي الأشكال كافة، سواء الموزونة منها أو النثر فإنهم يميلون إلى التفصيل والإسهاب واللغو بدل اللغة، فكلما اقتصد الشاعر بلغته وفكرته فإنه سيصل أسرع إلى القلب، وينفذ سهمه سريعاً، أما الذين يجرجرون بالكلام ويلتفون حوله وفيه، فإنهم يمنحون نصوصهم ترهلاً يمنعهم من التحليق ويكتفون بالسير ببطء داخل المنزل فقط.

أعود إلى عباس حسين وإلى تجربة جيله الشعري الذين لا يقلون جمالاً عن هذه التجربة، فالشعر العراقي ما زال حياً بوجود هذه الأجيال التي تضخ القصيدة بكل ما هو جديد، رغم أن تجربة عباس حسين ربما ترتبط بخيط خفي بتجربة محمد الماغوط، فأنا أزعم أن مرجعية عباس الثقافية تكاد تدور في فلك الماغوط من حيث البناء الشعري والجمل المكثفة والصادمة، وكذلك من حيث الغنائية التي تتسرب لروح قصيدة النثر، فتجربة عباس في هذا الديوان تجربة ممتلئة غنائية واضحة ومتشربة بالعاطفة دون أن تستثمر تقنيات الحداثة من رموز وأساطير ودراما، وربما هذه الصفات هي التي منحت هذه الأريحية والتلقائية في نصوص عباس بحيث يدخل المتلقي لهذه النصوص، دون استئذان ودون تعقيد، إنها نصوص الحياة المباشرة الحارة والساخنة والحادة في الوقت نفسه، وهي تلتقي إلى حد كبير بتجربة الماغوط، خصوصاً في بدايته «حزن في ضوء القمر»، حيث قصيدة النثر لم تعرف بعد التقنيات الشعرية الحداثية لتنطوي على نفسها وتبني جداراً صلداً بينها وبين المتلقي؛ لهذا تجدها فتاة متمردة ناثرة شَعرها في البرية دون قيود، ولكن فيما بعد مرت تلك القصيدة بفلترة كبيرة منعت وصدت جموحها ونفورها، وبدأ الشاعر الحديث يفكر بتقنيات الحداثة أكثر من القصيدة.

* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار

، لهذا صرنا أمام ركام كبير من التراث الشعري الفاقد للحرارة والعاطفة وتحول الشاعر إلى ماكنة ينتج نصوصاً جافة ولكن هذه النصوص الجافة صادفت نقادا جاهزين لها يبررون جفافها وبرودتها تحت مفاهيم لا يفهمونها، ومصطلحات يلوكونها فقط في الدراسات دون أن يكون لها أي أثر على الشعر وحرارته؛ وبهذا فقد فقدنا الكثير من التجارب الساخنة التي أطفأت تحت خانة التحديث وتحول الشاعر إلى نجار يصنع نصاً وليس إلى مجنون يهيم مع نصه؛ لهذا فإننا نحتفي بالمجانين القلة في هذا العالم الذين ينطلقون دون أن يعرفوا إلى أين، يضيعون فقط ولا يصلون، تلك هي الشاعرية، وقبل سنوات قال محمد الثبيتي:

قصائدي أينما ينتابني قلقي

ومنزلي أينما أرمي مفاتيحي

ولهذا؛ فإن صدور مثل هذا الديوان لعباس حسين هو مصدر للفرح وللإضافة في الشعرية العراقية التي أتمنى عليه التواصل والصعود عالياً في هذه التجربة، وأن يبقى رشيقاً في قصائده لكي يحلق عالياً:

تسألينني عن الشمس

وأخبرك بأن الأرض عندما كانت طفلة

كانت الشمس طائرتها الورقية

فتبتسمين

ثم نمد أيدينا في الرمل ونحفر حتى نتصافح

اليوم أفعل كل ذلك وحدي

أجيء متأخراً وأقف على قبرك

أتوهم بأنك زعلانة

أسال عن الشمس

وأجيب بأن أحداً ما قطع خيطها وهربت.

* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار


الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة


«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة
TT

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل يكشف، برهافة وحس إنساني يسعى لتجاوز محنة الألم، ما وراء هذا الأرقام من حياة كاملة وأحلام مشروعة وذكريات وتفاصيل حميمة عابرة لأصوات القصف ودوي القنابل وأزير الرصاص الذي يلاحق المدنيين والأبرياء.

يتجاوز العمل فكرة التوثيق التقليدي للحرب، ليقدم غزة من خلال شهادات وتجارب شبابها، وهو من تحرير الفلسطيني أحمد الناعوق والأميركية بام بايلي، ترجمة محمد فؤاد، وتقع الطبعة العربية في 336 صفحة، تجمع نصوصاً مختارة من مقالات وتأملات مفتوحة تستكشف قضايا وهموم الذاكرة والعائلة والمنفى والصداقة والمقاومة والأمل.

تستعيد تلك الكتابات تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من طموحات مهنية وثقافة، وتتوقف عند أماكن عزيزة على قلوب أصحابها، وحتى أبسط الأشياء التي تمنح الحياة معناها وسط الحصار والعنف.

من هنا يرفض هذا العمل فكرة «القصة الواحدة» عن غزة، فالقارئ يجد أشباح الخوف والموت والفقد تطل برأسها عبر النصوص، لكنه يجد كذلك الحب والطموح والدراسة والفن والمرح والحنين إلى الأماكن والأحلام المؤجلة، بتوقيع فتيات وفتيان يتحدثون عن حياتهم بلغتهم وتجاربهم، كما يكشف كيف لا تلغي المأساة الرغبة في الحياة. على هذه الخلفية، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، هؤلاء الشباب بأنهم جعلوا من الكتابة «فعلاً تحررياً ووسيلة لمقاومة محو غزة من الوعي العالمي». وأوضح أحمد الناعوق، في تصريح لصحيفة «الغارديان» البريطانية، أنه كان حريصاً منذ البداية على تشجيع الكتاب الشباب على الكتابة عن جمال غزة وأهلها وثقافتها ومساجدها وكنائسها ومقابرها، حتى لا تظل صورة القطاع مرتبطة فقط بالدمار. من النماذج اللافتة التي يتضمنها الكتاب، قصة فتاة مراهقة تحدق في سقف منزلها وتتمنى ألا ينهار فوق رأسها، في مشهد قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يلخص كيف يمكن للحرب أن تتسلل إلى أكثر التفاصيل اليومية عادية، حتى يصبح السقف الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الأمان مصدراً للخوف. وفي نموذج آخر، يروي شاب تجربته في البحث عبر الإنترنت عن صور المكتبات في أنحاء العالم، حيث يحلم بأن يتمكن يوماً من زيارتها، على نحو يكشف أن الطموح والتعليم والمعرفة مفردات ربما تستمر في الإلحاح على وعي الأفراد حتى وسط الظروف الأكثر قسوة.

وتتعدد القصص الإنسانية في الكتاب، فهذه فتاة تتجول في شوارع المدينة وتدوّن أسماء المباني التي تحلم بإصلاحها، وهذا شاب يحاول متابعة شغفه بعلم الفلك في مكان يصعب فيه الوصول إلى التلسكوبات، كما تتناول إحدى القصص التعقيدات غير المعتادة للتسوق عبر الإنترنت في ظل القيود المفروضة على غزة.

ومن النماذج اللافتة نص للكاتبة ندى حماد عن غزة بعد حرب 2014، حيث تصف انتقال المشهد تدريجياً من اللون الرمادي الذي خلفه الدمار إلى بقع صغيرة من الألوان، عبر طلاء أحد الجدران وظهور الرسوم على جدران المساكن المؤقتة. والفكرة هنا أن إعادة تلوين المكان تصبح فعلاً رمزياً للحياة، فالسكان لا يحاولون فقط نسيان ما حدث، وإنما يؤكدون قدرتهم على الاستمرار.

اللافت هنا أن الكتاب لا يقتصر على أحداث الحرب الأخيرة، فالنسخة الأصلية تجمع 74 نصاً مختاراً من نتاج مشروع «We Are Not Numbers» أو «لسنا أرقاماً» على مدى نحو عقد، وتتحرك النصوص زمنياً عبر سنوات مختلفة، بحيث يستطيع القارئ رؤية كيف تغيرت حياة جيل كامل من الشباب الفلسطيني مع تعاقب الحروب والحصار والأزمات.

وتعد العائلة واحدة من أكثر الموضوعات حضوراً في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في ظل طبيعة التجربة الفلسطينية في غزة، لكن الكتاب لا يتحدث عن فقدان «عدد من الأشخاص» فقط، وإنما عن آباء وإخوة وأبناء وأصدقاء، وعن ذكريات مرتبطة بهم. وتكتسب تلك المسألة بعداً شخصياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى محرر الكتاب أحمد الناعوق، الذي فقد 21 فرداً من عائلته في غارة إسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من بينهم والده وإخوته وأطفالهم، بحسب ما روى في مقابلته مع «الغارديان». اللافت أن مشروع «لسنا أرقاماً» نفسه بدأ قبل الحرب الأخيرة بسنوات، في أعقاب حرب غزة عام 2014. ووفق الرواية التي قدمها الناعوق، فقد دفعته وفاة شقيقه إلى كتابة قصة شخصية عن فقدانه، بمساعدة بام بايلي، وبعد نشرها تلقى رسائل تعاطف من أشخاص خارج غزة.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منصة تمنح شباب غزة فرصة سرد تجاربهم بأنفسهم لجمهور عالمي، فيما انطلق المشروع عام 2015 مع نحو 20 كاتباً شاباً، ثم توسع تدريجياً، ونشر خلال السنوات التالية أكثر من 1500 نصاً.