كتّاب عرب يرصدون أبرز الأحداث الثقافية وأهم قراءاتهم

مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي الذي أنجز هذا العام - حسن البطران - فهد حسين - ناصر عراق
مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي الذي أنجز هذا العام - حسن البطران - فهد حسين - ناصر عراق
TT

كتّاب عرب يرصدون أبرز الأحداث الثقافية وأهم قراءاتهم

مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي الذي أنجز هذا العام - حسن البطران - فهد حسين - ناصر عراق
مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي الذي أنجز هذا العام - حسن البطران - فهد حسين - ناصر عراق

> الروائي المصري ناصر عراق: الكبار الذين رحلوا
يتحدث الروائي المصري المقيم في دبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة، ناصر عراق، والحائز أخيرًا على جائزة «كتارا» للرواية العربية عن أبرز الأحداث الثقافية لعام 2016، فيقول: «لأن إيقاع الحياة بات أسرع مما يتخيل أحد، فإن الأحداث الثقافية تتراكم بشكل مدهش من يوم إلى آخر، حيث من الصعب أن يلم المرء بأبرز هذه الأحداث في كلمة قصيرة، ولكن لا بأس من ذكر بعض اللحظات المهمة في ذلك العام. ولعل وفاة المبدعين والمفكرين والفنانين المتميزين تعد نقطة مهمة للتوقف عندها ورصد منجز صاحبها وتقييمه، لأنها تعبر عن اكتمال التجربة الإبداعية له. من هنا نذكر، على سبيل المثال، أن عام 2016 شهد رحيل المفكر السوري المتفرد صادق جلال العظم الذي أسهم بنصيب في إزالة غبار الخرافة عن العقل العربي، كما يجب أن نتوقف أيضًا عند رحيل الفنان المصري محمود عبد العزيز الذي شارك في تأجيج الشعور الوطني لدى ملايين العرب من خلال دوره المدهش في المسلسل موفور الصيت (رأفت الهجان). وبالنسبة لي سأضع عام 2016 في أكرم ركن في قلبي، لأنني حصلت في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام على جائزة (كتارا) الكبرى/ الدورة الثانية عن روايتي (الأزبكية)، وهي أكبر جائزة عربية مخصصة للرواية».
وعن أهم قراءاته، يقول عراق: «الكتب التي اطلعت عليها هذا العام كثيرة ومتنوعة في الأدب والتاريخ والفلسفة والسياسة، لكني سأتوقف قليلاً عند كتاب (تاريخ السينما المصرية... قراءة الوثائق النادرة)، الذي كتبه الناقد والمؤرخ السينمائي المرموق محمود قاسم، لأنني أعتقد أن السينما أحد أهم الاختراعات الكبرى في تاريخ البشرية، وأنها تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل وعي المشاهد وذائقته. ونشأة السينما المصرية تتسم بالغرابة والطرافة والالتباس، من هنا استطاع هذا الكتاب المهم أن يضع النقاط فوق الحروف عن طبيعة النشأة، ومن هم رواد السينما؟ وكيف تمكنت هذه الصناعة من فرض نفسها على النشاط الاقتصادي المصري، وكيف نجحت السينما المصرية في الامتداد إلى خارج الحدود المصرية، لتسهم بقدر كبير في بلورة ذائقة فنية عربية موحدة».
> الناقد البحريني فهد حسين:
من قال إن العرب شعب لا يقرأ؟
أما الناقد والكاتب البحريني الدكتور فهد حسين، فيقول: «تمر الأعوام والسنون، والحراك الثقافي عالميًا يعمل بوتيرة سريعة كوتيرة الحياة الاجتماعية، فالمطابع تطبع، ودور النشر تسوق منتجاتها الثقافية والفكرية والأدبية وغيرها، والمكتبات تستقبل هذا الكم الهائل كل يوم، والقراء يتلقفون ما ينتج. ولكن ليس الحراك الثقافي مقتصرًا على المنجز الكتابي، بل هو منجز إنساني متفرع ومتشعب ومتنوع، وكل عام تبرز لنا حالة أو ظاهرة تلامس الحياة الثقافية والفنية والأدبية، وإن وقفنا على منجزات العالم فلن نستطيع حصرها وعدها، لذلك نقف متأملين منطقتنا الخليجية وأهم ما أنجز على هذه الأرض في عام 2016، حيث كل عام ميلادي نجد البرامج والفعاليات الثقافية الرسمية والأهلية تزداد يومًا بعد يوم، وهو ما يفند الفكرة المأخوذة عن العرب بأنه شعب لا يقرأ، وإن قرأ لا يفهم، وإن فهم لا يعمل، كأننا نعيش في كوكب آخر ليست لنا علاقة بما حولنا وما ينجز من علوم وأفكار وتطلعات، ونحن لسنا معنيين بما يقال عنا بقدر ما ينبغي أن نكون نحن، سواء العرب جميعًا أم منطقة الخليج العربية».
يضيف: «لقد تعدى ما أنجز في منطقتنا توقعاتنا المجتمعية والثقافية، إذ في الوقت الذي تشكل فيه التجارب الثقافية المتنوعة محكًا مهمًا في مسيرة الثقافة العربية الحالية عبر اهتمام الحكومات الخليجية ومؤسسات المجتمع المدني الثقافية بما ينبغي إبرازه والعمل على جودته في مختلف الميادين ذات العلاقة بالثقافة والفن والأدب والعلوم البحثية والتكنولوجية، هناك برامج تصدرت المشهد الثقافي في المنطقة، مثل جائزة (البوكر) في نسختها العربية بأبوظبي، أو جائزة (كتارا) بالدوحة، أو المشهد السينمائي الذي راح يخط اسم المنطقة عالميًا، كما فعل بذلك الشباب الخليجي، وخير مثال ترشيح الفيلم السعودي (بركة يقابل بركة) الذي أخرجه محمود صباغ، لتمثيل المملكة العربية السعودية في مهرجان الأوسكار السينمائي في عام 2017».
ويتابع: «أما ما لفت انتباهي وأراه حدثًا ثقافيًا مهمًا فثلاثة أحداث ثقافية برزت في المنطقة، وتتمثل في افتتاح مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي بالكويت، وما يضمه من قاعات متنوعة العطاء وما توحي إليه من إلهام ثقافي، وتثقيف جمالي، وترفيه روحي، عبر مسرحه الوطني، وقاعات الحفلات الموسيقية، ومسرح الدراما، والقاعة المستديرة، حيث تشكل الأوبرا الحدث التاريخي والثقافي الثالث بعد الأوبرا السلطانية بمسقط، والأوبرا بدبي. كما برز حدث ثقافي ثانٍ، وهو جائزة القصة العربية القصيرة بالكويت، التي أكدت أهمية العودة بالقصة القصيرة إلى العهد الذي كانت عليه بعد ما تعددت الجوائز وتنوعت في مجال الرواية. والحدث الثقافي الثالث هو عقد مؤتمر مؤسسة الفكر العربي (فكر15) التي يرأسها الأمير خالد الفيصل، وإطلاق التقرير الثقافي بعنوان: الثقافة والتكامل الثقافي في دول مجلس التعاون من خلال السياسات والمؤسسات والتجليات، بالإضافة إلى تلك الإصدارات المترجمة المهمة في الثقافة العالمية لتكون زادًا للقارئ العربي».
(*) وعن الكتب التي قرأها حسين في عام 2016، يقول: «من الكتب التي قرأتها وأرى أهميتها التاريخية والحضارية والثقافية كتاب (لم نعد وحدنا في العالم) لبرتران بادي، الذي يطرح رؤية للنظام الدولي بطريقة مغايرة عن السائد. أما الكتاب الأدبي فهو (حليب أسود) لإليف شافاق، الذي تناولت فيه بأسلوب سردي وصفي حالة المرأة الكاتبة، ونظرة الذات والأخريات لها قبل الزواج، وتلك المفارقات والمعاناة النفسية والاجتماعية، وكذلك تقلبات الأمزجة بين الحين والآخر تجاه الواقع المعيش، والكتابة، والعلاقات الاجتماعية الثقافية الأخرى».
> القاص والروائي السعودي حسن البطران: حيدر العبد الله نجم العام
يقول القاص والروائي السعودي حسن البطران: «لا يخفى على كل مثقف أو قريب من الثقافة ما أثير حول قصيدة الشاعر الموهوب حيدر العبد الله التي تشرف بإلقائها في حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في المنطقة الشرقية، وما صاحبها من حراك جمعي اجتماعي وثقافي وأدبي على كل مستويات المجتمع، حتى أن مفردة (سكنانا) حققت رقمًا قياسيًا كبيرًا وأصبحت هي الكلمة الأولى انتشارًا وتداولاً خلال العام التي استغلها بذكاء الشاعر حيدر وسجلها كماركة تجارية رسميًا. ربما هذا الحدث هو أبرز الأحداث خلال العام، وحقًا يستحق أن يكون كذلك، لا سيما أن القصيدة في غاية الثراء الإبداعي والعمق الشعري والتعددية الثقافية التي يمتلكها الحيدر الشاعر، ويكفي ذلك تحقيقها رقمًا قياسيًا لم يسبق من قبل في تاريخ الإبداع السعودي والخليجي وربما العربي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مكانة من قيلت في شخصه وقوتها وقدرة الشاعر في توظيف وغزارة مفرداتها بعمق شعري كبير».
وعن قراءاته يقول البطران: «تتعدد قراءات المبدع وتتنوع في مجالات كثيرة وقد تتقلص كألوان الطيف. نعم تعددت قراءاتي هذا العام وشملت عدة مجالات لا سيما الإبداعية منها، وخصوصًا الأعمال الروائية، سواء العربية منها أو المترجمة، ولعل آخر رواية انتهيت من قراءتها قبل كتابة هذه المشاركة هي رواية (حرمة) للكاتب اليمني علي المقري، وحقًا إنها رواية تستحق القراءة كونها إبداعًا يمنيًا متين التكنيك ويعالج قضايا جوهرية، وقد قرأت قبلها عشرات الكتب والروايات وقبلها مباشرة رواية (الغابة النرويجية) للياباني هاروكي موراكامي وهو روائي عالمي كبير».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».