مواعيد ثقافية وحصاد جوائز أدبية.. ورحيل رموز في الفكر والفن

أحداث ثقافية طبعت سنة 2016 في المغرب

من مهرجان «كناوة وموسيقى العالم» - سعيد يقطين.. جائزة الشيخ زايد للكتاب - شهد هذا العام رحيل المخرج المسرحي الطيب الصديقي
من مهرجان «كناوة وموسيقى العالم» - سعيد يقطين.. جائزة الشيخ زايد للكتاب - شهد هذا العام رحيل المخرج المسرحي الطيب الصديقي
TT

مواعيد ثقافية وحصاد جوائز أدبية.. ورحيل رموز في الفكر والفن

من مهرجان «كناوة وموسيقى العالم» - سعيد يقطين.. جائزة الشيخ زايد للكتاب - شهد هذا العام رحيل المخرج المسرحي الطيب الصديقي
من مهرجان «كناوة وموسيقى العالم» - سعيد يقطين.. جائزة الشيخ زايد للكتاب - شهد هذا العام رحيل المخرج المسرحي الطيب الصديقي

تواصل سنة 2016، من خلال المهرجانات الدولية والتظاهرات الكبرى ذات التوجه الأدبي والفني، التي نظمت بمختلف جهات المملكة، تكريس صورة التنوع الذي يسم الممارسة الثقافية في المغرب؛ فيما أعطت الجوائز التي حصل عليها عدد من الأدباء المغاربة، داخل وخارج المغرب، صورة عن الدينامية التي تتوج للمنجز الثقافي المغربي، وتعطيه حضورًا إقليميًا ودوليًا.
وبقدر ما نقلت التظاهرات الثقافية المنظمة على مدى شهور السنة، من جهة، وتميز عدد من المثقفين المغاربة على الساحتين العربية والدولية، من جهة ثانية، صورة عن دينامية مغرب متنوع وغني بثقافته ومثقفيه، فقد أبت السنة، التي يتهيأ العالم لتوديعها، إلا أن تترك حزنًا في النفوس، بعد رحيل عدد من رموز الأدب والفن.

مهرجانات دولية
خلال 2016، نظمت بعدد من المدن المغربية مهرجانات ذات صيت عربي وعالمي. ففي «أصيلة»، نظم «موسم أصيلة الثقافي الدولي» فعاليات دورته الـ38، ما بين 12 إلى 28 يوليو (تموز) الماضي. وتضمن برنامج الدورة ندوات ولقاءات ذات توجه سياسي وفكري وأدبي، ضمن فعاليات الدورة الـ31 لجامعة المعتمد بن عباد، تناولت مواضيع «الوحدة الترابية والأمن الوطني: أي مآل لأفريقيا؟» و«الحكامة ومنظمات المجتمع المدني» و«النخب العربية والإسلامية: الدين والدولة» و«الرواية العربية وآفاق الكتابة الرقمية»، و«خيمة الإبداع» التي خصصت لتكريم الشاعر محمد بنيس، مع تنظيم حفل تسليم «جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها السادسة، التي فاز بها الروائي التونسي حسونة المصباحي، علاوة على شواغل للفنون التشكيلية والنحت والحفر والصباغة وكتابة وإبداع الطفل، وجداريات ومعارض ومرسمًا وورشة في موضوع الحفاظ على التراث العمراني، وعروضًا غنائية وموسيقية.
وفي مدينة مراكش، توج المهرجان الدولي للفيلم، في دورته السادسة عشرة، التي نظمت مابين 2 و10 ديسمبر (كانون الأول) الفيلم الصيني «المتبرع»، لمخرجه زون كيوو، بالجائزة الكبرى للمهرجان. فيما عادت جائزة لجنة التحكيم للفيلم النمساوي الإيطالي المشترك «مستر إنفيرسو»، للمخرجين تيزا كوفي ورينرفريميل؛ وذهبت جائزة أحسن إخراج للصيني وانغ كسييبو، عن فيلمه «سكين في مياه صافية». وعلى مستوى التشخيص، فازت الممثلة فارشته حسيني بجائزة أحسن ممثلة، عن دورها في الفيلم الأفغاني الإيراني المشترك «رحيل»، لمخرجه نويد محمودي؛ فيما فاز بجائزة أحسن ممثل، مناصفة، كل من بالدور إينارسن وبلاير هينيريكسن، عن دوريهما في الفيلم الدنماركي الآيسلندي المشترك «قلب من حجر»، لمخرجه كودموندور أرناركو دموندسون.
وترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، التي عرفت تنافس 14 فيلمًا، المخرج المجري بيلا تار. وتضمن برنامج التظاهرة، التي خيم عليها غياب الأفلام المغربية عن المسابقة الرسمية، وحضورها الضعيف في باقي فقرات التظاهرة، فضلاً عن الحضور العربي والأفريقي الضعيف، سينمائيين وأفلامًا، تكريم ذكرى كل من المخرج الإيراني عباس كياروستامي والمخرج المغربي عبد الله المصباحي. كما تم تكريم المخرج الياباني شيناتسوكاموتو والمخرج الهولندي بول فيرهوفن والممثل المغربي عبد الرحيم التونسي، المشهور بلقب «عبد الرؤوف»، والممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني، فضلاً عن تكريم السينما الروسية بعرض 30 فيلمًا، في حضور وفد روسي مكون من 20 سينمائيًا، قادهم المخرج ورئيس مؤسسة «موسفيلم» كارين شخنازاروف.
وواصلت مدينة الصويرة احتضانها لمهرجاناتها الثلاثة: «كناوة وموسيقى العالم» و«أندلسيات أطلسية» و«ربيع الموسيقى الكلاسيكية». وفيما ركز مهرجان «ربيع الموسيقى الكلاسيكية»، في دورته السادسة عشرة، التي نظمت مابين 28 أبريل (نيسان) والفاتح من مايو (أيار) الماضيين، على أساتذة ومدرسة فيينا التي اشتهرت بكونها عاصمة الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، التي انكشف فيها المشوار الفني لهايدن وموزارت وبيتهوفن وشوبرت، اقترح مهرجان «الأندلسيات الأطلسية» على جمهوره، في دورته 13، التي نظمت مابين 27 و30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لحظات للتفكير والنقاش وفقرات فنية تشترك في الأداء الراقي، أداها فنانون مغاربة، مسلمون ويهود، تأكيدًا لتنوع وتعايش ميز تاريخ المغرب منذ غابر القرون.
من جهتها، تميزت فعاليات «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ19، التي نظمت مابين 12 و15 مايو الماضي، بتنوع وغنى على مستوى البرنامج، الذي جمع عروض الموسيقى، على منصات الحفلات، بفضيلة الحوار في المنتدى، الذي نظم في دورته الخامسة، في موضوع «الدياسبورا» الأفريقية، بمشاركة باحثين ومختصين ومهتمين بالشأن الأفريقي، من المغرب والخارج، توزعتها أربعة محاور، شملت «الحركيات» و«المعرفة» و«النوع الاجتماعي» و«الثقافة».
وعرفت الدورة حضورًا جماهيريًا فاق توقعات المنظمين، الذين برمجوا ما يفوق 30 حفلا موسيقيًا، على مدى أربعة أيام، بمشاركة 300 فنانًا. كما أبرزت الدورة، على المستوى الفني، قيمة المزج والجمع بين أشكال فنية تقليدية، ك«كناوة» و«حمادشة» و«عيساوة»، أو عصرية كـ«الجاز» والبلوز» و«الروك» و«الفلامنغو».
وفي مدينة فاس، واصل مهرجان الموسيقى العالمية العريقة مسيرته، فخصص دورته الـ22، التي نظمت مابين 6 و14 مايو، لـ«النساء المشيدات»، تعبيرًا عن «ثيمة مستمدة من حياة وأعمال هؤلاء النساء اللواتي تركن بصماتهن في التاريخ، على غرار فاطمة الفهرية التي يعود إليها الفضل في تشييد مسجد وجامعة القرويين، وقريناتها من النساء البارزات في العالم». فيما سعى «منتدى فاس» إلى «إضفاء الروح على العولمة»، بمشاركة نخبة من أبرز المفكرين والمثقفين، في حوار حول المرأة والأنوثة والنسوية والمعارك والرهانات الاجتماعية المتفرعة عنها. وفي مدينة الرباط، واصل مهرجان «موازين.. إيقاعات العالم» استقطاب أبرز نجوم الغناء في العالم، حيث تابع مئات الآلاف، ما بين 20 و28 مايو، حفلات فنانين مغاربة، عرب وغربيين، بينهم نجمة البوب الأميركية، كريستينا أغيليرا وقيصر الغناء العربي، الفنان العراقي كاظم الساهر. وأعلنت «جمعية مغرب الثقافات» أن الدورة الـ15 حققت حضورًا جماهيريًا قياسيًا تجاوز 2,6 مليون متفرج، الشيء الذي جعل منه، حسب المنظمين، «لقاء ثقافيًا جديرًا بمغرب يطمح إلى العالمية في كل مبادراته وتجلياته، مع تعلقه السرمدي بتراثه الحافل بالمفاخر».

معرض النشر والكتاب
احتضنت مدينة الدار البيضاء، ما بين 11 و21 فبراير (شباط)، الدورة 22 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، التي استضافت دولة الإمارات العربية المتحدة كـ«ضيف شرف»، بمشاركة 686 عارضًا، من 44 دولة، حيث قدم العارضون رصيدًا وثائقيًا فاق 100 ألف عنوان، 68 في المائة منها باللغة العربية.
وبموازاة ذلك، شهدت الدورة تنظيم برنامج ثقافي ناهزت فقراته 677 نشاطًا، تضمنت 302 ندوة ولقاء، و340 توقيعًا، و35 فقرة شهدها فضاء الطفل، فيما قدر المنظمون عدد زوار الدورة بـ370 ألفًا. كما عرفت الدورة تسليم «جائزة الأركانة العالمية للشعر»، في دورتها العاشرة، التي ذهبت إلى الشاعر الألماني فولكر. وبرر «بيت الشعر في المغرب» منح الجائزة للشاعر الألماني بعدة اعتبارات، بينها أنه «ظلّ وفيًا على مدى نصف قرن لجوهر الشعر، بكتابةِ قصيدةٍ مُتفاعلة مع زَمنها، مُنتصرَة للأمل، تبثّ شعاعه، بحثًا عن التوازن داخل عالم مُهتزّ».

جوائز تميز
وفي هذا العام، حصل عدد من الأدباء المغاربة على جوائز أدبية هامة، خارج المغرب، علاوة على «جائزة المغرب للكتاب». ففي فئة النقد، ضمن جائزة «كتارا» القطرية، توج أربعة نقاد مغاربة من أصل خمسة فائزين عرب، وهم الناقدة والنقاد زهور كرام وإبراهيم الحجري وحسن المودن ومحمد بو عزة، فيما فاز بالجائزة أيضًا، الروائي المغربي مصطفى الحمداوي، المقيم بهولندا، ضمن فئة «الرواية غير المنشورة»، كما فاز الدكتور محمد مفتاح بجائزة الملك فيصل العالمية للغة العربية والأدب العربي، مناصفة مع الباحث المصري محمد عبد المطلب. واعتبر فوز الناقد والسيميائي المغربي، الذي أغنى المكتبة المغربية والعربية بأعمال تحليلية مهمة، موجّها إلى الثقافة المغربية باعتباره من رموزها الديناميكية.
وحصل الكاتب والناقد سعيد يقطين على جائزة الشيخ زايد للكتاب، في صنف «الفنون والدراسات النقدية»، عن كتابه «الفكر الأدبي العربي: البنيات والأنساق»، الذي انشغل فيه بـ«تأسيس مفهوم الفكر الأدبي العربي الذي يجمع بين التنظير والتطبيق».
وفاز الباحث خالد التوزاني بـ«جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة»، التي تمنحها «دارة السويدي»، في أبوظبي، سنويًا، في فرع «الدراسات»، عن كتابه «الرحلة وفتنة العجيب.. بين الكتابة والتلقي».
وخارج جغرافية الجوائز العربية، فازت الروائية ليلى السليماني بجائزة «غونكور»، التي تعتبر أرقى الجوائز الأدبية الفرانكفونية، وذلك عن روايتها «أغنية هادئة». وبفوزها، تصبح السليماني، ثاني كاتب مغربي ينال هذه الجائزة الرفيعة، بعد الطاهر بنجلون الذي نال الجائزة نفسها سنة 1987.
وعلى مستوى الداخل، عرفت دورة هذه السنة من «جائزة المغرب للكتاب»، التي ترأس لجنتها الدكتور نور الدين أفاية، تنافس 175 كتابًا، في الأصناف الثمانية المقترحة، حيث ذهبت جائزة «السرديات» لطارق بكاري عن روايته «نوميديا»؛ وجائزة «الشعر» لعبد الكريم الطبال عن ديوانه «نمنمات»؛ وجائزة «العلوم الإنسانية» (مناصفة) لمحمد جبرون عن كتابه «نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره» ومحمد سرو عن كتابه «النظر والتجريد في الطب الأندلسي بين ابن رشد وابن زهر»؛ وجائزة «العلوم الإنسانية» لمحمد العيادي؛ وجائزة «الترجمة» (مناصفة) لرجاء بومدين عن ترجمة «مجنون الورد» لمحمد شكري إلى الإسبانية وخالد بن الصغير عن كتابه «يهود المغرب وحديث الذاكرة»؛ فيما ذهبت جائزة «الدراسات الأدبية واللغوية والفنية» لعبد الرزاق الترابي عن كتابه «صرف - تركيب اللغة العربية».

رحيل الرموز
لم تمر سنة 2016 من دون أن تترك في نفوس مثقفي وأدباء وفناني المغرب، بشكل خاص، والجمهور المغربي، بشكل عام، حزنًا كبيرًا على رحيل عدد من رموز الفكر والأدب والفن في البلد، لعل أشهرهم الفنان المسرحي الكبير الطيب الصديقي، والموسيقار المتميز سعيد الشرايبي، والملحن العربي الكواكبي، أحد رواد الأغنية المغربية، والفنان موحى والحسين أشيبان المعروف بـ«المايسترو»، الذي ساهم في إشعاع فن «أحيدوس» الشعبي، والفنان عبد اللطيف الزين، أحد رموز الفن التشكيلي المغربي، فضلاً عن الفنانة الفوتوغرافية ليلى العلوي، التي غيبها الموت عن سن الثالثة والثلاثين، إثر الجروح التي أصيبت بها خلال هجوم إرهابي تعرضت له العاصمة البوركينابية واغادوغو.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».