بيروت منصة عربية للتشكيل والتصميم والمسرح عام 2016

الفنون البصرية واقتصاد المعرفة لهما الأولوية في لبنان

عرض كركلا في الذكرى الستين لمهرجانات بعلبك
عرض كركلا في الذكرى الستين لمهرجانات بعلبك
TT

بيروت منصة عربية للتشكيل والتصميم والمسرح عام 2016

عرض كركلا في الذكرى الستين لمهرجانات بعلبك
عرض كركلا في الذكرى الستين لمهرجانات بعلبك

إنها سنة الفنون البصرية على اختلافها. لعله المزاج العام الذي سيستمر لسنوات كثيرة مقبلة، على حساب الورقي المقروء والكلاسيكي بشكل عام، الذي يبدو أنه صار في نهاية القائمة.
«معرض بيروت للكتاب»، مع نهاية السنة، أحيا عيده الستين، وجمع حوله المحتفلين بكثافة، لكن الناشرين كعادتهم، غير راضين، عن مبيع ضحل، ومردودات زهيدة، لا تصل إلى الحد الأدنى، إلا في حفلات التوقيع التي تأخذ طابع المجاملة لا الإقبال الجاد والذاتي على المؤلفات. في المقابل، كل مرأيّ ومسلٍ يتعزز حضوره، بصرف النظر عن مستوى النتاجات أو كيف يمكن أن نقيمها، فإن السينما تعود بقوة، والأفلام اللبنانية صارت دائمة ومرحبًا بها في الصالات، بعد أن كانت بضاعة كاسدة. من «يلاّ عقبالكن شباب» الذي جاء كجزء ثانٍ لفيلم «يلاّ عقبالكن» الذي عرض العام الماضي، إلى «كاش فلو2» الذي يكمل «كاش فلو1»، وكأنما الفيلم الواحد لم يعد يكفي، لتُكمله أجزاء أخرى. خلطة لمعالجة المشكلات الاجتماعية بطابع درامي كوميدي، خفيف ظريف ومسلٍ، تجعل الإقبال أفضل والمنتجين سعداء ببيع التذاكر. «لأني بحبك»، أو «ولكم تو ليبانون»، وكذلك «بالحلال» عناوين لأفلام وجد فيها المتفرج يومياته بنوادرها وصعوباتها بقالب جذاب. حتى مسرحيات زياد الرحباني القديمة ينتظرها الجمهور وهي مصورة على شرائط، وتعرض أمام المتفرج، بنسخة مغبرة وصوت تآكله الزمن. افتتح العام بمسرحية/ فيلم «بالنسبة لبكرا شو»، وكانت حدثًا ثقافيًا حرص كثيرون على ألا يفوتهم. فهذا الأرشيف الرحباني كاد يذهب من بين يدي الجميع، وها هو يظهر من جديد. وقبل نهاية السنة ظهر تسجيل «فيلم أميركي طويل» ليستكمل هذه الاستعادة الأرشيفية الثمينة. السينما اللبنانية تعود قوية لا لروعة نتاجاتها، وإنما للطلب عليها، وكذلك المسرح الذين كان الظن أنه يغلق أبوابه وإلى الأبد، بعد أن أعلن عن نهاية حزينة لـ«مسرح بيروت» وهو الأقدم، في العاصمة وخفتت حركة الجمهور على المسارح المفتوحة، وبدا كأنها في طريقها إلى الأفول التام. وبدل أن تغلق هذه الصالات افتتحت أخرى جديدة. في الأعوام الأخيرة، صار «مترو المدينة» الملاصق لـ«مسرح المدينة» وكذلك «مسرح فردان» الذي افتتح حديثًا من بين الأكثر حيوية. الإقبال والحماسة يجعلان العمل على المسرح يستمر لأشهر، بعد أن كانت أيام قليلة هي عمر أي عمل، ومهما كانت أهميته. «أسرار الست بديعة» أداء ندى أبو فرحات وتأليف وإخراج جيرار أفيديسان، عمرت لأشهر، «اسمي جوليا» تأليف وإخراج يحيى جابر وتمثيل أنجو ريحان لاقت ترحابًا أيضًا. يحيى جابر تمكن من إحراز اختراق وتحول إلى ظاهرة بالفعل. إضافة إلى «اسمي جوليا» قدم مسرحيته (تأليفًا وإخراجًا) «بيروت طريق الجديدة» على مدى 3 سنوات وبالتزامن معها مسرحية ثانية هي «بيروت فوق الشجرة» لأكثر من 8 أشهر، وها هو جابر يصل بنا إلى ثلاثية مسرحياته البيروتية مع «بيروت بيت بيوت» برفقة ممثله الصامد إلى جانبه زياد عيتاني بعد أن رافقه في المسرحيتين السابقتين أيضًا. يحيى جابر ليس وحده من يلفت النظر، بل هناك الفنان جورج خبّاز أيضًا، الذي يقدم مسرحًا شبه يومي، وله جمهور لا يخلف الميعاد، رغم أن البعض لا يريد أن يرى ويعترف.
نضال الأشقر احتفلت هذه السنة وعلى مدى 12 يومًا، بمرور 20 سنة على افتتاح «مسرح المدينة»، ونظمت برنامجًا يوميًا، جمع عشرات الفنانين اللبنانيين، وخصوصًا المسرحيين منهم، من خلال أعمال تقدّم للمرة الأولى. حضر فؤاد نعيم بعد غياب بمسرحية «الملك يموت» ليوجين يونسكو وأتى ربيع مروة من ألمانيا، كما جاء عصام بوخالد من مكان عمله في قطر. هؤلاء وغيرهم ممن كانوا منارات على خشبة هذا المسرح التجريبي طوال عقدين، احتفلوا معًا وسط جمهور حاشد، لم يرد أن يفوت الفرصة. وفي نهاية العام حمل روجيه عساف على كتفيه «الملك لير» مقدمًا شكسبير، بالعامية اللبنانية وفضول المتفرجين لم يكن قليلاً أيضًا.
العودة إلى البصري تتجلى كذلك في «بيروت أرت فير» الذي أحيا دورته السابعة، وتعتبر رئيسته لور دوتفيل، أنه قصة نجاح لها ما يبررها، وأن بيروت تثبت لمرة جديدة، أنها مكان للإبداع التشكيلي والتفاعل مع الابتكارات، أكثر من أي مدينة عربية أخرى مجاورة، نظرًا لتاريخ فنانيها القديم في الهجرة والسعي إلى التعرف على نتاجات أوروبا وأميركا. تجربة «معرض بيروت للفن» شجعت شريك دوتفيل غيوم تاليه داليان على السعي من أجل معرض شقيق للتشكيل هو «معرض بيروت للتصميم»، الذي سيزاوج بين المحلي والعالمي، في خلطة تشبه تلك التي اتبعت في «بيروت أرت فير». وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الآمال لتعزيز السياحة الثقافية. الفرنسيان دوتفيل وتاليه داليان يعتبران بيروت منصة المنطقة لفني التشكيل والتصميم، خصوصًا أن الخريجين في الكليات المتخصصة كثر وبينهم موهوبون يستطيعون حمل المهمة على أكتافهم.
المواعيد السنوية من معرض الكتاب الفرنسي إلى العربي، وكذلك المهرجانات الصيفية والشتوية، إضافة إلى «مهرجان بيروت للرقص المعاصر»، مستمرة.
وربما أن الحدث الأبرز الذي لم ينتبه له كثيرون من المثقفين والعاملين في المجال الفني، هو اللقاء الضخم الذي نظمه «مصرف لبنان» للمهتمين في مجال اقتصاد المعرفة، حيث التقى آلاف الشباب اللبناني بعشرات المخترعين والمبتكرين من بينهم أحد مؤسسي شركة «أبل» ستيف وازنياك، الذي كان وجوده في لبنان والمنطقة العربية بمثابة حلم تحقق لكثيرين، واللبناني الأصل طوني فاضل أحد مبتكري «الآيبود». هذه المناسبة التي نظر إليها على أنها تكنولوجية بحتة، استقطبت الشباب اللبناني من كل المناطق وعلى مدى أيام. حتى الصغار جاءوا يبحثون عن الجديد في عالم الاكتشافات والخوارزميات واستعان المنظمون بالموسيقى والغناء لجلب من لم تكن التقنيات له يومًا هوى واهتمامًا. «اقتصاد المعرفة» جزء من عالم التصميم والصحافة والكتابة الجديدة والفن التشكيلي والمسرح، لذلك ربما كان المثقفون والكتّاب هم الحاضر الغائب في هذا الاجتماع الضخم لصانعي الغد.
بيروت، لا بل لبنان كله عاش عام 2016 على وقع مختلف أشكال الفنون والابتكارات، وينتظر مزيدًا من الأمن والاستقرار لتعزيز حضور اشتاقه، بعد خفوت دام سنوات.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.