اختيارات موفقة وقصور في فهم الجملة الشعرية

دراسات وقصائد لوليم بتلر ييتس بترجمة عربية

آيرلندا وأساطيرها ملهمة ييتس الأولى
آيرلندا وأساطيرها ملهمة ييتس الأولى
TT

اختيارات موفقة وقصور في فهم الجملة الشعرية

آيرلندا وأساطيرها ملهمة ييتس الأولى
آيرلندا وأساطيرها ملهمة ييتس الأولى

صدرَ عن «دار المدى» كتاب «العنف والنبوءة» لوليم بتلر ييتس، ترجمة ياسين طه حافظ. يضمّ الكتاب دراستين نقديتين اختارهما المترجم بنفسه، الأولى تحمل عنوان «العنف والنبوءة» التي أخذها من كتاب «و.ب. ييتس: شعره وفكره» للناقدة أ. ج. ستوك، والثانية دراسة لنورمن جيفرز عن «البرج» وهي مُستلّة من كتابه «و.ب. ييتس إنسانًا وشاعرًا»، كما انتقى حافظ 42 قصيدة من تسع مجموعات شعرية لييتس وهي «الوردة» و«الغابات السبع» و«مسؤوليات» و«البجعات البرية في كول» و«البرج» و«السلّم اللولبي وقصائد أخرى» و«مايكل روبارتس والراقصة» و«قمر مكتمل في آذار» و«قصائد أخيرة». ولعل القارئ الكريم يتساءل عن سبب هذا التشتّت الذي يجمع بين دراستين نقديتين وقصائد منتقاة من تسع مجموعات شعرية! لن يتأخر المتلقي في الحصول على الإجابة السريعة التي يجدها مُجسّدة في الفِقرة الأولى من التمهيد المُقتضَب للكتاب بأنّ ييتس «من أكثر الشعراء افتقادًا لمزاياهم حين يُترجمون إلى لغة أخرى، فقصيدته قائمة أصلاً على هذا التوازن العجيب بين الفكرة والعبارة. وعندما يختل التوازن، تختل القصيدة كلها». لا يجد المُترجم حرجًا في الإفصاح عن حيرته، والتعبير عن قصوره في فهم بعض الصور الشعرية التي يتراسل فيها المعنى بالمبنى حيث يقول: «مُحيّر ييتس في الترجمة، فحين أكون حرفيًا في ترجمة بعض عباراته، أخلّ بسِحر العبارة، وحين أريد لها تعبيرًا شعريًا أجمل، يحتجُّ علي المعنى». بكلمات موجزة أن المترجم لا يحيط بعملية التناضح بين الشكل والمضمون في جملة ييتس الشعرية. ولهذا السبب الوجيه تخلى عن ترجمة كثير من قصائده خشية أن يلحق بها ضررًا كبيرًا فلا غرابة أن يترك أمر القصائد المستعصيّة على الترجمة إلى الأساتذة من ذوي الاختصاص الذين يفكّون أسرار الكلام مهما تعددت مستوياته، وتعقّدت تراكيبه الشكلانية والمضمونية، فهدف المُترجم هو «التعريف بهذا الشاعر الكبير» وكأنّ القرّاء العرب يجهلون تمامًا شاعرًا فذًّا، وكاتبًا مسرحيًا مشهورًا اسمه وليم بتلر ييتس حصل على جائزة نوبل عام 1923. كما أن شعره يُدرّس في الجامعات العراقية والعربية منذ سنوات طوال.
اختار المترجم خمس قصائد من مجموعة «الوردة» الصادرة عام1893 وهي اختيارات موفقة جدًا لكن القارئ لم يعرف شيئا عن المرأة التي يخاطبها الشاعر، وكان حريًا بالمترجم أن يضع هامشًا يوضّح فيه أهمية هذه المرأة ودورها الكبير في حياة الشاعر. فالمعروف عن ييتس أنه وقع في حُب مود غَنّ Maud Gonne الثائرة، والممثلة، وزعيمة حركة الاستقلال الآيرلندية لكنها رفضت هذا الحُب ولم تستجب لمشاعر ييتس الجيّاشة لسبب غريب مفاده أنّ وطنيته لم تكن قوية بما فيه الكفاية، وأنه لم يكن شخصًا عنيفًا، بل على العكس كان يستهجن الكراهية، وينتقد بشدّة التعصب الأعمى لحركته القومية الأمر الذي دفع «غَنّ» لمجافاته، ورفض عروضه المتعددة للزواج منها.
لا بد من الإشارة إلى أنّ «الوردة» هي من المجموعات الشعرية المهمة التي تعكس اهتمام ييتس بالأساطير والخرافات الآيرلندية القديمة. ففي قصيدة «وردة العالم» التي تتمحور حول جَمال «مود غَنّ» الخالد، ثمة إشارة إلى «حرب طروادة» و«أطفال أوسنا» وليس «الأوسنا» كما ترجمها حافظ، فـ«أوسنا» في الأسطورة الآيرلندية هو اسم والد الفتيان الذين ساعدوا «ديردري» على الهروب من آيرلندا قبل أن يجدها «كونجبار»، ملك أولستر ويجبرها على الزواج منه. يفنِّد ييتس في هذه القصيدة الكليشه القائلة بأنّ «الجمال يمرّ كالحلم»، وهو يلمّح إلى أن الجمال الأبدي لمود غنّ قادر على إحداث الدمار الذي أوقعته حرب طروادة أو موت أطفال أوسنا، فلا غرابة أن ينحني كبار الملائكة أمام هذا الجمال الثابت الذي لا يتغيّر مهما تقادمت الأعوام.
لا يمكن أن نحلل ثيمات قصائد هذه المجموعة برمتها لكننا سنتوقف عند بعض الموضوعات الرئيسية التي شغلت الشاعر وعالجها عبر مراحل تطوره الشعري وصولاً إلى نمط القصيدة الحداثية التي بدأ يكتبها في الثلث الأخير من حياته كما هو الحال في «البُرج» و«السلّم اللولبي» و«قصائد أخيرة».
تنطوي غالبية قصائد «الوردة» على أبعاد رمزية، ووردة هذه المجموعة الشعرية هي من دون شك مود غَنّ مثلما هي «آيرلندا» نفسها التي تعني في المثيولوجيا الآيرلندية القديمة «الوردة السوداء».
تعتمد قصيدة «الكونتيسة كاثلين» في بنيتها الشعرية العميقة على أسطورة هذه الكونتسية التي باعت كل ممتلكاتها ووزعت الأموال على الناس الجائعين كي لا يبيعوا أرواحهم للشيطان. أما القصيدة الأخيرة التي انتقاها المترجم من هذا الديوان فهي «حين تكونين عجوزًا» التي يؤكِّد فيها الشاعر أنّ الحُب الحقيقي لا يقترن بمرحلة الشباب فقط، وإنما يجب أن يمتد إلى مرحلة الشيخوخة لأنه أبعد غورًا، وأكثر ديمومة.
وقع اختيار المترجم على قصيدتين من ديوان «الغابات السبع» وهما «لعنة آدم» و«أغنية هانراهان الأحمر عن آيرلندا». تنتمي القصيدة الأولى إلى المرحلة الثانية من تقنية ييتس الشعرية التي تفادى فيها المفاهيم الرومانسية السابقة، كما استعمل لغة شعرية متقشفة تذكِّرنا بأسلوب الشاعر البريطاني وولتر سافيج لاندور صاحب الكتاب النثري المعروف «محادثات خيالية». جدير بالذكر أن «لعنة آدم» قصيدة خماسية التفاعيل يروي فيها الشاعر لقاءه مع مود غنّ وأختها كاثلين.
تتسم قصيدة «البجعات البرية في كول» بهيمنة الصور الجميلة المؤثرة فقد كتبها الشاعر بعد أن رأى في غسق خريفي 59 بجعة برية تلهو على سطح بحيرة «كول بارك» التي تملكها الليدي أوغستا غريغوري. حينما طارت البجعات كلها في السماء، كان المشهد مثيرًا ومخزيا في آنٍ معا حيث شعر الراوي بثقل الكآبة ووطأة الزمن الذي تبدد في لمح البصر.
تدور غالبية قصائد هذا الديوان حول الحرب العالمية الأولى ولعل قصيدة «طيّار آيرلندي يتنبأ بموته» هي من أكثر قصائد هذه المجموعة إشكالية، فالطيار الآيرلندي لا يكره الألمان الذين يحاربهم، ولا يحب البريطانيين الذين يحميهم، وأكثر من ذلك فهو لا يشعر بأنه بريطاني أو آيرلندي، وإنما هو مواطن من قرية «كروس كلتارتن»، وليس «صليب كلتارتن» كما اعتقد المترجم، فهي قرية معروفة في غرب آيرلندا وقد عاشت فيها السيدة غريغوري، والطيار الذي فُقِد في الحرب العالمية الأولى هو ابنها. لم يُوفَق حافظ في ترجمة البيتين الأخيرين من هذه القصيدة:
The years to come
seemed waste of breath
A waste of breath
the years behind
In balance with
this life this death
«حيث صاغهما بالشكل الآتي: (فإذا الحياة القادمة تبدو خامدة - وهي موت مقابل هذي الحياة). إن عبارة A waste of breath لا تعني «خامدة» أو «ميتة» كما ترجمها آخرون أيضًا وإنما تعني «سُدى» أو «عبثًا» أو «هدرا» ولعل المعنى يستقيم أكثر إذا قلنا: «تبدو سنواتي القادمة عبثًا - وسُدى هي حياتي الماضية».
كان الأحرى بالمترجم ياسين طه حافظ أن يعزز هذا الكتاب بمقدمة وافية تسلّط الضوء على ثيمات القصائد والتقنيات التي استعملها ييتس في كتابة نصوصه الشعرية. كما أنّ القارئ العربي بحاجة ماسّة إلى الهوامش التي تعرِّفه بالإشارات والوقائع والأساطير التي تزخر بها مجموعات ييتس الشعرية وهي متوفرة في الطبعات الإنجليزية القديمة والجديدة على حد سواء.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.