اختيارات موفقة وقصور في فهم الجملة الشعرية

اختيارات موفقة وقصور في فهم الجملة الشعرية

دراسات وقصائد لوليم بتلر ييتس بترجمة عربية
الأحد - 26 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 25 ديسمبر 2016 مـ

صدرَ عن «دار المدى» كتاب «العنف والنبوءة» لوليم بتلر ييتس، ترجمة ياسين طه حافظ. يضمّ الكتاب دراستين نقديتين اختارهما المترجم بنفسه، الأولى تحمل عنوان «العنف والنبوءة» التي أخذها من كتاب «و.ب. ييتس: شعره وفكره» للناقدة أ. ج. ستوك، والثانية دراسة لنورمن جيفرز عن «البرج» وهي مُستلّة من كتابه «و.ب. ييتس إنسانًا وشاعرًا»، كما انتقى حافظ 42 قصيدة من تسع مجموعات شعرية لييتس وهي «الوردة» و«الغابات السبع» و«مسؤوليات» و«البجعات البرية في كول» و«البرج» و«السلّم اللولبي وقصائد أخرى» و«مايكل روبارتس والراقصة» و«قمر مكتمل في آذار» و«قصائد أخيرة». ولعل القارئ الكريم يتساءل عن سبب هذا التشتّت الذي يجمع بين دراستين نقديتين وقصائد منتقاة من تسع مجموعات شعرية! لن يتأخر المتلقي في الحصول على الإجابة السريعة التي يجدها مُجسّدة في الفِقرة الأولى من التمهيد المُقتضَب للكتاب بأنّ ييتس «من أكثر الشعراء افتقادًا لمزاياهم حين يُترجمون إلى لغة أخرى، فقصيدته قائمة أصلاً على هذا التوازن العجيب بين الفكرة والعبارة. وعندما يختل التوازن، تختل القصيدة كلها». لا يجد المُترجم حرجًا في الإفصاح عن حيرته، والتعبير عن قصوره في فهم بعض الصور الشعرية التي يتراسل فيها المعنى بالمبنى حيث يقول: «مُحيّر ييتس في الترجمة، فحين أكون حرفيًا في ترجمة بعض عباراته، أخلّ بسِحر العبارة، وحين أريد لها تعبيرًا شعريًا أجمل، يحتجُّ علي المعنى». بكلمات موجزة أن المترجم لا يحيط بعملية التناضح بين الشكل والمضمون في جملة ييتس الشعرية. ولهذا السبب الوجيه تخلى عن ترجمة كثير من قصائده خشية أن يلحق بها ضررًا كبيرًا فلا غرابة أن يترك أمر القصائد المستعصيّة على الترجمة إلى الأساتذة من ذوي الاختصاص الذين يفكّون أسرار الكلام مهما تعددت مستوياته، وتعقّدت تراكيبه الشكلانية والمضمونية، فهدف المُترجم هو «التعريف بهذا الشاعر الكبير» وكأنّ القرّاء العرب يجهلون تمامًا شاعرًا فذًّا، وكاتبًا مسرحيًا مشهورًا اسمه وليم بتلر ييتس حصل على جائزة نوبل عام 1923. كما أن شعره يُدرّس في الجامعات العراقية والعربية منذ سنوات طوال.

اختار المترجم خمس قصائد من مجموعة «الوردة» الصادرة عام1893 وهي اختيارات موفقة جدًا لكن القارئ لم يعرف شيئا عن المرأة التي يخاطبها الشاعر، وكان حريًا بالمترجم أن يضع هامشًا يوضّح فيه أهمية هذه المرأة ودورها الكبير في حياة الشاعر. فالمعروف عن ييتس أنه وقع في حُب مود غَنّ Maud Gonne الثائرة، والممثلة، وزعيمة حركة الاستقلال الآيرلندية لكنها رفضت هذا الحُب ولم تستجب لمشاعر ييتس الجيّاشة لسبب غريب مفاده أنّ وطنيته لم تكن قوية بما فيه الكفاية، وأنه لم يكن شخصًا عنيفًا، بل على العكس كان يستهجن الكراهية، وينتقد بشدّة التعصب الأعمى لحركته القومية الأمر الذي دفع «غَنّ» لمجافاته، ورفض عروضه المتعددة للزواج منها.

لا بد من الإشارة إلى أنّ «الوردة» هي من المجموعات الشعرية المهمة التي تعكس اهتمام ييتس بالأساطير والخرافات الآيرلندية القديمة. ففي قصيدة «وردة العالم» التي تتمحور حول جَمال «مود غَنّ» الخالد، ثمة إشارة إلى «حرب طروادة» و«أطفال أوسنا» وليس «الأوسنا» كما ترجمها حافظ، فـ«أوسنا» في الأسطورة الآيرلندية هو اسم والد الفتيان الذين ساعدوا «ديردري» على الهروب من آيرلندا قبل أن يجدها «كونجبار»، ملك أولستر ويجبرها على الزواج منه. يفنِّد ييتس في هذه القصيدة الكليشه القائلة بأنّ «الجمال يمرّ كالحلم»، وهو يلمّح إلى أن الجمال الأبدي لمود غنّ قادر على إحداث الدمار الذي أوقعته حرب طروادة أو موت أطفال أوسنا، فلا غرابة أن ينحني كبار الملائكة أمام هذا الجمال الثابت الذي لا يتغيّر مهما تقادمت الأعوام.

لا يمكن أن نحلل ثيمات قصائد هذه المجموعة برمتها لكننا سنتوقف عند بعض الموضوعات الرئيسية التي شغلت الشاعر وعالجها عبر مراحل تطوره الشعري وصولاً إلى نمط القصيدة الحداثية التي بدأ يكتبها في الثلث الأخير من حياته كما هو الحال في «البُرج» و«السلّم اللولبي» و«قصائد أخيرة».

تنطوي غالبية قصائد «الوردة» على أبعاد رمزية، ووردة هذه المجموعة الشعرية هي من دون شك مود غَنّ مثلما هي «آيرلندا» نفسها التي تعني في المثيولوجيا الآيرلندية القديمة «الوردة السوداء».

تعتمد قصيدة «الكونتيسة كاثلين» في بنيتها الشعرية العميقة على أسطورة هذه الكونتسية التي باعت كل ممتلكاتها ووزعت الأموال على الناس الجائعين كي لا يبيعوا أرواحهم للشيطان. أما القصيدة الأخيرة التي انتقاها المترجم من هذا الديوان فهي «حين تكونين عجوزًا» التي يؤكِّد فيها الشاعر أنّ الحُب الحقيقي لا يقترن بمرحلة الشباب فقط، وإنما يجب أن يمتد إلى مرحلة الشيخوخة لأنه أبعد غورًا، وأكثر ديمومة.

وقع اختيار المترجم على قصيدتين من ديوان «الغابات السبع» وهما «لعنة آدم» و«أغنية هانراهان الأحمر عن آيرلندا». تنتمي القصيدة الأولى إلى المرحلة الثانية من تقنية ييتس الشعرية التي تفادى فيها المفاهيم الرومانسية السابقة، كما استعمل لغة شعرية متقشفة تذكِّرنا بأسلوب الشاعر البريطاني وولتر سافيج لاندور صاحب الكتاب النثري المعروف «محادثات خيالية». جدير بالذكر أن «لعنة آدم» قصيدة خماسية التفاعيل يروي فيها الشاعر لقاءه مع مود غنّ وأختها كاثلين.

تتسم قصيدة «البجعات البرية في كول» بهيمنة الصور الجميلة المؤثرة فقد كتبها الشاعر بعد أن رأى في غسق خريفي 59 بجعة برية تلهو على سطح بحيرة «كول بارك» التي تملكها الليدي أوغستا غريغوري. حينما طارت البجعات كلها في السماء، كان المشهد مثيرًا ومخزيا في آنٍ معا حيث شعر الراوي بثقل الكآبة ووطأة الزمن الذي تبدد في لمح البصر.

تدور غالبية قصائد هذا الديوان حول الحرب العالمية الأولى ولعل قصيدة «طيّار آيرلندي يتنبأ بموته» هي من أكثر قصائد هذه المجموعة إشكالية، فالطيار الآيرلندي لا يكره الألمان الذين يحاربهم، ولا يحب البريطانيين الذين يحميهم، وأكثر من ذلك فهو لا يشعر بأنه بريطاني أو آيرلندي، وإنما هو مواطن من قرية «كروس كلتارتن»، وليس «صليب كلتارتن» كما اعتقد المترجم، فهي قرية معروفة في غرب آيرلندا وقد عاشت فيها السيدة غريغوري، والطيار الذي فُقِد في الحرب العالمية الأولى هو ابنها. لم يُوفَق حافظ في ترجمة البيتين الأخيرين من هذه القصيدة:

The years to come

seemed waste of breath

A waste of breath

the years behind

In balance with

this life this death

«حيث صاغهما بالشكل الآتي: (فإذا الحياة القادمة تبدو خامدة - وهي موت مقابل هذي الحياة). إن عبارة A waste of breath لا تعني «خامدة» أو «ميتة» كما ترجمها آخرون أيضًا وإنما تعني «سُدى» أو «عبثًا» أو «هدرا» ولعل المعنى يستقيم أكثر إذا قلنا: «تبدو سنواتي القادمة عبثًا - وسُدى هي حياتي الماضية».

كان الأحرى بالمترجم ياسين طه حافظ أن يعزز هذا الكتاب بمقدمة وافية تسلّط الضوء على ثيمات القصائد والتقنيات التي استعملها ييتس في كتابة نصوصه الشعرية. كما أنّ القارئ العربي بحاجة ماسّة إلى الهوامش التي تعرِّفه بالإشارات والوقائع والأساطير التي تزخر بها مجموعات ييتس الشعرية وهي متوفرة في الطبعات الإنجليزية القديمة والجديدة على حد سواء.


اختيارات المحرر

فيديو