تعزيز القوة الضاربة النووية وأمن الحدود أولويات الجيش الروسي في 2017

التوتر بين موسكو وواشنطن ينعكس سلبًا على الرأي العام في البلدين

تعزيز القوة الضاربة النووية وأمن الحدود أولويات الجيش الروسي في 2017
TT

تعزيز القوة الضاربة النووية وأمن الحدود أولويات الجيش الروسي في 2017

تعزيز القوة الضاربة النووية وأمن الحدود أولويات الجيش الروسي في 2017

حدد فلاديمير بوتين، أمس، أولويات جيشه لعام 2017 في تعزيز القوة الضاربة النووية لروسيا، وتحديث الأسلحة، وتشديد المراقبة على الحدود، مستخلصا الدروس من التدخل العسكري في سوريا وأجواء المواجهة مع الولايات المتحدة.
وقال بوتين، أمام مئات الجنرالات والضباط في الجيش: «اليوم، أصبحنا أكثر قوة من أي معتد محتمل. أي معتد». وكان بوتين يتحدّث بعد عام أثبت خلاله بأنه اللاعب الأساسي للنزاع في سوريا بعد تدخل مقاتلاته في هذا البلد، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وتأتي توجّهات بوتين الجديدة قبل أسابيع على مغادرة باراك أوباما للبيت الأبيض، الذي «جمّد» الحوار معه بحسب الكرملين. وبات الروس ينتظرون تنصيب دونالد ترامب رئيسا في 20 يناير (كانون الثاني)، لإقامة علاقة على أسس جديدة وتبديد التوتر الذي برز في العامين الماضيين بين الدولتين على خلفية أزمة أوكرانيا والحرب في سوريا.
وقال بوتين، خلال اجتماع مع كل مسؤولي الجيش الروسي، إنه «يجب تعزيز القدرة العسكرية للقوات النووية الاستراتيجية، وقبل كل شيء بمساعدة منظومات صواريخ قادرة على اختراق أي أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ القائمة حاليا أو المقبلة»، كما نقلت عنه وسائل الإعلام الروسية.
وتخشى روسيا من أن تنشر وزارة الدفاع الأميركية في رومانيا وبولندا عناصر للدرع المضادة للصواريخ، التي تعتبر موجهة ضد قدرة الردع النووية الروسية. وتؤكد واشنطن أن هدف الدرع حماية أوروبا من تهديد إيراني محتمل.
وكان بوتين قد أعلن في يونيو (حزيران) 2015 نشر أكثر من 40 صاروخا باليستيا عابرا للقارات ضمن القوات النووية، وهي قادرة على «اختراق أنظمة الدفاع الجوية الأكثر تطورا»، ردّا على المشروع الأميركي لنشر أسلحة ثقيلة في شرق أوروبا.
وتقول واشنطن، إنها تريد طمأنة دول البلطيق ودول أخرى من أوروبا الشرقية قلقة من نيات روسيا منذ ضمها القرم في 2014، لكن موسكو تعتبر أن تعزيز وجود الحلف الأطلسي عند حدودها تهديدا لها.
واتهم بوتين في يونيو حلف شمال الأطلسي بالسعي لجر بلاده إلى سباق «مجنون» للتسلح، والإخلال بالتوازن العسكري القائم في أوروبا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
ومنذ نهاية 2014، تعتبر العقيدة العسكرية الجديدة لروسيا توسع الحلف الأطلسي تهديدا كبيرا على أمن البلاد. وتشكل نفقات روسيا العسكرية 21 في المائة من موازنتها الإجمالية، لكنها تبقى أدنى من النفقات الأميركية. وقال بوتين: «ينبغي التنبه من أي تغير في توازن القوى وفي الوضع السياسي العسكري في العالم، لا سيما على حدود روسيا. وتصحيح خططنا في الوقت المناسب لإزالة التهديدات المحتملة ضد بلادنا».
وفي ظل هذه الظروف المتوترة، عاد مستوى نظرة الأميركيين بصورة سلبية نحو روسيا إلى مستويات حقبة «الحرب الباردة». وكانت «واشنطن بوست» قد نشرت دراسة أعدها «مجلس شيكاغو للشؤون العالمية»، وتتضمن استطلاعا للرأي أجراه المركز في شهر ديسمبر (كانون الأول) الجاري، طلب فيه من المواطنين تحديد طبيعة نظرتهم نحو روسيا وفق مقياس مائة درجة، حيث «الصفر» يعني «مشاعر باردة وسلبية»، أما «مائة» فتعني «مشاعر دافئة جدا وطيبة». وجاء متوسط الإجابات بشكل عام عند مؤشر «32 درجة»، ما يعني أقرب إلى «المشاعر السلبية» نحو روسيا. وتشير الصحيفة إلى أن هذا التقييم هو الأكثر سلبية منذ عام 1986، أي إبان الحقبة السوفياتية، حين كانت نظرة المواطنين الأميركيين نحو روسيا عند مؤشر «31 درجة».
ولا يبدو المشهد مختلفًا جدًا على الجانب الآخر، إذ أظهر استطلاع رأي أجراه في نهاية سبتمبر (أيلول) مركز «ليفادا سنتر» لدراسة الرأي العام في روسيا، أن غالبية المواطنين الروس ينظرون بسلبية نحو الولايات المتحدة. ووفق نتائج الاستطلاع الذي شارك فيه ألف و600 مواطن من 48 منطقة في روسيا، فإن 20 في المائة من المواطنين ينظرون بصورة «سلبية جدا» نحو الولايات المتحدة، بينما ينظر 44 في المائة نحوها بصورة «سلبية». وقال 21 في المائة إنهم «ينظرون إلى الولايات المتحدة بإيجابية بشكل عام».
وتأتي تلك المؤشرات حول مزاجية الرأي العام في البلدين، في وقت تستمر فيه «حرب التصريحات» بين موسكو وواشنطن، وبصورة رئيسية على خلفية تحميل الولايات المتحدة روسيا المسؤولية عن هجمات إلكترونية تعرضت لها صفحات سياسيين أميركيين أثناء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. في غضون ذلك، تبقى العقوبات الأميركية ضد روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية مصدرا إضافيا ورئيسيا، من مصادر التوتر السياسي بين البلدين.
وكانت الولايات المتحدة قد قررت مؤخرا توسيع عقوباتها تلك ضد روسيا. وقد أعرب الكرملين عن خيبة أمله إزاء تلك الخطوة الأميركية، ووصف ديميتري بيسكوف، المتحدث الصحافي باسم الرئاسة الروسية، نهج سياسة إدارة أوباما في هذا المجال بأنه «غير بناء»، مشددا على رفض ذلك النهج الذي ترى فيه موسكو «مصدر ضرر جدي للعلاقات الثنائية»، وتوعد المتحدث باسم الكرملين باتخاذ موسكو إجراءات مناسبة ردا على توسيع العقوبات الأميركية.
في غضون ذلك، أضافت تسريبات نقلتها قناة «إن بي سي» الأميركية مصدرًا جديدًا للأخذ والرد بين موسكو وواشنطن. وحسب تلك التسريبات، فقد أكد مصدر أميركي رفيع المستوى، أن الرئيس الأميركي باراك أوباما استخدم قبل الانتخابات «الهاتف الأحمر» من خط الاتصالات «العاجلة» بين موسكو وواشنطن، ليطلب من القيادة الروسية عدم التدخل في سير العملية الانتخابية في الولايات المتحدة. وحسب القناة، فإن أوباما أكد في حديثه مع الرئيس الروسي على أن الولايات المتحدة ستقيم ممارسات روسيا انطلاقا من المعايير الدولية، «بما في ذلك القوانين حول النزاعات المسلحة التي تشمل كذلك النشاط في الفضاء السيبراني (الإلكتروني)». وقد أكد البيت الأبيض واقعة استخدام أوباما لـ«الهاتف الأحمر»، وقالت الإدارة الأميركية إن تلك الرسالة حققت النتيجة المرجوة، ولم يحدث أي شيء في يوم الانتخابات. و«الهاتف الأحمر» ليس هاتفا بالمعنى المباشر، بل هو عبارة عن منظومة اتصالات طوارئ تُستخدم خلال الأزمات مثل الهجمات الإرهابية وغيره من حالات طارئة، ويتم عبر تلك المنظومة من الاتصالات إرسال رسائل إلكترونية.
وفي تعليقه على تلك الرواية الأميركية قال ديميتري بيسكوف، إن «الهاتف الأحمر عبارة عن خط اتصالات طبيعي مغلق، يستخدمه الرئيس في محادثاته»، مؤكدا أن كل محادثات بوتين وأوباما تجري باستخدام ذلك الخط. أما فيما يخص الطلب بعدم التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية فقد أشار بيسكوف إلى أن أوباما خلال حديثه مع بوتين، ذكر أكثر من مرة الهجمات الإلكترونية، «لكن في كل مرة للأسف لم نحصل منه على أسس واضحة لتوجيه تلك الاتهامات، أو على وقائع محددة». ولهذا يرى المتحدث الرسمي باسم الكرملين أن «كل تلك الاتهامات عارية عن الصحة، وليست مدعمة بأي حقائق». على ضوء ذلك وصف بيسكوف العلاقات بين موسكو وواشنطن في المرحلة الحالية بأنها «تمر بحالة محزنة جدًا، تترافق مع درجة عالية من عدم الثقة».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».