تعزيز القوة الضاربة النووية وأمن الحدود أولويات الجيش الروسي في 2017

تعزيز القوة الضاربة النووية وأمن الحدود أولويات الجيش الروسي في 2017

التوتر بين موسكو وواشنطن ينعكس سلبًا على الرأي العام في البلدين
الجمعة - 24 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 23 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13905]

حدد فلاديمير بوتين، أمس، أولويات جيشه لعام 2017 في تعزيز القوة الضاربة النووية لروسيا، وتحديث الأسلحة، وتشديد المراقبة على الحدود، مستخلصا الدروس من التدخل العسكري في سوريا وأجواء المواجهة مع الولايات المتحدة.
وقال بوتين، أمام مئات الجنرالات والضباط في الجيش: «اليوم، أصبحنا أكثر قوة من أي معتد محتمل. أي معتد». وكان بوتين يتحدّث بعد عام أثبت خلاله بأنه اللاعب الأساسي للنزاع في سوريا بعد تدخل مقاتلاته في هذا البلد، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وتأتي توجّهات بوتين الجديدة قبل أسابيع على مغادرة باراك أوباما للبيت الأبيض، الذي «جمّد» الحوار معه بحسب الكرملين. وبات الروس ينتظرون تنصيب دونالد ترامب رئيسا في 20 يناير (كانون الثاني)، لإقامة علاقة على أسس جديدة وتبديد التوتر الذي برز في العامين الماضيين بين الدولتين على خلفية أزمة أوكرانيا والحرب في سوريا.
وقال بوتين، خلال اجتماع مع كل مسؤولي الجيش الروسي، إنه «يجب تعزيز القدرة العسكرية للقوات النووية الاستراتيجية، وقبل كل شيء بمساعدة منظومات صواريخ قادرة على اختراق أي أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ القائمة حاليا أو المقبلة»، كما نقلت عنه وسائل الإعلام الروسية.
وتخشى روسيا من أن تنشر وزارة الدفاع الأميركية في رومانيا وبولندا عناصر للدرع المضادة للصواريخ، التي تعتبر موجهة ضد قدرة الردع النووية الروسية. وتؤكد واشنطن أن هدف الدرع حماية أوروبا من تهديد إيراني محتمل.
وكان بوتين قد أعلن في يونيو (حزيران) 2015 نشر أكثر من 40 صاروخا باليستيا عابرا للقارات ضمن القوات النووية، وهي قادرة على «اختراق أنظمة الدفاع الجوية الأكثر تطورا»، ردّا على المشروع الأميركي لنشر أسلحة ثقيلة في شرق أوروبا.
وتقول واشنطن، إنها تريد طمأنة دول البلطيق ودول أخرى من أوروبا الشرقية قلقة من نيات روسيا منذ ضمها القرم في 2014، لكن موسكو تعتبر أن تعزيز وجود الحلف الأطلسي عند حدودها تهديدا لها.
واتهم بوتين في يونيو حلف شمال الأطلسي بالسعي لجر بلاده إلى سباق «مجنون» للتسلح، والإخلال بالتوازن العسكري القائم في أوروبا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
ومنذ نهاية 2014، تعتبر العقيدة العسكرية الجديدة لروسيا توسع الحلف الأطلسي تهديدا كبيرا على أمن البلاد. وتشكل نفقات روسيا العسكرية 21 في المائة من موازنتها الإجمالية، لكنها تبقى أدنى من النفقات الأميركية. وقال بوتين: «ينبغي التنبه من أي تغير في توازن القوى وفي الوضع السياسي العسكري في العالم، لا سيما على حدود روسيا. وتصحيح خططنا في الوقت المناسب لإزالة التهديدات المحتملة ضد بلادنا».
وفي ظل هذه الظروف المتوترة، عاد مستوى نظرة الأميركيين بصورة سلبية نحو روسيا إلى مستويات حقبة «الحرب الباردة». وكانت «واشنطن بوست» قد نشرت دراسة أعدها «مجلس شيكاغو للشؤون العالمية»، وتتضمن استطلاعا للرأي أجراه المركز في شهر ديسمبر (كانون الأول) الجاري، طلب فيه من المواطنين تحديد طبيعة نظرتهم نحو روسيا وفق مقياس مائة درجة، حيث «الصفر» يعني «مشاعر باردة وسلبية»، أما «مائة» فتعني «مشاعر دافئة جدا وطيبة». وجاء متوسط الإجابات بشكل عام عند مؤشر «32 درجة»، ما يعني أقرب إلى «المشاعر السلبية» نحو روسيا. وتشير الصحيفة إلى أن هذا التقييم هو الأكثر سلبية منذ عام 1986، أي إبان الحقبة السوفياتية، حين كانت نظرة المواطنين الأميركيين نحو روسيا عند مؤشر «31 درجة».
ولا يبدو المشهد مختلفًا جدًا على الجانب الآخر، إذ أظهر استطلاع رأي أجراه في نهاية سبتمبر (أيلول) مركز «ليفادا سنتر» لدراسة الرأي العام في روسيا، أن غالبية المواطنين الروس ينظرون بسلبية نحو الولايات المتحدة. ووفق نتائج الاستطلاع الذي شارك فيه ألف و600 مواطن من 48 منطقة في روسيا، فإن 20 في المائة من المواطنين ينظرون بصورة «سلبية جدا» نحو الولايات المتحدة، بينما ينظر 44 في المائة نحوها بصورة «سلبية». وقال 21 في المائة إنهم «ينظرون إلى الولايات المتحدة بإيجابية بشكل عام».
وتأتي تلك المؤشرات حول مزاجية الرأي العام في البلدين، في وقت تستمر فيه «حرب التصريحات» بين موسكو وواشنطن، وبصورة رئيسية على خلفية تحميل الولايات المتحدة روسيا المسؤولية عن هجمات إلكترونية تعرضت لها صفحات سياسيين أميركيين أثناء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. في غضون ذلك، تبقى العقوبات الأميركية ضد روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية مصدرا إضافيا ورئيسيا، من مصادر التوتر السياسي بين البلدين.
وكانت الولايات المتحدة قد قررت مؤخرا توسيع عقوباتها تلك ضد روسيا. وقد أعرب الكرملين عن خيبة أمله إزاء تلك الخطوة الأميركية، ووصف ديميتري بيسكوف، المتحدث الصحافي باسم الرئاسة الروسية، نهج سياسة إدارة أوباما في هذا المجال بأنه «غير بناء»، مشددا على رفض ذلك النهج الذي ترى فيه موسكو «مصدر ضرر جدي للعلاقات الثنائية»، وتوعد المتحدث باسم الكرملين باتخاذ موسكو إجراءات مناسبة ردا على توسيع العقوبات الأميركية.
في غضون ذلك، أضافت تسريبات نقلتها قناة «إن بي سي» الأميركية مصدرًا جديدًا للأخذ والرد بين موسكو وواشنطن. وحسب تلك التسريبات، فقد أكد مصدر أميركي رفيع المستوى، أن الرئيس الأميركي باراك أوباما استخدم قبل الانتخابات «الهاتف الأحمر» من خط الاتصالات «العاجلة» بين موسكو وواشنطن، ليطلب من القيادة الروسية عدم التدخل في سير العملية الانتخابية في الولايات المتحدة. وحسب القناة، فإن أوباما أكد في حديثه مع الرئيس الروسي على أن الولايات المتحدة ستقيم ممارسات روسيا انطلاقا من المعايير الدولية، «بما في ذلك القوانين حول النزاعات المسلحة التي تشمل كذلك النشاط في الفضاء السيبراني (الإلكتروني)». وقد أكد البيت الأبيض واقعة استخدام أوباما لـ«الهاتف الأحمر»، وقالت الإدارة الأميركية إن تلك الرسالة حققت النتيجة المرجوة، ولم يحدث أي شيء في يوم الانتخابات. و«الهاتف الأحمر» ليس هاتفا بالمعنى المباشر، بل هو عبارة عن منظومة اتصالات طوارئ تُستخدم خلال الأزمات مثل الهجمات الإرهابية وغيره من حالات طارئة، ويتم عبر تلك المنظومة من الاتصالات إرسال رسائل إلكترونية.
وفي تعليقه على تلك الرواية الأميركية قال ديميتري بيسكوف، إن «الهاتف الأحمر عبارة عن خط اتصالات طبيعي مغلق، يستخدمه الرئيس في محادثاته»، مؤكدا أن كل محادثات بوتين وأوباما تجري باستخدام ذلك الخط. أما فيما يخص الطلب بعدم التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية فقد أشار بيسكوف إلى أن أوباما خلال حديثه مع بوتين، ذكر أكثر من مرة الهجمات الإلكترونية، «لكن في كل مرة للأسف لم نحصل منه على أسس واضحة لتوجيه تلك الاتهامات، أو على وقائع محددة». ولهذا يرى المتحدث الرسمي باسم الكرملين أن «كل تلك الاتهامات عارية عن الصحة، وليست مدعمة بأي حقائق». على ضوء ذلك وصف بيسكوف العلاقات بين موسكو وواشنطن في المرحلة الحالية بأنها «تمر بحالة محزنة جدًا، تترافق مع درجة عالية من عدم الثقة».


اختيارات المحرر

فيديو