روسيا وإيران في سوريا... الصراع الخفي تحت سقف التحالف

يتركز في تباينهما حيال التمسك بالأسد * خبير: الافتراق مستبعد بسبب حاجتهما المتبادلة

حافلات تنتظر لحمل من تبقى من مدنيين في آخر جيب لفصائل لمعارضة بحلب أمس (أ.ف.ب)
حافلات تنتظر لحمل من تبقى من مدنيين في آخر جيب لفصائل لمعارضة بحلب أمس (أ.ف.ب)
TT

روسيا وإيران في سوريا... الصراع الخفي تحت سقف التحالف

حافلات تنتظر لحمل من تبقى من مدنيين في آخر جيب لفصائل لمعارضة بحلب أمس (أ.ف.ب)
حافلات تنتظر لحمل من تبقى من مدنيين في آخر جيب لفصائل لمعارضة بحلب أمس (أ.ف.ب)

بدأت روسيا التي تستعجل حلاً سياسيًا يخرجها سريعًا من المستنقع السوري، تواجه خلافًا حقيقيًا مع حليفتها إيران على مرحلة ما بعد حلب، ظهرت معالمه في اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم بين أنقرة وموسكو، من دون الأخذ برأي طهران أو نظام بشار الأسد اللذين اكتشفا أن المفاوض والشريك الروسي هو من يتخذ القرار ويلزمهما بتنفيذه.
والخلاف بين روسيا وإيران على الدور في سوريا «ينطلق من موقع كل دولة وحجمها»، بحسب ما يشير الخبير في الشؤون الإيرانية أسعد حيدر، ذلك أن روسيا «دولة كبرى، بينما إيران دولة كبيرة إقليميًا، وبالتالي فإن الاختلاف سيكون بالموقع والمصالح والأهداف». ويوضح أن إيران دخلت إلى سوريا «لتثبيت موقعها إقليميًا وللسيطرة على الشريط الإقليمي السوري العراقي والاقتراب من إسرائيل، لاستثماره آيديولوجيا عبر (حزب الله)»، بينما دخلت روسيا «لتؤكد أنها دولة كبرى منافسة للولايات المتحدة، وتريد أن تعود دولة كبرى لديها مواقع ثابتة تمتد على خريطة العالم، وستكون سوريا قاعدة مركزية لها على البحر المتوسط».
من خلال هذا التفاوت بالموقع، «نرصد الخلاف حول سوريا، حيث دعمت إيران بقاء بشار الأسد للأبد، واعتبره المرشد خطًا أحمر لا تقبل بسقوطه، وأن الأسد ضلع مركزي في مثلث المقاومة؛ لذلك لا تقبل بسقوطه». وعلى النقيض «دخلت روسيا عمليًا بطلب إيراني لأنها وحدها لا يمكن أن تنتصر في المعركة وطلبت من روسيا التدخل، وهي تعلم أنها ليست دولة أجيرة تدخل سوريا بالمجان، لذلك استثمرته لتثبيت موقعها في خريطة العالم». ويشير إلى أن الأسد بالنسبة لروسيا «وسيلة وليس هدفًا، ويمثل ذلك نقطة الافتراق المركزية، كون بقاء الأسد قد يخدم روسيا لكنها لا تمانع من المفاوضة عليه لتحصل على شيء آخر بالمقابل».
انطلاقًا من نقطة الخلاف حول بقاء الأسد، يقول حيدر إن إيران «تسعى لانتصار عسكري شامل وإعادة تركيب السلطة تحت قيادة الأسد وبالتعاون معها، بحيث يبقى هذا الضلع في خدمة إيران في المنطقة وتحديدًا لدعم (حزب الله) والإمساك بلبنان به»، مشيرًا إلى أنه «من دون الوجود الإيراني على الحدود ميدانيًا مع إسرائيل يبقى موقفها من تل أبيب آيديولوجيًا، بينما يؤهلها وجودها الميداني لأن تفاوض وتطالب».
ولا ينفي حيدر أن إيران «شعرت بالضعف في المفاوضات بين طهران وروسيا وتركيا، وهو ما دفع ظريف للقول إنه يريد حلاً سياسيًا، علما بأن إيران لا تقبل بمعارضة غير إرهابية تعترف موسكو بوجودها». لكنه يرى في ذلك «مناورة إيرانية ليس معروفًا إلى أين ستصل، لأنها تشعر بأن موقعها أضعف من السابق، ومن دون الدعم الروسي لا تستطيع أن تحقق انتصارًا. ولكنها لا تستطيع الوصول إلى مرحلة خلاف حاد مع تركيا لأنهما جاران متنافسان ومتزاحمان، من دون الوصول إلى مواجهة كبرى». وبرأيه، لا يمكن أن يصل الخلاف إلى افتراق بين الطرفين الروسي والإيراني، كون الطرفين يحتاجان إلى بعضهما، ذلك أن إيران تحتاج إلى روسيا ومن دونها لا تستطيع أن تحقق أي انتصار في سوريا، بينما روسيا تحتاج أيضًا لإيران كي تضمن الاتفاقات الروسية في سوريا ولا تخربها».
وإذا كان من الصعب التكهّن حاليًا بأفق الخلاف الروسي الإيراني، فقد رأى المحلل الاستراتيجي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس خطار بو دياب، أن التجربة تفيد بأن «قوتين نافذتين لا تتعايشان على أرض واحدة بسهولة». وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه في سوريا «هناك تنسيق استراتيجي بين روسيا وإيران وليس تحالفًا استراتيجيًا»، موضحًا أن «مركز حميميم هو من يلعب دور السلطة الآن في سوريا، سواء على صعيد المصالحات أو القرارات التي تصدر عنه»، مشيرًا إلى أن الإيراني «كان مطمئنًا إلى قوته ونفوذه على الأرض السورية، لكن تبين شيئًا فشيئًا أن الروسي هو من يمسك بالقرار، ولولا الغارات الجوية للطائرات الروسية لما حسمت معركة حلب».
ولم يعد خافيًا على أحد، أن التباين بين موسكو وطهران، تجلّى في أكثر من مكان وزمان، بحسب ما أشار الخبير العسكري والاستراتيجي السوري العميد أحمد رحّال، الذي أعطى عدّة أمثلة على ذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، منها أن الطيران الروسي «استهدف حاجزًا للقوات الإيرانية عند مدخل مدينة حمص من جهة الساحل في الربيع الماضي»، لافتًا أيضًا إلى أن «سلاح الجو الروسي قصف قبل ثلاثة أيام تجمعًا لـ(حزب الله) في حي الراشدين في حلب، وسبق ذلك قصفه لبلدتي نبّل والزهراء أواخر الشهر الماضي، وتبعها قصف طريق خناصر الذي يربط حلب بريف حماة». وشدد رحّال على تباعد واضح في الرؤية الإيرانية الروسية للوضع في سوريا، وقال: «بعد سيطرة النظام والإيرانيين على حلب، قفز الروس فورًا إلى الحديث عن إمكانية التوصل لوقف شامل لإطلاق النار في سوريا، وتحدثوا عن فرصة حقيقية للسلام، بينما عبر الإيرانيون والنظام عن رغبتهم في متابعة العمليات العسكرية».
وأظهرت هذه التباينات تضاربًا في مصالح الدولتين، حيث شدد د. خطار بو دياب، على أن «العلاقات الروسية الإيرانية هي تنسيق مصالح وليس حلفًا استراتيجيًا». وقال: «عندما يتحدث الإيرانيون عن رغبتهم بإنشاء قاعدة بحرية في سوريا، فذلك يعني أنهم يريدون هذه القاعدة في الحديقة الروسية». وأضاف: «روسيا تريد تنسيقًا استراتيجيًا مع إيران، وحلفًا استراتيجيًا مع إسرائيل، خصوصًا وأن بوتين هو أبرز حلفاء إسرائيل». وسأل: «هل يقبل الإيراني دور الشريك الثانوني أم لا؟».
واعتبر بو دياب، أن «دخول قاسم سليماني إلى حلب كفاتح، هو اعترض واضح على اتفاق إخراج المسلحين والمدنيين من شرق حلب، لذلك أصرّ على إدراج قريتي (الفوعة وكفريا) الشيعيتين على هذا الاتفاق، وهذا كافٍ لإظهار حجم الاعتراض الإيراني على الاستئثار الروسي بالقرار على الأرض السورية»، مؤكدًا أن «مستقبل منظومة الأسد ومستقبل سوريا، ليس من الضرورة أن يكونا على الخط الروسي الإيراني نفسه».
وثمة مؤشرات كثيرة لدى خطار بو دياب على خلاف الأجندتين الروسية والإيرانية، مشيرًا إلى أن «روسيا تتصرف وكأن إيران موافقة على ما تقرره، فهي بدأت تتحدث عن فرص إحياء محادثات السلام في كازاخستان، بينما النظام والإيرانيون يفضلون استكمال المعارك العسكرية، وبسط السيطرة على أكبر قدر من الجغرافيا السورية، سواء في إدلب أو الغوطة الشرقية ودرعا، بينما مصلحة روسيا تكمن في تركيب حلف سياسي حتى لا تغرق في المستنقع السوري». وقال بو دياب: «علينا أن نراقب المستجدات، ومع الوقت ستزداد شقّة الخلاف الروسي الإيراني لأن المصالح ستتناقض أكثر فأكثر».
ولا تختلف قراءة بو دياب عن نظرة العميد أحمد رحال إلى تناقضات الدورين الروسي والإيراني، حيث أفاد الأخير بأن «الأجندة الروسية في سوريا، هي أجندة عسكرية سياسية، وتتخذ من سوريا ورقة ضغط لحلّ مشكلاتها سواء في أوكرانيا أو الدرع الصاروخية، وبالتالي لا يهمها مصير بشار الأسد بقدر ما تهمها مصالحها، أما حرب إيران في سوريا فهي حرب عقائدية، تبحث عن الإمبراطورية الفارسية والهلال الشيعي، ولا تجد إلا بشار الأسد أداة لتحقيق هذا الهدف».
وذكّر رحّال بما حصل أخيرًا في حلب، وقال: «طهران ليس لديها مشكلة في تفريغ حلب من المدنيين والمسلحين، فهذا مطلبها من الأساس، لكن باعتراضها على الاتفاق الروسي التركي، أرادت القول: ليست موسكو وحدها صاحبة القرار في سوريا، وأي قرار يتخذ حول مصير بشار الأسد ومصير سوريا، يجب أن يمرّ بطهران». ولفت إلى أن «الذين أخرجوا من الفوعة وكفريا، ليسوا جرحى أو مرضى، إنما هم مقاتلون من (حزب الله) اللبناني»، مشددًا على أن «أوراق روسيا في سوريا انكشفت، لأن كل عملياتها الجوية والبحرية والبرية، لم تستطع إخراج بشار الأسد من الحضن الإيراني، لكن بالتأكيد عندما تحقق موسكو أهدافها في سوريا، ستطرد الإيرانيين من سوريا». وقال رحّال: «سنشهد يومًا ما الطائرات الروسية والإسرائيلية تنفّذ غارات مشتركة في سوريا، لطرد الميليشيات الإيرانية منها».



مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».


«الوزاري العربي» يطالب بوقف الاعتداءات الإيرانية

نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي خلال مشاركته في الاجتماع (صفحة الخارجية السعودية على إكس)
نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي خلال مشاركته في الاجتماع (صفحة الخارجية السعودية على إكس)
TT

«الوزاري العربي» يطالب بوقف الاعتداءات الإيرانية

نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي خلال مشاركته في الاجتماع (صفحة الخارجية السعودية على إكس)
نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي خلال مشاركته في الاجتماع (صفحة الخارجية السعودية على إكس)

جدد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، الأحد، إدانة الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، التي استهدفت البنية التحتية والمناطق السكنية، مشدداً على حق الدول المستهدفة في الدفاع عن نفسها، وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

وأيد مجلس الجامعة في دورته العادية الـ165، التي عُقدت عن بعد عبر تقنية الاتصال المرئي برئاسة البحرين، الجهود التي تقوم بها الدول المستهدفة للدفاع عن أراضيها، مؤكداً أن «هذه الاعتداءات الغاشمة لا يمكن تبريرها بأي حجة أو تمريرها وفق أي ذريعة».

وحضّ المجلس، في إعلان بشأن «الاعتداءات الإيرانية الآثمة على أمن وسيادة عدد من الدول العربية»، طهران، على سرعة تنفيذ قرار مجلس الأمن 2817 بالوقف الفوري للعدوان، مديناً الإجراءات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية، أو تهديد حرية الملاحة في باب المندب والمياه الدولية.

ورحب المجلس باعتماد قرار «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة بشأن الآثار المترتبة على حقوق الإنسان، للهجمات غير المبررة التي شنتها إيران ضد عدد من الدول العربية، مطالباً بتقديم إيران تعويضاً كاملاً وفعالاً وفورياً لجميع الضحايا عن الأضرار والخسائر.

ورفض مجلس وزراء الخارجية العرب، «استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميليشيات التابعة لها في عدة دول عربية». كما رحب بقرار الحكومة اللبنانية «حصر السلاح غير الشرعي».

وزير الخارجية المصري يشارك في أعمال الدورة العادية لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري (الخارجية المصرية)

كان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الحالي، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران، إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، في كلمته خلال الاجتماع، إن المنطقة «تعيش لحظة استثنائية في تاريخها... وفي تاريخ العمل العربي المشترك... لحظة لا مجال فيها سوى للصوت الموحد الجماعي، وللرسائل الواضحة التي لا تقبل التأويل أو الالتباس»، مؤكداً الوقوف «صفاً واحداً متراصاً في تأكيد وتكرار إدانة ورفض الاعتداءات الإيرانية على دولٍ عربية».

وطالب أبو الغيط بـ«الوقف الفوري لهذه الاعتداءات الإيرانية تطبيقاً لقرار مجلس الأمن 2817، وبوقف التهديدات التي تعيق أو تعرقل الملاحة عبر مضيق هرمز»، مشدداً على «الوقوف مع حق الدول المستهدفة في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً». واعتبر أن «الاعتداءات الإيرانية، بما في ذلك تهديدها لحرية الملاحة، تُمثل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، بما يستوجب موقفاً أكثر صرامة يعكس الإجماع الدولي الرافض لهذا الابتزاز الذي تمارسه طهران».

بدوره، أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في كلمته خلال الاجتماع، بـ«أشد العبارات»، الاعتداءات الإيرانية المرفوضة وغير المبررة التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق، مؤكداً أن «هذه الاعتداءات تمثل خرقاً سافراً لميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي، وتمس بشكل مباشر سيادة الدول العربية ووحدة وسلامة أراضيها وأمن شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري على «تضامن بلاده الكامل مع الدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، وتقديم كافة أشكال الدعم المادي والسياسي والدبلوماسي لها»، مؤكداً «الرفض القاطع لأي محاولات آثمة لزعزعة الأمن القومي العربي، سواء عبر الاعتداء المباشر على سيادة الدول، أو تقويض مؤسساتها الوطنية، أو إنشاء كيانات موازية وفرض وقائع ميدانية خارج إطار الشرعية».

وأكد أن «أمن الدول العربية لا يتجزأ، وأن أي مساس بدولة عربية هو مساس مباشر بالأمن القومي المصري والمصير العربي المشترك».

وشهد الاجتماع نقاشاً حول العمل العربي المشترك، حيث قال وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، في كلمته، إن «التجارب المتعاقبة كشفت عن محدودية فاعلية منظومة العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، الأمر الذي يستدعي وقفة مراجعة صريحة ومسؤولة». وأضاف أن «جامعة الدول العربية، رغم مكانتها الرمزية، أثبتت عجزاً واضحاً عن مواكبة التحديات المتسارعة، وعن الاضطلاع بدورٍ مؤثرٍ في صون الأمن العربي»، مؤكداً «الحاجة الملحّة إلى إعادة هيكلة شاملة تعزز من كفاءة آليات اتخاذ القرار، وتُرسّخ أدوات تنفيذية أكثر فاعلية واستجابة، بما يتناسب مع تعقيدات المرحلة».

وتابع: «من المؤسف أن يأتي هذا القصور في وقت لم تدّخر فيه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية جهداً في نصرة قضايا الأمة العربية والإسلامية، سياسياً واقتصادياً، حيث كانت ولا تزال في طليعة الداعمين للاستقرار والتنمية، والحريصين على وحدة الصف العربي، الأمر الذي يضاعف من مسؤولية تطوير الإطار المؤسسي العربي ليواكب هذه الجهود ويترجمها إلى نتائج ملموسة».

بدوره، قال وزير الخارجية المصري إن «التحديات المتشابكة التي تواجه العالم العربي اليوم تؤكد أن العمل العربي المشترك لم يعد خياراً بل ضرورة استراتيجية»، مؤكداً أن «جامعة الدول العربية تظل الإطار الجامع الذي يتيح للدول العربية تنسيق مواقفها وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة».

وأعاد عبد العاطي «التذكير بحتمية النظر في إنشاء قوة عربية مشتركة من شأنها الدفاع عن الدول العربية جمعاء، وهو الطرح الذي من شأنه توجيه رسالة واضحة للعالم مفادها أن الساحة العربية ليست ميداناً لتصفية الحسابات أو ساحة لخلافات وصراعات قد تلقي بظلالها على استقرار وأمن الشعوب العربية».

وجدد أبو الغيط التأكيد على أهمية «الجامعة العربية» باعتبارها «منصة لا غِنى عنها، ولا بديل لها لمباشرة حوار حقيقي، عربي - عربي، حول أخطر القضايا التي تخص أمننا القومي».

وقال: «هناك خططٌ طُرحت، ومناقشات مطولة دارت، ورؤى وأفكار دُرست، تدور كلها حول التوصل لمفهوم موحد للأمن القومي العربي... يقوم على التوافق بين الدول الأعضاء جميعاً حول مكامن التهديد وطرق المواجهة»، مشدداً على «ضرورة مواصلة هذا الحوار وتعميقه عقب استعادة الاستقرار في الإقليم».