صفقات غوارديولا الخاسرة «كشفت» مانشستر سيتي

صفقات غوارديولا الخاسرة «كشفت» مانشستر سيتي

المدرب الإسباني اشترى لاعبين لا يحتاجهم وأغفل آخرين كانوا أساس قوة الفريق
الأربعاء - 22 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 21 ديسمبر 2016 مـ
غوارديولا وصل إلى مانشستر سيتي بتوقعات كبيرة واصطدم بدوري صعب - غوارديولا وصل إلى مانشستر سيتي بتوقعات كبيرة واصطدم بدوري صعب - يايا توريه أحد نجوم سيتي الذين همشوا في عهد غوارديولا (أ.ف.ب) (رويترز)

«أعلم بأننا سنصل إلى مرحلة سنعجز فيها عن الفوز، وأعلم بمصيري عندما يحدث ذلك»، هذا هو تصريح المدرب الإسباني جوزيب غوارديولا في أول أيامه مع مانشستر سيتي، حيث كان الفريق يواصل عجلة الانتصارات دون هزيمة، وكأنه كان يدرك المأزق الذي ربما يقابله مع تقلبات الدوري الإنجليزي.

منذ أن سئل غوارديولا عن فرصه في الفوز بالرباعية، كان رده القوي الذي لا يزال الجميع يتذكره هو القسم الذي نطقه بالإنجليزية، والأهم واقعيته في إدراك الفخاخ المنصوبة في الطريق، والإحساس بأن الفريق مقبل على ما يشبه الكارثة، سواء كان ذلك حقيقة أم من نسج الخيال.

ورغم الهواجس فإن الأمور مرت بسلام، وأدى الفريق خمس عشرة مباراة بالدوري، شاهدنا خلالها القليل من عزف موسيقى الجاز في الموسم الأول للمدرب الإسباني في إنجلترا. لكن يبدو أن شمس غوارديولا لا تشرق دائما، حيث اصطدم المدرب بواقع جديد ودوري مختلف، وبدأ فريقه يعاني من تذبذب النتائج، وأياما من الشد العصبي والضغط الشديد.

مع استمرار حالة الضغط الشديد، يتضح أن المنافسة لن تحسمها النقاط التي يتحصل عليها الفريق، بل سياسة النفس الطويل والمردود على المدى البعيد، وهو أمر يختلف كثيرا عن جو الإثارة والتحدي الذي اعتدنا عليه في الكرة الإنجليزية. ففريق مانشستر سيتي يحتل المركز الرابع في جدول المسابقة بعدد نقاط يفوق ما حققه في المواسم السبعة الماضية.

تعرض الفريق في مسيرته لبعض الكدمات والخدوش، لكن خبرة غوارديولا مع الأندية السابقة علمته بأن يحصل على وقت ليريح الماكينة ويستبدل قطع الغيار. ويظل هذا المدرب يمثل ذروة مدربي ما يسمى «بروسيس ترينر»، أو مدربي المراحل، وهو ذلك النوع من المدربين الذي يتحتم على لاعبيه التعامل مع أسلوبه، باعتباره جرعات دواء كاملة، لها آثارها الجانبية، ويتحتم عليهم الاستمرار فيه حتى آخر جرعة.

وتستمر الضوضاء التي أحدثها عدد مرات الفوز التي لم تتعد خمسا في 16 مباراة في مختلف المنافسات على الرغم من النهج المتمرد الذي اتبعه الفريق في مباراته أمام فريق ليستر سيتي المتألق، لكن يبقى موضوع استخلاص الكرة مثيرا للجدل.

لقد فشل سيتي في تنفيذ أي عملية لاستخلاص الكرة طوال أول 35 دقيقة أمام ليستر سيتي، وهو ما دفع غوارديولا إلى القول في إحدى المناسبات «ماذا تقصدون باستخلاص الكرة؟ أنا لا أدرب اللاعبين على تلك اللعبة»، وفي إحدى المرات شاهدنا أحد الجماهير وقد كتب على قميصه عبارة «لا يا غوارديولا، أين عمليات استخلاص الكرة؟».

استمرت حالة التراجع، لكن دعونا نواجهها، فالكرة الإنجليزية بدت وكأنها تلهث وراء فرصة كي تظهر غوارديولا بصورة العاجز الذي وضع في غير مكانه، وذلك كنوع من استعراض العضلات لصالح هذا الدوري، لينتهي الأمر باستبعاده في نهاية المطاف.

ردود فعل حادة وردت من المتعاطفين مع طريقة المدرب الذي ترك بصماته في كل مكان، وفي الإنجازات الرائعة التي حققها على مدار السنوات العشر الماضية. فلا تزال هناك انعكاسات هنا للمخاوف القديمة من المدربين القادمين من الخارج، فجوزيف فينغلوس، الذي كان أول مدرب أجنبي في إنجلترا، تعرض لانتقادات حادة منذ 25 عاما، بسبب عدم صياحه بصوت عال في لاعبي فريقه أستون فيلا. وجاءت النهاية سريعا عقب قيام فينغلوس بحظر تناول الشاي أثناء التدريب.

مع وضع هذا في الاعتبار، فربما كان هناك تعاطف من أرسين فينغر مدرب آرسنال مع فريق سيتي الذي نافسه يوم الأحد الماضي، فقد شعر فينغر أيضا يوما ما بأنه غريب ومتطفل في هذا البلد، وإن لم تكن بالحدة نفسها التي نراها مع غوارديولا. فالمدرب الإسباني الذي تلقي تعليما أكاديميا يعتبر معاديا للثقافة السائدة في بريطانيا، وربما هو الأقل إنجليزية بين المدربين غير الإنجليز في هذه البلاد، ناهيك بالجو العام المحيط الذي يثير حفيظته وثقته بنفسه، وفي المقابل هناك جيش من الأنصار المتحمسين لمدرسته الذين يرون أنه جاء لينير لهم الطريق.

الحقيقة تكمن في مكان ما في المنتصف، فإن عدنا للبداية فغوارديولا كان على حق في أنه لا يدرب لاعبيه على استخلاص الكرة «تاكلنغ»، ففريق برشلونة الذي دربه عام 2010 - 2011 والذي يعد الأبرز عالميا خلال العشرين عاما الماضية، احتل المرتبة التاسعة عشرة بين 20 فريقا في الدوري في عدد المرات التي نفذ فيها عمليات مداخلة قوية لاستخلاص الكرة بنجاح، فكل من شاهد هذا الفريق يضغط على الخصم يعلم تماما قدرتهم على تجفيف منابع الخطورة وقدراته الهجومية على الخصم. فمثلا تشافي، أفضل لاعب وسط في العالم في عصره، حل في المرتبة 285 في استخلاص الكرة في الدوري، حيث لم تتجاوز عدد العمليات التي نفذها طوال الموسم 32 محاولة، والسبب ببساطه أن هناك طرقا أخرى لإيقاف الخصم غير وضع يديك حول عنقه.

كانت مباراة ليستر مع سيتي رائعة لأسباب مختلفة، لكن أكثر ما يقلق غوارديولا حقيقة تفوق منافسه في استخلاص الكرة، فقد سجل أربعة أهداف رائعة رغم أن نسبة استحواذه على الكرة كانت 22 في المائة فقط، و731 لمسة، في حين بلغت لمسات فريق سيتي 903 لمسات. فقد لمس بابلو زباليتا مدافع سيتي الكرة 106 مرات، وكانت تمريراته ناجحة بنسبة 96 في المائة، ورغم ذلك قضى الشوط الأول حائرا في مركزه رقم 2، وبالمقارنة مرر رياض محرز نجم ليستر 17 تمريرة، لكنها جاءت مؤثرة في نتيجة المباراة.

وإليكم التفاصيل التي تهم غوارديولا: فقد خسر سيتي، لأن أداءه كان دون المستوى، ليس لأنهم لم ينجحوا في استخلاص الكرة من الخصم، وعمل «تاكلنغ»، لكن لأنهم لم يمرروا مثلما يمرر محرز، ولم ينهوا الهجمات كما يمررها جيمي فاردي، فالمشكلة لم تكن في شكل ما يقدمه غوارديولا بقدر ما كانت أخطاء تقليدية من اللاعبين وطريقة تمركزهم داخل الملعب. فنتيجة للضغط المتواصل ظهرت الثغرات، فمنذ التعادل الذي جاء بطعم الخسارة أمام فريق سلتيك بنتيجة 3 - 3 بدوري الأبطال، خسر سيتي جميع مبارياته الأربع على ملعبه أمام أفضل سبعة فرق في الجدول بنتيجة إجمالية بلغت 3 - 10. وظهر غوارديولا نفسه بمظهر الحائر.

غوارديولا كان على حق، فهو لا يدرس عمليات الاستخلاص، فقد حل فريق برشلونة الذي دربه في موسم 2010 - 2011 في المرتبة الـ19 بين 20 فريقا في تنفيذ «تاكلنغ».

لكن من المنطقي أن نسأل كيف؟ فبالنظر إلى تواصله مع فريق سيتي، وبالنظر إلى عمل حارس المرمى جو هارت لعشر سنوات متواصلة التي حظي فيها بشعبية كبيرة، فقد كان من الأجدر أن ينتظر غوارديولا إلى ما بعد بداية الموسم، ليقرر أنه في حاجة إلى حارس مرمى بديل. في المقابل جاء غوارديولا بالحارس كلاوديو برافو الذي لا يتمتع ببراعة في التعامل مع المواقف الخطرة، لكن ربما له العذر، فالمدرب لم يعطه فرصة كافية، فقد وقع معه عقدا في 25 أغسطس (آب)، وحرمه من مباريات الاستعداد للموسم الجديد مع فريقه الجديد، ولم يكن هناك مجال للتمرين وتصحيح الأخطاء في جو من الخصوصية وبعيدا عن أعين الجماهير. ولتفاصيل أدق، فالرجل الذي لا ينام مطلقا فإن عقله يستمر في الدوران مثل شطرنج الكومبيوتر.

أنفق فريق تشيلسي 115 مليون جنيه إسترليني الصيف الماضي في شراء لاعبين لا يحتاجهم الآن: مهاجمان اثنان، وحارس متوسط المستوى ومدافع أوسط مبتدئ. لا بأس لكنك نسيت المدافعين الصريحين وبدلاء للاعبين مثل فينسينت كومباني، وسيرغيو أغويرو. ولذلك لا تزال هناك ثغرات لا بد أن غوارديولا قد لاحظها، لكن بدلا من تصحيح الوضع، اعتمد الفريق على العناصر المتوفرة بكل ما فيها من عيوب.

يعاني غوارديولا من مشكلات يومية ستواجهه حتما مستقبلا، وسوف يحد غياب أغويرو من فاعلية هجوم الفريق، ففرناندينيو يتمتع بفاعلية كبيرة، لكنه لا يزال موقوفا للأسف، وسيتسبب غياب إيكاي غوندغان في أزمة كبيرة. وبصفة عامة، فإن فريق سيتي غير جدير بالثقة، فبعد سبعة مواسم شهد فيها الفريق بعض التحسن، كانت هناك بعض الأوقات التي يتراجع فيها الأداء بشكل غريب. ففي مثل هذا الوقت من العام الماضي فاز سيتي بسبع مباريات من 15 مباراة، وفي العام السابق فاز بأربع مباريات من 15 مباراة. لا تزال هناك حالة من العصبية في أداء الفريق، وهناك حاجة إلى قيادة مثلما كان الحال في السابق في وجود لاعبين مثل كومباني ويايا توريه.

ويشكل خط دفاع غوارديولا مصدر قلق بالنسبة له، فمسألة الدفاع بثلاثة لاعبين أو أربعة لم تؤد في النهاية إلى المحافظة على الشباك في ثماني مباريات قبل لقاء واتفورد الأسبوع الماضي. فبدلا من جلب مزيد من السلاسة والحيوية، يبدو أن التغيرات اللانهائية قد تسببت في انسداد الأوردة، ولم يعد فريق سيتي قادرا على اللعب بالمستوى نفسه في منتصف الملعب في مباراتيه الأخيرتين، وكان من الصعب اتخاذ قرارات على عجل.

تلك هي المعضلة التي يواجهها غوارديولا في منتصف الموسم، يواجه اختبارا في المبادئ الكروية. فمن العدل القول: إنه لو أن الحارس هارت الذي تركه يرحل، شارك في المباريات الأربع عشرة الماضية، ولو أن ميزانية النادي الصيف الماضي قد أنفقت في التعاقد مع مدافع وسط صلب ومدافعين صريحين، فربما كان سيتي الآن على قمة جدول المسابقة وبمجموعة تقدم بشكل أفضل. أظهر التاريخ أن غوارديولا يحتاج إلى مزيد من الوقت، لكنه لم يحسن التصرف بعد أن اشترى لاعبين لا يحتاجهم مانشستر سيتي، وأغفل لاعبين يحتاجهم الفريق، وقام بعمل بعض التغييرات التي كان لها تأثيرها السلبي وأضعفت الفريق.

لكن لا بد من الإشارة إلى أن أسلوب غوارديولا بات يهيمن على الأداء تماما، وباتت انسيابية الأداء والتماسك والأداء المعتمد على الاستحواذ، بحسب مواصفات المدرب الإسباني، الهدف الأسمى.

ولذلك فإن الإصرار على امتداح لاعبين بعينهم يصرون على تكرار الأخطاء، أبرزهم محور اللعب المعتمد على الحارس برافو، وقلب الدفاع جون ستونز، اللذين تراهما دوما جزءا من التشكيل حتى وإن تراجع مستوى أدائهما المعتمد على تعليمات غوارديولا. فكثيرا ما شاهدنا ستونز يضيع الكرة أكثر من أي مدافع آخر في الدوري، لكن في المقابل كان الأكثر دفعا بالكرة للمهاجمين في الأمام على مدار 90 دقيقة، مقارنة بغيره من المدافعين في أوروبا، وهو دليل على التقدم في مستواه. الخسارة الحقيقية لغوارديولا ليست عندما يرتكب لاعبوه أخطاء ويفشلون في تنفيذ الخطة، لكن عندما يتجاهل المدرب تلك الأخطاء في سبيل الوصول لحل وسط.


اختيارات المحرر

فيديو