عام دراسي في تركيا يسوده الارتباك بعد إغلاق مدارس وجامعات غولن

عام دراسي في تركيا يسوده الارتباك بعد إغلاق مدارس وجامعات غولن

آلاف عانوا في إيجاد مقاعد والبعض ستطول مدة دراسته وشكاوى من الجودة
الاثنين - 20 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 19 ديسمبر 2016 مـ
مختبر في جامعة «فاتح» بإسطنبول التي كان يدرس بها نحو 18 ألف طالب بينهم نسبة كبيرة من الأجانب قبل أن تغلقها الحكومة (غيتي)

حمل العام الدراسي الحالي في تركيا كثيرًا من أوجه الاختلاف، وتأثر كثيرًا بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد في 15 يوليو (تموز) الماضي، أي قبل شهرين فقط من انطلاق العام الدراسي. أبرز ملامح الاختلاف كان اختفاء أكثر من ألف مدرسة تغطي المراحل قبل الجامعية الثلاث، الابتدائية والإعدادية والثانوية، و15 جامعة بما يلحق بها من نزل لإقامة الطلاب بلغ عددها 109 نزل، من خريطة التعليم في تركيا بسبب تبعيتها لحركة الخدمة التي يتزعمها الداعية السبعيني فتح الله غولن المقيم في أميركا منذ عام 1999، الذي أشارت إليه السلطات بأصابع الاتهام في محاولة الانقلاب الفاشلة.
المدارس، التي كان يدرس بها نحو 200 ألف طالب ظلت تعمل على مدى 40 عامًا وحققت شهرة واسعة ارتكازًا على مستواها التعليمي والتربوي، حولتها الحكومة إلى مدارس «إمام خطيب» وهي مدارس للتعليم الديني، وأطلقت عليها أسماء من قُتِلوا في محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي خلفت 237 قتيلاً من المواطنين ورجال الشرطة.
أما الجامعات فكان يدرس بها نحو 65 ألف طالب من تركيا ونحو 120 دولة من أنحاء العالم، عدد لا بأس به منهم كان يحصل على منح دراسية أو نسب تخفيضات، وكانت عدد كبير من هذه الجامعات يتيح التدريس باللغة الإنجليزية مع مادتين فقط بالتركية هما التاريخ واللغة التركية.
إغلاق المدارس
عاش هذا العدد من طلاب المدارس والجامعات التي أغلقت ومعهم عائلاتهم في حالة من القلق على مدى أكثر من شهر، في ظل ترقُّب الطريقة التي سيعاد توزيعهم بها على المدارس والجامعات، فضلاً عن المخاوف لدى طلاب الجامعات من عدم الحصول على المستوى التعليمي ذاته، ومن زيادة عدد سنوات الدراسة بسبب عدم تطابق المواد الدراسية في الجامعات التي سيتم توزيعهم عليها مع الجامعات التي كانوا يدرسون بها.
بالنسبة لمرحلة التعليم قبل الجامعي، لم يكن الأمر صعبًا على الرغم من أن أولياء أمور الطلاب في هذه المرحلة عاشوا فترة ترقب لا يعرفون إن كانت المدارس ستغلق أم لا، ومن ثم يتم نقل أبنائهم إلى مدارس أخرى أو إن كانت الحكومة ستدير المدارس نفسها بعد أن تخضعها لإشرافها.
وفي النهاية، حسمت وزارة التربية والتعليم التركية الأمر وأعلنت عن توزيع الطلاب على المدارس التابعة لها، أما بالنسبة لمن يرغبون في إلحاق أبنائهم بمدارس خاصة أخرى فيمكنهم ذلك حسب رغبتهم.
وقال مستشار وزارة التربية والتعليم التركية يوسف تكين إن جميع مدارس حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن أخضعت لإشراف الوزارة وتم تنفيذ قرارات الإغلاق بحق أكثر من ألف مدرسة وتم تحويلها لاحقا إلى مدارس «إمام خطيب».
ولفت تكين إلى أن قرارات الإغلاق صدرت لتلك المدارس، بسبب اتهامها بالعمل ضد النظام الدستوري، مشيرًا إلى أن الوزارة بدأت حملتها ضد الحركة منذ عام 2013 بعد العمل على تحويل مراكز الدروس الخصوصية التابعة لحركة الخدمة إلى مدارس في إطار القانون كما فرضت الوصاية على مدارس الحركة قبل محاولة الانقلاب.
الحكومة التركية كانت قد بدأت حملة لفرض الوصاية على مدارس غولن وإغلاق مراكز الدروس الخصوصية وفصول التقوية وتحويلها إلى مدارس خاصة بعد تفجر وقائع الفساد والرشوة في تحقيقات أجريت في الفترة من 17 إلى 25 ديسمبر (كانون الأول) 2013 طالت وزراء في الحكومة التي كان يرأسها في ذلك الوقت رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب إردوغان، وعدد من كبار الموظفين ومسؤولي البنوك ورجال الأعمال المقربين من الحكومة اعتبرت في وقتها بمثابة محاولة للإطاحة بحكومة إردوغان من جانب حليفه السابق فتح الله غولن.
أزمة مدرسين
صاحب إغلاق هذه المدارس أزمة أخرى في المعلمين، إذ تم إلغاء تصاريح عمل أكثر من 27 ألفًا، من أصل 49 ألف مدرس كانوا يعملون في مدارس حركة الخدمة بدعوى عدم السماح لأحد بالترويج لمنظمات إرهابية (في إشارة إلى حركة الخدمة) بين الأطفال.
وعقب بدء الدراسة قامت وزارة التعليم بفصل أكثر من 10 آلاف مدرس آخر في شرق وجنوب شرقي تركيا بدعوى تقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني، المصنف تنظيمًا إرهابيًا، وحتى تعمل الحكومة على سد هذا العجز قامت بتعيين نحو 15 ألفا من المدرسين المتعاقدين.
والأسبوع الماضي أعادت وزارة التعليم نحو 4 آلاف مدرس ممن أوقفوا عن العمل أثبتت التحقيقات براءتهم من وجود صلة بينهم وبين حركة الخدمة ولا تزال هناك خطوات جارية لاستكمال العجز في المدرسين. واستفادت المدارس الخاصة، في تركيا من إغلاق مدارس غولن، لكن كثيرًا من أولياء الأمور يرون أن المستوى التعليمي والتربوي الذي كان يحصل عليه أبناؤهم في مدارس الخدمة قد لا يمكن تعويضه في المدى القريب.
لكن جمعة إيتشان وهو صاحب سلسلة مدارس خاصة في إسطنبول قال لـ«الشرق الأوسط»: «إننا قادرون على تقديم مستوى تعليمي بنفس الجودة، وربما أعلى، فضلاً عن أن الأطفال لن يقعوا تحت تأثير أي أفكار مما كان يُروّج له في مدارس غولن»، على حد قوله لـ«الشرق الأوسط».
معاناة في الجامعات
المعايير التي طبقتها الحكومة التركية في المدارس هي التي طبقتها على الجامعات التي أغلقت وعددها 15 جامعة، بينها جامعات اشتهرت بالجودة العالية في التعليم، في مقدمتها جامعة «فاتح» في إسطنبول التي كانت تستحوذ على العدد الأكبر، وكان يدرس بها نحو 18 ألف طالب بينهم نسبة كبيرة من الأجانب.
وعانى طلاب الجامعات حالة من الغموض في البداية مع إعلان مجلس التعليم العالي أن على الطلاب أن يجدوا بأنفسهم جامعات بديلة قبل أن يعود ويعلن قبول الطلاب الأجانب من جامعة فاتح في جامعة إسطنبول الحكومية، وتوزيع الطلاب الأتراك على جامعات أخرى جاءت في معظمها خارج المحافظات التي يقيمون بها، بشرط أن يدفعوا المصروفات نفسها التي كانوا يدفعونها في جامعات حركة الخدمة، وكذلك الإشارة في شهادات تخرجهم إلى الجامعة التي تخرجوا فيها ملحقة بأنهم كانوا يدرسون في إحدى جامعات «الخدمة» مما يعنى أن معاناتهم ستمتد بعد التخرج وقد لا يحصلون على فرص عمل لاتهامهم بأنهم من الانقلابيين. مع فتح القيد في جامعات خاصة أخرى لمن يريد، وقامت هذه الجامعات بإجراء تنسيق جديد، واضطر بعض الطلاب إلى أن يدرسوا في العام السابق لسنة دراستهم بسبب اختلاف المواد الدراسية مع جامعاتهم الأصلية.
قرارات مرتبكة
ليس فقط طلاب مرحلة التعليم الجامعي هم من واجهوا هذه الظروف، لكن طلاب الدراسات العليا ومنهم من كان على وشك إنهاء درجة الماجستير أو الدكتوراه ووجدوا أن عليهم أن يبدأوا من نقطة الصفر مجددًا لأن الجامعات أُغلقت، وأساتذتهم المشرفون على رسائلهم الجامعية إما فُصلوا من العمل أو في السجون.
أغلقت الجامعات وأوقف عن العمل أو اعتقل أساتذتها، فيما قال أحد الأكاديميين لـ«الشرق الأوسط» رافضا ذكر اسمه: «إن مجلس التعليم العالي أصابه الارتباك ولم يتمكن من ضبط الأمور وعانى الطلاب حتى بعد بدء الدراسة مع أن الأمر كان سهلا وبسيطا، إذا أضفت الحكومة هذه الجامعات إلى جامعات الدولة وغيرت أسماءها أسوة بما فعلت مع مدارس غولن أو تركها كجامعات مستقلة مع تعيين رؤساء ومجالس جديدة لها». وأضاف: «لكن النقص الذي حدث في كوادر الأكاديميين بعد الاعتقالات الواسعة في صفوفهم أدى إلى عجز في هذه الكوادر وبالتالي سيحتاج الأمر لسنوات».


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

فيديو