برانديلي مدرب فالنسيا: الفريق يغرق في فوضى من صنع يده

برانديلي مدرب فالنسيا: الفريق يغرق في فوضى من صنع يده

خامس أنجح الأندية الإسبانية على أعتاب الهبوط والمدرب يهدد بطرد اللاعبين المتخاذلين
الاثنين - 20 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 19 ديسمبر 2016 مـ
شكودران احد النجوم الذين باعهم فالنسيا (أ.ف.ب) - برانديلي ولاعبو فالنسيا يجرون أذيال الخيبة في مشهد متكرر بالدوري الإسباني (إ.ب.أ) - ليم مالك فالنسيا لا يملك الوقت لإدارة النادي - برانديلي يأمل إخراج فالنسيا من منطقة الهبوط (رويترز)

يعد الإيطالي شيزاري برانديلي أحدث مدرب يقود فالنسيا النادي صاحب رابع أعلى ميزانية في الدوري الإسباني، ورغم ذلك فالأجواء توحي بالفشل.

ويعيش فالنسيا حاليًا أسوأ أزماته منذ 30 عامًا، وانقلبت بعض الجماهير عليه بعدما بدا وشيكًا أن الفريق سيتراجع إلى منطقة الهبوط من دوري الدرجة الأولى الإسباني.

وقال برانديلي: «سأتحدث على مهل وأتمنى أن يفهمني الجميع» وبالفعل فهم الجميع ما يقول جيدا. خاطب مدرب فريق فالنسيا لاعبيه باللغة الإيطالية من دون ترجمة، وكان هذا أمرا غير معتاد. فكلمة قميص بالإيطالية «ماغليا»، وليست «قميصيتا» كما هي في الإسبانية، غير أن المدرب لم يلتزم بوعده بالإبطاء في الكلام، ولكنه جذب قميصه ففهم اللاعبين ما يعنيه، فالمعنى أن القميص يستحق أن تعرق من أجله وأن تناضل من أجل رفعته وأن تحبه، وإلا فالبديل هو «فيوري» وتعني الرحيل، وهي الكلمة التي يستحقها الجميع، قالها مشيرا بيده للباب، ورددها ثلاث مرات: «فيوري، فيوري، فيوري».

كان ذلك يوم الجمعة بملعب تدريب النادي «باتيرنا» واستبدل بالمؤتمر الصحافي المقرر قبل المباراة كلمةً مختصرة ألقاها المدرب ولم يتوقعها أي من الحاضرين.

«عفوا مانولو»، قالها برانديلي للمسؤول الإعلامي، ثم بدأ كلامه بوتيرة متسارعة ليكيل الاتهامات وبلهجة حادة لمدة دقيقة وسبعٍ وخمسين ثانية متواصلة. وصلت الرسالة، وأنهى الرجل الاتهامات بكلمة «شكرا» ثم نهض وسار بين اللاعبين. أثارت كلمات المدرب الكثير من التساؤلات، لكنه حسم الأمر بقوله «لا أسئلة اليوم». كانت كلماته كافية ليبلغ رسالته، وكان ذلك للمرة الأولى منذ توليه مسؤولية تدريب الفريق منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ أن ينطق بعض الكلمات بالإسبانية أيضًا. وبعد انصراف برانديلي، جلس مساعده ماركو فوماغالي على مقعده وقال: «الأستاذ قال إنه غاضب، فقد أراد أن يرى فريقا ذا شخصية، فريقا يحارب دفاعا عن قميصه، فريقا مستعدا لتقديم التضحيات، ومستعدا لتحمل المعاناة دفاعا عن ناديه». وأضاف: «اللاعب غير المستعد ليس أمامه سوى الرحيل، فالذي لا يمتلك الشخصية، والذي لا يحب قميص النادي، عليه أن يرحل، يرحل»، ورددها بالإسبانية «فيوري، فيوري». وبرانديلي هو ثامن مدرب يتعاقد معه فالنسيا منذ انفصاله عن أوناي إيمري في 2012. ورغم تحليه بخبرة أكبر من سابقيه أمثال غاري نيفيل وباكو ايستاران فإن برانديلي لم يحالفه الحظ في تغيير حظوظ الفريق.

واعترف برانديلي بأن كل ما قاله كانت «اتهامات جادة»، فلم يكن أمامه خيار سوى أن يفعل ذلك، فقد تحتم عليه البحث عن لاعبين جدد ليبدأوا التدريب معه، وقال تلك العبارات في أول تدريب معهم، مؤكدا لهم أنهم إن لم يكونوا راضين عما يقول فالباب مفتوح. والآن قالها صريحة أمام الجميع، فسيلعب «بطريقة 4 - 4 - 2، أو 4 - 3 - 3، وهي الطريقة التي ستكشف مَن يلعب ومن لا يلعب، فالمسألة تتعلق بحالة اللاعب وجديته، ومدى احترافيته».

كان بالرسالة معانٍ ضمنية أيضًا، لكن على السطح كان من الصعب الإفصاح عن أكثر من ذلك، لكن اللاعبين فهموا الرسالة، بل ورحبوا بها أيضا، على الأقل خارج غرفة الملابس. اعتقد كثيرون أن كلمات المدرب كشفت اللاعبين ولم تدار سوءاتهم، وأن غيره من المدربين ربما استطاعوا تشخيص داء فريقه ومعرفة عيوبه. فبعد المباريات الجيدة التي أداها الفريق بشكل جيد على غير المتوقع بالدوري الأوروبي الموسم الماضي، قال غاري نيفيل (مدرب فالنسيا آنذاك) إنه في حاجة لنفس المستوى في مباراة الدوري الإسباني التالية، لكنه كان يعلم أن هذا لن يحدث. وأشار استطلاع للرأي أجرته صحيفة «سوبر ديبورتي» إلى أن برانديلي صار ديكتاتورا مثل كيم جونغ أون (الزعيم الكوري الشمالي) بنسبة 98 في المائة، لكنها أكدت على أن ما فعله هو الصحيح. وجاء عنوان الصحيفة في اليوم التالي: «شيزاري.. نحن معك». فقد قال ما يجب أن يقال، وقد تؤتي تلك الكلمات ثمارها. ومع خروجه من ملعب باتيرنا، بحسب زعم الصحيفة، فتح شيزاري زجاج سيارته وأكد للصحافيين أنه واثق من فوز فالنسيا في المباراة التالية.

لكن هذا لم يحدث؛ ففي مباراة بعد ظهيرة السبت أمام ريال سوسيداد لم تمر سوى دقيقتين حتى استقبلت شباك فالنسيا الهدف الأول، حيث كان دفاع الفريق مهلهلاً بشكل غير مسبوق، وقبل مرور نصف ساعة استقبل مرماهم الهدف الثاني، وقبل نهاية المباراة استقبل الهدف الثالث، في حين سجل فالنسيا هدفين، فقد عدلت ضربة الجزاء التي سددها داني باريجو النتيجة لتصبح 1 - 2 ثم جاء هدف زميله زكريا بكالي في الدقيقة الأخيرة لكن الفريق خسر المباراة كما حدث مع غيرها. وعبر المدرب عن رضاه عن مستوى فريقه. وبعد الخسارة 3 - 2 أمام سوسيداد بات خامس أنجح الأندية الإسبانية على بعد مركز واحد فوق منطقة الهبوط متساويا في رصيد النقاط مع سبورتنج خيخون صاحب المركز 18 ليخوض معركة النجاة من شبح الهبوط للمرة الأولى منذ 1986.

وأثارت الهزيمة أمام سوسيداد مشاهد عنف عندما عاد لاعبو فالنسيا إلى ملعبهم.

وقطع نحو 50 من مشجعي الألتراس الطريق أمام حافلة اللاعبين لمنعهم من دخول ملعب التدريبات، مما دفع النادي للاستنجاد بالشرطة.

وأطلقت الجماهير صيحات غضب ضد اللاعبين أثناء نزولهم من الحافلة ولكن برانديلي لم يتعرض لتجاوزات، واحتفت به الجماهير بعدما انتقد سلوك اللاعبين قبل مواجهة سوسيداد.

وقال برانديلي مدرب إيطاليا السابق: «تصبح الأمور أصعب عندما تتأخر 2 - صفر في بداية المباراة. مركزنا في جدول الترتيب ليس من فراغ... إنه انعكاس لقيم الفريق».

ولكي تتذكر آخر انتصارات الفريق عليك بالعودة ثماني مباريات إلى الخلف، وعشرين مباراة لترى آخر مباراة خرجت فيها شباك فالنسيا نظيفة.

كان لاعب الوسط إنزو بيريز قد صرح الشهر الماضي بأن «فالنسيا وصل إلى القاع» لكنه وجد سبيلا للحفر في القاع ومواصلة الهبوط بالاستمرار في الخسائر. والغريب أن النادي صاحب رابع أكبر ميزانية في الدوري الإسباني هو رابع فريق في القاع وبات على وشك الهبوط. لم يتراجع فالنسيا من قبل لمرتبة أسوأ مما بات عليها الآن منذ 15 أسبوعًا، حتى في المرة التي هبط فيها للدوري الأدنى لم يكن الفريق بهذا السوء، فلم يحصد الفريق سوى 12 نقطة من 45 نقطة كانت متاحة أمامه. وإن استمر أداء الفريق بنفس الوتيرة فالهبوط آتٍ لا محالة بعد 30 عاما من آخر مرة هبط فيها. ومع تأجيل مباراته هذا الأسبوع والمقررة أمام ريال مدريد بسبب انشغال الأخير بكأس العالم للأندية، فالاحتمال قائم؛ أن ينهي الفريق موسم 2016 وسط آخر ثلاثة فرق في الجدول. فبين مباريتي غرناطة وأوساسونا، لم يحقق الفريق سوى فوزين فقط بينهما طوال الموسم ولم يكن هذا سيئا، ولو أن فريق سبورتنغ حصل على نقطة الأسبوع الحالي، فسوف يكون الأمر على ما يرام.

وقال سانتي مينا لاعب فالنسيا: «علينا أن نستعيد كرامتنا ونوقف هذا الهراء». فبالنسبة لمدربهم، فهو ذاهب إلى سنغافورة، وهي جملة قصيرة لكنها تقول الكثير (وتعني توجه برانديلي لحسم الأمور مع مالك النادي السنغافوري).

فعندما وصل الفريق إلى مطار مانيسيس بعد مباراة سوسيداد، كان هناك عدد محدود من الجماهير في انتظاره، وكانوا يرددون عبارة في انتظار «المزيد من الهراء»، في حين حذر آخرون مرددين هتافات مماثلة «مقبلون على الهبوط للقسم الثاني». والتقطت كاميرات التلفزيون صورة رجل وقد أخرج رأسه من نافذة السيارة ليصيح «أطفالي يبكون بسببكم». ومن المطار توجه الفريق إلى ملعب «باتيرنا» حيث دخان قنابل الألعاب النارية واستقبلهم نحو 50 مشجعًا من أعضاء ألتراس يوموس. ومع اقتراب الحافلة، أخذ المشجعون في الطرق على مقدمتها، وأظهرت الصور التي التقطت من الداخل مشجع يقول: «ادهسوا هؤلاء المعاقين»، وكانت هتافات الجماهير تقول «المرتزقة الزناديق عديمي الحياء»، و«أنتم لا تستحقون ارتداء هذه القمصان». اعترف اللاعبون أنهم كانوا في رعب حقيقي قبل أن تحضر الشرطة بعد ساعتين ليعود المشجعون أدراجهم.

نجا برانديلي من ورطته وعاد لبيته، لكن بعد سبع ساعات من الهبوط في مطار مانيسيس عاد مجددا بصحبة المدير الرياضي سوسو غراسيا بيتارك، من أجل السفر لمقابلة رئيس النادي الملياردير بيتر ليم لإجراء مباحثات عن خطط الفريق المستقبلية.

ومن المرجح أن يناقشا خطط فترة الانتقالات الشتوية، وقد يسعى لتعويض رحيل لاعبين أمثال شكودران مصطفي واندريه غوميز وباكو الكاسير والفارو نغريدو في وقت سابق من العام.

ولأن مالك النادي لا يستطيع التوجه إلى فالنسيا طوال الموسم لرؤية فريقه، ما كان من الفريق إلا التوجه لرؤية مالكه. وكي يصل إلى هناك عن طريق ألمانيا للالتقاء بالمالك قبل الحصول على العمل، كان على برانديلي قطع مسافة طويلة تسببت في أن يتخلف عن أول مباراة مع فريقه الجديد، بحسب المدرب الإيطالي.

ومع نهاية مباراة السبت، أصر برانديلي على أنه قد حان الوقت «للتفكير مليا» في الوضع وفي موعد اللقاء مع مالك النادي ليم. ويوم الاثنين، تدرب الفريق من دون مدربه، وعندما وصلوا إلى هناك، كان هناك مشجع ينتظرهم حاملاً لافتة صنعها ببيته وقد ثبت بها صورا تحمل بذاءات موجهة للاعبين.

في الحقيقة كان هناك الكثير لتتحدث عنه والكثير لتتأمله، الكثير مما يقال عن الأحوال وليس عن اللاعبين فقط، ويعرف برانديلي ذلك. فقد كان على حق عندما تحدث عن حالة الفريق، لكن الرسالة لم تكن تستهدفهم، رغم أن إلقاء التهمة على اللاعبين هي الخدعة الأقدم في كتاب الإدارة، ورغم ذلك لا نعفي المدرب مما حدث. ولم يكن المقصود أيضًا هو تشجيع النادي على توقيع صفقات جديدة والاستغناء عن القدامى، رغم أن ذلك يمثل أكثر مطالبه إلحاحا، إذ إن الفريق في حاجة ملحة إلى مهاجم ولاعب خط وسط، ومن المرجح أن يكون ذلك أهم ما في لقاء سنغافورة. لكن هناك ما هو أهم، إذ إن أداء اللاعبين الهابط بات مثار تساؤل، وكانت الحالة النفسية المتردية للاعبين مصدر قلق دائم للمدرب حتى في مباراة نهاية الأسبوع الماضي، وهذا كله لم يأتِ من فراغ. لكن ماذا عن هيكل الفريق والنادي، وماذا عن الثقافة التي تسببت في كل هذا الفشل؟

هذا النادي غير قادر على بيع اللاعبين الذين أراد بيعهم، وأيضًا لم يستطع شراء اللاعبين الذين وعد بشرائهم. لكن هناك تحذيرًا لبرانديلي؛ إذ إن الرغبة في التخلص من اللاعبين الذين لا يحبون قميص النادي تختلف كثيرًا عن القدرة على التخلص منهم، فالنادي لا يملك المال لشراء من يريد من اللاعبين على الرغم من أنه قد باع لاعبين بمبالغ قارب إجمالي سعرهم 100 مليون يورو، وكانوا من أفضل لاعبي فالنسيا.

فالثقافة هنا تقول إنه في ظل غياب مالك النادي فإن القوة تصبح في يد غيره، لكن المشكلة أن الموجودين في فالنسيا غير قادرين على اتخاذ القرارات في ظل هيمنة الشكوك على كل شيء، ويشعر اللاعبون بأنهم بالفعل يمرون بهذه الظروف، وهو نفس الشعور الذي يخالج المدربين، وربما الجميع. وما يؤكد ذلك أن ثلاثة مديري نشاط رياضي تناوبوا العمل في النادي، وجميعهم أكدوا على حتمية التغيير.

وأفاد برانديلي: «المشكلة ليست وليدة الشهرين الماضيين، بل العامين الماضيين». فالمدة التي حددها غير صحيحة، فالصحيح هو عامان وليس شهرين. بمعنى آخر، المشكلة لم تحدث عندما حضر مدرب النادي، لكن عندما حضر المالك ليم، في الحقيقة، التصريح جاء جريئا ومليئا بالتحدي. وفي هذا السياق، فإن الرحلة إلى سنغافورة تبدو كفرصة أخيرة، وقد لا يقتصر التغيير على المدرب هذا المرة، فتغيير المدرب لن يكون هو الحل، ولن يكون هذا ضمانا لأي نجاح.

فبين القرارات الأولى للمالك الجديد، حتى قبل أن يصبح مالكا بصورة رسمية، هو أن يأتي ببديل للمدرب خوان أنطونيو بيزي ويعين نانو اسبريتوا سناتو بدلا منه. فنانو استطاع الوصول بالفريق إلى دوري أبطال أوروبا، لكنه تعرض للطرد في بداية الموسم الثاني، وتولى الإنجليزي غاري نيفيل المسؤولية بدلا عنه، وهو صديق لليم وشريك في بعض أعماله. في الحقيقة، جاء نيفيل للعمل كمدرب وهو لا يملك أي خبرة، وكأنه أتى ليسدي معروفا لفالنسيا، أحد أكبر الفرق في أوروبا. وطرد نيفيل أيضًا وحل مكانه مساعده باكو أيستران، الذي طرد بداية الموسم الحالي أيضا. وصرح غارسيا بيتراك، ثالث مدير رياضي بالنادي في عهد ليم، علانية أن أيستران سوف يطرد من الفريق مبكرا أيضا، لكن اللوائح المالية للفريق ووضعه المالي يقول إنه لا يوجد مال كاف للتعاقد مع بديل جديد.

وعندما حدث ذلك في النهاية لم تتحسن الأوضاع، بل تراجع الفريق في الترتيب مجددا وساءت الأحوال مع كل مدرب جديد، وبدا فالنسيا كـ«سيدة عجوز ابتلعت ذبابة»؛ فقد حصل نانو على 49 في المائة من نقاط مبارياته، في حين حصل نيفيل على 29 في المائة، وإيستران على 27 في المائة، بينما لم يحصد برانديلي سوى 25 في المائة فقط حتى الآن. في الحقيقة، يعد سلفادور غونزاليز «فورو» الناجح الوحيد وأفضل مدرب في تاريخ فالنسيا، وكان صاحب التصريح الذي قال فيه إنه لا يود تدريب الفريق مرة أخرى لسبب واحد؛ أنه يعشق قميص النادي.

ويذكر أن فالنسيا فاز بلقب الدوري الإسباني ست مرات آخرها في 2004 وتأهل لنهائي دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين في 2000 و2001.


اختيارات المحرر

فيديو