تركيا في دوامة الإرهاب وسط مخاوف من نفق «الحرب الأهلية»

تركيا في دوامة الإرهاب وسط مخاوف من نفق «الحرب الأهلية»

مقتل 13 عسكرياً وإصابة 56 في انفجار حافلة للعسكريين * السعودية تدين التفجير الإرهابي في ولاية قيصري
الأحد - 19 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 18 ديسمبر 2016 مـ
حالة فزع وهلع بين الأتراك بعد تفجير سيارة مفخخة في مدينة قيصري وسط تركيا استهدفت حافلة لنقل العسكريين وأدت إلى مقتل 13 وإصابة 56 أمس (أ.ب)

أثارت دعوة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى التعبئة الوطنية العامة في مواجهة الإرهاب الكثير من التساؤلات حول ما إذا كانت تركيا دخلت النفق المظلم للحرب الأهلية نتيجة التطورات الداخلية والصراع مع حزب العمال الكردستاني أو التطورات المحيطة بها في سوريا والعراق والتي لا تنفصل عن التطورات الداخلية لوجود امتدادات في البلدين الجارين للحزب الذي تصنفه أنقرة وواشنطن والاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية.

الدعوة التي أطلقها إردوغان في لقاء مع رؤساء العمد والأحياء بالقصر الرئاسي في أنقرة الأربعاء الماضي لفتت الانتباه إلى حالة الاستنزاف التي تعيشها تركيا بسبب الهجمات الإرهابية في المدن الكبرى إلى جانب المواجهات بين الجيش وقوات الأمن مع العمال الكردستاني في شرق وجنوب شرقي تركيا والتي أدت إلى نزوح نحو نصف مليون مواطن من قراهم في هذه المناطق بحسب مراقبين دوليين.

ورفض الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أكثر من مناسبة في الأيام الأخيرة الترويج لوجود احتمالات لاندلاع حرب أهلية في تركيا متهما الغرب بالترويج للحالة التي تشهدها تركيا في مكافحة الإرهاب، على أنها تعيش حربا أهلية، مشددًا على أنه لن يسمح باندلاع حرب كهذه.

واتهم إردوغان الإعلام الغربي بالترويج عن عمد لمثل هذه المزاعم واصفا التقارير التي ينشرها الإعلام الغربي في هذا الصدد بـ«الملفقة» وقال في كلمة خلال مراسم تقديم جوائز لغرفة تجارة ولاية ريزا شمالي البلاد مؤخرا، إن صحافيين غربيين يلفقون ويروّجون للحالة التي تشهدها تركيا في مكافحتها للإرهاب بأنها تعيش حربا أهلية، مشيرا إلى أنهم لن يسمحوا باندلاع حرب كهذه. وشدد إردوغان على أن تركيا اليوم لا تشبه تركيا السابقة منذ خمس سنوات وأن الأزمات الداخلية والخارجية التي تعصف بها زادت من حدة الانقسام والتوتر على صعيد الداخل التركي.

وفي بيان له أمس حول تفجير سيارة مفخخة في مدينة قيصري وسط تركيا استهدفت حافلة لنقل العسكريين وأدت إلى مقتل 13 وإصابة 56 منهم بعد أسبوع واحد من تفجيرين انتحاريين في إسطنبول السبت قبل الماضي، ما أدى إلى مقتل 44 من بينهم 37 من رجال الشرطة وإصابة 149 آخرين، قال إردوغان إن الهجمات التي تتعرض لها بلاده في الآونة الأخيرة، تستهدف كل الشعب التركي، وليست بمعزل عما تشهده المنطقة من أحداث، خاصة التطورات في سوريا والعراق، وحتى التقلبات الاقتصادية. وأضاف أن «العمليات الإرهابية تستهدف إلى جانب الجيش والشرطة 79 مليونا من مواطنينا، وتركيا تتعرض لهجمة مشتركة من التنظيمات الإرهابية». وأضاف أن «حزب العمال الكردستاني، على الأخص، يستنفر كل إمكانياته، وأسلوب وهدف عملياته، يشيران إلى أن الغاية الأساسية هو قطع الطريق أمام تركيا، وعرقلة تقدمها».

وأكد إردوغان أن بلاده «ستواصل بعزم مكافحة التنظيمات الإرهابية»، داعيًا جميع الأطياف في تركيا إلى الاتحاد في مواجهتها.

من جهتها, أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للتفجير الذي وقع بجانب حافلة تُقل على متنها عسكريين أتراك قرب جامعة أرجياس التركية في ولاية قيصري بوسط البلاد، مقدمة العزاء لأسر الضحايا ولتركيا حكومة وشعبًا وأمنياتها للمصابين بالشفاء.

وقال مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السعودية إن بلاده تدين وتستنكر بشدة التفجير الذي وقع بجانب حافلة تُقل على متنها عسكريين أتراك قرب جامعة أرجياس التركية في ولاية قيصري بوسط البلاد، وأسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.

وجدد المصدر التأكيد على مؤازرة السعودية ووقوفها إلى جانب تركيا ضد الإرهاب، مقدمًا العزاء لأسر الضحايا ولتركيا حكومة وشعبًا، مع الأمنيات للمصابين بالشفاء العاجل.

من جهته، رأى الخبير التركي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى سونار تشاغتاي أن الشعب التركي وقع بين شقي الرحى، وأنه مقبل على فترة حساسة بسبب تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي للبلاد من البرلماني إلى الرئاسي لافتا إلى أنه حتى لو كانت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) الماضي نجحت في تحقيق أهدافها، أو بعد أن فشلت وتم إحباطها، فإن القمع سيكون هو العنوان المقبل لتركيا لأنه لو كان الجيش نجح في محاولة الانقلاب، لكانت تركيا أصبحت دولة قمعية يترأسها الجنرالات، لكن أما وأنه فشل فإن النتيجة ستكون سلطة مدنية متشددة. ورأى تشاغتاي أن البعض سيضطر للجوء إلى العنف، والتحول نحو الجماعات المتطرفة مثل حزب العمال الكردستاني وجماعات مماثلة معربا عن قلقله ومخاوفه بشأن استقرار تركيا، لا سيما أن محاولة الانقلاب شملت قسمًا من الجيش فقط، مما يشير إلى وجود انقسامات خطيرة في مؤسسة حافظت على تضامنها، في ظل الانقلابات السابقة، وضربة جديدة لتماسك الدولة والمجتمع، الأمر الذي سوف يؤدي إلى القضاء على الدعم الحكومي والشعبي للمؤسسة التي كانت الأكثر ثقة واتحادًا في تركيا. وتوقع أن تتعمق التصدعات الاجتماعية في تركيا، لأن الانقلاب الفاشل سوف يؤدي إلى زيادة التحول نحو حقبة السبعينات، التي كانت سنوات مظلمة عانت خلالها تركيا من حرب شبه أهلية بين الجماعات المسلحة اليمينية واليسارية وقوات الأمن، وأسفرت عن مقتل الآلاف من الناس.

وقال: إن التكلفة التي تلوح في الأفق تتمثل في مواصلة تقسيم تركيا، البلد الذي تضرر بعد أن شهد 11 هجومًا إرهابيًا في غضون الأشهر الستة الماضية فقط، وأن البلد الممزق بين المؤيدين لإردوغان والمعارضين له، معرض لمزيد من العنف. واتفق عدد من الخبراء على أن المعالجة الحالية للقضية الكردية في تركيا والتي عادت إلى جانبها العسكري البحت مع تضييق هامش الممارسة السياسية من خلال الاعتقالات في صفوف قيادات حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد وعزل رؤساء البلديات المنتخبين في شرق جنوب شرقي تركيا هو بمثابة تغذية للنزعة الانتقامية وأن تصعيد العمليات الإرهابية التي تستهدف الجيش والشرطة إنما يعكس الرد على مؤسسات الدولة والحكومة وحزب العدالة والتنمية الذين يرفعون شعارات أن تركيا لم يعد بها شيء يسمى بالمشكلة الكردية.

ورأى الخبير في معهد الدراسات الآسيوية مديام يانيك أنه مع التطورات في سوريا والعراق بدأت تركيا تشعر بالقلق من احتمالات تحقق مشروع كردستان الكبرى، لا سيما مع بدء نشاط حزب العمال الكردستاني لفرض سيطرته على مناطق في شرق وجنوب شرقي تركيا بالقوة ونصب حواجز وحفر خنادق لتكريس سلطته التعسفية في هذه المناطق.

ولفت إلى أن هذه النقطة، أي الحديث عن إقامة كيان فيدرالي كردي في سوريا إلى جانب إقليم كردستان ذي الحكم الذاتي في العراق، إحدى النقاط الأساسية التي أقلقت تركيا، موضحا أن السيادة المحورية الكردية التي تحققت في إطار عمليات كوباني وثورة روج آفا في سوريا، والدعم الأميركي والروسي الوفير لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا وذراعه العسكرية، وحدات حماية الشعب الكردية، والتعاطف العالمي الضخم تجاه النجاح الذي حققه المقاتلون الأكراد ضد تنظيم داعش الإرهابي جميعها عوامل حفزت حزب العمال الكردستاني لقلب طاولة الحوار والعودة إلى السلاح في تركيا، لإعلان الاستقلال في ذلك الوقت الذي يعد الأكثر مناسبة في تاريخ النزاع الكردي. وأطلقت القوات المسلحة وقوات الأمن التركية عملية عسكرية موسعة منذ 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015، للقضاء على عناصر حزب العمال الكردستاني المتحصنة داخل بعض المدن التركية، أدت هذه العملية التي استهدفت إزالة مظاهر الحكم الذاتي التي سعت المنظمة لتثبيتها داخل أحياء بعض المدن لا سيما في شيرناق وبلدة جيزرة تحديدا، وفي ماردين وديار بكر وغيرهما، إلى واقع مأساوي بالنسبة للسكان الذين اضطر عشرات الآلاف منهم إلى النزوح من قراهم للتوجه إلى مناطق آمنة.

ورأى محمد أغار الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب أن الوضع الراهن في تركيا حرج للغاية وأن تصاعد العمليات الإرهابية يضغط على مؤسسات الدولة في الوقت الذي تحيط بتركيا فيه مشاكل إقليمية وتتهددها أخطار إرهابية من حدودها مع سوريا والعراق، ووجود امتدادات لحزب العمال الكردستاني في البلدين. واعتبر د. عاكف كيرتتشي الأستاذ بجامعة بيلكنت أن ما تعانيه تركيا الآن ليس ضعفا أمنيا أو استخباراتيا ولكن هناك مشاكل كثيرة تنبع من الحدود لا سيما فيما يتعلق بنشاط «داعش» وحزب العمال الكردستاني وأنه مهما كانت قوة أجهزة الأمن فإن ذلك لن يحول دون تكرار العمليات الإرهابية مشددا على ضرورة التضامن في مواجهة هذه الأحداث وتنحية الخلافات السياسية جانبا.

وجاء الانفجار أمس بعد أسبوع من تفجيرين خارج استاد بيشكتاش لكرة القدم في إسطنبول أسفرا عن سقوط 44 قتيلا بينهم 37 من الشرطة وإصابة 149 آخرين أعلنت منظمة صقور تحرير كردستان القريبة من حزب العمال الكردستاني مسؤوليتها عنهما. وقال وزير الصحة رجب أكداغ إن هناك 56 مصابا 12 في العناية المركزة و6 منهم في حالة خطيرة.

وقال وزير الداخلية سليمان صويلو إنه تم القبض على 7 أشخاص يشتبه في علاقتهم بالتفجير وجاري البحث عن خمسة آخرين. وتوعد بالرد بالمثل على تلك الهجمات.‎ وقال: إن «العمليات التي تستهدف من حين لآخر المدنيين والعزل وقواتنا الأمنية، هي أحقر أنواع العمليات الإرهابية في العالم وأكثرها غدرًا، أريد أن أوضح بأنه سيتم الرد بالمثل».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة