بعد السيطرة على حلب... ابتهاج في الإعلام الرسمي ووجوم في الشارع

بعد السيطرة على حلب... ابتهاج في الإعلام الرسمي ووجوم في الشارع

الاقتصاد المتدهور جعل السكان في حالة لا مبالاة حيال وضع جبهات القتال
الخميس - 16 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 15 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13897]

لم يظهر الموالون للنظام في العاصمة دمشق الابتهاج في الشارع العام، كما جرت العادة لدى تحقيق قوات النظام تقدمًا على الأرض، واستعادته السيطرة على مدينة مهمة، كمدينة حلب التي تُعدّ العاصمة الاقتصادية لسوريا، فلم تخرج مظاهرات سيارة، ولم تطلق الأبواق والأغاني الحماسية الحربية، بل ربضت العاصمة تحت وطأة صمت ثقيل، رده البعض إلى تردي حالة الطقس وتدني درجة الحرارة إلى ما دون الصفر، وازدياد اعتيادي في ساعات تقنين الكهرباء، ترافق مع شح مادتي المازوت والغاز المنزلي اللتين تستخدمان وقودًا بديلاً للتدفئة شتاء. وهو وضع لا ينسجم مع المشهد الذي يصدره إعلام النظام عن الاحتفالات الشعبية بـ«النصر المؤزَّر في حلب».
وترافق المنخفض الجوي الذي يلف البلاد، مع انخفاض حاد في الأمل بخلاص أو بقرب حصول انفراجة عند السوريين عمومًا الموالين قبل المعارضة، إذ ثمة قناعة تكرست خلال السنوات الخمس من الصراع، بأن نتائج المعارك العسكرية و«الانتصار» لا تعني بالضرورة أن أوضاع المدنيين ستتحسن. وبينما كسب النظام حلب، خسر تدمر وحقول النفط والغاز في محيطها لصالح تنظيم داعش، مع تمدد تركي عسكري مدعوم بقوات محلية قرب منطقة الباب، مما يعني أن أزمات الوقود والطاقة ستتفاقم، والليرة السورية إلى مزيد من التخبط أمام الدولار، والأسعار إلى ارتفاع، و«التقدم الذي حصل في حلب ستكون نتائجه اقتصاديًا (صفرًا)»، بحسب رأي مدرس فلسفة في إحدى مدارس دمشق، الذي عبر عن ارتياحه لحسم الموقف في حلب بغض النظر عن النتيجة قائلا: «المهم أن يتوقف القتال وسيل الدماء الجاري»، مؤكدا أنه لا منتصر في هذا النوع من الحروب، ونتائجها معروفة سلفًا وهي دائما الخسارة، والجزء الأعظم منها يدفعه المدنيون من أرواحهم وممتلكاتهم ومصالحهم».
ويسود انطباع عند كثيرين، بأن أرض حلب عادت الآن موحَّدة لا شرقية ولا غربية، لكن حلب المدينة العظيمة بتراثها لم تعد، ولا نعرف إذا كانت ستعود في الأمد المنظور؛ فنصف المدينة مدمَّر خاوٍ، والنصف ضعيف مُنهَك اقتصاديًا.
الإنهاك الاقتصادي والارتفاع المتواصل في الأسعار مع انعدام القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر التي تجاوزت حسب الأرقام الأخيرة المتداولة نسبة الـ85 في المائة، أسباب كافية لتجعل السوريين القاطنين في مناطق سيطرة النظام لا سيما العاصمة دمشق، في حالة لا مبالاة حيال أي تقدم أو تراجع يحصل على جبهات القتال. وتقول غادة موظفة إدارية نزحت من ريف حمص إلى دمشق: «تحررت حمص والقصير والنبك ويبرود وغيرها، ولم تنتهِ الحرب ولم تتحسن أوضاعنا ولم نتمكن من العودة إلى بيوتنا ومناطقنا التي نزحنا منها، فهل سنعود بعد تحرير حلب؟ لا نظن. المناطق المستعادة هي مناطق مدمرة محروقة تحتاج إلى كثير من المال والزمن، ونحن يوما بعد آخر نزداد فقرا وبؤسا ولا نرى خلاصا لنا سوى الهجرة».
وتتحدث غادة عن أن عائلتها فقدت ثلاثة شباب؛ شقيقًا وأبناء عمومة، قاتلوا في صفوف جيش النظام وجيش الدفاع الوطني، وتتمنى أن لا تفقد المزيد من أقاربها على جبهات دير الزور. وتقول: «أولادنا ما زالوا يقتلون».
وبينما رفض أحد المعارضين ممن لا يزالون في الداخل التعبير عن شعوره، وبدا محبطًا مكتفيا بالقول: «القصة مطولة»، قالت سيدة كانت تنتظر دورها في الحصول على حصتها من المساعدة أمام جمعية خيرية: «اللي بيرجع يرجع واللي بده يروح يروح. بدي شي طعمي ولادي. لا بشوف شي ولا عم اسمع شي».
مشهد الوجوم في شوارع العاصمة الغارقة بالوحول بعد أمطار غزيرة، لا ينسجم مع المشهد الذي يصدره إعلام النظام عن الاحتفالات الشعبية بـ«النصر المؤزَّر في حلب»، التي تظهر شباب وفتيات يعقدون الدبكات في الشوارع ابتهاجًا بما يسمونه «تحرير حلب من الإرهاب»، دون أي ذكر لوجود مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين الواجب إنقاذهم، بحسب القوانين الدولية. كما لا ينسجم مع الذعر الذي انتشر بين ما تبقى من رجال وشباب على خلفية معلومات عن إصدار قائمة جديدة بأسماء نحو 87 ألف مطلوب للخدمة العسكرية (الاحتياط)، التي تم تعميمها على الحواجز في دمشق وريفها وحمص والساحل، الأمر الذي يشي بموجة فرار واسعة، بعد أن وصل سن المطلوبين للاحتياط إلى مواليد عام 1974. وجاءت هذه المعلومات مع دعوات محمومة من قبل النظام للالتحاق بالفيلق الخامس الذي أعلن عن تشكيله أخيرًا، وتبث شبكتا الجوال المشغلتان في سوريا «سريتيل» و«إم تي إن» الدعوات لمشتركيهما عبر الرسائل القصيرة، وتقول واحدة منهما: «كن واحدا من صانعي الانتصار وانضم إلى الفيلق الخامس.. كي تنال شرف الدفاع عن سوريا». وترفق الدعوات برقم هاتف للاطلاع على مزايا الانضمام للفيلق الخامس، التي من بينها رواتب مغرية!
واللافت أن تلك الدعوات تحولت إلى نكتة على ألسن السوريين لا سيما الشابات، حيث اعتبرن أن الدعوة موجهة للنساء، إذ لم يبق عدد كافٍ من الشباب والرجال للتطوع، فالحرب أكلت الجميع. وكتبت إحداهن: «الأشاوس حرروا حلب وجاء دور النسوان لتحرير إدلب... همتكن صبايا عالفيلق الخامس».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة