توافق عام حول النمو البطيء والمستقر بالاقتصاد العالمي في 2017

محمد العريان يؤكد أن قوة الدولار سيكون لها تأثير إيجابي مباشر على منطقة الخليج

محمد العريان خلال مشاركته في المنتدى الاستراتيجي العربي أمس في دبي («الشرق الأوسط»)
محمد العريان خلال مشاركته في المنتدى الاستراتيجي العربي أمس في دبي («الشرق الأوسط»)
TT

توافق عام حول النمو البطيء والمستقر بالاقتصاد العالمي في 2017

محمد العريان خلال مشاركته في المنتدى الاستراتيجي العربي أمس في دبي («الشرق الأوسط»)
محمد العريان خلال مشاركته في المنتدى الاستراتيجي العربي أمس في دبي («الشرق الأوسط»)

جدد الدكتور محمد العريان، رئيس مجلس الرئيس أوباما للتنمية العالمية، التأكيد على وجود توافق عام على أن الاقتصاد العالمي سيشهد نموًا بطيئًا ومستقرًا في عام 2017، مشيرًا إلى أن الاقتصاد العالمي اليوم على مفترق طرق، ولم يعد للمصارف المركزية الدور الكبير المعتاد فيما يتعلق بتحقيق الاستقرار النقدي لحكوماتها.
وقال العريان في دبي أمس، إن «العالم الذي اعتدنا عليه في تغير مستمر ومتسارع، لذا لا بد للحكومات من تفعيل دور القطاع الخاص وإجراء الإصلاحات المالية اللازمة لتجنب الركود الاقتصادي والمحافظة على استقرارها قدر الإمكان»، مشيرًا إلى أن معظم الأحداث السياسية التي شهدها العالم خلال 2016 كان بعيدا أشدّ البعد عن التوقعات، وما ذلك إلا إشارة واضحة إلى أن العالم أصبح أقل استقرارًا وأصعب قراءة وتوقعًا.
وقال رئيس مجلس الرئيس أوباما للتنمية العالمية، متحدثًا في جلسة بالمنتدى الاستراتيجي العربي الذي عقد يوم أمس في دبي: «إذا نظرنا إلى الاقتصادات الكبرى في العالم، التي تشكل نحو 70 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي، نتوقع نمو اقتصاد الولايات المتحدة بـ2.5 في المائة، واليابان بـ1.5 في المائة، والصين بـ6 إلى 7 في المائة، وخروج روسيا والبرازيل من حالة الركود التي خيّمت على اقتصاداتها في الفترة الأخيرة».
وتوقع أن يكون للولايات المتحدة ميزانية أكثر نشاطًا وأعلى إنفاقًا في عام 2017، ما ينطبق كذلك على المملكة المتحدة، مرجحًا أن يواصل الدولار الأميركي أداءه القوي، ما قد يعني مناهضة أكبر للتجارة الحرة وميلاً أكبر تجاه الحمائية في الولايات المتحدة.
وتابع: «السوق الأميركية على موعد مع زيادة في النمو والتضخم وارتفاع في التدفقات النقدية، نتوقع استعادة كثير من الشركات الأميركية أموالها من الخارج وضخها في الأسواق الأميركية، فالتحديات التي شهدها الاقتصاد الأميركي مؤخرًا لم تكن نتيجة لنقص رؤوس المال، وإنما كانت انعكاسًا لتداعي مستويات الثقة لدى المستثمرين. وفي ضوء هذه السياسات المالية الجديدة، لا بد من عودة هذه الأموال إلى السوق الأميركية».
وفي سؤال حول مدى تأثير قوة الدولار الأميركي على المنطقة العربية، أكّد العريان أن قوة الدولار سيكون لها تأثير إيجابي مباشر على منطقة الخليج بشكل عام، بحكم ارتباط عدد من العملات المحلية بالدولار الأميركي، وهذا سيسهم بشكل كبير في دعم مساعي الحكومات الخليجية في تعزيز النمو وتطبيق الإصلاحات التي تم الإعلان عنها.
أما على مستوى الدول الأخرى، فأكّد العريان أن على الحكومات اتخاذ الإجراءات اللازمة للتصدي لتأثير انخفاض عملاتها مقارنة بالدولار، وذلك من خلال توفير عنصرين رئيسيين هما: تعزيز المرونة والمقاومة، وبناء قدرة عالية على التعافي واستعادة النشاط.
وحول موضوع النفط، قال العريان إن الالتزام بـ«اتفاق أوبك» الأخير أمر في غاية الأهمية، وأضاف: «هنالك كثير من الزخم من قِبل الدول غير الأعضاء في (أوبك) للمساعدة على الالتزام بالاتفاق، وقد شهدنا تعاونًا كبيرًا من قِبل روسيا في موضوع خفض مستويات الإنتاج».
وأوصى العريان الحكومات والمؤسسات والشركات باستيعاب التغيير الكبير والمتسارع الذي يشهده العالم بشكل متواصل، وتعديل سياساتها الاقتصادية والمالية بما يضمن تحقيق النمو المطلوب.
من جهته، توقع محمد القرقاوي، رئيس المنتدى الاستراتيجي العربي، أن العام المقبل سيكون حافلا بتطورات غير مألوفة في الخريطة السياسية العالمية، وسماه «عالم ما بعد انتخاب ترامب»، مشيرا إلى أن المنتدى «يأتي هذا العام في وقت نرى فيه انحسارًا لمفاهيم العولمة، ومدًا كبيرًا لمفاهيم القومية والانكفاء للداخل في دول كبرى كانت تقود مفاهيم التجارة والثقافة العابرة للقارات».
وأعلن القرقاوي خلال كلمته عن إطلاق «برنامج لتطوير مستشرفي المستقبل العرب»، وذلك في المجالين السياسي والاقتصادي، حيث سيعمل المنتدى الاستراتيجي العربي مع مجموعة من الخبراء والمراكز الدولية المعتمدة لتطوير نخبة من الشباب العربي المتخصصين، وذلك ليكونوا نواة لعلم الاستشراف الاقتصادي والسياسي.
إلى ذلك توقعت الدكتورة نتاليا تاميريسا، من صندوق النقد الدولي، أن يكون المشهد الاقتصادي الإقليمي في عام 2017 متفاوتًا بين الدول العربية، في ظل نجاح بعضها في تنويع اقتصاداتها ومحاولات أخرى لتحقيق التنوع الاقتصادي.
وقالت تاميريسا، في المنتدى الاستراتيجي العربي، إن الدول العربية تنقسم إلى ثلاث مجموعات، وهي الدول التي تشهد صراعات مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا، والدول المصدرة للنفط مثل دول مجلس التعاون الخليجي والجزائر، ودول مستوردة للنفط مثل مصر وتونس ولبنان والمغرب.
ورأت أن اتفاق الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» والدول المنتجة غير الأعضاء أعطى مؤشرا إيجابيا تسبب في ارتفاع أسعار النفط، لكنها توقعت ألا تعود الأسعار إلى مائة دولار للبرميل، بل ستتراوح ما بين 50 و60 دولارا للبرميل، وأن الدول المنتجة للنفط ستعاني من تراجع أسعار النفط، وبالتالي ستحتاج إلى تحقيق مزيد من التنويع الاقتصادي.
وأوضحت تاميريسا أن ترشيد الإنفاق من قبل الدول المنتجة للنفط وخفض النفقات لها تداعيات، ويجب تبنّي خطط لتجاوزها، وتطوير قطاعات مثل السياحة والصناعة والنقل وغيرها، حيث إن كثيرا من هذه الدول أحدثت تقدمًا ملحوظًا مع التغيير في أسعار النفط من خلال خفض الدعم للكهرباء والوقود وإطلاق المشاريع التي تهدف إلى تحقيق التنويع الاقتصادي.
وفي جلسة التحديات الاقتصادية للعالم العربي، أكد كل من الدكتور جورج قرم وزير المالية اللبناني الأسبق، والدكتور ممدوح سلامة الخبير النفطي العالمي، خلال الجلسة الثالثة من المنتدى الاستراتيجي العربي، أن الحالة الاقتصادية للعالم العربي في العام المقبل ستكون زاخرة بالتحديات.
ودعا سلامة أعضاء منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» إلى عدم المبالغة في التخوف من النفط الصخري الأميركي، حتى لو عاد إلى الواجهة بعد ارتفاع أسعار النفط عالميًا، مشيرا إلى أنه يقدر خسائر النفط خلال العامين 2014 و2015 لدول الخليج والعراق بـ320 مليار دولار.
وتوقع ممدوح سلامة، الخبير النفطي، أن يلامس سعر برميل النفط نحو 70 دولارا خلال النصف الثاني من العام المقبل، وأن قدرة المنافسة من النفط الصخري الأميركي قصيرة المدى، لكونه يحتاج إلى استثمارات ضخمة لضمان الاستمرار على الوتيرة نفسها.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.