ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

تسعى لفهم الفعل الإنساني من دون أن تنسى مطلقًا بعده المادي

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري
TT

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

تعود أحداث شريط فيلم (La catin)، إلى بداية القرن الخامس عشر (1414)، حين تحولت سلطة الجنس إلى مرتبة ومقام سلطويين. ففي ظل تحكم الساسة ورجال الدين في شؤون المجتمع، لفظ هذا الأخير ظواهر اجتماعية فرضت نفسها على صناع القرار، وصار معها صوت المنبوذين والمقهورين، أو «المستضعفين في الأرض»، سلاحًا ذا حدين. فقد تمكنت بطلة الفيلم، من فرض سلطتها على الحاكم الذي رضخ لمطالبها، لا لشيء إلا لأنها استطاعت بجسدها أن تبلغ سريره، وأن تجعله أسير غرائزه الشهوانية وعبدا لجسدها. فالجسد المنبوذ والمتنقل في قوافل لا حق لها في اختراق جدار المدن، أصبح سلطة اجتماعية تنافس السلطة السياسية.

حظي مفهوم الجسد في تاريخ البشرية باهتمام بالغ، استفرد به البحث السوسيولوجي والأنثربولوجي والتاريخي والفينومينولوجي. غير أن فلسفة الجسد، ستفتح باب الوضع البشري على مصراعيه، مع الفيلسوفة الإيطالية المعاصرة ميشيلا مارزينو، التي ترى أن فلسفة الجسد ليست، في الواقع، إلا فلسفة تأخذ كمنطلق لها هذا الجسم ذاته، وتتساءل عن الوجود في العالم الجسمي لكل فرد. إنها الفلسفة التي تسعى لفهم الفعل الإنساني من دون أن تنسى مطلقًا بعده الجسمي. لأن أية فلسفة، وبمعزل عن واقع أن الجسم ربما اعتبر، أحيانا، ثقلاً باهظًا يمنع المعرفة والفضيلة، لم تستطع مطلقًا دراسة بنية وجوده. وتطرح سؤالاً: هل للفرد الحق في ملكية جسده.
ولدت الشابة ماريا ميشيلا مارزانو، في 20 أغسطس 1970 في روما، وتابعت دراستها الثانوية في ثانوية «بيو 9» في المدينة. وفي المدرسة العليا بيز، اتجهت نحو الدراسات الفلسفية، خصوصًا الفلسفة التحليلية والبيوإتيقا التي ألهمتها في جامعة روما (سابينزا). وفي 1998، ناقشت أطروحتها في المدرسة العليا، حول قانون الجسد البشري، التي ساهمت في تطوير أبحاثها الحالية. وبعدها بسنة، دخلت إلى فرنسا حيث أدمجت في المعهد الوطني للأبحاث الاجتماعية سنة 2000. وفي سنة 2010، صارت أستاذة التعليم العالي بجامعة باريس - ديكارت. وخلال عقد ونصف العقد، استطاعت أن تنتج نصوصًا مهمة في مجال الأخلاق والسياسة: «تفكر الجسد» (2002)، «الصناعة الجنسية أو نزيف الرغبة» (2003)، «الوفاء أو الحب» (2005)، «قلق في الجنسانية» (2006)، «فلسفة الجسد» (2007)، «قاموس الجسد» (2007)، «الإتيقا المطبقة» (2010)، «عقد الثقة: في مدح الثقة» (2010)، «كل ما أعرفه عن الحب« (2014). وكباحثة في الفلسفة وكاتبة، انخرطت سياسيًا في اليسار الإيطالي، وانتخبت نائبة برلمانية في فبراير (شباط) 2013.
يستوجب الحديث عن الجسد تعيين الحدود بين الجسم البيولوجي والجسد بمعناه الثقافي، لجهة أن التمييز بين الفطري والمكتسب في الجسم البشري، يضع الحد الفاصل بين البعد الطبيعي والثقافي. فالثقافة في نظر ماريا، «هي ما يتيح للناس الارتقاء لما فوق وجودهم الطبيعي». غير أن الجسد بما هو كذلك، أنواع: الجسد المخفي (بيكيت)، الجسد المشفر (باختين)، الجسد المشرح الذي أعيد تشكيله (وحش فرانكنشتاين)، الجسد المروض والمطيع (فوكو)، الجسد العاري، الجسد المشلول، الجسد المصلوب.. هكذا ترى ميشيلا مارزانو، أن «الجسد هو قدرنا، ليس لأن الكائن البشري ليس حرًا في اختيار الحياة التي تناسبه أكثر، وأنه مصمم وراثيا لإنجاز بعض المهام أكثر من غيرها بسبب طبيعته الجسمية، بل لأن الجسم، وبمعزل عن كل خيار وكل قرار، هو حاضر دائمًا، غير قابل للتجاوز».
تعود علاقة الإنسان بجسده إلى الخطيئة الأولى، التي لا تزال محفوظة في الأذهان بفضل التنشئة الاجتماعية. وقد خضع لشتى أنواع التنكيل والتعذيب، وتأرجح، بحسب الثقافات، بين المباح والممنوع، بين العاري والمستور. وكان موضوع تأملات فلسفية عدة اختلفت بحسب السياقات التاريخية والرؤى الآيديولوجية: «إننا ما زلنا نصطدم اليوم بمواقف آيديولوجية، تختصر الجسد إما إلى حمل ينبغي التحرر منه، وإما إلى جهاز معقد خاضع لنظام من نقاط اشتباك عصبية، تحدد كل سلوك أو قرار إنساني». بيد أن تجربة المسرح بما هو تجسيد للعبة الجسد، قد ساهمت في كشف خباياه، وأطلقت عنانه نحو التعبير الحر، وصارت له في الساحة العامة سلطة فنية وجمالية وسياسية وأخلاقية لا تضاهى.
تستند ماريا في تحليلها لموضوعة الجسد، على إرث فلسفي عميق نجده في كتابات أفلاطون، وديكارت، وسبينوزا، وهوسرل، وميرلوبونتي، ونيتشه، وفوكو وغيرهم. وتتساءل: كيف يمكن الحديث عن الوجود الجسدي من دون الانزواء في خطاب اختزالي، أو على العكس، من دون السقوط في مطب التعداد الساذج «لتقنيات الجسد»؟ كيف نبني فلسفة للجسد قادرة على إبراز المعنى والقيمة الجسمية؟
الجسد علامة إنسانيتنا وذاتيتنا. فهل بمقدور المرء حقيقة، أن يضعه على مسافة منه؟
تبني ميشيلا فلسفة الجسد على مفارقة حقيقية، حيث تقول: «تبدو غالبية النقاشات المتعلقة بالجسم، عالقة في مأزق: فمن جهة، يجري تحليله بوصفه مادة ينبغي قولبتها وفقًا لأهوائنا المتقلبة وغير المكتفية إطلاقا. ومن جهة أخرى، فإنه متماثل مع القدر أو مع الحتمية. وهو مقبول، بالطبع، من قبل كثيرين، بوصفه الركيزة الجسدية لكل شخص ومقر التجارب الشخصية. لكنه أيضًا، وربما في أغلب الأحيان، يعتبر موضوع الملاحظات، والمعالجات، والاهتمامات، والمنظومات الثقافية والطبية. وبدل التجاذب ما بين جسم (ذات وجسم) موضوع حل التناقض بين جسم (كلية، الذي يتطابق مع الشخص، وبين جسم) مجموع أجهزة، الذي سيكون له وضع الأشياء ذاته. لكن إذا كانت المماثلة في الحالة الأولى، تترجم بالاختزال المادّي للشخص، فإن الغيرية في الثانية، تقود إلى الثقة بامتلاك جسم - موضوع، بحيث إن الإنسان يستطيع التفكير بذاته كما لو أنه يفكر بـ«آخر» بالنسبة لجسمه: فكيف يمكن الخروج عندئذ من هذه المفارقة» (فلسفة الجسد، ص9). ولمعالجة هذه المفارقة، فحصت مجموع المذاهب الفلسفية التي قاربت موضوع الجسد من وجهات نظر متباينة: النزعة الأحادية مع ديكارت وسبينوزا، الاختزالية المادية مع لاميتري، والفينومينولوجيا مع هوسرل وميرلوبونتي ولفيناس، والنزعة العصبونية مع شونجو، لتصل إلى الازدراء المعاصر بالجسد، حيث تنامت نزعات تدميرية غير مسبوقة، تحولت من التعبير عن صوت أقليات داخل المجتمعات الغربية، إلى حركات لها وزنها في مجموع الكوكب. لقد تحول الإنسان من الكائن الآلة، كشخص متجسد (من دون جسد لن يكون له وجود أبدًا، فهو، عبر الجسد، مشدود إلى مادية العالم)، إلى الكائن العصبي، لتقارب سؤال: كيف جرت مفهمة الجسد في الثقافة الغربية؟ في التأمل الثالث لديكارت، يصرف النظر عن الجسم وكل الإحساسات، لأنها تفسد عملية التفكير: «سأغمض الآن عيني، وسأصم أذني، وسأنصرف كل حواسي، وسأمحو حتى من فكري كل صور الأشياء الجسمية، أو على الأقل، لأن هذا قد لا يكاد يحدث، فإني سأعتبرها باطلة وخاطئة، وسأحاول، محافظًا فقط على ذاتي، ومتأملاً داخلي، أن أغدو شيئًا فشيئًا معروفًا أكثر ومألوفًا أكثر لدى ذاتي. فأنا شيء يفكر». لأن الحقيقة عند ديكارت، ترتبط بالتفكير الذي هو من خصائص النفس المتميزة عن الجسم (الفكر والامتداد كجوهرين متمايزين). وقد حاول إيجاد الاتحاد بين الروح والجسد، على الرغم من كونهما متمايزين، من خلال الغدة الصنوبرية التي اكتشفها ويليام هارفي (1578 - 1657)، وهو طبيب إنجليزي، مؤسس علم وظائف الأعضاء، ويعود له الفضل في استئناف البحث في التشريح، ووظيفة القلب، والدورة الدموية، بعد أن توقف سنة 1400. وقد كلفه ذلك 12 سنة قضاها في محاولة لإقناع الكلية الطبية الملكية في لندن، بجدوى تجاربه وأبحاثه. غير أن سبينوزا، وإن كان حبيس الواحدية الديكارتية، فقد كتب في الإتيقا: «النفس والجسم هما فرد واحد وذاته منظورًا إليه تارة، تحت صفة الفكر وتارة تحت صفة الامتداد». أما الاختزالية المادية عند لاميتري، كأقصى تجلّ لفلسفة ديكارت، فقد اختزلت الإنسان في المادة وفق فيزياء العصر، ليلغي النفس اللامادية (كتاب «الإنسان - الآلة» 1747)
كانت أبحاث هارفي وغيره من ميكانيكيي القرن السادس عشر، مجرد بداية تواصلت في خضم الصراع مع الكنيسة، لتزيح القلب كعضو محوري في الجسم - الآلة لصالح الدماغ محور الجسم - الأعصاب، الذي اعتبر مع بداية القرن العشرين، مركز المعرفة والانفعال. وتنامى اكتشاف خلايا الجهاز العصبي، «العصبونات»، مع غولجي وكاجال 1906، التي أسهمت في نمو وتطور بيولوجيا الأعصاب، مع جون بيير شونجو، الذي ربط الوعي والحالات العقلية بالسيالات العصبية. وأسهمت فينومينولوجيا هوسرل، في وضع فلسفة حقيقية للجسد. كما غيرت نظرة ميرلوبونتي للجسد كثيرًا من الأفكار، من منطلق أن الجسد هو بوابة الذات نحو العالم والآخرين، والوسيلة العامة لامتلاك الأشياء، بفضل ما تمنحه من معانٍ للعالم والأشياء معًا. وبفضلهما تصور لفيناس، منذ كتابه «الزمن والآخر»، الجسد على أنه: ما يتجاوز السيطرة والملكية من خلال الشعور، وما يعرض أمام النظر قابلية الكائن البشري للجرح وهشاشته مدى الحياة: في جسدية المداعبة تقول ماريا، يتخلى الجسم عن وضعية الكائن. وفي علاقة الحنان تلك، ليس هناك موضوع أو ذات: فالجسدي ليس الجسم - الموضوع للعالم الفيزيولوجي ولا الجسم - الذات للسلطة. ولا يدرك المرء جسميته إلا انطلاقًا من نداء الآخر. ومع ذلك، فإن الذاتية بوصفها كائنًا جسديًا فقط، يمكنها أن تكون حساسة لهذا النداء: «إن ذاتية الذات، هي القابلية للجرح، التعرض للعاطفة، حساسية سلبية أكثر سلبية من كل سلبية، زمن غير قابل للاستعادة، تعاقب غير قابل للدمج من الصبر، عرض معدّ للعرض دائمًا، عرض للتعبير وكذلك للقول وكذلك للعطاء».
تتبع ميشيلا مارزانو، منهجًا تفكيكيًا وجينالوجيًا واضحًا، تمزج فيه بين معطيات التاريخ ووقائع العصر، مستندة في ذلك إلى إرث فلسفي عميق، لتصل إلى كشف سر أمراض العصر المتنامية نتيجة الدعاية: الرياضة، الحمية، إنقاص الوزن، شفط الدهون، التجميل وتقويم المظهر، التدخل العلاجي، جلد الذات: أفلا يختزل كل هذا الجهد العلمي في مبحث الجينات خللاً ما؟ لماذا كل هذا الهوس حول الاختبارات الجينية لإثبات انتساب الفعل الإجرامي إلى مجرم ما، أو اختبارات الأبوة؟ لماذا كل هذا الجري وراء نزعة علموية مغالية في تحري الدقة وبلوغ الحقيقة؟
إن الحقل الدلالي الذي تستخدمه الدعاية شديد الإيحاء: فالمنتجات التي يجري إعلاء شأنها في أغلب الأحيان، هي تلك التي تتيح «النحافة حيث يشاء الإنسان وحينما يشاء»، و«حرق الشحوم بالبقاء نحيفًا»، والجمل الأكثر استخدامًا هي: «المستحضر الذي يعيد الشباب»، «المرهم اليومي الذي يحافظ على بريق وحيوية الجلد»، «المنتج الذي يكسبك عشرة أعوام في عشر دقائق». وقد صار هذا الجسد، المعتنى به، ليس رمزًا للجمال الجسمي وحسب، ولكن خلاصة النجاح الاجتماعي أيضا، والسعادة والكمال.. هل يستطيع الإنسان المعاصر، أن يحقق سعادته في مسايرة العصر، من دون التساؤل عن قيمة هذا الجسد المعذب والمستعبد؟



بودلير وهيغو... لماذا لا يطيق الشعراء الكبار بعضهم بعضاً؟

 فيكتور هيغو
فيكتور هيغو
TT

بودلير وهيغو... لماذا لا يطيق الشعراء الكبار بعضهم بعضاً؟

 فيكتور هيغو
فيكتور هيغو

لم يكن بودلير متصالحاً مع المجتمع، ولا مع العالم، ولا مع نفسه، وبالأخص مع نفسه. كان منشقاً على ذاته، ومنخرطاً في حرب ضارية جوانية لا تبقي ولا تذر. كان يجلد نفسه بنفسه باستمرار، وذلك بنوع من التلذذ الأقصى والمازوشية. ولكنه في بعض الأحيان كان يصبح سادياً. كان سادياً ومازوشياً في الوقت ذاته. كل علل الأرض كانت فيه. وعن ذلك أنتج الشعر بأعظم ما يكون. وعلى الرغم من بؤسه وعذابه فقد كان أستاذاً في فن التهكم والسخرية وازدراء الأشياء. هل تريدون مثالاً على ذلك؟ إليكم هذه الرسالة التي كتبها إلى أشهر ناقد فرنسي في القرن التاسع عشر المدعو: سانت بيف. وهو الذي ذكره طه حسين مرات كثيرة، بل واستوحى عنوان كتابه «حديث الأربعاء» من عنوان كتاب الناقد الفرنسي: «حديث الاثنين». كان سانت بيف الأكبر سناً من بودلير يعد بمثابة أستاذ الجيل. كان ناقداً أدبياً فذاً يرعب معظم الكتّاب، بمن فيهم فيكتور هيغو ذاته. يكفي أن يكتب مقالة ضدهم لكي يصابوا بالهلع والذعر. ولكنه لم يكن يرعب بودلير على الإطلاق.

بودلير

والدليل على ذلك هذه الرسالة التي وجهها إليه، والتي يرد فيها على الرسالة التي كان الناقد الشهير قد وجهها له سابقاً:

أستاذنا العزيز: أشكرك كل الشكر على رسالتك الممتازة التي أبهجتني. ولكن هل يمكن أن تكتب إلا رسائل ممتازة؟ عندما تقول لي فيها: «يا ابني العزيز»، فإنك تشعرني بالحنان والعطف، وتجعلني أنفجر بالضحك أيضاً. فعلى الرغم من أني كبرت في السن وشاب رأسي، وأصبحت أشبه أعضاء الأكاديمية الفرنسية (من حيث الشكل الخارجي على الأقل)، فإنني بحاجة إلى من يحبني ويشفق علي ويدعوني بابنه. وأنت تذكرني بذلك الشخص الذي كان عمره 120 سنة، والذي التقى فجأة بشخص آخر عمره 90 سنة فقط فقال له: يا ولد الزم حدك!

ما قرأت هذه القصة مرة إلا وكدت أموت من الضحك.

هل تريدون مثالاً آخر؟ في رسالته إلى فيكتور هيغو راح بودلير يمجده أولاً ثم يتهكم عليه لاحقاً. يقول مثلاً: كم أنت سعيد يا أستاذ! الصحة مع العبقرية في معيتك. لقد جمعت المجد من طرفيه أو من كل أطرافه. حقاً إنك شخص سعيد.

ولكن بودلير راح فيما بعد وفي إحدى رسائله إلى أمه يقول هذا الكلام مستهزئاً بفيكتور هيغو:

لقد أجبرت قبل فترة على قبول دعوة للعشاء عند مدام فيكتور هيغو في دارتها ببروكسل. كم وبخني ولداها فرنسوا وشارل لأني لست جمهورياً ثورياً مثل والدهما المبجل. ثم أعطتني مدام فيكتور هيغو درساً بليغاً في التربية السياسية التقدمية الهادفة إلى إسعاد الجنس البشري. ولكن بما أني لا أحب التحدث كثيراً بعد العشاء، وإنما أحب الغرق في الأحلام وهضم الطعام، فإني بذلت جهداً كبيراً لإقناعها بأنه ربما كان قد وُجد رجال عظام في التاريخ قبل زوجها المحترم: السيد فيكتور هيغو. ولكن لحُسن الحظ فإن الناس يعتبرونني مجنوناً، وبالتالي فلا أحد يعتب علي مهما قلت وثرثرت.

عندما كتب بودلير هذا الكلام كان شخصاً مجهولاً تقريباً من قبل معاصريه. لم يكن أحد يعرف من هو بالضبط، ولا قيمته الشعرية. لم تنفجر أسطورته إلا بعد موته. وأما فيكتور هيغو فكان في أوج شهرته ومجده. كان ظله يخيم على فرنسا الأدبية كلها. ومعلوم أن فيكتور هيغو أكبر منه بعشرين سنة. وبالتالي فينبغي أن نأخذ كل هذه المعطيات بعين الاعتبار؛ لكي نفهم كلام بودلير، ونموضعه ضمن سياقه التاريخي.

وفي مكان آخر يقول لأمه أيضاً:

فيكتور هيغو الذي قطن في بروكسل لبعض الوقت يريدني أن التحق به في المنفى هناك في تلك الجزيرة الإنجليزية التي اختارها. وذلك لكي أسامره وأسليه بعض الوقت لأنه يشعر بالوحدة والوحشة في جزيرة صغيرة معزولة. أعترف بأنه أصبح يضجرني ويتعبني. فأنا لا أحسده على كل مجده وشهرته وثروته، حيث كان ينبغي علي في الوقت ذاته أن أمتلك كل سخافاته وغلاظاته. اعلمي أن مدام فيكتور هيغو نصف بلهاء. وأما ولداه شارل وفرنسوا فهما من أغبى الأغبياء. إذا كنت تريدين قراءة ديوانه الأخير(أغاني الشوارع والغابات) فسوف أرسله لك فوراً. كما هي العادة نجاح ضخم في المكتبات ولكن خيبة أمل كبيرة لدى كل أولئك الذين قرأوه. يا إلهي كم هو غليظ فيكتور هيغو. كم هو مزعج وثقيل الدم. أوف! أوف! أوف! لقد أراد أن يكون مرحاً هذه المرة وخفيف الظل، بل وأراد العودة إلى زمن الشباب والتصابي فكانت النتيجة معكوسة. كم أحمد الله على أنه لم يتحفني بكل صفات فيكتور هيغو وغلاظاته وسخافاته.

التوقيع: شارل بودلير.

هكذا نجد أن الحسد والغيرة والمنافسات ليست موجودة فقط عند الشعراء العرب، وإنما نجد مثلها أو أكثر منها لدى الشعراء الفرنسيين. إنهم لا يطيقون بعضهم بعضاً. ولكن موقف بودلير هنا صادق ويتجاوز الحسد، حيث يعبر عن رؤيا أخرى للشعر والوجود. ولكن الشيء العجيب والغريب هو أنه يمدحه أحياناً، بل وأهداه عدة قصائد في ديوانه الشهير «أزهار الشر». وبالتالي فموقفه منه كان غامضاً وازدواجياً ملتبساً. كان يجمع بين الإعجاب الشديد والاحتقار الأشد.

غني عن القول أنه في عصر بودلير لم يكن يوجد جوال ولا إنترنت ولا إيميل، ولا أي نوع من أنواع الاتصالات الحديثة الرائجة هذه الأيام. وبالتالي فكانت الرسالة المكتوبة هي وسيلة التواصل الوحيدة بين الكتّاب والأدباء أو حتى الناس العاديين. ورسائل بودلير ذات أهمية كبرى لأنها تنضح بشخصيته، وانفعالاته، وهمومه، وجنونه. بودلير موجود في رسائله كما هو موجود في ديوانه «أزهار الشر»، أو مجموعته النثرية «سأم باريس: قصائد نثر صغيرة». وكما هو موجود في كتابه «قلبي العاري» الذي يتخذ طابع السيرة الذاتية، حيث يعري شخصيته وأعماقه الدفينة. بعد قراءة رسائله نكتشف أن بودلير كان إنساناً محكوماً عليه بالفشل الذريع في الحياة. ولذلك اضطر إلى أن يعيش حياة البطالة والعطالة والتسكع في شوارع باريس. والواقع أن هذه هي الحياة الوحيدة التي كانت تناسبه: التسكع إلى ما لا نهاية ومن دون أي هدف. من أين جاء الشعر العظيم؟ من أين جاءت القصائد العبقرية؟ ولكنه كان يتمنى لو أنه نجح في الحياة لكي يبرر نفسه أمام المجتمع وأمام أمه بشكل خاص. ومعلوم أنها كانت تؤنبه وتلاحقه وتقرعه باستمرار؛ لأنه لم يصبح موظفاً كبيراً أو سفيراً أو دبلوماسياً يُشار إليه بالبنان، ويحظى براتب محترم كل آخر شهر مثل بقية أبناء العائلات البورجوازية الفرنسية. كل هذا فشل في تحقيقه. ولهذا السبب كان الإحساس بالذنب والتقصير يلاحقه باستمرار فينوء تحت وطأته، وتحت وطأة الحاجة المادية والفقر المدقع (بين قوسين وعلى سبيل المقارنة عندما مات فيكتور هيغو اكتشفوا أنه خلف وراءه ثروة طائلة أذهلت معاصريه. هذا في حين أن بودلير مات وليس في جيبه قرش واحد. ولكن من الذي انتصر شعرياً في نهاية المطاف؟ من الذي أسّس الحداثة الشعرية الفرنسية والعالمية حتى قبل رامبو ذلك المجنون الآخر؟). كان الحظ العاثر يلاحق بودلير باستمرار إلى درجة أنه عد النحس شيئاً مكتوباً على جبين كل كاتب حقيقي. وكان يجد له شبيهاً معزياً في شخص الكاتب الأميركي الشهير إدغار آلان بو. ومعلوم أنه كان يعده مثله الأعلى وقدوته العظمى. ولم يكن يحلف إلا باسمه. وقد أمضى قسماً كبيراً من حياته في ترجمته إلى اللغة الفرنسية، وتقديم أعماله والتعليق عليها. بودلير اشتهر بوصفه مترجماً أولاً قبل أن يشتهر بوصفه شاعراً لاحقاً.

في بعض رسائله كان بودلير يقول هذه العبارة: أعتقد بأنه من الأفضل أن يعاني الناس الطيبون، الناس الأبرياء. ينبغي أن يتعذبوا ويشبعوا عذاباً. ينبغي أن يذوقوا كأس الألم والمهانة حتى الثمالة. ينبغي أن ينزلوا إلى الطبقات السفلى للجحيم قبل أن يكتبوا حرفاً واحداً. ويبدو أن تجربته في الحياة أثبتت له أن الإنسان الطيب تدوسه الناس في الغالب أو تتألب عليه. وبالتالي فينبغي أن يتحمل قدره ومصيره كونه إنساناً مسحوقاً ومقهوراً ومنحوساً. لا يوجد حل آخر. وككل مبدع حقيقي فإن الشعور بالخواء العبثي أو العدمي كان يكتسحه من الداخل اكتساحاً. ولذا فكان يتحول أحياناً إلى شخص ساخر أو متهكم من الطراز الأول: أي إلى شخص يستسخف كل شيء تقريباً، ويزهد في كل شيء. وإلا فكيف يمكن أن نفهم سر ترشحه للأكاديمية الفرنسية؟ لقد رشح نفسه وهو لا يزال كاتباً مغموراً غير معترف به من قِبل الأوساط الأدبية. هذا أقل ما يمكن أن يُقال. إضافة إلى ذلك فقد كانت سمعته «حامضة» جداً إذا جاز التعبير. فهو مؤلف ديوان شعر مُدان من قبل المحاكم الفرنسية بتهمة الإساءة إلى الدين والأخلاق والقيم الفاضلة. وهو مترجم لشاعر أميركي مجرد ذكر اسمه يثير القرف والرعب في كل مكان. وهو مؤلف فاشل لا يجد ناشراً.

ومع ذلك فتصل به الجرأة والوقاحة إلى حد ترشيح نفسه للأكاديمية الفرنسية: قدس الأقداس! فعلاً الذين استحوا ماتوا. في الواقع إنه فعل ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء ليس إلا. وقد كتب رسالة إلى فلوبير يعلمه فيها بهذا الترشيح، وأنه ارتكب حماقة جنونية فعلاً، ولكنه لا يستطيع التراجع عنها. لقد أراد إثارة الفضيحة في الأوساط الأدبية الباريسية، وقد نجح في ذلك أيما نجاح. ولكن النتيجة كانت معروفة سلفاً: الرفض القاطع لشخص من أمثاله، شخص يقف خارج كل الأعراف والتقاليد، شخص هامشي منبوذ لا شغل له إلا التسكع في شوارع باريس والتردد على حاناتها ومواخيرها. ولكن الشيء العجيب والغريب، هو أن معظم أعضاء الأكاديمية الفرنسية آنذاك نُسيت أسماؤهم الآن، ولم يبق إلا اسمه يلمع على صفحة التاريخ!