ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

تسعى لفهم الفعل الإنساني من دون أن تنسى مطلقًا بعده المادي

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري
TT

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

تعود أحداث شريط فيلم (La catin)، إلى بداية القرن الخامس عشر (1414)، حين تحولت سلطة الجنس إلى مرتبة ومقام سلطويين. ففي ظل تحكم الساسة ورجال الدين في شؤون المجتمع، لفظ هذا الأخير ظواهر اجتماعية فرضت نفسها على صناع القرار، وصار معها صوت المنبوذين والمقهورين، أو «المستضعفين في الأرض»، سلاحًا ذا حدين. فقد تمكنت بطلة الفيلم، من فرض سلطتها على الحاكم الذي رضخ لمطالبها، لا لشيء إلا لأنها استطاعت بجسدها أن تبلغ سريره، وأن تجعله أسير غرائزه الشهوانية وعبدا لجسدها. فالجسد المنبوذ والمتنقل في قوافل لا حق لها في اختراق جدار المدن، أصبح سلطة اجتماعية تنافس السلطة السياسية.

حظي مفهوم الجسد في تاريخ البشرية باهتمام بالغ، استفرد به البحث السوسيولوجي والأنثربولوجي والتاريخي والفينومينولوجي. غير أن فلسفة الجسد، ستفتح باب الوضع البشري على مصراعيه، مع الفيلسوفة الإيطالية المعاصرة ميشيلا مارزينو، التي ترى أن فلسفة الجسد ليست، في الواقع، إلا فلسفة تأخذ كمنطلق لها هذا الجسم ذاته، وتتساءل عن الوجود في العالم الجسمي لكل فرد. إنها الفلسفة التي تسعى لفهم الفعل الإنساني من دون أن تنسى مطلقًا بعده الجسمي. لأن أية فلسفة، وبمعزل عن واقع أن الجسم ربما اعتبر، أحيانا، ثقلاً باهظًا يمنع المعرفة والفضيلة، لم تستطع مطلقًا دراسة بنية وجوده. وتطرح سؤالاً: هل للفرد الحق في ملكية جسده.
ولدت الشابة ماريا ميشيلا مارزانو، في 20 أغسطس 1970 في روما، وتابعت دراستها الثانوية في ثانوية «بيو 9» في المدينة. وفي المدرسة العليا بيز، اتجهت نحو الدراسات الفلسفية، خصوصًا الفلسفة التحليلية والبيوإتيقا التي ألهمتها في جامعة روما (سابينزا). وفي 1998، ناقشت أطروحتها في المدرسة العليا، حول قانون الجسد البشري، التي ساهمت في تطوير أبحاثها الحالية. وبعدها بسنة، دخلت إلى فرنسا حيث أدمجت في المعهد الوطني للأبحاث الاجتماعية سنة 2000. وفي سنة 2010، صارت أستاذة التعليم العالي بجامعة باريس - ديكارت. وخلال عقد ونصف العقد، استطاعت أن تنتج نصوصًا مهمة في مجال الأخلاق والسياسة: «تفكر الجسد» (2002)، «الصناعة الجنسية أو نزيف الرغبة» (2003)، «الوفاء أو الحب» (2005)، «قلق في الجنسانية» (2006)، «فلسفة الجسد» (2007)، «قاموس الجسد» (2007)، «الإتيقا المطبقة» (2010)، «عقد الثقة: في مدح الثقة» (2010)، «كل ما أعرفه عن الحب« (2014). وكباحثة في الفلسفة وكاتبة، انخرطت سياسيًا في اليسار الإيطالي، وانتخبت نائبة برلمانية في فبراير (شباط) 2013.
يستوجب الحديث عن الجسد تعيين الحدود بين الجسم البيولوجي والجسد بمعناه الثقافي، لجهة أن التمييز بين الفطري والمكتسب في الجسم البشري، يضع الحد الفاصل بين البعد الطبيعي والثقافي. فالثقافة في نظر ماريا، «هي ما يتيح للناس الارتقاء لما فوق وجودهم الطبيعي». غير أن الجسد بما هو كذلك، أنواع: الجسد المخفي (بيكيت)، الجسد المشفر (باختين)، الجسد المشرح الذي أعيد تشكيله (وحش فرانكنشتاين)، الجسد المروض والمطيع (فوكو)، الجسد العاري، الجسد المشلول، الجسد المصلوب.. هكذا ترى ميشيلا مارزانو، أن «الجسد هو قدرنا، ليس لأن الكائن البشري ليس حرًا في اختيار الحياة التي تناسبه أكثر، وأنه مصمم وراثيا لإنجاز بعض المهام أكثر من غيرها بسبب طبيعته الجسمية، بل لأن الجسم، وبمعزل عن كل خيار وكل قرار، هو حاضر دائمًا، غير قابل للتجاوز».
تعود علاقة الإنسان بجسده إلى الخطيئة الأولى، التي لا تزال محفوظة في الأذهان بفضل التنشئة الاجتماعية. وقد خضع لشتى أنواع التنكيل والتعذيب، وتأرجح، بحسب الثقافات، بين المباح والممنوع، بين العاري والمستور. وكان موضوع تأملات فلسفية عدة اختلفت بحسب السياقات التاريخية والرؤى الآيديولوجية: «إننا ما زلنا نصطدم اليوم بمواقف آيديولوجية، تختصر الجسد إما إلى حمل ينبغي التحرر منه، وإما إلى جهاز معقد خاضع لنظام من نقاط اشتباك عصبية، تحدد كل سلوك أو قرار إنساني». بيد أن تجربة المسرح بما هو تجسيد للعبة الجسد، قد ساهمت في كشف خباياه، وأطلقت عنانه نحو التعبير الحر، وصارت له في الساحة العامة سلطة فنية وجمالية وسياسية وأخلاقية لا تضاهى.
تستند ماريا في تحليلها لموضوعة الجسد، على إرث فلسفي عميق نجده في كتابات أفلاطون، وديكارت، وسبينوزا، وهوسرل، وميرلوبونتي، ونيتشه، وفوكو وغيرهم. وتتساءل: كيف يمكن الحديث عن الوجود الجسدي من دون الانزواء في خطاب اختزالي، أو على العكس، من دون السقوط في مطب التعداد الساذج «لتقنيات الجسد»؟ كيف نبني فلسفة للجسد قادرة على إبراز المعنى والقيمة الجسمية؟
الجسد علامة إنسانيتنا وذاتيتنا. فهل بمقدور المرء حقيقة، أن يضعه على مسافة منه؟
تبني ميشيلا فلسفة الجسد على مفارقة حقيقية، حيث تقول: «تبدو غالبية النقاشات المتعلقة بالجسم، عالقة في مأزق: فمن جهة، يجري تحليله بوصفه مادة ينبغي قولبتها وفقًا لأهوائنا المتقلبة وغير المكتفية إطلاقا. ومن جهة أخرى، فإنه متماثل مع القدر أو مع الحتمية. وهو مقبول، بالطبع، من قبل كثيرين، بوصفه الركيزة الجسدية لكل شخص ومقر التجارب الشخصية. لكنه أيضًا، وربما في أغلب الأحيان، يعتبر موضوع الملاحظات، والمعالجات، والاهتمامات، والمنظومات الثقافية والطبية. وبدل التجاذب ما بين جسم (ذات وجسم) موضوع حل التناقض بين جسم (كلية، الذي يتطابق مع الشخص، وبين جسم) مجموع أجهزة، الذي سيكون له وضع الأشياء ذاته. لكن إذا كانت المماثلة في الحالة الأولى، تترجم بالاختزال المادّي للشخص، فإن الغيرية في الثانية، تقود إلى الثقة بامتلاك جسم - موضوع، بحيث إن الإنسان يستطيع التفكير بذاته كما لو أنه يفكر بـ«آخر» بالنسبة لجسمه: فكيف يمكن الخروج عندئذ من هذه المفارقة» (فلسفة الجسد، ص9). ولمعالجة هذه المفارقة، فحصت مجموع المذاهب الفلسفية التي قاربت موضوع الجسد من وجهات نظر متباينة: النزعة الأحادية مع ديكارت وسبينوزا، الاختزالية المادية مع لاميتري، والفينومينولوجيا مع هوسرل وميرلوبونتي ولفيناس، والنزعة العصبونية مع شونجو، لتصل إلى الازدراء المعاصر بالجسد، حيث تنامت نزعات تدميرية غير مسبوقة، تحولت من التعبير عن صوت أقليات داخل المجتمعات الغربية، إلى حركات لها وزنها في مجموع الكوكب. لقد تحول الإنسان من الكائن الآلة، كشخص متجسد (من دون جسد لن يكون له وجود أبدًا، فهو، عبر الجسد، مشدود إلى مادية العالم)، إلى الكائن العصبي، لتقارب سؤال: كيف جرت مفهمة الجسد في الثقافة الغربية؟ في التأمل الثالث لديكارت، يصرف النظر عن الجسم وكل الإحساسات، لأنها تفسد عملية التفكير: «سأغمض الآن عيني، وسأصم أذني، وسأنصرف كل حواسي، وسأمحو حتى من فكري كل صور الأشياء الجسمية، أو على الأقل، لأن هذا قد لا يكاد يحدث، فإني سأعتبرها باطلة وخاطئة، وسأحاول، محافظًا فقط على ذاتي، ومتأملاً داخلي، أن أغدو شيئًا فشيئًا معروفًا أكثر ومألوفًا أكثر لدى ذاتي. فأنا شيء يفكر». لأن الحقيقة عند ديكارت، ترتبط بالتفكير الذي هو من خصائص النفس المتميزة عن الجسم (الفكر والامتداد كجوهرين متمايزين). وقد حاول إيجاد الاتحاد بين الروح والجسد، على الرغم من كونهما متمايزين، من خلال الغدة الصنوبرية التي اكتشفها ويليام هارفي (1578 - 1657)، وهو طبيب إنجليزي، مؤسس علم وظائف الأعضاء، ويعود له الفضل في استئناف البحث في التشريح، ووظيفة القلب، والدورة الدموية، بعد أن توقف سنة 1400. وقد كلفه ذلك 12 سنة قضاها في محاولة لإقناع الكلية الطبية الملكية في لندن، بجدوى تجاربه وأبحاثه. غير أن سبينوزا، وإن كان حبيس الواحدية الديكارتية، فقد كتب في الإتيقا: «النفس والجسم هما فرد واحد وذاته منظورًا إليه تارة، تحت صفة الفكر وتارة تحت صفة الامتداد». أما الاختزالية المادية عند لاميتري، كأقصى تجلّ لفلسفة ديكارت، فقد اختزلت الإنسان في المادة وفق فيزياء العصر، ليلغي النفس اللامادية (كتاب «الإنسان - الآلة» 1747)
كانت أبحاث هارفي وغيره من ميكانيكيي القرن السادس عشر، مجرد بداية تواصلت في خضم الصراع مع الكنيسة، لتزيح القلب كعضو محوري في الجسم - الآلة لصالح الدماغ محور الجسم - الأعصاب، الذي اعتبر مع بداية القرن العشرين، مركز المعرفة والانفعال. وتنامى اكتشاف خلايا الجهاز العصبي، «العصبونات»، مع غولجي وكاجال 1906، التي أسهمت في نمو وتطور بيولوجيا الأعصاب، مع جون بيير شونجو، الذي ربط الوعي والحالات العقلية بالسيالات العصبية. وأسهمت فينومينولوجيا هوسرل، في وضع فلسفة حقيقية للجسد. كما غيرت نظرة ميرلوبونتي للجسد كثيرًا من الأفكار، من منطلق أن الجسد هو بوابة الذات نحو العالم والآخرين، والوسيلة العامة لامتلاك الأشياء، بفضل ما تمنحه من معانٍ للعالم والأشياء معًا. وبفضلهما تصور لفيناس، منذ كتابه «الزمن والآخر»، الجسد على أنه: ما يتجاوز السيطرة والملكية من خلال الشعور، وما يعرض أمام النظر قابلية الكائن البشري للجرح وهشاشته مدى الحياة: في جسدية المداعبة تقول ماريا، يتخلى الجسم عن وضعية الكائن. وفي علاقة الحنان تلك، ليس هناك موضوع أو ذات: فالجسدي ليس الجسم - الموضوع للعالم الفيزيولوجي ولا الجسم - الذات للسلطة. ولا يدرك المرء جسميته إلا انطلاقًا من نداء الآخر. ومع ذلك، فإن الذاتية بوصفها كائنًا جسديًا فقط، يمكنها أن تكون حساسة لهذا النداء: «إن ذاتية الذات، هي القابلية للجرح، التعرض للعاطفة، حساسية سلبية أكثر سلبية من كل سلبية، زمن غير قابل للاستعادة، تعاقب غير قابل للدمج من الصبر، عرض معدّ للعرض دائمًا، عرض للتعبير وكذلك للقول وكذلك للعطاء».
تتبع ميشيلا مارزانو، منهجًا تفكيكيًا وجينالوجيًا واضحًا، تمزج فيه بين معطيات التاريخ ووقائع العصر، مستندة في ذلك إلى إرث فلسفي عميق، لتصل إلى كشف سر أمراض العصر المتنامية نتيجة الدعاية: الرياضة، الحمية، إنقاص الوزن، شفط الدهون، التجميل وتقويم المظهر، التدخل العلاجي، جلد الذات: أفلا يختزل كل هذا الجهد العلمي في مبحث الجينات خللاً ما؟ لماذا كل هذا الهوس حول الاختبارات الجينية لإثبات انتساب الفعل الإجرامي إلى مجرم ما، أو اختبارات الأبوة؟ لماذا كل هذا الجري وراء نزعة علموية مغالية في تحري الدقة وبلوغ الحقيقة؟
إن الحقل الدلالي الذي تستخدمه الدعاية شديد الإيحاء: فالمنتجات التي يجري إعلاء شأنها في أغلب الأحيان، هي تلك التي تتيح «النحافة حيث يشاء الإنسان وحينما يشاء»، و«حرق الشحوم بالبقاء نحيفًا»، والجمل الأكثر استخدامًا هي: «المستحضر الذي يعيد الشباب»، «المرهم اليومي الذي يحافظ على بريق وحيوية الجلد»، «المنتج الذي يكسبك عشرة أعوام في عشر دقائق». وقد صار هذا الجسد، المعتنى به، ليس رمزًا للجمال الجسمي وحسب، ولكن خلاصة النجاح الاجتماعي أيضا، والسعادة والكمال.. هل يستطيع الإنسان المعاصر، أن يحقق سعادته في مسايرة العصر، من دون التساؤل عن قيمة هذا الجسد المعذب والمستعبد؟



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.