ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

تسعى لفهم الفعل الإنساني من دون أن تنسى مطلقًا بعده المادي

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري
TT

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

تعود أحداث شريط فيلم (La catin)، إلى بداية القرن الخامس عشر (1414)، حين تحولت سلطة الجنس إلى مرتبة ومقام سلطويين. ففي ظل تحكم الساسة ورجال الدين في شؤون المجتمع، لفظ هذا الأخير ظواهر اجتماعية فرضت نفسها على صناع القرار، وصار معها صوت المنبوذين والمقهورين، أو «المستضعفين في الأرض»، سلاحًا ذا حدين. فقد تمكنت بطلة الفيلم، من فرض سلطتها على الحاكم الذي رضخ لمطالبها، لا لشيء إلا لأنها استطاعت بجسدها أن تبلغ سريره، وأن تجعله أسير غرائزه الشهوانية وعبدا لجسدها. فالجسد المنبوذ والمتنقل في قوافل لا حق لها في اختراق جدار المدن، أصبح سلطة اجتماعية تنافس السلطة السياسية.

حظي مفهوم الجسد في تاريخ البشرية باهتمام بالغ، استفرد به البحث السوسيولوجي والأنثربولوجي والتاريخي والفينومينولوجي. غير أن فلسفة الجسد، ستفتح باب الوضع البشري على مصراعيه، مع الفيلسوفة الإيطالية المعاصرة ميشيلا مارزينو، التي ترى أن فلسفة الجسد ليست، في الواقع، إلا فلسفة تأخذ كمنطلق لها هذا الجسم ذاته، وتتساءل عن الوجود في العالم الجسمي لكل فرد. إنها الفلسفة التي تسعى لفهم الفعل الإنساني من دون أن تنسى مطلقًا بعده الجسمي. لأن أية فلسفة، وبمعزل عن واقع أن الجسم ربما اعتبر، أحيانا، ثقلاً باهظًا يمنع المعرفة والفضيلة، لم تستطع مطلقًا دراسة بنية وجوده. وتطرح سؤالاً: هل للفرد الحق في ملكية جسده.
ولدت الشابة ماريا ميشيلا مارزانو، في 20 أغسطس 1970 في روما، وتابعت دراستها الثانوية في ثانوية «بيو 9» في المدينة. وفي المدرسة العليا بيز، اتجهت نحو الدراسات الفلسفية، خصوصًا الفلسفة التحليلية والبيوإتيقا التي ألهمتها في جامعة روما (سابينزا). وفي 1998، ناقشت أطروحتها في المدرسة العليا، حول قانون الجسد البشري، التي ساهمت في تطوير أبحاثها الحالية. وبعدها بسنة، دخلت إلى فرنسا حيث أدمجت في المعهد الوطني للأبحاث الاجتماعية سنة 2000. وفي سنة 2010، صارت أستاذة التعليم العالي بجامعة باريس - ديكارت. وخلال عقد ونصف العقد، استطاعت أن تنتج نصوصًا مهمة في مجال الأخلاق والسياسة: «تفكر الجسد» (2002)، «الصناعة الجنسية أو نزيف الرغبة» (2003)، «الوفاء أو الحب» (2005)، «قلق في الجنسانية» (2006)، «فلسفة الجسد» (2007)، «قاموس الجسد» (2007)، «الإتيقا المطبقة» (2010)، «عقد الثقة: في مدح الثقة» (2010)، «كل ما أعرفه عن الحب« (2014). وكباحثة في الفلسفة وكاتبة، انخرطت سياسيًا في اليسار الإيطالي، وانتخبت نائبة برلمانية في فبراير (شباط) 2013.
يستوجب الحديث عن الجسد تعيين الحدود بين الجسم البيولوجي والجسد بمعناه الثقافي، لجهة أن التمييز بين الفطري والمكتسب في الجسم البشري، يضع الحد الفاصل بين البعد الطبيعي والثقافي. فالثقافة في نظر ماريا، «هي ما يتيح للناس الارتقاء لما فوق وجودهم الطبيعي». غير أن الجسد بما هو كذلك، أنواع: الجسد المخفي (بيكيت)، الجسد المشفر (باختين)، الجسد المشرح الذي أعيد تشكيله (وحش فرانكنشتاين)، الجسد المروض والمطيع (فوكو)، الجسد العاري، الجسد المشلول، الجسد المصلوب.. هكذا ترى ميشيلا مارزانو، أن «الجسد هو قدرنا، ليس لأن الكائن البشري ليس حرًا في اختيار الحياة التي تناسبه أكثر، وأنه مصمم وراثيا لإنجاز بعض المهام أكثر من غيرها بسبب طبيعته الجسمية، بل لأن الجسم، وبمعزل عن كل خيار وكل قرار، هو حاضر دائمًا، غير قابل للتجاوز».
تعود علاقة الإنسان بجسده إلى الخطيئة الأولى، التي لا تزال محفوظة في الأذهان بفضل التنشئة الاجتماعية. وقد خضع لشتى أنواع التنكيل والتعذيب، وتأرجح، بحسب الثقافات، بين المباح والممنوع، بين العاري والمستور. وكان موضوع تأملات فلسفية عدة اختلفت بحسب السياقات التاريخية والرؤى الآيديولوجية: «إننا ما زلنا نصطدم اليوم بمواقف آيديولوجية، تختصر الجسد إما إلى حمل ينبغي التحرر منه، وإما إلى جهاز معقد خاضع لنظام من نقاط اشتباك عصبية، تحدد كل سلوك أو قرار إنساني». بيد أن تجربة المسرح بما هو تجسيد للعبة الجسد، قد ساهمت في كشف خباياه، وأطلقت عنانه نحو التعبير الحر، وصارت له في الساحة العامة سلطة فنية وجمالية وسياسية وأخلاقية لا تضاهى.
تستند ماريا في تحليلها لموضوعة الجسد، على إرث فلسفي عميق نجده في كتابات أفلاطون، وديكارت، وسبينوزا، وهوسرل، وميرلوبونتي، ونيتشه، وفوكو وغيرهم. وتتساءل: كيف يمكن الحديث عن الوجود الجسدي من دون الانزواء في خطاب اختزالي، أو على العكس، من دون السقوط في مطب التعداد الساذج «لتقنيات الجسد»؟ كيف نبني فلسفة للجسد قادرة على إبراز المعنى والقيمة الجسمية؟
الجسد علامة إنسانيتنا وذاتيتنا. فهل بمقدور المرء حقيقة، أن يضعه على مسافة منه؟
تبني ميشيلا فلسفة الجسد على مفارقة حقيقية، حيث تقول: «تبدو غالبية النقاشات المتعلقة بالجسم، عالقة في مأزق: فمن جهة، يجري تحليله بوصفه مادة ينبغي قولبتها وفقًا لأهوائنا المتقلبة وغير المكتفية إطلاقا. ومن جهة أخرى، فإنه متماثل مع القدر أو مع الحتمية. وهو مقبول، بالطبع، من قبل كثيرين، بوصفه الركيزة الجسدية لكل شخص ومقر التجارب الشخصية. لكنه أيضًا، وربما في أغلب الأحيان، يعتبر موضوع الملاحظات، والمعالجات، والاهتمامات، والمنظومات الثقافية والطبية. وبدل التجاذب ما بين جسم (ذات وجسم) موضوع حل التناقض بين جسم (كلية، الذي يتطابق مع الشخص، وبين جسم) مجموع أجهزة، الذي سيكون له وضع الأشياء ذاته. لكن إذا كانت المماثلة في الحالة الأولى، تترجم بالاختزال المادّي للشخص، فإن الغيرية في الثانية، تقود إلى الثقة بامتلاك جسم - موضوع، بحيث إن الإنسان يستطيع التفكير بذاته كما لو أنه يفكر بـ«آخر» بالنسبة لجسمه: فكيف يمكن الخروج عندئذ من هذه المفارقة» (فلسفة الجسد، ص9). ولمعالجة هذه المفارقة، فحصت مجموع المذاهب الفلسفية التي قاربت موضوع الجسد من وجهات نظر متباينة: النزعة الأحادية مع ديكارت وسبينوزا، الاختزالية المادية مع لاميتري، والفينومينولوجيا مع هوسرل وميرلوبونتي ولفيناس، والنزعة العصبونية مع شونجو، لتصل إلى الازدراء المعاصر بالجسد، حيث تنامت نزعات تدميرية غير مسبوقة، تحولت من التعبير عن صوت أقليات داخل المجتمعات الغربية، إلى حركات لها وزنها في مجموع الكوكب. لقد تحول الإنسان من الكائن الآلة، كشخص متجسد (من دون جسد لن يكون له وجود أبدًا، فهو، عبر الجسد، مشدود إلى مادية العالم)، إلى الكائن العصبي، لتقارب سؤال: كيف جرت مفهمة الجسد في الثقافة الغربية؟ في التأمل الثالث لديكارت، يصرف النظر عن الجسم وكل الإحساسات، لأنها تفسد عملية التفكير: «سأغمض الآن عيني، وسأصم أذني، وسأنصرف كل حواسي، وسأمحو حتى من فكري كل صور الأشياء الجسمية، أو على الأقل، لأن هذا قد لا يكاد يحدث، فإني سأعتبرها باطلة وخاطئة، وسأحاول، محافظًا فقط على ذاتي، ومتأملاً داخلي، أن أغدو شيئًا فشيئًا معروفًا أكثر ومألوفًا أكثر لدى ذاتي. فأنا شيء يفكر». لأن الحقيقة عند ديكارت، ترتبط بالتفكير الذي هو من خصائص النفس المتميزة عن الجسم (الفكر والامتداد كجوهرين متمايزين). وقد حاول إيجاد الاتحاد بين الروح والجسد، على الرغم من كونهما متمايزين، من خلال الغدة الصنوبرية التي اكتشفها ويليام هارفي (1578 - 1657)، وهو طبيب إنجليزي، مؤسس علم وظائف الأعضاء، ويعود له الفضل في استئناف البحث في التشريح، ووظيفة القلب، والدورة الدموية، بعد أن توقف سنة 1400. وقد كلفه ذلك 12 سنة قضاها في محاولة لإقناع الكلية الطبية الملكية في لندن، بجدوى تجاربه وأبحاثه. غير أن سبينوزا، وإن كان حبيس الواحدية الديكارتية، فقد كتب في الإتيقا: «النفس والجسم هما فرد واحد وذاته منظورًا إليه تارة، تحت صفة الفكر وتارة تحت صفة الامتداد». أما الاختزالية المادية عند لاميتري، كأقصى تجلّ لفلسفة ديكارت، فقد اختزلت الإنسان في المادة وفق فيزياء العصر، ليلغي النفس اللامادية (كتاب «الإنسان - الآلة» 1747)
كانت أبحاث هارفي وغيره من ميكانيكيي القرن السادس عشر، مجرد بداية تواصلت في خضم الصراع مع الكنيسة، لتزيح القلب كعضو محوري في الجسم - الآلة لصالح الدماغ محور الجسم - الأعصاب، الذي اعتبر مع بداية القرن العشرين، مركز المعرفة والانفعال. وتنامى اكتشاف خلايا الجهاز العصبي، «العصبونات»، مع غولجي وكاجال 1906، التي أسهمت في نمو وتطور بيولوجيا الأعصاب، مع جون بيير شونجو، الذي ربط الوعي والحالات العقلية بالسيالات العصبية. وأسهمت فينومينولوجيا هوسرل، في وضع فلسفة حقيقية للجسد. كما غيرت نظرة ميرلوبونتي للجسد كثيرًا من الأفكار، من منطلق أن الجسد هو بوابة الذات نحو العالم والآخرين، والوسيلة العامة لامتلاك الأشياء، بفضل ما تمنحه من معانٍ للعالم والأشياء معًا. وبفضلهما تصور لفيناس، منذ كتابه «الزمن والآخر»، الجسد على أنه: ما يتجاوز السيطرة والملكية من خلال الشعور، وما يعرض أمام النظر قابلية الكائن البشري للجرح وهشاشته مدى الحياة: في جسدية المداعبة تقول ماريا، يتخلى الجسم عن وضعية الكائن. وفي علاقة الحنان تلك، ليس هناك موضوع أو ذات: فالجسدي ليس الجسم - الموضوع للعالم الفيزيولوجي ولا الجسم - الذات للسلطة. ولا يدرك المرء جسميته إلا انطلاقًا من نداء الآخر. ومع ذلك، فإن الذاتية بوصفها كائنًا جسديًا فقط، يمكنها أن تكون حساسة لهذا النداء: «إن ذاتية الذات، هي القابلية للجرح، التعرض للعاطفة، حساسية سلبية أكثر سلبية من كل سلبية، زمن غير قابل للاستعادة، تعاقب غير قابل للدمج من الصبر، عرض معدّ للعرض دائمًا، عرض للتعبير وكذلك للقول وكذلك للعطاء».
تتبع ميشيلا مارزانو، منهجًا تفكيكيًا وجينالوجيًا واضحًا، تمزج فيه بين معطيات التاريخ ووقائع العصر، مستندة في ذلك إلى إرث فلسفي عميق، لتصل إلى كشف سر أمراض العصر المتنامية نتيجة الدعاية: الرياضة، الحمية، إنقاص الوزن، شفط الدهون، التجميل وتقويم المظهر، التدخل العلاجي، جلد الذات: أفلا يختزل كل هذا الجهد العلمي في مبحث الجينات خللاً ما؟ لماذا كل هذا الهوس حول الاختبارات الجينية لإثبات انتساب الفعل الإجرامي إلى مجرم ما، أو اختبارات الأبوة؟ لماذا كل هذا الجري وراء نزعة علموية مغالية في تحري الدقة وبلوغ الحقيقة؟
إن الحقل الدلالي الذي تستخدمه الدعاية شديد الإيحاء: فالمنتجات التي يجري إعلاء شأنها في أغلب الأحيان، هي تلك التي تتيح «النحافة حيث يشاء الإنسان وحينما يشاء»، و«حرق الشحوم بالبقاء نحيفًا»، والجمل الأكثر استخدامًا هي: «المستحضر الذي يعيد الشباب»، «المرهم اليومي الذي يحافظ على بريق وحيوية الجلد»، «المنتج الذي يكسبك عشرة أعوام في عشر دقائق». وقد صار هذا الجسد، المعتنى به، ليس رمزًا للجمال الجسمي وحسب، ولكن خلاصة النجاح الاجتماعي أيضا، والسعادة والكمال.. هل يستطيع الإنسان المعاصر، أن يحقق سعادته في مسايرة العصر، من دون التساؤل عن قيمة هذا الجسد المعذب والمستعبد؟



شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو
TT

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ اسْماً لَهُ»، تسمية المهلكةِ بالمفازة ليس تفاؤلاً عابراً تمارسه اللغة العربية، بل تجاوز بالخيال إلى واقعٍ موازٍ يبعث الأمن في محل الخوف، ويستردّ السكينة من قلب التهديد. ولأن المسافة بين الاسم والمسمّى لا تتغيّر في واقع الصحراء؛ ظلّ العربي يقاربها بالمجاز... بينما تستمر هي في فعلها الأبدي... أن تنأى.

هناك كتبٌ تفتح شهية الحوار حولها، كتبٌ تمتلك جرأة اجتراح المناطق الجديدة، حيث يقترح هذا الكتاب «مهاكاة ذي الرمة: أطروحة الهايكو العربي» لحيدر العبد الله، صيغةً عربية للهايكو، عبر بناء جسور: بين الشعرية العربية ونظيرتها اليابانية، وبين التصوف الإسلامي وتصوّف الزن. ومنذ اللحظة التي يقول فيها: «إذا كان الشعر ديوان العرب، فقد يكون الهايكو اليوم ديوان العالم»، يتّضح أن طموح الكتاب ليس استيراد نوعٍ شعري، بل توطينهِ، بعد أن يُستدعى ذو الرمة، عبقريّ الوصف وآخر حجّةٍ على اللغة، ليعبّد الطريق أمام ضيفٍ قادم من أقصى الشرق.

أبرز ما أستوقفني في الكتاب - وهو من 312 صفحة تجمع النظرية والتطبيق والتقويم الشعري -، تلك البراعة في التطويع العروضي لإيقاعات الهايكو اليابانية على البحور الخليلية. والتي تُضفي على الفكرة لبوساً جمالياً، وتؤكد قدرة الشعر العربي على توليد الموسيقى مرةً تلو مرة. وقيمتها العملية أنها قابلة للتنفيذ، حيث تمنح الهُكاة العرب – أي شعراء الهايكو العرب حسب تعبير الكتاب- إطاراً شكليًّا يتّكئون عليه، فيتفرّغون للمحتوى بدل الانشغال بالشكل. وأضيف إليها الفصل الأخير، المتعلق بالفلك ومواضع النجوم وقرائن المواسم، الذي ينمّ عن اطلاعٍ كبيرٍ ونظرٍ وتمحيص، ويفتح عمليًّا معجماً طبيعيًّا عربيًّا جاهزاً لمن أراد أن يكتب قصيدةً تنتمي للجزيرة العربية.

وبقدر ما وجدت نفسي أتماهى مع الكتاب في نصف المسافة، وجدتني أتوه في نصفها الآخر؛ فالشكل يُستعار والرؤية تستعصي على الاستعارة. والعروض الذي طوَّعه الكتاب بكل إتقانٍ لتوطين الهايكو هو الأداة؛ أما النظر إلى الطبيعة فمشتقٌّ من غايةٍ، والغايةُ هي ما لا يُستورد. وسأمضي إلى هذا الحوار من طريقين (التصوف، والطبيعة) وسيفضي الطريقان إلى تصور واحد.

أولاً: الغاية تصنع الأسلوب

في الفصل الأول من الأطروحة، «مصباح التصوف»، يعقد الكتاب الروابط بين التصوف الإسلامي وفلسفة الزن. والملاحظة الجوهرية ليست في التقاء الممارسات الروحية - فهي تلتقي كثيراً في أديان متعددة- بل في افتراق الغايات: توحيدٌ وتوجّهٌ نحو خالقٍ متجاوز، مقابل ذوبانٍ طبيعيٍّ محايث خالٍ من إله. وهذا الافتراق ليس تفصيلاً عقديًّا يُترك للمتكلمين، بل هو المصنع الذي تخرج منه الأساليب.

فالتصوف الإسلامي يتمتع بـ«التوق الإلهي» ويتطلع نحو الإله المتجاوز والذي يستدعي المجاز بالضرورة، لا بالاختيار. حين تكون المسافة بين الذات وغايتها مسافةً لا تُلغى، لا يبقى أمام اللغة إلا التوسّل بالمجاز مثل (التغزّل بالأنثى، والخمر، والرمز العاطفي)؛ لبناء جسورٍ إيحائية صاعدة نحو ما لا يُدرَك. وقد لخّص عبد الوهاب المسيري هذا في «اللغة والمجاز» حين جعل المجاز وسيلتنا لإدراك الإله لا الإنسان وحده؛ إذ يربط بين ما تدركه الأسماع والأبصار وما يتجاوزها؛ ومع ذلك يظل الإطار التوحيدي حاكماً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فلا تجسّد ولا حلول ولا كمون، والمسافة باقية مهما بلغ المجاز من تركيبٍ وعمقٍ وجمال.

وبإزاء هذا، يقول ماساوكا شيكي عن الهايكو ما يشبه إغلاق الباب على المجاز: «معنى هذا الهايكو هو تماماً ما يقوله، وليس هناك أي معنًى آخر».

فالمجاز عندنا ضرورةٌ لاهوتية، إن صح التعبير، وهو في الزن عائق. اللغة الكثيفة عندنا فضيلة، وهي هناك حجاب. وليس هذا اختلافاً في الذوق يُرجى ردمه بالتمرين، بل هو اختلافٌ جوهري يترك أثراً أصيلاً على البلاغة ذاتها.

ثم إن الأنا نفسها ليست واحدة في الحالين. ففي الزن تمتزج الأنا بالطبيعة وتأخذ موقع المراقبة؛ أما في التصوف الإسلامي فهي كما عند محمد إقبال (الشاعر والفيلسوف والمتصوف الإسلامي) ليست ساكنة، بل خلقٌ وحركةٌ دؤوبة. وتجربة الاتحاد عند متصوفة الإسلام، بتعبيره، ليست إذابة الهوية في اللامتناهي، بل اجتياز اللامتناهي إلى وصال المتناهي. ومن هنا تُنحت وسائل تعبدية وجمالية حية: الحركة، الصلاة، القدر، الإخلاص، الاجتهاد. الإنسان هنا ليس مصوّراً فوتوغرافياً واقفاً في كواليس الطبيعة - كما هو في الهايكو - بل فاعلٌ يشارك بحريته في تغيير العالم. ويوضّح الفيلسوف بشير سليمان ديان مقصد إقبال بجملةٍ حاسمة: الهدف الأعلى للأنا ليس أن تشاهد شيئاً، بل أن تكون شيئاً.

وحتى استعارة الحيوان تفضح الفرق. يتخيّل الكتاب الهايكو حيواناً فيجعله ناقةً لا تعيش دون ماءٍ وكلأ، حيواناً «لا قلب لديه لأطماع الكائن البشري ومشاعره الفجّة»، غير متجاوز، في انسجامٍ كاملٍ مع الطبيعة. أما روبرت بلاي، فيتخيّل قصيدته الغربية حيواناً يعدو، تصدر عن جريها إيقاعاتٌ ملحوظة، وطاقته النفسية حرّةٌ في التحرك هنا وهناك. حيوان الهايكو مقيمٌ راضٍ؛ والغربي راكض متحرك قلق، أما حيوان القصيدة العربية فهو كما قال شاعر العربية المتنبي: «يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ... وما تبتغي، ما أبتغي جلَّ أن يُسمى»، وشعريّتنا تستمدّ نفسها من هذا التجاوز، السعي إلى ما جلَّ أن يُسمى.

ثانياً: محراب ميّة

في فصل «مشكاة الطبيعة» يبدأ الكتاب بقصةٍ متخيَّلة تجمع ابن قتيبة وذي الرمة، ثم يقرّر أن «تفوّق ذي الرمة يكمن في قدرته على احتواء الطبيعة احتواءً موضوعياً، غير مشروط، ولا انتقائي... دون أن يضع نفسه في مركزها، أو يجعلها فرعاً عن ذاته». ولعلي أختلف هنا تحديداً؛ فطبيعة ذي الرمة ليست موضوعية، وليست بلا مركز. بل هي مأهولة تماماً. يقول شوقي ضيف إن ذا الرمة أكثر شعراء العرب وصفاً لدموعه، وإنه مضى يتعزّى عن ميّة بمحرابها الذي كانت تعيش فيه، فإذا هو أكبر شاعرٍ تغنّى بالصحراء العربية، عشق أيامها ولياليها ورمالها وكثبانها. ويكشف الطاهر لبيب في «سيسيولوجيا الغزل العربي» عمّا هو أدقّ: أن المرأة في الكون العذري تُرفَع إلى مستوى المثال حتى تكاد تصير ميتافيزيقا؛ فيصبح الشريك بالنسبة للعذري ذاته الأخرى.

فالصحراء عند ذي الرمة ليست «ما هي عليه»؛ إنها محرابٌ واستعارةٌ كبرى لمحبوبة. والهكذائية تقتضي غياب المركز، وذو الرمة له مركزٌ اسمه ميّة، تدور حوله الرمال والأنواء والحيوان. ولا أعني أن وصفه إسقاطٌ عاطفيّ فجٌّ كما يفعل الشعراء عادة - فهو مزيجٌ فريد أخذ من أسلوب العذريين وحافظ على روح الجاهلية، حتى لا تكاد تفرّق بينه وبين محبوبه. فهو بناء خاص مركزه امرأة احتوت كل ذلك العالم الصحراوي. وهذا نقيض حياد الهايكو. والمفارقة أن الكتاب نفسه هو من نبّهَ بعبارة تحذيرية: «لن نفلح في خوض تجربة هايكو حقيقية، إذا نحن ألبسنا الهايكو ثيابنا وملامحنا، وجعلناه يتكلم عبر الأنا الخاصة بنا» والكتاب بانتباهٍ عالٍ لم يُلبِس الهايكو ثيابنا، لكنه ألبس ذا الرمة ثوب الزن.

أخيراً: الموتُ في الخلاء

ولئن كان ذو الرمة أمويًّا بانتمائه، فإن وعيه الصحراوي أقرب إلى الجاهليين منه إلى أهل عصره. ويذكر محمد إدريس قاسم في «الشاعر الجاهلي والوجود» أن الجاهلي أدرك في صحرائه أنه (وجودٌ للموت)، فقرّر مواجهته والتحدي: أخذ أناه ووجوده وجعلها في مواجهة الطبيعة/الصحراء، وقرّر بمصطلح هايدغر أن يهزم «الوجود الزائف» رغبةً في «الوجود الأصيل»، فخرج من البقاء في (حالة العالم) إلى آفاق وجوده الماهوي.

هذا الوعي هو ما يفسّر لماذا لا تكون القصيدة العربية تأمّلاً محضاً. فهي كما يقول فتحي المسكيني في «الشعراء يحرسون هشاشة العالم»، محاولةُ هروبٍ من سجنٍ ما؛ والشعراء يدفنون من إمكانات الموت بقدر ما يبدعون من خطوط الهروب نحو الإنسانية. وحين كتب محمود درويش «لا غدٌ في هذه الصحراء إلا ما رأينا أمس... فلأرفع معلقتي... لينكسر الزمان الدائري... ويولدَ الوقتُ الجميلُ»، كان يصوغ الموقف نفسه: رفضُ اللحظة لا الإقامة فيها.

وهنا يلتقي الطريقان. الغاية الدينية تدفع نحو التجاوز؛ والغاية الوجودية تدفع نحو التجاوز؛ والزن يدفع نحو السكون. والهموم التي يسمّيها إيرفين يالوم جوهريةً في «هبة العلاج النفسي» هي الموت والعزلة ومعنى الحياة والحرية، هي بعينها ما تشتغل عليه القصيدة العربية منذ امرئ القيس، بينما الهايكو يسكن اللحظة؛ أما الشاعر العربي فيفرّ منها إلى الوجود الأصيل. ولذلك؛ ليس المجاز عندنا زينةً يمكن خلعها، بل بنيةٌ تحمل المعنى، ولعل محمود درويش في «مأساة النرجس ملهاة الفضة» أراد أن يشير إلى رفاهيةٍ في الوصف الطبيعي، فقد يطمح لها الشاعر العربي ولكنه لا يمتلكها لأسباب عدّة، منها تلك الهموم الوجودية، حين قال بنبرة تراجيدية: «عادوا إلى المألوف فيهم وهو يمشي/ فوق الرصيف ويمضغ الكسَلَ اللذيذ ووقتَهُ من غير غاية/ ويرى الزهورَ كما ترى الناسُ الزهورَ... بلا حكاية»، وهكذا الهايكو يقتضي وقتاً بلا غاية، ونحن لا نملك وقتاً كهذا.

ختاماً، لا بد لي أن أعترف بأني لم أفارق ذلك الفتى الصغير الذي حضر درس الحِكم العطائية في جامع الإيمان بدمشق، للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، حين سمع تلك العبارة التي لا تزال ترنّ في أذنه إلى الآن: «لا تنظر إلى السواقي وانظر إلى المعين»، ولا أسوق هذا دعوةً إلى الانصراف عن الهايكو، بل تحديداً لموضع المعين. فالمعين ليس التراث بوصفه ماضياً يُستعاد، ولا اليابان بوصفها نموذجاً يُستورد؛ إنه التجربة الوجودية الإنسانية نفسها، ومن ورد هذا المعين ستتطوع له كل الأشكال والنُظم اللغوية.

* شاعر سعودي


«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد
TT

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة»، الصادر عن دار «ديوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج من إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي، بالتزامن مع مرور ربع قرن من الألفية الحالية وقرن وربع القرن على بداية السينما.

يضم الكتاب دراسات ومقالات نقدية معمّقة لكثير من التجارب السينمائية في مصر والعالم العربي دون التقيد بفترة زمنية محددة، موقّعة بقلم خمسة من شباب النقاد السينمائيين في مصر، وهم: رحمة الحداد، وأحمد عزت عامر، وحسام السيد، وحسن فهمي ومحمد عوض يوسف.

ويرصد الكتاب في هذا السياق ما يقارب 60 فيلماً لم تنل حظها من التقدير الفني، رغم أن بعضها يحظى بشهرة واسعة وربما يكون حقق نجاحاً جماهيرياً لافتاً، لكن يظل الشريط السينمائي نفسه في حاجة إلى إعادة قراءة ترد إليه الاعتبار وتفتح باباً للنقاش حول نقاط مدهشة فيه لم يلتف إليها كثيرون.

ويتراوح الإطار الزمني لهذه الأفلام من أعمال تم إنتاجها في حقبتي الستينات والسبعينات، مثل: «في بيتنا رجل»، و«البوسطجي»، و«السقامات» و«زوجتي والكلب»، مروراً بأعمال صدرت في حقبتي الثمانينات والتسعينات مثل: «العوامة رقم 77»، و«عرق البلح» و«هستيريا»، وصولاً إلى أعمال أحدث مثل «إبراهيم الأبيض»، و«ميكروفون»، و«ريش» و«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو».

تتوزع تلك القراءات النقدية عبر عشرة فصول، يشتغل كل فصل على ثيمة بعينها مثل «الضحك: صورة مشوشة للواقع» و«يقظة كافكاوية» و«صورة بديلة للذكورة» و«تحديقة نسائية» و«تأملات في العنف» و«رسائل بين الحياة والموت». وفي تقديمه للكتاب، يتوقف أحمد عزت عامر عند لحظة فارقة تهدّد مصير النقد السينمائي برمته حين نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية مقالاً بهذا العنوان الصادم «مَن يحتاج اليوم إلى النقاد السينمائيين؟»، وهو ما يطرح تحديات حول فهم مهمة ودور ناقد الأفلام وكيف تبدو مهنته حالياً محاصرة داخل الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي.

يريد ناقد اليوم أن يستعيد ثقة القارئ في النقد وأن يمنح هذا القارئ زاوية جديدة لمشاهدة الفيلم وربما رؤية العالم، فأجمل ما يمكن أن يحدث له هو أن يسمع أو يقرأ مثل هذا التعليق: «أرغب الآن في مشاهدة الفيلم مرة ثانية بعد أن قرأت مقالك».

من هنا، وفي الجلسات التحضيرية لهذا الكتاب كان الشاغل الأهم بالنسبة لمؤلفيه هو أي أفلام سيختارون، وقرارهم أن يكتبوا عن أفلام رغم جمالها وتميزها فإنها غير مُقدّرة بما يكفي أو ربما مُقدّرة للأسباب غير الصحيحة، وجاء مقترح العنوان «أفلام غير مشاهدة بدقة» نوعاً من المشاغبة مع كتاب الناقدة الأميركية البارزة مارلين فيب «أفلام مشاهدة بدقة - مدخل إلى تقنية وفن السرد السينمائي».

كان هذا هو المقصد حين وقع الاختيار على سبيل المثال على فيلم «في بيتنا رجل» للمخرج هنري بركات، إنتاج 1961 وبطولة عمر الشريف، ورشدي أباظة وزبيدة ثروت، فهو رغم حضوره في قائمة أفضل 100 فيلم عربي الشهيرة، نال تقديراً أقل من أفلام أخرى مثل «الحرام»، إنتاج 1965، و«دعاء الكراون»، 1959، أو حتى «الباب المفتوح»، 1963. وحين يشاد به يأتي ذلك دون أي اشتباك حقيقي مع جمالياته الخاصة، وبذلك فإن إبداع بركات هنا في السرد والأداء الإخراجي ظل بعيداً عن التحليل النقدي المتعمق.

وحين يُذكر محمد خان بصفته مخرجاً، فإن الأفلام التي ستتداعى إلى الذهن هي «الحريف»، و«زوجة رجل مهم» و«أحلام هند وكاميليا»، أو أفلام أكثر جماهيرية مثل «مستر كاراتيه» أو «في شقة مصر الجديدة»، في حين يركز الكتاب على تجربة أكثر أهمية لم تنل حظها من التقدير هي «مشوار عمر» بصفته أحد أفلام الظل غير المقدرة بما يكفي.

ويسعى الكتاب إلى اكتشاف زوايا جديدة للقراءة والتحليل حتى مع الأعمال الشهيرة، كما هو الحال مع فيلم «إسكندرية ليه» ليوسف شاهين الذي تتم قراءته هنا بصفته نوعاً من الاستكشاف المختلف وغير المسبوق لتمثلات الذكورة على شاشة السينما العربية، وهي الفكرة نفسها التي يتم النظر من خلالها إلى التجربة الإخراجية الأولى للمخرج عادل أديب في فيلم «هيستريا»، 1996، الذي هو - حسب الكتاب - حالة شديدة الخصوصية في تاريخ السينما المصرية.

تمتد فصول الكتاب لتشمل تجارب مميزة غير مصرية من السعودية، والسودان، وفلسطين، وتونس، ولبنان، وسوريا وتونس والأردن، مثل «وجدة» للمخرجة هيفاء المنصور و«بيروت الغربية» لزياد دويري و«نحبك هادي» لمحمد بن عطية و«وداعا جوليا» لمحمد كردفاني و«ذيب» لناجي أبو نوار.


النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي
TT

النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير الناقد الأكاديمي المصري دكتور معتز سلامة. يقدم الكتاب نصوصاً مختارة لعدد من أبرز الدارسين الغربيين الذين أسهموا في بلورة مفاهيم النقد البيئي، وتوسيع أدواته، واختبار إمكاناته في قراءة الشعر والسرد والمسرح، بل في مساءلة الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية.

يشير المترجم في مقدمته إلى أن العلاقة بين الأدب والطبيعة ليست طارئة على التراث العربي، بل لها جذور عميقة في الأدب العربي القديم، لا سيما أدب الرحلات، وفي السرديات التي جعلت من الصحراء والواحة والبحر، والمدينة، فضاءات دلالية كثيفة. غير أنّ المقاربة البيئية الحديثة تتيح لنا إعادة قراءة هذا التراث، لا بوصفه تمجيداً جمالياً للطبيعة فحسب، بل بوصفه سجلاً لعلاقات القوة، وأنماط التملّك، وأشكال التكيّف مع المكان. ومن هنا، فإن تقديم النقد البيئي للقارئ العربي لا يعني استيراد حقلٍ غريب، بقدر ما يعني فتح أفق جديد لإعادة مساءلة نصوصنا القديمة والحديثة على حد سواء.

ويأتي الكتاب، حسب المترجم، استجابةً لحاجة معرفية ملحّة في المكتبة العربية، حيث لا يزال هذا الحقل النقدي، على الرغم من راهنيته، محدود الحضور نسبياً، ومجزّأ التداول بين مقالات متفرقة أو إشارات عابرة في دراسات أوسع أو بعض الكتابات العربية النقدية المحدودة، والتي بعضها لم يستوعب النقد البيئي وفلسفته بشكل صحيح؛ مما أنتج دراسات بيئية عربية مشوهة بعيدة عن الأسس الفلسفية والنقدية التي وضعها النقاد البيئيون في الخطاب النقدي الغربي المعاصر. ومن ثمَّ تسعى هذه المجموعة إلى تقديم بانوراما نظرية وتطبيقية للنقد البيئي.

يضم الكتاب خمس دراسات نقدية منشورة حديثاً باللغة الإنجليزية، تعبر عن وجهات نظر النقد البيئي المعاصرة التي تخطت موجات النقد البيئي المبكرة، الدراسة الأولى نظرية تليها أربع دراسات تطبيقية، تتناول فنون الأدب المختلفة.

وجاءت الدراسة الأولى للباحثة الهولندية «استريد براك» بعنوان «التحديات التي تواجه النقد البيئي». والدراسة الثانية «شاعر الجزيرة والشاطئ المقدس» للباحث الأميركي «م. جيمي كيلينجسورث». والثالثة «البيئات ما بعد الاستعمارية: الطبيعة والثقافة والرواية الهندية المعاصرة باللغة الإنجليزية: الماء/ الأرض: أميتاف جوش نموذجاً»، للباحث الهندي «أوبامانيو بابلو موخيرجي»، بينما الرابعة هي دراسة أخرى للباحثة الهولندية «استريد براك» وعنوانها «الرعوية في الرواية البريطانية المعاصرة». ويختتم الكتاب بدراسة «شكسبير والنقد البيئي: تحليل ثنائية الوطن والسلطة في مسرحية الملك لير»، للباحث الكندي «سايمون سي. إستوك».

وكان قد صدرت للمؤلف من قبل ترجمة لأكثر من كتاب، منها «من الشعرية الثقافية إلى الحراك الثقافي: مقالات مترجمة في النقد الثقافي» و«المادية الثقافية والتاريخية الجديدة» تأليف ستيفن جرينبلات، و«مناهج النقد الأدبي المعاصر: مقالات مختارة».