«اتفاق فيينا» يصعد بالنفط إلى أعلى مستوى في 18 شهرًا

المنتجون يؤكدون التزامهم... ونوفاك: 50 إلى 60 دولارًا سعر مريح للجميع

خام برنت يسجل أعلى مستوى منذ يوليو 2015 بعد اتفاق المنتجين على خفض الإنتاج ({الشرق الأوسط})
خام برنت يسجل أعلى مستوى منذ يوليو 2015 بعد اتفاق المنتجين على خفض الإنتاج ({الشرق الأوسط})
TT

«اتفاق فيينا» يصعد بالنفط إلى أعلى مستوى في 18 شهرًا

خام برنت يسجل أعلى مستوى منذ يوليو 2015 بعد اتفاق المنتجين على خفض الإنتاج ({الشرق الأوسط})
خام برنت يسجل أعلى مستوى منذ يوليو 2015 بعد اتفاق المنتجين على خفض الإنتاج ({الشرق الأوسط})

ارتفعت أسعار النفط أمس بما يصل إلى 6.5 في المائة، لتسجل أعلى مستوياتها منذ عام ونصف العام، وذلك في انعكاس مباشر لاتفاق منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» ومنتجين آخرين إلى أول اتفاق منذ عام 2001 لخفض مشترك للإنتاج بهدف كبح تخمة المعروض في الأسواق العالمية ودعم الأسعار.
وبحلول الساعة العاشرة من صباح أمس بتوقيت غرينيتش، ارتفع خام القياس العالمي مزيج برنت بواقع 2.38 دولار إلى 56.72 دولار للبرميل، وذلك بعد أن سجل أعلى مستوى خلال الجلسة عند 57.89 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ يوليو (تموز) 2015. ويزيد السعر 50 في المائة عنه قبل عام، ليسجل أعلى زيادة سنوية منذ سبتمبر (أيلول) 2011. بينما زاد خام غرب تكساس الأميركي الوسيط 2.46 دولار، ليسجل 53.96 دولار للبرميل.
وكانت «أوبك» قد اتفقت على خفض الإنتاج بواقع 1.2 مليون برميل يوميا، ويوم السبت اتفق 11 منتجا من خارج المنظمة على الانضمام إلى هذه الجهود وخفض الإنتاج بواقع 558 ألف برميل يوميا.
ويقل الخفض عن هدف أولي يبلغ 600 ألف برميل يوميا، لكنه ما زال أول اتفاق بين أوبك والمنتجين المستقلين منذ عام 2001، وأكبر مساهمة من قبل المنتجين من خارج المنظمة على الإطلاق.
وقال بنك «غولدمان ساكس» في بيان له أمس: «نعتقد أن التزام 11 عضوا في أوبك و11 منتجا من خارج المنظمة بخفض الإنتاج أمر ضروري للاستمرار في دعم أسعار النفط، وصولا إلى مستوى توقعاتنا لسعر خام غرب تكساس الأميركي الوسيط في النصف الأول 2017 عند 55 دولارا للبرميل»، موضحا أن «هذا التوقع يعكس خفضا فعليا بقيمة مليون برميل يوميا، مقابل الخفض المعلن بقيمة 1.6 مليون برميل يوميا، لذا فالالتزام الأكبر بالتخفيضات المعلنة يمثل مخاطرة على الجانب الصعودي لتوقعاتنا».
وأضاف البنك: «رغم محدودية الخفض عن المعلن سابقا، فإن الاتفاق مع ذلك يظل جديرا بالاهتمام، لأنه يبدد الشكوك بشأن احتمال مشاركة المنتجين المستقلين في خفض أوبك».
وعقب «الاتفاق التاريخي»، أدلى وزير الطاقة السعودي خالد الفالح بتصريحات قال فيها إن المملكة ربما تكون مستعدة لخفض الإنتاج إلى أقل من عشرة ملايين برميل يوميا.
وقال مصدر في أوبك إن المملكة - أكبر مصدر للنفط في العالم - أبلغت المنظمة أنها ضخت رقما قياسيا للإنتاج يبلغ 10.72 مليون برميل يوميا الشهر الماضي، ارتفاعا من 10.625 مليون برميل يوميا في أكتوبر (تشرين الأول).
وقال غولدمان ساكس إنه من المرجح أن يظل الخفض المعلن من قبل روسيا أقل من الرقم الذي تعهدت به وهو 300 ألف برميل يوميا، لافتا إلى أن مساهمة روسيا مهمة. وأضاف أن «الالتزام الأفضل من المتوقع ربما يقود في البداية إلى ارتفاع الأسعار، فيما يعادل الالتزام الكامل إضافة ستة دولارات للبرميل لتوقعاتنا للأسعار».
وبالأمس، أكدت السعودية أنها ملتزمة بالقرار الذي اتخذه اجتماع فيينا. وقال وزير الثقافة والإعلام الدكتور عادل الطريفي، في بيانه لوكالة الأنباء السعودية عقب الجلسة الأسبوعية التي عقدها مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين إن المجلس «أبدى ارتياحه لقرار تخفيض الإنتاج من الدول المنتجة خارج أوبك للمساهمة في استقرار الأسواق لصالح الدول المنتجة والصناعة البترولية والاقتصاد العالمي بشكل عام». مشيرا إلى أن المجلس «أكد التزام المملكة التام بهذا الاتفاق، وتطلعها إلى أن تقوم الدول الموقعة الأخرى بالالتزام به».
وكان الفالح قد قال عشية اجتماع فيينا إن دولا خارج منظمة أوبك أصبحت شريكا أساسيا لمنظمة «أوبك» في كل قضايا الإنتاج والاستثمار ودعم استقرار السوق، مشيرا إلى أن التقارب السعودي - الروسي أعاد التوازن للسوق.
من جهته، قال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك في تغريدة على حسابه على «تويتر» أمس إن سعرا بين 50 و60 دولارا لبرميل النفط يعتبر «مريحا بشكل أكبر» لميزانية روسيا، ويرضي كل من المنتجين والمستهلكين.
بينما أكدت مصادر نفطية روسية لـ«رويترز» أن اجتماع لجنة الطاقة وكبار منتجي النفط في روسيا برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين، المقرر عقده في 19 ديسمبر (كانون الأول) الحالي تأجل مجددا، دون أن يتضح السبب وراء التأجيل.
وكان من المتوقع أن تناقش لجنة الطاقة - وأمينها إيجور ستشين وهو حليف لبوتين منذ فترة طويلة ويرأس أيضا شركة روسنفت أكبر منتج للنفط في روسيا - تنفيذ خفض إنتاج روسيا من الخام بواقع 300 ألف برميل يوميا، بحسب اتفاق روسيا مع المنتجين في فيينا. بينما قالت «لوك أويل» ثاني أكبر منتج للنفط في روسيا إنها مستعدة لخفض إنتاجها بموجب الاتفاق العالمي، وقالت «تاتنفت» وهي منتج كبير آخر في البلاد إنها ستخفض إنتاجها من الخام بواقع 20 ألف برميل يوميا في 2017.
وفي سياق متصل، أكد وزير النفط العراقي جبار اللعيبي أن بلاده ملتزمة بخفض إنتاجها النفطي امتثالا للاتفاق، مضيفا أنه رغم ذلك واثق في أن العراق ثاني أكبر منتج في أوبك لديه القدرة على زيادة إنتاجه في السنوات المقبلة.
وأضاف الوزير في مقابلة نقلتها «رويترز» أن العراق يدرس عدة خيارات لتطبيق الخفض؛ بما في ذلك تقليص الإنتاج من حقول نفط كركوك وحقول الجنوب التي تطورها شركات نفط كبري أو الإنتاج في مناطق أخرى تديرها الحكومة.
ويأتي ذلك في وقت ذكرت فيه مصادر تجارية أمس أن العراق يعتزم تصدير نحو 3.5 مليون برميل يوميا من النفط من خام البصرة من الموانئ الجنوبية في يناير (كانون الثاني)، وهو أعلى مستوى منذ يونيو (حزيران)، رغم الموافقة على خفض الإنتاج في إطار اتفاق فيينا.
لكن اللعيبي قال لـ«رويترز» في وقت سابق إن التخفيضات ستهدف إلى الوصول للأرقام التي جري الاتفاق عليها مع أوبك، لكن فيما يخص مناطق الخفض فإن هناك خيارات عدة على الطاولة. وقال اللعيبي إن وزارته تخوض مناقشات مع الشركات الأجنبية التي تشغل الحقول العملاقة في جنوب العراق لتنفيذ بعض التخفيضات خلال فترات الصيانة المجدولة.
وقالت مصادر إنه مع ارتفاع الصادرات من الجنوب قد يتعين على العراق تقليص الإنتاج في الشمال للالتزام باتفاق أوبك.
كما أوضح اللعيبي أن إنتاج العراق النفطي في ديسمبر (كانون الأول) سيرتفع قليلا عن مستوى نوفمبر (تشرين الثاني). وأضاف أن بإمكانه تأكيد بلوغ إنتاج البلاد مستوى 4.8 مليون برميل يوميا.
وقبل العراق مستوى مرجعيا أقل للإنتاج في إطار اتفاق أوبك الذي قدر الإنتاج عند 4.561 مليون برميل يوميا. وقال اللعيبي إن بغداد وافقت على تقدير أقل لمستوى الإنتاج لأنها ترغب في وحدة الصف داخل أوبك حتى تستعيد أسعار النفط والسوق العالمية توازنهما. لكنه أضاف أنه على ثقة من أن هذا ليس المستوى الحقيقي للإنتاج، غير أنه من المأمول تعويض هذا مع تحسن الأسعار.
من جانبه، قال وزير الطاقة الكازاخستاني كانات بوزومباييف أمس إن خفض إنتاج بلاده النفطي بواقع 20 ألف برميل يوميا في إطار الاتفاق العالمي سيكون «رمزيا»، مقارنة مع إنتاج نوفمبر القياسي البالغ 1.7 مليون برميل يوميا.
وأبلغ الوزير الصحافيين أن كازاخستان لن تضع قيودا على إنتاج أكبر حقولها النفطية كاشاجان وكاراشجاناك وتنجيز، وأنها بدلا من ذلك ستؤجل التوسع في حقلين صغيرين، وتعتمد على الانخفاض الطبيعي في إنتاج حقول أخرى. وامتنع الوزير عن ذكر أسماء الحقول التي ستسهم في خفض الإنتاج.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.