صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني
TT

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

ربما كان أصدق رثاء للمفكر السوري صادق جلال العظم، الذي رحل ليلة أول من أمس في منفاه في العاصمة الألمانية برلين، ما كتبه ابناه، عمرو وإيفان: «لم يعد هناك من ينتقد ذواتنا بعد هزائمنا»، مشيرين إلى كتاب الراحل «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، الذي شكل علامة فارقة في الأدبيات العربية ما بعد هزيمة يونيو (حزيران). لم يتعب العظم من ممارسة النقد، سواء اتفقنا معه في قراءته لتراثنا القديم والمعاصر وواقعنا أم اختلفنا. لم يتعب عقله من حمل لواء التنوير ولم يتوقف لحظة عن التفكير السجالي النقدي، محركًا الساكن الراكد، مزعزعًا أركان الثوابت، منذ هزيمة 1967، إلى اندلاع ثورة السوريين ضد نظام الأسد. الثورة التي «فاجأته ولم تفاجئه»!! «نعم ولا في وقت واحد».
لقد فوجئ بالتوقيت وتخوف من احتمالات قمعها بسرعة لما يعرفه عن صلابة المنظومة الأمنية السورية وشراستها القمعية. في واقع شكل عنده وعند غيره من السوريين نوعًا من «عقدة النقص الراسخة بالعجز أمام النظام العسكري الأمني الكلي وسطوته، كما أدى إلى استبعاد أي فكرة أو حتى احتمال لقول لا (فردية أو جماعية) كبيرة له». بلسان المنحازين للثورة يقول صادق جلال العظم: «داريت عقدة النقص في داخلي بالتكيف اليومي البطيء مع هذا الواقع الأمني - الاستبدادي المرير والضاغط دومًا، كما داريتها بالاستبطان الجيد لقواعد وأصول التعامل معه بكل ما تتطلبه من نفاق وتظاهر بالتصديق والقبول والتكتم والتقية والتلاعب بالكلمات والتحايل في مواجهة القوة العارية. لولا ذلك لما تمكنت من الاستمرار في حياتي العادية والقيام بالأعمال الروتينية والمهام اليومية، أو من المحافظة على صحتي النفسية والعقلية». كان هذا كافيًا لينحاز صادق جلال العظم للثورة الشعبية ضد الاستبداد والظلم والقهر بغض النظر عن طبيعة القناعات التي يحملها، إن كانت يسارية أو ماركسية أو وسطية، أو حتى يمينية.
صادق جلال العظم، سليل العائلة البرجوازية المتحدرة من أصول تركية، ولد في دمشق عام 1934، وأتم دراسته الابتدائية فيها، ليتابع دراسته الثانوية في المدرسة الإنجيلية في صيدا (لبنان). حصل على درجة الليسانس في الآداب بامتياز من الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1957 (اختصاص فلسفة)، وأتم دراسته العليا في جامعة ييل في أميركا، حيث نال درجة الماجستير في الآداب سنة 1959، ودرجة دكتور في الفلسفة سنة 1961 باختصاص الفلسفة الحديثة. كان صادق جلال العظم طالبًا في السنة الثالثة في الجامعة، عندما اندلعت حرب السويس في مصر خريف عام 1956، وهي اللحظة التي يعتبرها العظم «لحظة التبلور الجاد لوعي سياسي - ثقافي ذاتي محدد في حياتي».
بعد انتهائه من الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، عاد إلى بيروت وعمل أستاذًا مساعدًا في قسم الفلسفة، في الجامعة الأميركية بين عامي 1963 و1968. وبدأ حينها مسيرته الفكرية بإعداد دراسات وكتابة مقالات في مجال تخصصه، وكان يلقي محاضراته العامة في النادي الثقافي العربي في رأس بيروت، طارحًا أفكاره النقدية الجديدة، التي، على الرغم من توجهها للنخبة من المهتمين بالفلسفة وقضايا التنوير، كانت جريئة وصادمة، وأثارت ردود فعل مضادة كانت في بعضها معادية، وهو ما اعتبره «جزءًا من حيوية الثقافة» حين ذاك. وكانت أولى معاركه لدى وضعه دراستين ومحاضرتين بعنوان «الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني» و«مأساة إبليس». ونشرتا في مجلة «دراسات عربية» اللبنانية التي رأس تحريرها، قبل أن يصدرهما في كتاب بعنوان «نقد الفكر الديني». الذي كانت له مفاعيل وأصداء واسعة، فهذا الكتاب الذي لا يتجاوز المائتي صفحة كتب عنه نحو 1500 صفحة، مثيرًا جدلاً واسعًا، وأزعج إدارة الجامعة منه، في الوقت الذي تم فيه إغلاق مجلة «دراسات عربية» وملاحقة صادق جلال العظم من قبل القضاء اللبناني. المفارقة أنه اضطر للفرار من السلطات اللبنانية ليلجأ إلى كنف السلطات السورية في وقت كان فيه التيار كله يجري في الاتجاه المعاكس. بقي في دمشق وبعد مفاوضات مع السلطات اللبنانية، عاد وسلم نفسه ليحاكم ومن ثم أطلق سراحه.
إلا أنه ولدى نشره في فبراير (شباط) 1967 مراجعة نقدية لمؤتمر أقامه شارل مالك في الجامعة الأميركية، اعتبر فيها العظم أن المؤتمر كان «موظفًا بفجاجة لا تصدق»، لخدمة الحلف المعادي لحركة التحرر العربي على العموم وللرئيس عبد الناصر، نقمت عليه إدارة الجامعة واستبعدته من طاقم التدريس فيها، وجاء ذلك بالتزامن مع نشره كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» الذي أنجزه أثناء عمله، وأدى قرار الجامعة إلى تعطيل التدريس 3 أيام وخروج مظاهرات طلابية احتجاجًا على قرار الإدارة. أحدث كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» صخبًا في العالم العربي، إذ كان أول من تجرأ على وصف ما حصل في 5 يونيو بـ«الهزيمة»، وعلى خلفية نشره هذا الكتاب منع العظم دخول مصر لأكثر من أربعة عقود.
شكلت الطروحات النقدية لصادق العظم حينها علامة فارقة في الساحة الثقافية العربية، لا سيما هذا الكتاب الذي ترك أثرًا عميقًا في الخطاب الثقافي، فيما اعتبره منتقدو العظم التأسيس الأول لظاهرة «جلد الذات» لدى تيار واسع في الأجيال اللاحقة.
بعد استبعاده من الجامعة الأميركية في بيروت، دعته الجامعة الأردنية إلى التدريس في قسم الفلسفة لديها، فذهب إلى عمان الملتهبة صيف عام 1968، لكنه لم يمكث طويلاً، حيث رحّلته السلطات الأردنية إلى بيروت في ربيع سنة 1969، وأدرجت اسمه على قائمة الممنوعين من دخول الأردن. لكنه عاد إليه عام 1970، ليعيش الأحداث التي سبقت أحداث سبتمبر (أيلول) 1971، من ثم ليغادر إلى بيروت مجددًا بعد تدهور الأوضاع هناك.
حينها كان صادق جلال العظم منخرطًا في المقاومة الفلسطينية وقد انضم، باحثًا، إلى هيئة العاملين في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، إلا أنه عندما ألف كتاب «الصهيونية والصراع الطبقي» وانتقد فيه تجربة المقاومة الفلسطينية في الأردن، فُصل من مركز الأبحاث، ومُنع من الكتابة في مجلة «شؤون فلسطينية» بأمر مباشر من الزعيم ياسر عرفات، مع أن صادق جلال العظم يعد أحد مؤسسي المجلة ومركز الأبحاث مع دكتور فايز صايغ عام 1965. يقول عن تلك التجربة: «تبيّن لي بسرعة أن المقاومة في العمق هي جزء من حركة التحرر العربي، على العموم، بتركيبتها وقياداتها ومصالحها وعقليتها وعجرها وبجرها. وإذا كانت الحركة الأكبر قد هزمت أمام المشروع الصهيوني فلن يكون مصير الفرع بأفضل من الأصل».
أواخر السبعينات اصطدم صادق جلال العظم الذي تصادم مع التيار الناصري في مصر ولبنان ومع المقاومة الفلسطينية (فتح) مع النظام البعثي في سوريا، فالأخير اعتبره مشاكسًا كبيرًا بعد نشره كتابي «سياسة كارتر» ثم كتاب «زيارة السادات وبؤس السلام العادل» والكتابان منعا في سوريا، وكان قد بدأ للتو عمله بالتدريس في جامعة دمشق بقسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
ويشار إلى أن صادق جلال العظم وخلال مسيرته الأكاديمية عمل أستاذًا في جامعتي برنستون وهارفارد في أميركا، وفي جامعات هامبورغ وهومبولت وأولدنبورغ في ألمانيا، وفي جامعة توهوكو في اليابان وفي جامعة أنتويرب في بلجيكا. وكان عضوًا في أكاديمية العلوم والآداب الأوروبية ليحوز على جائزة ليوبولد لوكاش للتفوق العلمي سنة 2004 التي تمنحها جامعة توبينغن في ألمانيا
بالتوازي مع ذلك، تابع صادق منهجه السجالي في النقد والتحليل فاشتبك مع أطروحة إدوارد سعيد حول الاستشراق وكان كتابه «الاستشراق معكوسًا» عام 1981 ردًا على طروحات سعيد باعتبارها أطروحة الاستشراق تصب في خانة التيارات السلفية، كما دافع عن المادية في كتابه «دفاعًا عن المادية والتاريخ» (1990) الذي جاء «دفاعًا مزدوجًا» حسب تعبيره، فيقول موضحًا إنه دافع أولاً، عن «الفكر النقدي التاريخي في تناول النظام الرأسمالي العالمي، وثانيًا، دافع عن المادية، لا استنادًا إلى نصوص مسبقة، وإنما استنادًا إلى قراءة لتاريخ الفلسفة الحديثة وللثورة العلمية الحديثة التي أنتجت تلك الفلسفة وحكمت تطوراتها وتحولاتها منذ نهاية القرن الثامن عشر في أوروبا».
وفي التسعينات كان وحده الذي دافع عن سلمان رشدي، كاتب «آيات شيطانية»، الذي أصدر الخميني فتوى تدعو إلى قتله، وكان يعتبره «دفاعًا عن العقل والاجتهاد وحرية الرأي والنقد والإبداع من خلال الدفاع عن الأدب دون تبني محتواه». ثم أصدر العظم كتابيه «ذهنية التحريم وحقيقة الأدب»، و«ما بعد ذهنية التحريم» على تفكيك ذهنية التحريم عبر تحليل مواقف المثقفين العرب من رواية سلمان رشدي. ورغم ما أثاره الكتابان من سجال واسع، فإن صادق العظم يؤكد أن غايته ليست «إثارة الدبابير»، إنما القصد هو «الاشتباك مع القضايا الشائكة».
حين تسلم العظم رئاسة قسم الفلسفة والدراسات الاجتماعية في جامعة دمشق بين عامي (1993 - 1998)، اعتبرت تلك السنوات فترة ذهبية للقسم، إذ شهدت إقامة نشاط فكري سنويًا (الأسبوع الثقافي لقسم الفلسفة)، بمشاركة نخبة من كبار المفكرين العرب إلى جانب أهم أساتذة الفلسفة والاجتماع في جامعة دمشق كالطيب تيزيني وأحمد البرقاوي وصادق جلال العظم، وجورج طرابيشي ومحمد عابد الجابري وعبد الإله بلقزيز وغيرهم، ممن شكل لقاؤهم في كنف جامعة دمشق فضاء فكريًا عزّ نظيره على المستوى العربي، والأهم أن تلك الأسابيع التي لم يحتمل النظام السوري الأمني استمرارها طويلاً، كانت تستقطب مئات الشباب من داخل الجامعة وخارجها، تغص بهم القاعات والأروقة، مما خلق حالة ثقافية فكرية أعادت لدمشق بعضًا من تألقها الثقافي التاريخي. في فترة كانت من أكثر الفترات ركودًا في حقبة حكم حافظ الأسد.
بعد النجاح اللافت الذي حققه نشاط قسم الفلسفة، بدا مستغربًا توقف الأسبوع الثقافي وتنحي صادق العظم عن رئاسة القسم. إلا أنه لم يتوانَ عن الانخراط في الشأن العام فعندما تسلم بشار الأسد السلطة في سوريا خلفًا لوالده وطرح مشروع الإصلاح والتحديث، كان صادق جلال العظم في صفوف المثقفين السوريين الذين أعلنوا ولادة ربيع دمشق، وراحوا يضعون تصوراتهم عن التغيير المطلوب تحقيقه، ورأى العظم أن المثقفين أثبتوا خلال ربيع دمشق عبر ما أنتجوه من كتابات ووثائق وتحليلات وتعليقات وانتقادات ومقالات «أنهم أبناء الحاضر بكل معنى الكلمة أسلوبًا ومعنى ومحتوى.. وأن السنوات الطويلة من سياسة الرقابة والمنع لم تؤثر فيهم بشيء أو تمنع عنهم شيئًا له علاقة بثقافة العالم وفكره وفلسفاته وسياساته وأخباره الأخرى. وليتبين، في التحليل الأخير، أن السنوات المشؤومة إياها ذهبت هدرًا وسدى، وكأنها لم تكن بالنسبة لسلطات الرقابة الحاكمة».
وعندما اندلعت ثورة الشعب السوري ضد حكم الأسد بعد 4 عقود من الديكتاتورية والقمع وانعدام الأفق بإحداث تغيير حقيقي وجاد، وقف صادق العظم إلى جانب الشعب السوري في انتفاضته واعتبرها «ثورة، لكون الهدف هو الإطاحة بالنظام القديم المهترئ والمتداعي الذي لم يعد قابلاً للحياة»، منتقدًا عدم انتصار بعض المثقفين لإرادة الشعب بذريعة أن «المظاهرات والاحتجاجات تخرج من الجامع وليس من دار الأوبرا أو المسرح الوطني على حد تبرير أدونيس». متسائلاً: «كيف يمكن للذين انتصروا في يوم ما لثورة الشعب الإيراني وللاهوت التحرير وكنائسه ولحركات التحرر الوطني في كل مكان تقريبًا أن يرفضوا الانتصار لثورة الشعب السوري بذريعة الخروج من الجوامع!!».
ووصف الثورة السورية بأنها «تصفية حسابات لسوريا مع نفسها ودفع فواتير متأخرة عما سبق لنا من تقاعس وتخاذل وصمت وجبن سوري»، مع التأكيد أن «معذبي الأرض السورية يقومون بثورة على حكم وحزب وطغمة عسكرية - مالية أمنية عائلية متسلطة».

محطات في حياته

* درس الفلسفة في الجامعة الأميركية، وتابع تعليمه في جامعة «ييل» بالولايات المتحدة.
* عمل أستاذًا جامعيًا في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى سوريا ليعمل أستاذًا في جامعة دمشق في 1977 - 1999.
* انتقل للتدريس في الجامعة الأميركية في بيروت بين 1963 و1968.
* عمل أستاذًا في جامعة الأردن ثم أصبح سنة 1969 رئيس تحرير مجلة الدراسات العربية التي تصدر في بيروت.
* عاد إلى دمشق 1988 ليدرس في جامعة دمشق، وتمت دعوته من قبل عدة جامعات أجنبية ثم انتقل إلى الخارج مجددًا ليعمل أستاذًا في عدة جامعات بالولايات المتحدة وألمانيا.
* رئيس رابطة الكتاب السوريين في المنفى
* رئيس تحرير مجلة «أوراق» الصادرة عن الرابطة

* من مؤلفاته

* نقد الفكر الديني
* النقد الذاتي للهزيمة
* الاستشراق والاستشراق معكوسًا
* ذهنية التحريم
* ما بعد ذهنية التحريم
* دفاعًا عن المادية والتاريخ
* في الحب والحب العذري



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي