صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني
TT

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

ربما كان أصدق رثاء للمفكر السوري صادق جلال العظم، الذي رحل ليلة أول من أمس في منفاه في العاصمة الألمانية برلين، ما كتبه ابناه، عمرو وإيفان: «لم يعد هناك من ينتقد ذواتنا بعد هزائمنا»، مشيرين إلى كتاب الراحل «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، الذي شكل علامة فارقة في الأدبيات العربية ما بعد هزيمة يونيو (حزيران). لم يتعب العظم من ممارسة النقد، سواء اتفقنا معه في قراءته لتراثنا القديم والمعاصر وواقعنا أم اختلفنا. لم يتعب عقله من حمل لواء التنوير ولم يتوقف لحظة عن التفكير السجالي النقدي، محركًا الساكن الراكد، مزعزعًا أركان الثوابت، منذ هزيمة 1967، إلى اندلاع ثورة السوريين ضد نظام الأسد. الثورة التي «فاجأته ولم تفاجئه»!! «نعم ولا في وقت واحد».
لقد فوجئ بالتوقيت وتخوف من احتمالات قمعها بسرعة لما يعرفه عن صلابة المنظومة الأمنية السورية وشراستها القمعية. في واقع شكل عنده وعند غيره من السوريين نوعًا من «عقدة النقص الراسخة بالعجز أمام النظام العسكري الأمني الكلي وسطوته، كما أدى إلى استبعاد أي فكرة أو حتى احتمال لقول لا (فردية أو جماعية) كبيرة له». بلسان المنحازين للثورة يقول صادق جلال العظم: «داريت عقدة النقص في داخلي بالتكيف اليومي البطيء مع هذا الواقع الأمني - الاستبدادي المرير والضاغط دومًا، كما داريتها بالاستبطان الجيد لقواعد وأصول التعامل معه بكل ما تتطلبه من نفاق وتظاهر بالتصديق والقبول والتكتم والتقية والتلاعب بالكلمات والتحايل في مواجهة القوة العارية. لولا ذلك لما تمكنت من الاستمرار في حياتي العادية والقيام بالأعمال الروتينية والمهام اليومية، أو من المحافظة على صحتي النفسية والعقلية». كان هذا كافيًا لينحاز صادق جلال العظم للثورة الشعبية ضد الاستبداد والظلم والقهر بغض النظر عن طبيعة القناعات التي يحملها، إن كانت يسارية أو ماركسية أو وسطية، أو حتى يمينية.
صادق جلال العظم، سليل العائلة البرجوازية المتحدرة من أصول تركية، ولد في دمشق عام 1934، وأتم دراسته الابتدائية فيها، ليتابع دراسته الثانوية في المدرسة الإنجيلية في صيدا (لبنان). حصل على درجة الليسانس في الآداب بامتياز من الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1957 (اختصاص فلسفة)، وأتم دراسته العليا في جامعة ييل في أميركا، حيث نال درجة الماجستير في الآداب سنة 1959، ودرجة دكتور في الفلسفة سنة 1961 باختصاص الفلسفة الحديثة. كان صادق جلال العظم طالبًا في السنة الثالثة في الجامعة، عندما اندلعت حرب السويس في مصر خريف عام 1956، وهي اللحظة التي يعتبرها العظم «لحظة التبلور الجاد لوعي سياسي - ثقافي ذاتي محدد في حياتي».
بعد انتهائه من الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، عاد إلى بيروت وعمل أستاذًا مساعدًا في قسم الفلسفة، في الجامعة الأميركية بين عامي 1963 و1968. وبدأ حينها مسيرته الفكرية بإعداد دراسات وكتابة مقالات في مجال تخصصه، وكان يلقي محاضراته العامة في النادي الثقافي العربي في رأس بيروت، طارحًا أفكاره النقدية الجديدة، التي، على الرغم من توجهها للنخبة من المهتمين بالفلسفة وقضايا التنوير، كانت جريئة وصادمة، وأثارت ردود فعل مضادة كانت في بعضها معادية، وهو ما اعتبره «جزءًا من حيوية الثقافة» حين ذاك. وكانت أولى معاركه لدى وضعه دراستين ومحاضرتين بعنوان «الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني» و«مأساة إبليس». ونشرتا في مجلة «دراسات عربية» اللبنانية التي رأس تحريرها، قبل أن يصدرهما في كتاب بعنوان «نقد الفكر الديني». الذي كانت له مفاعيل وأصداء واسعة، فهذا الكتاب الذي لا يتجاوز المائتي صفحة كتب عنه نحو 1500 صفحة، مثيرًا جدلاً واسعًا، وأزعج إدارة الجامعة منه، في الوقت الذي تم فيه إغلاق مجلة «دراسات عربية» وملاحقة صادق جلال العظم من قبل القضاء اللبناني. المفارقة أنه اضطر للفرار من السلطات اللبنانية ليلجأ إلى كنف السلطات السورية في وقت كان فيه التيار كله يجري في الاتجاه المعاكس. بقي في دمشق وبعد مفاوضات مع السلطات اللبنانية، عاد وسلم نفسه ليحاكم ومن ثم أطلق سراحه.
إلا أنه ولدى نشره في فبراير (شباط) 1967 مراجعة نقدية لمؤتمر أقامه شارل مالك في الجامعة الأميركية، اعتبر فيها العظم أن المؤتمر كان «موظفًا بفجاجة لا تصدق»، لخدمة الحلف المعادي لحركة التحرر العربي على العموم وللرئيس عبد الناصر، نقمت عليه إدارة الجامعة واستبعدته من طاقم التدريس فيها، وجاء ذلك بالتزامن مع نشره كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» الذي أنجزه أثناء عمله، وأدى قرار الجامعة إلى تعطيل التدريس 3 أيام وخروج مظاهرات طلابية احتجاجًا على قرار الإدارة. أحدث كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» صخبًا في العالم العربي، إذ كان أول من تجرأ على وصف ما حصل في 5 يونيو بـ«الهزيمة»، وعلى خلفية نشره هذا الكتاب منع العظم دخول مصر لأكثر من أربعة عقود.
شكلت الطروحات النقدية لصادق العظم حينها علامة فارقة في الساحة الثقافية العربية، لا سيما هذا الكتاب الذي ترك أثرًا عميقًا في الخطاب الثقافي، فيما اعتبره منتقدو العظم التأسيس الأول لظاهرة «جلد الذات» لدى تيار واسع في الأجيال اللاحقة.
بعد استبعاده من الجامعة الأميركية في بيروت، دعته الجامعة الأردنية إلى التدريس في قسم الفلسفة لديها، فذهب إلى عمان الملتهبة صيف عام 1968، لكنه لم يمكث طويلاً، حيث رحّلته السلطات الأردنية إلى بيروت في ربيع سنة 1969، وأدرجت اسمه على قائمة الممنوعين من دخول الأردن. لكنه عاد إليه عام 1970، ليعيش الأحداث التي سبقت أحداث سبتمبر (أيلول) 1971، من ثم ليغادر إلى بيروت مجددًا بعد تدهور الأوضاع هناك.
حينها كان صادق جلال العظم منخرطًا في المقاومة الفلسطينية وقد انضم، باحثًا، إلى هيئة العاملين في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، إلا أنه عندما ألف كتاب «الصهيونية والصراع الطبقي» وانتقد فيه تجربة المقاومة الفلسطينية في الأردن، فُصل من مركز الأبحاث، ومُنع من الكتابة في مجلة «شؤون فلسطينية» بأمر مباشر من الزعيم ياسر عرفات، مع أن صادق جلال العظم يعد أحد مؤسسي المجلة ومركز الأبحاث مع دكتور فايز صايغ عام 1965. يقول عن تلك التجربة: «تبيّن لي بسرعة أن المقاومة في العمق هي جزء من حركة التحرر العربي، على العموم، بتركيبتها وقياداتها ومصالحها وعقليتها وعجرها وبجرها. وإذا كانت الحركة الأكبر قد هزمت أمام المشروع الصهيوني فلن يكون مصير الفرع بأفضل من الأصل».
أواخر السبعينات اصطدم صادق جلال العظم الذي تصادم مع التيار الناصري في مصر ولبنان ومع المقاومة الفلسطينية (فتح) مع النظام البعثي في سوريا، فالأخير اعتبره مشاكسًا كبيرًا بعد نشره كتابي «سياسة كارتر» ثم كتاب «زيارة السادات وبؤس السلام العادل» والكتابان منعا في سوريا، وكان قد بدأ للتو عمله بالتدريس في جامعة دمشق بقسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
ويشار إلى أن صادق جلال العظم وخلال مسيرته الأكاديمية عمل أستاذًا في جامعتي برنستون وهارفارد في أميركا، وفي جامعات هامبورغ وهومبولت وأولدنبورغ في ألمانيا، وفي جامعة توهوكو في اليابان وفي جامعة أنتويرب في بلجيكا. وكان عضوًا في أكاديمية العلوم والآداب الأوروبية ليحوز على جائزة ليوبولد لوكاش للتفوق العلمي سنة 2004 التي تمنحها جامعة توبينغن في ألمانيا
بالتوازي مع ذلك، تابع صادق منهجه السجالي في النقد والتحليل فاشتبك مع أطروحة إدوارد سعيد حول الاستشراق وكان كتابه «الاستشراق معكوسًا» عام 1981 ردًا على طروحات سعيد باعتبارها أطروحة الاستشراق تصب في خانة التيارات السلفية، كما دافع عن المادية في كتابه «دفاعًا عن المادية والتاريخ» (1990) الذي جاء «دفاعًا مزدوجًا» حسب تعبيره، فيقول موضحًا إنه دافع أولاً، عن «الفكر النقدي التاريخي في تناول النظام الرأسمالي العالمي، وثانيًا، دافع عن المادية، لا استنادًا إلى نصوص مسبقة، وإنما استنادًا إلى قراءة لتاريخ الفلسفة الحديثة وللثورة العلمية الحديثة التي أنتجت تلك الفلسفة وحكمت تطوراتها وتحولاتها منذ نهاية القرن الثامن عشر في أوروبا».
وفي التسعينات كان وحده الذي دافع عن سلمان رشدي، كاتب «آيات شيطانية»، الذي أصدر الخميني فتوى تدعو إلى قتله، وكان يعتبره «دفاعًا عن العقل والاجتهاد وحرية الرأي والنقد والإبداع من خلال الدفاع عن الأدب دون تبني محتواه». ثم أصدر العظم كتابيه «ذهنية التحريم وحقيقة الأدب»، و«ما بعد ذهنية التحريم» على تفكيك ذهنية التحريم عبر تحليل مواقف المثقفين العرب من رواية سلمان رشدي. ورغم ما أثاره الكتابان من سجال واسع، فإن صادق العظم يؤكد أن غايته ليست «إثارة الدبابير»، إنما القصد هو «الاشتباك مع القضايا الشائكة».
حين تسلم العظم رئاسة قسم الفلسفة والدراسات الاجتماعية في جامعة دمشق بين عامي (1993 - 1998)، اعتبرت تلك السنوات فترة ذهبية للقسم، إذ شهدت إقامة نشاط فكري سنويًا (الأسبوع الثقافي لقسم الفلسفة)، بمشاركة نخبة من كبار المفكرين العرب إلى جانب أهم أساتذة الفلسفة والاجتماع في جامعة دمشق كالطيب تيزيني وأحمد البرقاوي وصادق جلال العظم، وجورج طرابيشي ومحمد عابد الجابري وعبد الإله بلقزيز وغيرهم، ممن شكل لقاؤهم في كنف جامعة دمشق فضاء فكريًا عزّ نظيره على المستوى العربي، والأهم أن تلك الأسابيع التي لم يحتمل النظام السوري الأمني استمرارها طويلاً، كانت تستقطب مئات الشباب من داخل الجامعة وخارجها، تغص بهم القاعات والأروقة، مما خلق حالة ثقافية فكرية أعادت لدمشق بعضًا من تألقها الثقافي التاريخي. في فترة كانت من أكثر الفترات ركودًا في حقبة حكم حافظ الأسد.
بعد النجاح اللافت الذي حققه نشاط قسم الفلسفة، بدا مستغربًا توقف الأسبوع الثقافي وتنحي صادق العظم عن رئاسة القسم. إلا أنه لم يتوانَ عن الانخراط في الشأن العام فعندما تسلم بشار الأسد السلطة في سوريا خلفًا لوالده وطرح مشروع الإصلاح والتحديث، كان صادق جلال العظم في صفوف المثقفين السوريين الذين أعلنوا ولادة ربيع دمشق، وراحوا يضعون تصوراتهم عن التغيير المطلوب تحقيقه، ورأى العظم أن المثقفين أثبتوا خلال ربيع دمشق عبر ما أنتجوه من كتابات ووثائق وتحليلات وتعليقات وانتقادات ومقالات «أنهم أبناء الحاضر بكل معنى الكلمة أسلوبًا ومعنى ومحتوى.. وأن السنوات الطويلة من سياسة الرقابة والمنع لم تؤثر فيهم بشيء أو تمنع عنهم شيئًا له علاقة بثقافة العالم وفكره وفلسفاته وسياساته وأخباره الأخرى. وليتبين، في التحليل الأخير، أن السنوات المشؤومة إياها ذهبت هدرًا وسدى، وكأنها لم تكن بالنسبة لسلطات الرقابة الحاكمة».
وعندما اندلعت ثورة الشعب السوري ضد حكم الأسد بعد 4 عقود من الديكتاتورية والقمع وانعدام الأفق بإحداث تغيير حقيقي وجاد، وقف صادق العظم إلى جانب الشعب السوري في انتفاضته واعتبرها «ثورة، لكون الهدف هو الإطاحة بالنظام القديم المهترئ والمتداعي الذي لم يعد قابلاً للحياة»، منتقدًا عدم انتصار بعض المثقفين لإرادة الشعب بذريعة أن «المظاهرات والاحتجاجات تخرج من الجامع وليس من دار الأوبرا أو المسرح الوطني على حد تبرير أدونيس». متسائلاً: «كيف يمكن للذين انتصروا في يوم ما لثورة الشعب الإيراني وللاهوت التحرير وكنائسه ولحركات التحرر الوطني في كل مكان تقريبًا أن يرفضوا الانتصار لثورة الشعب السوري بذريعة الخروج من الجوامع!!».
ووصف الثورة السورية بأنها «تصفية حسابات لسوريا مع نفسها ودفع فواتير متأخرة عما سبق لنا من تقاعس وتخاذل وصمت وجبن سوري»، مع التأكيد أن «معذبي الأرض السورية يقومون بثورة على حكم وحزب وطغمة عسكرية - مالية أمنية عائلية متسلطة».

محطات في حياته

* درس الفلسفة في الجامعة الأميركية، وتابع تعليمه في جامعة «ييل» بالولايات المتحدة.
* عمل أستاذًا جامعيًا في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى سوريا ليعمل أستاذًا في جامعة دمشق في 1977 - 1999.
* انتقل للتدريس في الجامعة الأميركية في بيروت بين 1963 و1968.
* عمل أستاذًا في جامعة الأردن ثم أصبح سنة 1969 رئيس تحرير مجلة الدراسات العربية التي تصدر في بيروت.
* عاد إلى دمشق 1988 ليدرس في جامعة دمشق، وتمت دعوته من قبل عدة جامعات أجنبية ثم انتقل إلى الخارج مجددًا ليعمل أستاذًا في عدة جامعات بالولايات المتحدة وألمانيا.
* رئيس رابطة الكتاب السوريين في المنفى
* رئيس تحرير مجلة «أوراق» الصادرة عن الرابطة

* من مؤلفاته

* نقد الفكر الديني
* النقد الذاتي للهزيمة
* الاستشراق والاستشراق معكوسًا
* ذهنية التحريم
* ما بعد ذهنية التحريم
* دفاعًا عن المادية والتاريخ
* في الحب والحب العذري



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».