السلطات المصرية تعلن «الاستنفار الأمني» لتأمين محاكمة مرسي

«الإخوان» يواصلون الحشد.. و«الداخلية» تستعد لأعمال الشغب والتخريب

قوات الأمن المصرية أثناء القبض على عدد من الطلاب الضالعين في أحداث الشغب في جامعة الأزهر أول من أمس (رويترز)
قوات الأمن المصرية أثناء القبض على عدد من الطلاب الضالعين في أحداث الشغب في جامعة الأزهر أول من أمس (رويترز)
TT

السلطات المصرية تعلن «الاستنفار الأمني» لتأمين محاكمة مرسي

قوات الأمن المصرية أثناء القبض على عدد من الطلاب الضالعين في أحداث الشغب في جامعة الأزهر أول من أمس (رويترز)
قوات الأمن المصرية أثناء القبض على عدد من الطلاب الضالعين في أحداث الشغب في جامعة الأزهر أول من أمس (رويترز)

تجاهلت جماعة الإخوان المسلمين في مصر الاستنفار الأمني الذي أعلنته وزارة الداخلية استباقا لمحاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بمعهد أمناء الشرطة في منطقة سجون طرة بضاحية المعادي (جنوب القاهرة)، مناشدة أنصارها بالتظاهر اعتبارا من اليوم (الجمعة) وحتى موعد المحاكمة يوم الاثنين المقبل احتجاجا على محاكمة أول رئيس إسلامي للبلاد.
وأقر اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية، أمس، خطة تأمين المحاكمة، التي سيجري تنفيذها بدءا من يوم غد (السبت) بمشاركة 20 ألف ضابط ومجند بمختلف قطاعات الوزارة، وقالت مصادر أمنية إنه «سيجري تشديد الإجراءات الأمنية على قناة السويس وشبه جزيرة سيناء لمواجهة أي محاولات لتسلل العناصر الإرهابية إلى القاهرة والقيام بأعمال تخريبية».
وتأتي هذه الدعوة في وقت سادت حالة من الهدوء الحذر جامعة الأزهر (شرق القاهرة) بعد أحداث العنف والتخريب التي شهدتها أول من أمس، وانتشرت أمس سيارات ومدرعات الشرطة داخل الجامعة تحسبا لأي أعمال عنف جديدة من قبل طلاب «الإخوان».
وقرر النائب العام المصري، المستشار هشام بركات، حبس 27 طالبا من جامعة الأزهر 15 يوما لاتهامهم بارتكاب جرائم البلطجة والتجمهر والسرقة ومقاومة السلطات. وقال مصدر مسؤول في الجامعة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدكتور أسامة العبد، رئيس الجامعة، طلب من (الداخلية) عدم ترك حرم الجامعة لحين استقرار الأوضاع، وقرر تفتيش جميع السيارات التي تدخل للحرم لتحقيق أقصى درجات الأمن».
ويحاكم مرسي، إلى جانب 14 من قيادات الجماعة؛ أبرزهم عصام العريان ومحمد البلتاجي، بتهمة التحريض على العنف في أحداث «قصر الاتحادية» الرئاسي بمصر الجديدة في 5 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين.
وأعلنت مصادر أمنية بـ«الداخلية» قيام الوزارة بإعلان حالة الاستنفار بين كافة قطاعاتها، وقالت المصادر إن الخطة التي أقرها وزير الداخلية أمس، تتضمن تأمين نقل مرسي من مقر احتجازه الجبري إلى مهبط الطائرة بسجن طرة، ومنه إلى مقر المحاكمة بمعهد أمناء الشرطة عبر باب داخلي بواسطة مروحية عسكرية، وتأمين قاعة المحاكمة من الداخل، وكذلك تأمين هيئة المحكمة منذ مغادرة أعضائها منازلهم حتى الوصول إلى قاعة المحكمة والعكس.
وتابعت المصادر: «كما سيجري وضع بوابات إلكترونية على شارع طرة لتفتيش الوافدين إلى مقر المحاكمة من الإعلاميين وأهالي المتهمين والمجني عليهم من الدرجة الأولى والمحامين، وكذلك نشر تشكيلات من الأمن المركزي ومجموعات قتالية بمحيط منطقة طرة وأعلى أسطح العقارات المحيطة بها لتأمينها بشكل كامل، وإجهاض أي مخططات من قبل عناصر تنظيم الإخوان لإفساد المحاكمة، بالإضافة إلى انتشار رجال الإدارة العامة لمباحث القاهرة ومفتشي الأمن العام حول وداخل منطقة طرة لمنع وصول أي من البلطجية والخارجين عن القانون إليها، بينما سيقوم رجال الإدارة العامة للمرور بإعداد محاور بديلة وتغيير بعض المسارات للشوارع والطرق الرئيسة المحيطة بالمنطقة خلال المحاكمة».
وأشارت المصادر الأمنية إلى أن خطة تأمين المحاكمة لن تكون قاصرة على منطقة طرة فقط، بل ستمتد إلى المنشآت المهمة والحيوية والمحافظات، بعد ورود معلومات إلى أجهزة الأمن باعتزام جماعة الإخوان القيام بأعمال شغب والتعدي على المنشآت المهمة والحيوية.
وعزل مرسي عن الحكم في 3 يوليو (تموز) الماضي في أعقاب مظاهرات حاشدة تندد بحكمه. وعلى أثرها، وضع قادة الجيش، بمشاركة سياسيين ورجال دين، خارطة طريق لإدارة المرحلة الانتقالية تقضي بتعديل دستور 2012 الذي جرى تعطيله، وتشمل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة.
وما زالت جماعة الإخوان ترفض التعامل مع الإدارة الانتقالية الحالية، كما تواصل حشد أنصارها في إطار ما يسمى «التحالف الوطني لدعم الشرعية» للتظاهر بشكل يومي في الجامعات. وفي بيان لها أمس، دعت الجماعة أنصارها إلى الاستمرار في المظاهرات احتجاجا على محاكمة مرسي تحت شعار أسبوع «محاكمة إرادة شعب»، كما دعت إلى الاحتشاد عند مقر المحاكمة، لكن مصدرا أمنيا مسؤولا حذر من أي محاولة لتهريب المتهمين أو اقتحام قاعة المحاكمة أو الاقتراب من منطقة سجون طرة، قائلا لـ«الشرق الأوسط»، إن «أي محاولة من ذلك القبيل ستواجه بكل حسم وقوة ووفقا للقانون».
في السياق نفسه، انتهت محكمة استئناف القاهرة من تلقي طلبات استخراج التصاريح الإعلامية لتغطية المحاكمة، وقال مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لم يجر قيد أي صحافي أو إعلامي أو وسيلة إعلامية وصحافية تابعة لـ(الإخوان)».
ولم تؤكد السلطات القضائية في مصر ما إذا كانت المحاكمة سوف تذاع على الهواء مباشرة من عدمه مثل محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي يحاكم في قضايا قتل متظاهرين وفساد مالي وإداري. لكن قياديا إخوانيا طالب بضرورة الالتزام بعلنية المحاكمة، بما فيها البث التلفزيوني العلني لوقائعها على الهواء مباشرة في كل مراحلها. وقال القيادي لـ«الشرق الأوسط»: «نطالب بضرورة مرافقة فريق طبي متكامل مستقل ومحايد لمرسي خلال الجلسات ضمانا لسلامته وصونا لحياته (في إشارة إلى الفريق الطبي الذي يرافق مبارك خلال محاكمته)، بالإضافة إلى علنية المكان الذي سوف ينتقل إليه مرسي خلال مراحل المحاكمة أو بعدها».
وهدد القيادي الإخواني بتصعيد الأمور دوليا من خلال منظمات حقوق الإنسان حال عدم مساواة مرسي بمبارك خلال المحاكمات.
وقال محمد الدماطي، المتحدث باسم هيئة الدفاع عن الرئيس المعزول: «سوف نتسلم تصاريح دخول محاكمة مرسي غدا (السبت)، ومرسي لم يوكل أو يفوض أي محام ليدافع عنه»، مضيفا: «يستطيع مرسي أن يدافع عن نفسه في القضايا، ولكن في قضايا الجنايات لا بد أن يحضر محام معه خلال جلسة المحاكمة».
وأوضح الدماطي، خلال مؤتمر عقد بمقر حزب العمل أمس، أن فريق الدفاع عن مرسي يضم سبعة محامين، في مقدمتهم محمد سليم العوا المرشح الرئاسي السابق، مؤكدا أن مرسي رفض الإجابة عن أي أسئلة لقاضي التحقيقات الذي زاره في محبسه، وأنه إذا صدر ضده حكم جنائي في القضية تسقط شرعيته. وزعم الدماطي أن هناك نية مؤكدة من السلطات القضائية لإصدار حكم سريع على مرسي من أول جلسة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.