علي الرفاعي: عقدتُ حِلْفًا مع «الجنّ»

علي الرفاعي: عقدتُ حِلْفًا مع «الجنّ»

الروائي السوداني/ الفلاح يقول إنه لا يشبه الطَّيِّب صالح ولا يتشبَّه به
الاثنين - 13 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 12 ديسمبر 2016 مـ
الروائي علي الرفاعي

«من الحقل والبستان أتيت، ومن عالم الجن أتت رواياتي».. بهذه العبارات افتتح الأديب السوداني ذو الـ68 عاما، حديثه لنا، بعد حصوله على ثاني أكبر جوائز «كتارا» للرواية العربية، التي أعلنت في الدوحة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
والرفاعي تخرج في كلية الآداب جامعة الخرطوم انتقل بعدها إلى الإمارات، حيث عمل مترجمًا بقوة دفاع أبوظبي، ثم معلمًا في ليبيا، قبل أن يستقر مجددًا في قريته «القرير» مركز مروي، لتحتضنه الأرض مزارعًا يحرث الحقل ويسقي الزرع ويقضي جل يومه بين الأشجار.
«هناك أد نفسي» يقول لنا، ويضيف: «في هذه الحقول ولدت معظم رواياتي، هناك كتبت (قبيلة من وراء خط الأفق)، و(كي لا يستيقظ النمل)، والرواية الأخيرة الفائزة بجائزة «كتارا»: (جينات عائلة ميرو)».
إلى جانب هذه الروايات كتب علي الرفاعي روايته «النيل يعبر إلى الضفة الأخرى»، وهي الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في أكتوبر 2003.
كما حازت رواية «قبيلة من وراء خط الأفق»، على نفس الجائزة للمرة الثانية في أكتوبر 2004، كما كتب رواية «الطاحونة»، و«النيل يعبر إلى الضّفّة الأخرى»، و«الشمس تغيب إلى أعلى». وله مجموعة قصصية بعنوان «من يشتري سروال أبى»، وديوان شعر.
يقول عن روايته الفائزة بجائزة الأعمال غير المنشورة، وجائز الأعمال غير المنشورة القابلة للتحول إلى عمل دراما: «هي تجربة جديدة، مثلت نقلة في عملي الروائي، كنت أكتب عن المجتمع السوداني، أما هذه الرواية فمجتمعها نيجيريا وعالمها هو عالم الجن».
إنها تسير أغوار وعوالم مجتمع الجن، حيث تدور أحداثها داخل قبيلة من الجن، ينتقل إليها مدرسان سودانيان، وهناك يفتنا بفتاتين هما ابنتا ملك الجن، وفي هذا العالم المسكون بالعالم الآخر تدور أحداث الرواية.
ويضيف الرفاعي: «بخفة ظله المعتادة»: «إنني عقدت صلة وثيقة بالجن، فكانت هذه الرواية أسهل أعمالي، وقد كتبتها في رمضان، الزمان الذي تنقل المأثورات أن الجن تغل فيه، ولا أدري هل ساعدني الجن على إنجازها أم كنت واحدًا منهم».
* حدِّثنا أكثر عن روايتك الفائزة بجائزة «كتارا» للرِّواية العربيَّة «جينات عائلة ميرو».
- البطل الرَّئِيسي في الرِّواية المشهور بلقبه «البانسلين»، امتطى الطَّائِرة السودانيَّة من الخرطوم في طريقه إلى كانو باحثًا عن فرصة عمل بالتَّدريس بنيجيريا. لصدفة خطَّطت لها الأَقدار كان كرسيِّه بالطَّائِرة ملاصقًا لكرسي مجذوب الخير محمَّد، الَّذي يعمل بالتَّدريس بنيجيريا، والَّذي قضى عطلة طويلة بالوطن. تعارفا بالطَّائرة وتآنسا. «البانسلين» سكن مع مجذوب الخير ببيته بمدينة فُنْتُوَا Funtua الواقعة بمقاطعة كادونا بشمال نيجيريا؛ إذ كان مجذوب قد ترك عائلته بالسودان. البانسلين لم يُوفَق في الالتحاق بالتَّدريس؛ إذ دخل نيجيريا بتأْشيرة زيارة. جلس الصَّديقان بسينما. تقرَّبت فتاة تجلس مجاورة للبانسلين إليه بثمرة قُوْرُوْ.. تحادثا قليلاً وغادرا دار السَّينما. ذهبا إلى بيت صديقه مجذوب. بعد أن احتسى كميَّة كبيرة من الخمر، حاول مقاربتها.. فجأَة تحوَّلت إلى عقيد في الشُّرطة النَّيجريَّة. من هنا بدأَت تجربة الصَّديقين مع الجن بعد أن اقتحمت توأَمة تلك الفتاة حياة مجذوب. أُسلِكَ الصديقان بواسطة الفتاتين وأَبيهما، رئِيس مجلس عُمَد عموم جن نيجيريا، في عالَم الجن خطوة خطوة؛ حتَّى صارا يعرفان عن عالَم الجن أكثر ممَّا يعرفان عن عالَم البشر، بل أكثر ممَّا يعرِف الجن عن أَنفسهم.
* على الرغم من أن مكان الرواية هو أفريقيا فإنك جردتها من عنصر الزمان
- نعم.. يُلْفَتُ النَّظر إلى أن أَحداث الرِّواية بدأَت في 1978 للميلاد، وتواصلت زُهَاء ثلاثين سنة. وليس بمستَغْرَب ولا ببعيد أَن تكون متواصلة حتَّى الآن؛ إذ ليس في عالَم عائِلة مِيْرُوْ شيئًا مستغرَبًا ولا بعيدًا! كلُّ صَعْب أو مستحِيل في عالَم البشر، هو بالنِّسبة لآل مِيْرُوْ عادِي وممكِنٌ وتحتَ السَّيطرة الكامِلة. هذه الرِّواية متداخِلة الأَجزاء، تداخُل العالَم الَّذي تصدَّت الرِّواية للتَّجوُّل في أَنحائِه الَّتي يجهلها ويخشاها كثير من البشر.
* هل تهرب للجن لتحكي مشكلات البشر؟، هل يمكن اعتبار هذه الرواية عملاً «فنتازيًا»؟
- سأَسأَلك سؤُالاً، ربَّما لا تملك في لحظة طرحه عليك إجابة عنه؛ ربَّما ببساطة لأَنَّك لم تكن تتوقَّعه، لكنَّني أَتوقَّع أَن تجيب عنه بشفافيَّة بعد أن تمتصَّ صدمته الأولى: «هل كلُّ من نراهم بيننا في صورة البشر هم حتمًا وفعلاً من البشر؟ أَم أَنَّ بعضهم إِن لم نقُلْ أكثرهم من الجن، خاصة إذا علمنا أَنَّ الجنَّ يحاولون دائِمًا تقليد البشر؟». هذا التَّقليد للبشر ما لا يجب أَن أَخوض فيه؛ إذ إنني فصَّلته في روايتي: «جينات عائلة ميرو». من هنا تدرك أَنَّني لم أَهرب إلى عالَم الجن لأَحكي مشكلات النَّاس. ولا أستبعد أن يحدث العكس بأَن يهرب بعض الجن إلي لأَعكس للبشر بعض مشكلاتهم. ولا أعتقد أَنَّ في قيامي بذلك أَي فانتازيا يتعقَّد الجنُّ من طرحي لها روائيًّا؛ فنحن في النِّهاية عالَمان متداخلان. كما ذكرتُ فبالنِّسبة للجنِّ ليست هناك أَي فانتازيا في روايتي؛ فهذا عالَمهم الَّذي يعيشه المتفلِّت منهم والمتمسكِن.
* لديك أَلفة مع عالَم الجن؟
- البشر، مسلمهم وكافرهم، لا ينكرون وجود الجن كمخلوقات تشاركهم العيش على الأرض، وتشاركهم أَيضًا أَشواقهم وتطلُّعاتهم وخيباتهم. لكنَّ أكثر البشر يجهلون مقدرات الجن الَّتي تميِّزهم عن البشر. ولو وقفوا على مقدراتهم تلك كما حاولتُ إِبراز بعضها في روايتي، لانتفت رائحة أَي فانتازيا في روايتي. وأُزيدك عِلمًا أَنَّ الجنَّ الموظَّفين في الرِّواية يزعمون أَنَّهم هجين، لا هم جن ولا هم بشر.. فيهم طِباع البشر وخصائِص الجن. ولكن أَما زلتَ تعتقد، بعد كلِّ هذا، أَنَّ جميع من نراهم بيننا هم قطعًا بشر خُلَّص؟! المهمُّ عندي أَنَّ سؤَالك هذا وما قبله كان سؤَالاً ذكيًّا، وأسئلة الأَذكياء يتولَّى الإجابة عنها، أحيانًا، الأَغبياء. وكما قِيْلَ فإِنَّ للذَّكاء حدودًا، لكن لا حدود للغباء.
* كيف تتخيَّل أَن تكون روايتك بعد تحويلها إلى عمل درامي؟
- الخيال قد يجنح أحيانا. لكنَّني أتخيَّل أَن يكون هذا العمل أَقدر على إِضاءة جوانب كثيرة، لم أَتمكَّن، بخبرتي المتواضعة، من إِضاءتها؛ خصوصًا وأَنَّ الكلمة فيه ستكون مصحوبة بالصُّورة المشاهدة بالعين، وهذا ما لا يقدر عليه نصِّي الرِّوائِي. وأعتقد أَنَّ هذا العمل الدِّرامي سيرتاد آفاقًا ملتهبة في الرِّواية بأَحداثها وشخوصها وفضائِها الرِّوائي، لم أستطع الاقتراب الكافي منها لخوفي على نفسي من الاحتراق. وأُؤَكِّد لك أَنَّ الجنَّ سيعجبون بهذا العمل الدَّرامي أَيَّما إِعجاب، وقد يروِّجون له بطريقتهم الخاصة؛ خصوصًا إذا أَخذنا في الاعتبار أَنَّ التَّشكُّل من أَهمِّ ميزات الجن، والتَّمثيل أَقرب شيء للتَّشكُّل.
* بدأْت حياتك مترجِمًا لكنَّك رجعت فلاحًا. ترى ماذا تمنحك تلك الحقول؟
- ومن قال إِنَّني هجرتُ التَّرجمة؟! في سنة 1977م كنتُ أُترجم ما يُطلَب منِّي ترجمته من العربيَّة إلى الإنجليزية وبالعكس، وذلك بمكتب كابتن اسنو Snow قائد المستودعات بقوَّة دفاع أَبوظبي. الآن أُترجم ما أَراه وأُحسُّه حقًا، لا ما تُطلب منِّي ترجمته. الآن لا أُترجم من لغة إلى أخرى.. الآن أُترجم المعاني والمناظر والشُّخوص والحياة بكلِّ ضجيجها وانطلاقها وصمودها في وجه التحدِّيات. أُترجم كلَّ ذلك وأَضعاف أَضعافه إلى شعورٍ داخلي عميق.. يحاورني وبدوري أُحاوره ونحاور معًا ما حولنا؛ لننسج عالمًا روائيًّا زاهيًا بخيوط مختلفة الألوان. ما حولنا يجيب عن أسئلة جبنتُ أَن أَسأَله إيَّاها، ويطرح علي أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها إِلَّا بمعونته. ما أعظم ما حولي، وما أَضأَلني وأنا أُحاول طرْحه روائيًّا!
* أثر الطيب الصالح
* هل ترك الروائي السوداني الراحل الطَّيِّب الصالح أثرًا في تجربتك الروائية؟
- هذا سؤال مشروع ومُتَوَقَّع، والأمانة الأَدبيَّة تفرض علَي الإجابة عنه بلا مُداراة ولا مُجاملة. فقد دَرَج النُّقَّاد على الظَّنِّ بتأَثُّر اللاَّحق من الكُتَّاب بالرُّوَّاد منهم، الطَّيِّب صالح - بلا أدنى ريب - قمَّة سامقة في مجال الرِّواية والأَدب عامَّة بكُلِّ المقاييس، وأنا لا أُنكِر أَنَّني قد قلتُ في لقاءٍ صِحافي سابق إِنَّ الطَّيِّب صالح هو أستاذي وإِنَّني قد تأَثَّرتُ به، وأُعِيْدُ هذا القول الآن. ولكنَّ التَّأَثُّر غير المحاكاة والتَّقليد. التَّأَثُّر ليس عيبًا في حَدِّ ذاته، فمعظم الشُّعراء والكُتَّاب العِظام منذ الجاهليَّة وحتَّى الآن تأَثَّروا بسابقيهم، ولكن كلٌّ طوَّر ملكاته ومؤهَّلاته وقدراته الخاصة وشقَّ لنفسه طريقًا مختلفًا عن طريق مَنْ تأَثَّر بهم. والطَّيِّب صالح نفسه ذكر أكثر من مرَّة أَنَّه قد تأَثَّر بالرِّوائي نجيب محفوظ وبغيره.
* أين نجد هذا التأثر؟
- قلتُ إِنَّ الطَّيِّب صالح هو أستاذي وقد تأَثَّرت به، وذلك من حيث إنه قد لَفَتَ انتباهي في وقت ما من عمري الأَدبي إلى البيئة الغنيَّة الَّتي نشأَ فيها كلانا. ولعلَّ قولي هذا قد فُسِّر خطًا من بعض النُّقَّاد والقُرَّاء أَيضًا. هذه البيئة الَّتي عنيتُها هي بيئتي وبيئة الأستاذ الطَّيِّب صالح وبيئة غيرنا، وقد ذكرتُ شيئًا عنها في رواية: «الشَّمس تغيب إلى أعلى» في صفحتي 30 و31.
هذه هي البيئة الَّتي نشأْتُ بها ونشأَ بها قبلي الطَّيِّب صالح.. بيئة واحدة عشَقَها كلانا وغاص في أَعماقها. البيئة الَّتي أَنجبت الأستاذ الطَّيِّب صالح وأَنجبتني وأَنجبت آخرين وستُنجب آخرين، ليست مِلْكًا خاصًّا للأستاذ الطَّيِّب صالح وحده.. هي مِلْك لكُلِّ مَنْ سبقوه منذ بدء الخَلِيْقَة ومِلْك لِمَنْ عاصروه، ومِلْك كذلك لِمَنْ سيأْتون بعده إلى نفخة الصُّور الأولى.
* كأنك تلمح إلى خصوصية تجربتك الروائية..
- لا أزال أحتفظ حتَّى اللَّحظة بكلِّ كرَّاساتي على مرَّ مختلف مراحلي الدِّراسيَّة منذ منتصف خمسينات القرن الماضي وأنا تلميذ بالمدرسة الأوليَّة، في زمن لم أَسمع فيه، شأْن معظمِ السودانيِّين، باسم الطِّيِّب صالح، وحتَّى منتصف سبعينات القرن الماضي حين أَنهيت دراستي الجامعيَّة، بما في ذلك كرَّاسات الإنشاء. ومن الأخيرة هذه يعرف المطَّلع عليها أَنَّ أسلوبي اللُّغوي وسائر أدواتي الفنيَّة الأخرى في الكتابة حاليًا، إِنَّما هو تطوُّر طبيعي تدريجي نابع من ذاتي وليس رافدًا لأَي نهرٍ آخر، وأَنَّني خرجتُ من نفسي ومن بيئتي، وليس من ملابس أَي شخص آخر.
زُبْدَة القول، إنني لا أَنَسِج على مِنْوَال الأستاذ الطَّيِّب صالح ولا أَشبهه ولا أَتشبَّه به ولا أُقلِّده ولا أَتَرَسَّم خُطاه، لا في كتاباته ولا في حياته، فلكُلٌّ مِنَّا أسلوبه في التَّعامُل مع الكتابة ومع الحياة؛ وكُلٌّ مِنَّا عالَم قائم بذاته. ولا أستطيع إٍنْ أَردتُ أَنْ أُقَلِّدَه؛ لأَنَّني لا أستطيع أَن أُقَلِّدَ سِوى شخص واحد هو: علي الرُّفاعي من مواطني القرير. وإِنْ وُجِدَ تشابه في فكرة ما أو قول ما بيني وبين الأستاذ الطَّيِّب صالح؛ فإِنَّما هو من باب توارُد الخواطِر لا أكثر.
* من تراه اليوم قادرًا على أَن يملأَ الفراغ الَّذي خلَّفه الطَّيِّب صالح؟
- الطَّيِّب صالح وضع بحكمة اللَّبِنة الأساسيَّة لفنِّ الكتابة الرِّوائِيَّة الحديثة في السودان، لا شكَّ في ذلك. هذه اللَّبنة تواصل بعدها البناء بمداميك يملك روائِيو وأُدباء وطني القدرة الكاملة على وضعها في مكانها الصَّحيح؛ فحواء السودان لا تزال شابَّةً ولودًا ودودًا، ومبدعو بلادي يملكون مَهرها ويعرفون قدْرها.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة