علي الرفاعي: عقدتُ حِلْفًا مع «الجنّ»

الروائي السوداني/ الفلاح يقول إنه لا يشبه الطَّيِّب صالح ولا يتشبَّه به

الروائي علي الرفاعي
الروائي علي الرفاعي
TT

علي الرفاعي: عقدتُ حِلْفًا مع «الجنّ»

الروائي علي الرفاعي
الروائي علي الرفاعي

«من الحقل والبستان أتيت، ومن عالم الجن أتت رواياتي».. بهذه العبارات افتتح الأديب السوداني ذو الـ68 عاما، حديثه لنا، بعد حصوله على ثاني أكبر جوائز «كتارا» للرواية العربية، التي أعلنت في الدوحة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
والرفاعي تخرج في كلية الآداب جامعة الخرطوم انتقل بعدها إلى الإمارات، حيث عمل مترجمًا بقوة دفاع أبوظبي، ثم معلمًا في ليبيا، قبل أن يستقر مجددًا في قريته «القرير» مركز مروي، لتحتضنه الأرض مزارعًا يحرث الحقل ويسقي الزرع ويقضي جل يومه بين الأشجار.
«هناك أد نفسي» يقول لنا، ويضيف: «في هذه الحقول ولدت معظم رواياتي، هناك كتبت (قبيلة من وراء خط الأفق)، و(كي لا يستيقظ النمل)، والرواية الأخيرة الفائزة بجائزة «كتارا»: (جينات عائلة ميرو)».
إلى جانب هذه الروايات كتب علي الرفاعي روايته «النيل يعبر إلى الضفة الأخرى»، وهي الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في أكتوبر 2003.
كما حازت رواية «قبيلة من وراء خط الأفق»، على نفس الجائزة للمرة الثانية في أكتوبر 2004، كما كتب رواية «الطاحونة»، و«النيل يعبر إلى الضّفّة الأخرى»، و«الشمس تغيب إلى أعلى». وله مجموعة قصصية بعنوان «من يشتري سروال أبى»، وديوان شعر.
يقول عن روايته الفائزة بجائزة الأعمال غير المنشورة، وجائز الأعمال غير المنشورة القابلة للتحول إلى عمل دراما: «هي تجربة جديدة، مثلت نقلة في عملي الروائي، كنت أكتب عن المجتمع السوداني، أما هذه الرواية فمجتمعها نيجيريا وعالمها هو عالم الجن».
إنها تسير أغوار وعوالم مجتمع الجن، حيث تدور أحداثها داخل قبيلة من الجن، ينتقل إليها مدرسان سودانيان، وهناك يفتنا بفتاتين هما ابنتا ملك الجن، وفي هذا العالم المسكون بالعالم الآخر تدور أحداث الرواية.
ويضيف الرفاعي: «بخفة ظله المعتادة»: «إنني عقدت صلة وثيقة بالجن، فكانت هذه الرواية أسهل أعمالي، وقد كتبتها في رمضان، الزمان الذي تنقل المأثورات أن الجن تغل فيه، ولا أدري هل ساعدني الجن على إنجازها أم كنت واحدًا منهم».
* حدِّثنا أكثر عن روايتك الفائزة بجائزة «كتارا» للرِّواية العربيَّة «جينات عائلة ميرو».
- البطل الرَّئِيسي في الرِّواية المشهور بلقبه «البانسلين»، امتطى الطَّائِرة السودانيَّة من الخرطوم في طريقه إلى كانو باحثًا عن فرصة عمل بالتَّدريس بنيجيريا. لصدفة خطَّطت لها الأَقدار كان كرسيِّه بالطَّائِرة ملاصقًا لكرسي مجذوب الخير محمَّد، الَّذي يعمل بالتَّدريس بنيجيريا، والَّذي قضى عطلة طويلة بالوطن. تعارفا بالطَّائرة وتآنسا. «البانسلين» سكن مع مجذوب الخير ببيته بمدينة فُنْتُوَا Funtua الواقعة بمقاطعة كادونا بشمال نيجيريا؛ إذ كان مجذوب قد ترك عائلته بالسودان. البانسلين لم يُوفَق في الالتحاق بالتَّدريس؛ إذ دخل نيجيريا بتأْشيرة زيارة. جلس الصَّديقان بسينما. تقرَّبت فتاة تجلس مجاورة للبانسلين إليه بثمرة قُوْرُوْ.. تحادثا قليلاً وغادرا دار السَّينما. ذهبا إلى بيت صديقه مجذوب. بعد أن احتسى كميَّة كبيرة من الخمر، حاول مقاربتها.. فجأَة تحوَّلت إلى عقيد في الشُّرطة النَّيجريَّة. من هنا بدأَت تجربة الصَّديقين مع الجن بعد أن اقتحمت توأَمة تلك الفتاة حياة مجذوب. أُسلِكَ الصديقان بواسطة الفتاتين وأَبيهما، رئِيس مجلس عُمَد عموم جن نيجيريا، في عالَم الجن خطوة خطوة؛ حتَّى صارا يعرفان عن عالَم الجن أكثر ممَّا يعرفان عن عالَم البشر، بل أكثر ممَّا يعرِف الجن عن أَنفسهم.
* على الرغم من أن مكان الرواية هو أفريقيا فإنك جردتها من عنصر الزمان
- نعم.. يُلْفَتُ النَّظر إلى أن أَحداث الرِّواية بدأَت في 1978 للميلاد، وتواصلت زُهَاء ثلاثين سنة. وليس بمستَغْرَب ولا ببعيد أَن تكون متواصلة حتَّى الآن؛ إذ ليس في عالَم عائِلة مِيْرُوْ شيئًا مستغرَبًا ولا بعيدًا! كلُّ صَعْب أو مستحِيل في عالَم البشر، هو بالنِّسبة لآل مِيْرُوْ عادِي وممكِنٌ وتحتَ السَّيطرة الكامِلة. هذه الرِّواية متداخِلة الأَجزاء، تداخُل العالَم الَّذي تصدَّت الرِّواية للتَّجوُّل في أَنحائِه الَّتي يجهلها ويخشاها كثير من البشر.
* هل تهرب للجن لتحكي مشكلات البشر؟، هل يمكن اعتبار هذه الرواية عملاً «فنتازيًا»؟
- سأَسأَلك سؤُالاً، ربَّما لا تملك في لحظة طرحه عليك إجابة عنه؛ ربَّما ببساطة لأَنَّك لم تكن تتوقَّعه، لكنَّني أَتوقَّع أَن تجيب عنه بشفافيَّة بعد أن تمتصَّ صدمته الأولى: «هل كلُّ من نراهم بيننا في صورة البشر هم حتمًا وفعلاً من البشر؟ أَم أَنَّ بعضهم إِن لم نقُلْ أكثرهم من الجن، خاصة إذا علمنا أَنَّ الجنَّ يحاولون دائِمًا تقليد البشر؟». هذا التَّقليد للبشر ما لا يجب أَن أَخوض فيه؛ إذ إنني فصَّلته في روايتي: «جينات عائلة ميرو». من هنا تدرك أَنَّني لم أَهرب إلى عالَم الجن لأَحكي مشكلات النَّاس. ولا أستبعد أن يحدث العكس بأَن يهرب بعض الجن إلي لأَعكس للبشر بعض مشكلاتهم. ولا أعتقد أَنَّ في قيامي بذلك أَي فانتازيا يتعقَّد الجنُّ من طرحي لها روائيًّا؛ فنحن في النِّهاية عالَمان متداخلان. كما ذكرتُ فبالنِّسبة للجنِّ ليست هناك أَي فانتازيا في روايتي؛ فهذا عالَمهم الَّذي يعيشه المتفلِّت منهم والمتمسكِن.
* لديك أَلفة مع عالَم الجن؟
- البشر، مسلمهم وكافرهم، لا ينكرون وجود الجن كمخلوقات تشاركهم العيش على الأرض، وتشاركهم أَيضًا أَشواقهم وتطلُّعاتهم وخيباتهم. لكنَّ أكثر البشر يجهلون مقدرات الجن الَّتي تميِّزهم عن البشر. ولو وقفوا على مقدراتهم تلك كما حاولتُ إِبراز بعضها في روايتي، لانتفت رائحة أَي فانتازيا في روايتي. وأُزيدك عِلمًا أَنَّ الجنَّ الموظَّفين في الرِّواية يزعمون أَنَّهم هجين، لا هم جن ولا هم بشر.. فيهم طِباع البشر وخصائِص الجن. ولكن أَما زلتَ تعتقد، بعد كلِّ هذا، أَنَّ جميع من نراهم بيننا هم قطعًا بشر خُلَّص؟! المهمُّ عندي أَنَّ سؤَالك هذا وما قبله كان سؤَالاً ذكيًّا، وأسئلة الأَذكياء يتولَّى الإجابة عنها، أحيانًا، الأَغبياء. وكما قِيْلَ فإِنَّ للذَّكاء حدودًا، لكن لا حدود للغباء.
* كيف تتخيَّل أَن تكون روايتك بعد تحويلها إلى عمل درامي؟
- الخيال قد يجنح أحيانا. لكنَّني أتخيَّل أَن يكون هذا العمل أَقدر على إِضاءة جوانب كثيرة، لم أَتمكَّن، بخبرتي المتواضعة، من إِضاءتها؛ خصوصًا وأَنَّ الكلمة فيه ستكون مصحوبة بالصُّورة المشاهدة بالعين، وهذا ما لا يقدر عليه نصِّي الرِّوائِي. وأعتقد أَنَّ هذا العمل الدِّرامي سيرتاد آفاقًا ملتهبة في الرِّواية بأَحداثها وشخوصها وفضائِها الرِّوائي، لم أستطع الاقتراب الكافي منها لخوفي على نفسي من الاحتراق. وأُؤَكِّد لك أَنَّ الجنَّ سيعجبون بهذا العمل الدَّرامي أَيَّما إِعجاب، وقد يروِّجون له بطريقتهم الخاصة؛ خصوصًا إذا أَخذنا في الاعتبار أَنَّ التَّشكُّل من أَهمِّ ميزات الجن، والتَّمثيل أَقرب شيء للتَّشكُّل.
* بدأْت حياتك مترجِمًا لكنَّك رجعت فلاحًا. ترى ماذا تمنحك تلك الحقول؟
- ومن قال إِنَّني هجرتُ التَّرجمة؟! في سنة 1977م كنتُ أُترجم ما يُطلَب منِّي ترجمته من العربيَّة إلى الإنجليزية وبالعكس، وذلك بمكتب كابتن اسنو Snow قائد المستودعات بقوَّة دفاع أَبوظبي. الآن أُترجم ما أَراه وأُحسُّه حقًا، لا ما تُطلب منِّي ترجمته. الآن لا أُترجم من لغة إلى أخرى.. الآن أُترجم المعاني والمناظر والشُّخوص والحياة بكلِّ ضجيجها وانطلاقها وصمودها في وجه التحدِّيات. أُترجم كلَّ ذلك وأَضعاف أَضعافه إلى شعورٍ داخلي عميق.. يحاورني وبدوري أُحاوره ونحاور معًا ما حولنا؛ لننسج عالمًا روائيًّا زاهيًا بخيوط مختلفة الألوان. ما حولنا يجيب عن أسئلة جبنتُ أَن أَسأَله إيَّاها، ويطرح علي أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها إِلَّا بمعونته. ما أعظم ما حولي، وما أَضأَلني وأنا أُحاول طرْحه روائيًّا!
* أثر الطيب الصالح
* هل ترك الروائي السوداني الراحل الطَّيِّب الصالح أثرًا في تجربتك الروائية؟
- هذا سؤال مشروع ومُتَوَقَّع، والأمانة الأَدبيَّة تفرض علَي الإجابة عنه بلا مُداراة ولا مُجاملة. فقد دَرَج النُّقَّاد على الظَّنِّ بتأَثُّر اللاَّحق من الكُتَّاب بالرُّوَّاد منهم، الطَّيِّب صالح - بلا أدنى ريب - قمَّة سامقة في مجال الرِّواية والأَدب عامَّة بكُلِّ المقاييس، وأنا لا أُنكِر أَنَّني قد قلتُ في لقاءٍ صِحافي سابق إِنَّ الطَّيِّب صالح هو أستاذي وإِنَّني قد تأَثَّرتُ به، وأُعِيْدُ هذا القول الآن. ولكنَّ التَّأَثُّر غير المحاكاة والتَّقليد. التَّأَثُّر ليس عيبًا في حَدِّ ذاته، فمعظم الشُّعراء والكُتَّاب العِظام منذ الجاهليَّة وحتَّى الآن تأَثَّروا بسابقيهم، ولكن كلٌّ طوَّر ملكاته ومؤهَّلاته وقدراته الخاصة وشقَّ لنفسه طريقًا مختلفًا عن طريق مَنْ تأَثَّر بهم. والطَّيِّب صالح نفسه ذكر أكثر من مرَّة أَنَّه قد تأَثَّر بالرِّوائي نجيب محفوظ وبغيره.
* أين نجد هذا التأثر؟
- قلتُ إِنَّ الطَّيِّب صالح هو أستاذي وقد تأَثَّرت به، وذلك من حيث إنه قد لَفَتَ انتباهي في وقت ما من عمري الأَدبي إلى البيئة الغنيَّة الَّتي نشأَ فيها كلانا. ولعلَّ قولي هذا قد فُسِّر خطًا من بعض النُّقَّاد والقُرَّاء أَيضًا. هذه البيئة الَّتي عنيتُها هي بيئتي وبيئة الأستاذ الطَّيِّب صالح وبيئة غيرنا، وقد ذكرتُ شيئًا عنها في رواية: «الشَّمس تغيب إلى أعلى» في صفحتي 30 و31.
هذه هي البيئة الَّتي نشأْتُ بها ونشأَ بها قبلي الطَّيِّب صالح.. بيئة واحدة عشَقَها كلانا وغاص في أَعماقها. البيئة الَّتي أَنجبت الأستاذ الطَّيِّب صالح وأَنجبتني وأَنجبت آخرين وستُنجب آخرين، ليست مِلْكًا خاصًّا للأستاذ الطَّيِّب صالح وحده.. هي مِلْك لكُلِّ مَنْ سبقوه منذ بدء الخَلِيْقَة ومِلْك لِمَنْ عاصروه، ومِلْك كذلك لِمَنْ سيأْتون بعده إلى نفخة الصُّور الأولى.
* كأنك تلمح إلى خصوصية تجربتك الروائية..
- لا أزال أحتفظ حتَّى اللَّحظة بكلِّ كرَّاساتي على مرَّ مختلف مراحلي الدِّراسيَّة منذ منتصف خمسينات القرن الماضي وأنا تلميذ بالمدرسة الأوليَّة، في زمن لم أَسمع فيه، شأْن معظمِ السودانيِّين، باسم الطِّيِّب صالح، وحتَّى منتصف سبعينات القرن الماضي حين أَنهيت دراستي الجامعيَّة، بما في ذلك كرَّاسات الإنشاء. ومن الأخيرة هذه يعرف المطَّلع عليها أَنَّ أسلوبي اللُّغوي وسائر أدواتي الفنيَّة الأخرى في الكتابة حاليًا، إِنَّما هو تطوُّر طبيعي تدريجي نابع من ذاتي وليس رافدًا لأَي نهرٍ آخر، وأَنَّني خرجتُ من نفسي ومن بيئتي، وليس من ملابس أَي شخص آخر.
زُبْدَة القول، إنني لا أَنَسِج على مِنْوَال الأستاذ الطَّيِّب صالح ولا أَشبهه ولا أَتشبَّه به ولا أُقلِّده ولا أَتَرَسَّم خُطاه، لا في كتاباته ولا في حياته، فلكُلٌّ مِنَّا أسلوبه في التَّعامُل مع الكتابة ومع الحياة؛ وكُلٌّ مِنَّا عالَم قائم بذاته. ولا أستطيع إٍنْ أَردتُ أَنْ أُقَلِّدَه؛ لأَنَّني لا أستطيع أَن أُقَلِّدَ سِوى شخص واحد هو: علي الرُّفاعي من مواطني القرير. وإِنْ وُجِدَ تشابه في فكرة ما أو قول ما بيني وبين الأستاذ الطَّيِّب صالح؛ فإِنَّما هو من باب توارُد الخواطِر لا أكثر.
* من تراه اليوم قادرًا على أَن يملأَ الفراغ الَّذي خلَّفه الطَّيِّب صالح؟
- الطَّيِّب صالح وضع بحكمة اللَّبِنة الأساسيَّة لفنِّ الكتابة الرِّوائِيَّة الحديثة في السودان، لا شكَّ في ذلك. هذه اللَّبنة تواصل بعدها البناء بمداميك يملك روائِيو وأُدباء وطني القدرة الكاملة على وضعها في مكانها الصَّحيح؛ فحواء السودان لا تزال شابَّةً ولودًا ودودًا، ومبدعو بلادي يملكون مَهرها ويعرفون قدْرها.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.