علي الرفاعي: عقدتُ حِلْفًا مع «الجنّ»

الروائي السوداني/ الفلاح يقول إنه لا يشبه الطَّيِّب صالح ولا يتشبَّه به

الروائي علي الرفاعي
الروائي علي الرفاعي
TT

علي الرفاعي: عقدتُ حِلْفًا مع «الجنّ»

الروائي علي الرفاعي
الروائي علي الرفاعي

«من الحقل والبستان أتيت، ومن عالم الجن أتت رواياتي».. بهذه العبارات افتتح الأديب السوداني ذو الـ68 عاما، حديثه لنا، بعد حصوله على ثاني أكبر جوائز «كتارا» للرواية العربية، التي أعلنت في الدوحة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
والرفاعي تخرج في كلية الآداب جامعة الخرطوم انتقل بعدها إلى الإمارات، حيث عمل مترجمًا بقوة دفاع أبوظبي، ثم معلمًا في ليبيا، قبل أن يستقر مجددًا في قريته «القرير» مركز مروي، لتحتضنه الأرض مزارعًا يحرث الحقل ويسقي الزرع ويقضي جل يومه بين الأشجار.
«هناك أد نفسي» يقول لنا، ويضيف: «في هذه الحقول ولدت معظم رواياتي، هناك كتبت (قبيلة من وراء خط الأفق)، و(كي لا يستيقظ النمل)، والرواية الأخيرة الفائزة بجائزة «كتارا»: (جينات عائلة ميرو)».
إلى جانب هذه الروايات كتب علي الرفاعي روايته «النيل يعبر إلى الضفة الأخرى»، وهي الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في أكتوبر 2003.
كما حازت رواية «قبيلة من وراء خط الأفق»، على نفس الجائزة للمرة الثانية في أكتوبر 2004، كما كتب رواية «الطاحونة»، و«النيل يعبر إلى الضّفّة الأخرى»، و«الشمس تغيب إلى أعلى». وله مجموعة قصصية بعنوان «من يشتري سروال أبى»، وديوان شعر.
يقول عن روايته الفائزة بجائزة الأعمال غير المنشورة، وجائز الأعمال غير المنشورة القابلة للتحول إلى عمل دراما: «هي تجربة جديدة، مثلت نقلة في عملي الروائي، كنت أكتب عن المجتمع السوداني، أما هذه الرواية فمجتمعها نيجيريا وعالمها هو عالم الجن».
إنها تسير أغوار وعوالم مجتمع الجن، حيث تدور أحداثها داخل قبيلة من الجن، ينتقل إليها مدرسان سودانيان، وهناك يفتنا بفتاتين هما ابنتا ملك الجن، وفي هذا العالم المسكون بالعالم الآخر تدور أحداث الرواية.
ويضيف الرفاعي: «بخفة ظله المعتادة»: «إنني عقدت صلة وثيقة بالجن، فكانت هذه الرواية أسهل أعمالي، وقد كتبتها في رمضان، الزمان الذي تنقل المأثورات أن الجن تغل فيه، ولا أدري هل ساعدني الجن على إنجازها أم كنت واحدًا منهم».
* حدِّثنا أكثر عن روايتك الفائزة بجائزة «كتارا» للرِّواية العربيَّة «جينات عائلة ميرو».
- البطل الرَّئِيسي في الرِّواية المشهور بلقبه «البانسلين»، امتطى الطَّائِرة السودانيَّة من الخرطوم في طريقه إلى كانو باحثًا عن فرصة عمل بالتَّدريس بنيجيريا. لصدفة خطَّطت لها الأَقدار كان كرسيِّه بالطَّائِرة ملاصقًا لكرسي مجذوب الخير محمَّد، الَّذي يعمل بالتَّدريس بنيجيريا، والَّذي قضى عطلة طويلة بالوطن. تعارفا بالطَّائرة وتآنسا. «البانسلين» سكن مع مجذوب الخير ببيته بمدينة فُنْتُوَا Funtua الواقعة بمقاطعة كادونا بشمال نيجيريا؛ إذ كان مجذوب قد ترك عائلته بالسودان. البانسلين لم يُوفَق في الالتحاق بالتَّدريس؛ إذ دخل نيجيريا بتأْشيرة زيارة. جلس الصَّديقان بسينما. تقرَّبت فتاة تجلس مجاورة للبانسلين إليه بثمرة قُوْرُوْ.. تحادثا قليلاً وغادرا دار السَّينما. ذهبا إلى بيت صديقه مجذوب. بعد أن احتسى كميَّة كبيرة من الخمر، حاول مقاربتها.. فجأَة تحوَّلت إلى عقيد في الشُّرطة النَّيجريَّة. من هنا بدأَت تجربة الصَّديقين مع الجن بعد أن اقتحمت توأَمة تلك الفتاة حياة مجذوب. أُسلِكَ الصديقان بواسطة الفتاتين وأَبيهما، رئِيس مجلس عُمَد عموم جن نيجيريا، في عالَم الجن خطوة خطوة؛ حتَّى صارا يعرفان عن عالَم الجن أكثر ممَّا يعرفان عن عالَم البشر، بل أكثر ممَّا يعرِف الجن عن أَنفسهم.
* على الرغم من أن مكان الرواية هو أفريقيا فإنك جردتها من عنصر الزمان
- نعم.. يُلْفَتُ النَّظر إلى أن أَحداث الرِّواية بدأَت في 1978 للميلاد، وتواصلت زُهَاء ثلاثين سنة. وليس بمستَغْرَب ولا ببعيد أَن تكون متواصلة حتَّى الآن؛ إذ ليس في عالَم عائِلة مِيْرُوْ شيئًا مستغرَبًا ولا بعيدًا! كلُّ صَعْب أو مستحِيل في عالَم البشر، هو بالنِّسبة لآل مِيْرُوْ عادِي وممكِنٌ وتحتَ السَّيطرة الكامِلة. هذه الرِّواية متداخِلة الأَجزاء، تداخُل العالَم الَّذي تصدَّت الرِّواية للتَّجوُّل في أَنحائِه الَّتي يجهلها ويخشاها كثير من البشر.
* هل تهرب للجن لتحكي مشكلات البشر؟، هل يمكن اعتبار هذه الرواية عملاً «فنتازيًا»؟
- سأَسأَلك سؤُالاً، ربَّما لا تملك في لحظة طرحه عليك إجابة عنه؛ ربَّما ببساطة لأَنَّك لم تكن تتوقَّعه، لكنَّني أَتوقَّع أَن تجيب عنه بشفافيَّة بعد أن تمتصَّ صدمته الأولى: «هل كلُّ من نراهم بيننا في صورة البشر هم حتمًا وفعلاً من البشر؟ أَم أَنَّ بعضهم إِن لم نقُلْ أكثرهم من الجن، خاصة إذا علمنا أَنَّ الجنَّ يحاولون دائِمًا تقليد البشر؟». هذا التَّقليد للبشر ما لا يجب أَن أَخوض فيه؛ إذ إنني فصَّلته في روايتي: «جينات عائلة ميرو». من هنا تدرك أَنَّني لم أَهرب إلى عالَم الجن لأَحكي مشكلات النَّاس. ولا أستبعد أن يحدث العكس بأَن يهرب بعض الجن إلي لأَعكس للبشر بعض مشكلاتهم. ولا أعتقد أَنَّ في قيامي بذلك أَي فانتازيا يتعقَّد الجنُّ من طرحي لها روائيًّا؛ فنحن في النِّهاية عالَمان متداخلان. كما ذكرتُ فبالنِّسبة للجنِّ ليست هناك أَي فانتازيا في روايتي؛ فهذا عالَمهم الَّذي يعيشه المتفلِّت منهم والمتمسكِن.
* لديك أَلفة مع عالَم الجن؟
- البشر، مسلمهم وكافرهم، لا ينكرون وجود الجن كمخلوقات تشاركهم العيش على الأرض، وتشاركهم أَيضًا أَشواقهم وتطلُّعاتهم وخيباتهم. لكنَّ أكثر البشر يجهلون مقدرات الجن الَّتي تميِّزهم عن البشر. ولو وقفوا على مقدراتهم تلك كما حاولتُ إِبراز بعضها في روايتي، لانتفت رائحة أَي فانتازيا في روايتي. وأُزيدك عِلمًا أَنَّ الجنَّ الموظَّفين في الرِّواية يزعمون أَنَّهم هجين، لا هم جن ولا هم بشر.. فيهم طِباع البشر وخصائِص الجن. ولكن أَما زلتَ تعتقد، بعد كلِّ هذا، أَنَّ جميع من نراهم بيننا هم قطعًا بشر خُلَّص؟! المهمُّ عندي أَنَّ سؤَالك هذا وما قبله كان سؤَالاً ذكيًّا، وأسئلة الأَذكياء يتولَّى الإجابة عنها، أحيانًا، الأَغبياء. وكما قِيْلَ فإِنَّ للذَّكاء حدودًا، لكن لا حدود للغباء.
* كيف تتخيَّل أَن تكون روايتك بعد تحويلها إلى عمل درامي؟
- الخيال قد يجنح أحيانا. لكنَّني أتخيَّل أَن يكون هذا العمل أَقدر على إِضاءة جوانب كثيرة، لم أَتمكَّن، بخبرتي المتواضعة، من إِضاءتها؛ خصوصًا وأَنَّ الكلمة فيه ستكون مصحوبة بالصُّورة المشاهدة بالعين، وهذا ما لا يقدر عليه نصِّي الرِّوائِي. وأعتقد أَنَّ هذا العمل الدِّرامي سيرتاد آفاقًا ملتهبة في الرِّواية بأَحداثها وشخوصها وفضائِها الرِّوائي، لم أستطع الاقتراب الكافي منها لخوفي على نفسي من الاحتراق. وأُؤَكِّد لك أَنَّ الجنَّ سيعجبون بهذا العمل الدَّرامي أَيَّما إِعجاب، وقد يروِّجون له بطريقتهم الخاصة؛ خصوصًا إذا أَخذنا في الاعتبار أَنَّ التَّشكُّل من أَهمِّ ميزات الجن، والتَّمثيل أَقرب شيء للتَّشكُّل.
* بدأْت حياتك مترجِمًا لكنَّك رجعت فلاحًا. ترى ماذا تمنحك تلك الحقول؟
- ومن قال إِنَّني هجرتُ التَّرجمة؟! في سنة 1977م كنتُ أُترجم ما يُطلَب منِّي ترجمته من العربيَّة إلى الإنجليزية وبالعكس، وذلك بمكتب كابتن اسنو Snow قائد المستودعات بقوَّة دفاع أَبوظبي. الآن أُترجم ما أَراه وأُحسُّه حقًا، لا ما تُطلب منِّي ترجمته. الآن لا أُترجم من لغة إلى أخرى.. الآن أُترجم المعاني والمناظر والشُّخوص والحياة بكلِّ ضجيجها وانطلاقها وصمودها في وجه التحدِّيات. أُترجم كلَّ ذلك وأَضعاف أَضعافه إلى شعورٍ داخلي عميق.. يحاورني وبدوري أُحاوره ونحاور معًا ما حولنا؛ لننسج عالمًا روائيًّا زاهيًا بخيوط مختلفة الألوان. ما حولنا يجيب عن أسئلة جبنتُ أَن أَسأَله إيَّاها، ويطرح علي أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها إِلَّا بمعونته. ما أعظم ما حولي، وما أَضأَلني وأنا أُحاول طرْحه روائيًّا!
* أثر الطيب الصالح
* هل ترك الروائي السوداني الراحل الطَّيِّب الصالح أثرًا في تجربتك الروائية؟
- هذا سؤال مشروع ومُتَوَقَّع، والأمانة الأَدبيَّة تفرض علَي الإجابة عنه بلا مُداراة ولا مُجاملة. فقد دَرَج النُّقَّاد على الظَّنِّ بتأَثُّر اللاَّحق من الكُتَّاب بالرُّوَّاد منهم، الطَّيِّب صالح - بلا أدنى ريب - قمَّة سامقة في مجال الرِّواية والأَدب عامَّة بكُلِّ المقاييس، وأنا لا أُنكِر أَنَّني قد قلتُ في لقاءٍ صِحافي سابق إِنَّ الطَّيِّب صالح هو أستاذي وإِنَّني قد تأَثَّرتُ به، وأُعِيْدُ هذا القول الآن. ولكنَّ التَّأَثُّر غير المحاكاة والتَّقليد. التَّأَثُّر ليس عيبًا في حَدِّ ذاته، فمعظم الشُّعراء والكُتَّاب العِظام منذ الجاهليَّة وحتَّى الآن تأَثَّروا بسابقيهم، ولكن كلٌّ طوَّر ملكاته ومؤهَّلاته وقدراته الخاصة وشقَّ لنفسه طريقًا مختلفًا عن طريق مَنْ تأَثَّر بهم. والطَّيِّب صالح نفسه ذكر أكثر من مرَّة أَنَّه قد تأَثَّر بالرِّوائي نجيب محفوظ وبغيره.
* أين نجد هذا التأثر؟
- قلتُ إِنَّ الطَّيِّب صالح هو أستاذي وقد تأَثَّرت به، وذلك من حيث إنه قد لَفَتَ انتباهي في وقت ما من عمري الأَدبي إلى البيئة الغنيَّة الَّتي نشأَ فيها كلانا. ولعلَّ قولي هذا قد فُسِّر خطًا من بعض النُّقَّاد والقُرَّاء أَيضًا. هذه البيئة الَّتي عنيتُها هي بيئتي وبيئة الأستاذ الطَّيِّب صالح وبيئة غيرنا، وقد ذكرتُ شيئًا عنها في رواية: «الشَّمس تغيب إلى أعلى» في صفحتي 30 و31.
هذه هي البيئة الَّتي نشأْتُ بها ونشأَ بها قبلي الطَّيِّب صالح.. بيئة واحدة عشَقَها كلانا وغاص في أَعماقها. البيئة الَّتي أَنجبت الأستاذ الطَّيِّب صالح وأَنجبتني وأَنجبت آخرين وستُنجب آخرين، ليست مِلْكًا خاصًّا للأستاذ الطَّيِّب صالح وحده.. هي مِلْك لكُلِّ مَنْ سبقوه منذ بدء الخَلِيْقَة ومِلْك لِمَنْ عاصروه، ومِلْك كذلك لِمَنْ سيأْتون بعده إلى نفخة الصُّور الأولى.
* كأنك تلمح إلى خصوصية تجربتك الروائية..
- لا أزال أحتفظ حتَّى اللَّحظة بكلِّ كرَّاساتي على مرَّ مختلف مراحلي الدِّراسيَّة منذ منتصف خمسينات القرن الماضي وأنا تلميذ بالمدرسة الأوليَّة، في زمن لم أَسمع فيه، شأْن معظمِ السودانيِّين، باسم الطِّيِّب صالح، وحتَّى منتصف سبعينات القرن الماضي حين أَنهيت دراستي الجامعيَّة، بما في ذلك كرَّاسات الإنشاء. ومن الأخيرة هذه يعرف المطَّلع عليها أَنَّ أسلوبي اللُّغوي وسائر أدواتي الفنيَّة الأخرى في الكتابة حاليًا، إِنَّما هو تطوُّر طبيعي تدريجي نابع من ذاتي وليس رافدًا لأَي نهرٍ آخر، وأَنَّني خرجتُ من نفسي ومن بيئتي، وليس من ملابس أَي شخص آخر.
زُبْدَة القول، إنني لا أَنَسِج على مِنْوَال الأستاذ الطَّيِّب صالح ولا أَشبهه ولا أَتشبَّه به ولا أُقلِّده ولا أَتَرَسَّم خُطاه، لا في كتاباته ولا في حياته، فلكُلٌّ مِنَّا أسلوبه في التَّعامُل مع الكتابة ومع الحياة؛ وكُلٌّ مِنَّا عالَم قائم بذاته. ولا أستطيع إٍنْ أَردتُ أَنْ أُقَلِّدَه؛ لأَنَّني لا أستطيع أَن أُقَلِّدَ سِوى شخص واحد هو: علي الرُّفاعي من مواطني القرير. وإِنْ وُجِدَ تشابه في فكرة ما أو قول ما بيني وبين الأستاذ الطَّيِّب صالح؛ فإِنَّما هو من باب توارُد الخواطِر لا أكثر.
* من تراه اليوم قادرًا على أَن يملأَ الفراغ الَّذي خلَّفه الطَّيِّب صالح؟
- الطَّيِّب صالح وضع بحكمة اللَّبِنة الأساسيَّة لفنِّ الكتابة الرِّوائِيَّة الحديثة في السودان، لا شكَّ في ذلك. هذه اللَّبنة تواصل بعدها البناء بمداميك يملك روائِيو وأُدباء وطني القدرة الكاملة على وضعها في مكانها الصَّحيح؛ فحواء السودان لا تزال شابَّةً ولودًا ودودًا، ومبدعو بلادي يملكون مَهرها ويعرفون قدْرها.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.