«معرض بيروت للكتاب».. 60 سنة من التواطؤ السرّي

«معرض بيروت للكتاب».. 60 سنة من التواطؤ السرّي

أسعار الكتب تتراوح بين الارتفاع والتوزيع شبه المجاني
الأحد - 11 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 11 ديسمبر 2016 مـ

لا ينتظر اللبنانيون من ينظّم شؤونهم، المبادرة الفردية تحكم سلوكهم. «النادي الثقافي العربي»، الذي ينظم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» مع «نقابة اتحاد الناشرين»، لم يكن بحاجة لكبير جهد كي يحتفل بعيده الستين. رقم ليس بالسهل في تاريخ مسار الكتب العربية، التي ما زالت حياتها نضالاً من أجل البقاء. اكتفى النادي كما كل سنة بندواته الكثيرة حول المؤلفات الصادرة حديثًا، ونقاشات لبعض المواضيع التقليدية، وأمسيات شعرية. أنشطة كثيرة، وربما أكثر مما ينبغي، لكنها محضّرة على عجل من حواضر محلية، فيما ترك للناشرين أن يقيموا احتفالياتهم التي يرونها مناسبة في أجنحتهم، وهؤلاء لم يخيبوا الظن.
حيوية المعرض لافتة، الحضور الكثيف، ازدحام السير. الوصول إلى «البيال»، حيث المعرض يستغرق وقتًا، حفلات التوقيع بالعشرات، حتى يكاد المدعوون يشعرون بعبء الشراء والمجاملة. تقول رشا الأمير، صاحبة «دار الجديد»، إن «المعرض تحول إلى مناسبة اجتماعية للّقاءات أكثر منه سوقًا للبيع، ما دام أن الكتب في غالبيتها مقرصنة وموجودة مجانًا على الإنترنت. كثيرون ما عادوا يرغبون في الشراء». ويحدثنا بشار شبارو، صاحب «منشورات ضفاف»: «ليس معرض بيروت وحده هو الذي يعاني، كل المعارض العربية انخفضت نسب المبيع فيها بشكل كبير». وهناك من يتحدث عن انخفاض 30 في المائة، وآخرون يغامرون بالقول إن مبيعاتهم صارت بحدود نصف ما كانت عليه منذ سنتين فقط. ليست الأوضاع الاقتصادية المتردية وحدها التي تمنع الراغب بالتزود بالكتب من الحصول على ما يريد، إنه ارتفاع الأسعار المستجد أيضًا. يتعذر على طلاب الإعلام أن يشتروا مرجعًا عن «كتابة الأخبار والتقارير الصحافية»، يصل سعره إلى 20 دولارًا. حتى كتاب لا يتعدى سعره 8 دولارات، يعرض طلاب الجامعات اللبنانية عن شرائه، ويلجأون إلى التصوير بدل الحصول على النسخة الأصلية. ما بين القرصنة والتصوير التي صارت من كلاسيكيات الشباب للحصول على الكتاب، على دور النشر أن تستعد لأحابيل جديدة كي تكسب عيشها. فإذا كانت أفلام الفيديو خصوصًا للأطفال حاضرة في المعرض، فإن الكتاب الإلكتروني هو الغائب الأكبر. هذا معرض ورقي بامتياز، فيما القراءة الفعلية الممارسة من قبل طلاب الجامعات جميعهم، ومن دون استثناء، من ميسورين وغير ميسورين، هي إلكترونية بشكل واسع.
مقابل الغلاء، ثمة كتب بخسة الثمن. أجنحة تخصصت في بيع إصدارات قديمة العهد، نفهم من البائعين أنها لم تستعمل من قبل، أخرجت من المستودعات للتخلص منها بعد أن صارت عبئًا على دور نشر بعضها أفلس أو شارف. بمقدورك شراء كتاب لإحسان عباس، أو محمد غنيمي هلال أو عبد الرحمن بدوي، بدولار وربع الدولار فقط. الأعمال الكاملة للشاعر صلاح عبد الصبور الصادرة بطبعتها الأنيقة عن «دار العودة» بـ12 دولارًا فقط. التخزين مكلف، وهناك مكتبات تبيع محتوياتها، ودور لم تعد تتسع مستودعاتها للاحتفاظ بالقديم، وبدل إعطاء الكتب لمصانع تجعل منها علبًا كرتونية، يبقى البيع شبة المجاني في المعرض أجدى.
البعض يحتاط سلفًا، ولا يريد الوصول إلى هذه العاقبة. «مكتبة مالك» أعلنت عن «مهرجان للكتب» وتخفيضات تصل إلى 75 في المائة. وأخرى تعرض كتبًا فخمة من القطع الكبير حول الخياطة والنجارة والديكور وغيرها بحسومات 50 في المائة. بمعنى آخر، كي تشتري بأسعار مقبولة أو رخيصة، عليك أن ترضى بما يتوفر، لا ما أدرجته أنت على لائحة اختياراتك المفضلة، حيث ستكتشف، إن كنت من هواة قراءة الروايات، أن سعر الرواية صعد من متوسط 10 دولارات إلى ما يقارب 15 دولارًا.
ليس من الصعب أن تشعر بالفرق بين أسعار الكتب السورية، حتى لو بات كثير منها يطبع في لبنان، وسعر الكتاب اللبناني. لا يزال الناشر السوري يقبل بهامش أقل من الربح، على ما يبدو. كثافة هذه الدور التي وصلت هذه السنة إلى العشرين، وجودة مؤلفاتها، تسمح للمتبضعين بالخروج من المعرض بزاد أكبر.
غاب الجناح السعودي الكبير الذي كان يستقبل الداخل إلى المعرض، وحضرت الكويت، وسلطنة عمان وإيران، وأجنحة تركية أربعة، وجامعات ومدارس، بعضها تنظم أنشطة يومية لطلابها ولقاءات مع أدباء معروفين. يستطيع «معرض بيروت للكتاب» أن ينعقد لغاية اللحظة بقوة الدفع الذاتي، بفضل عراقة بعض الدور، كـ«منشورات سمير» للصغار والفتيان التي تحتفل بستين سنة، و«دار الآداب» التي تعلن عن عودة «مجلة الآداب» بكامل أرشيفها على موقع إلكتروني، لكنها هذه المرة بحلتها الجديدة ستكون «أكثر حداثة وأشد التزامًا». دور أخرى تحرص على أن تقدّم نفسها جديدة نضرة، كما «دار الجديد» التي غلّفت حوائط جناحها بصور كتّابها الذين تباهي بهم مع عبارة جميلة ومعبرة لكل منهم، مستلة من مؤلفه.
معرض بيروت يطفئ شمعته الستين، لم يحتج منظموه لأن يرفعوا حتى شعارًا أو يختاروا عنوانًا أو يدعوا ضيفًا استثنائيًا. المعرض يستمر برغبة اللبنانيين في أن يجتمعوا حول الكتاب، أن يتحلقوا حول المؤلفين، أن يبقى هذا الموعد السنوي قائمًا، كل دار تخبئ له أجمل كتبها، وأطرف مفاجآتها، إنها الإرادة الجامعة والتواطؤ السرّي الخفي.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة