الحكومة التركية تعلن إجراءات جديدة لوقف تدهور الليرة ودعم الاستثمار

تنفيذ معاملات تجارية وبنكية مع روسيا والصين بالعملات المحلية

أحد مكاتب تبديل العملات في اسطنبول (رويترز)
أحد مكاتب تبديل العملات في اسطنبول (رويترز)
TT

الحكومة التركية تعلن إجراءات جديدة لوقف تدهور الليرة ودعم الاستثمار

أحد مكاتب تبديل العملات في اسطنبول (رويترز)
أحد مكاتب تبديل العملات في اسطنبول (رويترز)

أعلنت الحكومة التركية مجموعة من الإجراءات والتدابير التي أسفرت عنها اجتماعات مجلس التنسيق الاقتصادي، الرامية إلى السيطرة على التراجع الحاد الذي شهدته الليرة التركية مؤخرا وضبط الأسواق.
وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم: إن الحكومة اتخذت إجراءات عدة تستهدف المساعدة في تحفيز الاقتصاد ودعم العملة المحلية، متعهدا بأن تجري حكومته إصلاحات هيكلية.
وأضاف يلدريم في معرض استعراضه الليلة قبل الماضية الإجراءات التي أسفرت عنها اجتماعات مجلس التنسيق الاقتصادي، إن الحكومة قررت تخصيص قروض بقيمة 250 مليار ليرة تركية (73 مليار دولار) لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، ومواجهة احتياجاتها النقدية.
وأضاف يلدريم، أن الحكومة ستعمل على تفادي حدوث أزمة في العملات الأجنبية إذا كان ذلك ممكنًا، مع السعي لعدم زيادة الضرائب خلال العام المقبل.
وأشار إلى وجود صندوق برأسمال قدره 250 مليار ليرة (73 مليار دولار) للمساهمة في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك توفير قروض ميسرة للمصدرين.
كما ستطلق الحكومة برنامجًا تدريبيًا لتوفير الوظائف لنحو 500 ألف شخص مع استمرار مساعدة الشركات، كجزء من جهود زيادة الحد الأدنى للأجور دون خفض الوظائف، مع اعتزامها تقليل الضرائب على قطاع التشييد.
وأصبحت العملة التركية هي الأسوأ أداء بين عملات الاقتصادات الصاعدة، رغم أنها سجلت صعودًا قويًا أمام الدولار خلال الأيام الثلاثة الماضية لتسجل بعض التعافي، في الوقت الذي يتوقع فيه المحللون استمرار تراجعها خلال العام المقبل.
وأرجع الخبراء خسارة الليرة لنحو 20 في المائة من قيمتها خلال الأشهر الأربعة الأخيرة إلى قوة الدولار من ناحية، وتراجع ثقة المستثمرين في تركيا، التي تتعرض لهجمات إرهابية متكررة وشهدت محاولة انقلاب فاشلة في 15 يوليو (تموز) الماضي، مع تباطؤ النمو الاقتصادي.
كما تسود مخاوف بشأن مدى استقلالية البنك المركزي التركي، في الوقت الذي يعارض فيه الرئيس إردوغان التفكير الاقتصادي التقليدي للبنك، ويصر على ضرورة تخفيض أسعار الفائدة لتعزيز النمو الاقتصادي.
في غضون ذلك، قال وزير الطاقة التركي، برات البيراق: إن بلاده بدأت العمل من أجل استخدام الليرة التركية في استيراد الغاز من روسيا، وأن جميع المؤسسات المعنية تعمل من أجل تطبيق هذه الخطوة.
وقال البيراق في كلمة أمام البرلمان التركي مساء الخميس في جلسة لمناقشة موازنة وزارته لعام 2017: إن تركيا ستبدأ خلال المرحلة المقبلة، التعامل بالعملة الوطنية مع البلدان الرائدة في تصدير الطاقة «اتخذنا خطوات مهمة في الآونة الأخيرة، وسنستمر في ذلك».
في الوقت نفسه، كشفت مصادر بالبنك المركزي التركي عن أن أول عملية تبادل للعملات المحلية بين البنك ونظيره الصيني جرت في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وقال رئيس البنك المركزي التركي مراد شتينكايا: إن إدارة البنك تولي اهتمامًا كبيرًا بمسألة تبادل العملات المحلية مع البنوك المركزية للدول الأخرى، وأشار إلى أن استخدام الليرة التركية في التعاملات التجارية الدولية ازداد خلال الفترة الأخيرة.
وتوصلت تركيا والصين إلى اتفاق لتبادل العملات بقيمة 10 مليارات يوان في عام 2012، فيما قام الجانبان في 2015، بتمديد فترة الاتفاقية لمدة 3 أعوام لتصل القيمة إلى 12 مليار يوان (1.88 مليار دولار أميركي) وستكون قابلة للتمديد.
وتهدف اتفاقية تبادل العملات بين أنقرة وبكين إلى تعزيز التعاون المالي وضمان التوازن، ودعم التجارة والاستثمار الثنائي، وضمان الاستقرار الإقليمي المالي.
وتعد الصين من أهم الشركاء الاقتصاديين والتجاريين لتركيا؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال العام الماضي 28 مليار دولار.
في الوقت نفسه، كشفت المعطيات الاقتصادية للأشهر العشرة الأولى من عام 2016 عن أن قيمة الصادرات التركية بلغت خلال هذه الأشهر 117 مليار دولار، منها ما يعادل 5 مليارات دولار تم تصديرها بالعملة التركية.
وزادت قيمة الصادرات بالليرة التركية خلال هذه الأشهر بنسبة 20.4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما وصلت قيمة الواردات بالعملة المحلية إلى 11.5 مليار دولار.
وبلغت نسبة التعامل بالدولار في صادرات الأشهر العشرة لهذا العام، 42.8 في المائة، واليورو 48.5 في المائة، والليرة التركية 5.1 في المائة، والجنيه الإسترليني 3.1 في المائة، بينما أجرت تركيا 56.1 في المائة من وارداتها بالدولار، و35.5 في المائة باليورو، و7.1 في المائة بالليرة التركية.
والأحد الماضي، قال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن بلاده بصدد اتخاذ خطوات لإجراء المعاملات التجارية مع روسيا والصين وإيران بالعملات المحلية.
وتعافت الليرة التركية قليلا في الأيام الثلاثة الأخيرة بعد أسوأ أداء على مدى أسبوعين لم يحدث في تاريخها على مدى 35 عاما.
واتخذت الحكومة التركية سلسلة إجراءات لتعزيز الليرة أمام العملات الأجنبية بعد الهبوط الحاد الذي شهدته خلال الأسبوع الماضي، استجابة لدعوة من الرئيس رجب طيب إردوغان لاستبدال الدولار بالليرة للتصدي لما وصفه بمؤامرة على تركيا لإفشالها اقتصاديا بعد أن فشلت محاولة الانقلاب العسكري في منتصف يوليو الماضي.
وأعلن نائب رئيس الوزراء التركي نور الدين جانيكلي، أن التعديل القانوني بشأن إجراء المناقصات الحكومية بالليرة التركية دخل حيّز التنفيذ، وأن المناقصات المعلنة بالعملة الأجنبية ستلغى ويعاد طرحها.
كما أعلن وزير النقل والمواصلات والملاحة البحرية، أحمد أرسلان، أن مؤسسة البريد والتلغراف التركية لن تخصم ضرائب مالية أثناء تحويل العملة الأجنبية إلى الليرة فحسب، بل ستمنح تخفيضا بنسبة 10 في المائة على مصاريف الشحن لكل من يحول عملة أجنبية إلى المحلية.
وبموازاة تدابير متعددة تتخذها الحكومة التركية لوقف فقدان الليرة مزيدًا من قيمتها، وجه الرئيس إردوغان نداءً الأسبوع الماضي إلى المواطنين الأتراك، دعاهم فيه إلى تحويل العملات الأجنبية الموجودة بحوزتهم (أو التي يضعونها تحت الوسادة) إلى الليرة أو الذهب؛ لتعزيز قوة اقتصاد بلدهم؛ ما أثار حماسة لدى بعض فئات الشعب للاستجابة لدعوته.
وقال إردوغان في لقاء في أنقرة أمس الأربعاء إن تركيا الآن تختلف عن تركيا عام 1918 وإن «المتآمرين يحاولون تخريب الاقتصاد عن طريق المضاربة في سوقي الأسهم والعملة وأسعار الفائدة، بعدما فشلوا في انقلابهم منتصف يوليو الماضي.
وأضاف: «لا تقلقوا أبدًا، فنحن نستطيع إفشال هذه المؤامرات خلال فترة وجيزة؛ فتلك الأطراف مارست الشيء ذاته في 2007 - 2008، وقلت حينها إننا سنتجاوز ذلك بأقل الخسائر، واليوم أكرر ذلك».
وأبدت مؤسسات حكومية ورجال أعمال وتجار ومواطنون أتراك استجابة واسعة لدعوة إردوغان، إلى تحويل ما بحوزتهم من العملات الأجنبية إلى الليرة التركية أو الذهب؛ بهدف إنعاش وتقوية العملة المحلية أمام نظيراتها الأجنبية.
وأعلن عدد من المؤسسات أمس تدابير لدعم الليرة التركية في محاولة لدعم العملة المتعثرة.
وقالت سلطة تنظيم أسواق الطاقة التركية التابعة للدولة إنها ستجري مناقصات توزيع الغاز بالليرة بدلا عن الدولار. وأشارت إلى أنه سيتم عقد المناقصات وتوزيع الغاز لمحافظات تونجلي، وأغري ودوغوبايزيد شرق البلاد بالليرة التركية.
وأعلنت وزارة الدفاع، أن الأصول النقدية لصندوق الصناعات الدفاعية الرائدة في البلاد سيتم تحويلها إلى الليرة، لافتة إلى أنها قامت بتحويل 262.2 مليون دولار و31.3 مليون يورو إلى الليرة التركية الأربعاء تلبية لدعوة الرئيس رجب طيب إردوغان.
وقالت الخطوط الجوية التركية إنها ستحصل جميع تذاكر العمرة والحج بالليرة التركية اعتبارا من الأمس.
كما أعلنت شركات الاتصالات الثلاث في تركيا أن مدفعاتها المقبلة عن إدخال تقنية «جي 4» التي تستحق في أبريل (نيسان) المقبل بالليرة التركية.
كما قررت هيئة الخصخصة التركية إجراء عطاءات الخصخصة من الآن فصاعدا بالليرة؛ وذلك لدعم الليرة وسط تدهور حاد في قيمتها.
وسبق أن أعلنت البورصة التركية تحويل جميع أصولها النقدي إلى الليرة التركية، وكانت بذلك أول مؤسسة عامة تستجيب لدعوة إردوغان الموجودات النقدية إلى ليرة، بعد ساعات قليلة من تصريحات إردوغان.
وأقدم صندوق تأمين الودائع والمدخرات على خطوة مماثلة، حيث أعلن أنه سيتعامل بالعملة المحلية بدلا من الأجنبية في مبيعاته وشرائه.
وأعلنت رئاسة الشؤون الدينية التركية بدء تحصيل مصاريف الحج والعمرة بالعملة المحلية، وإلغاء التعامل بالعملة الأجنبية. وأعلنت شركات النقل والسياحة، التي تنقل الحجاج والمعتمرين، أنها ستحصل أجور النقل بالليرة.
وكانت الليرة التركية واصلت تراجعها خلال تعاملات الأسبوع الماضي على الرغم من تدخل البنك المركزي برفع أسعار الفائدة 50 نقطة أساس، فيما تسود مخاوف تصل إلى حد التشاؤم إزاء الوضع الاقتصادي في تركيا بسبب تباطؤ النمو والتداعيات المرتبطة بالانقلاب الفاشل الذي وقع في تركيا منتصف يوليو الماضي.
وسعى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إلى التقليل من أهمية التراجع في سعر الليرة أمام الدولار الأميركي، الذي بلغ 20 في المائة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو، ليصبح أكبر رقم قياسي في التراجع يسجل منذ 35 عاما، بقوله إن «الاقتصاد التركي قائم على أسس صلبة» وإن السلطات التركية مصممة على إزالة جميع مظاهر القلق وحتى البسيطة منها لدى الأسواق والمستثمرين ورجال الأعمال.



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.