المتحدثة السابقة لـ«يوناميد»: كل المعلومات الصادرة عن البعثة تتعرض للتلاعب والتحوير

عائشة البصري تتحدث لـ {الشرق الأوسط} عما أسمته أسرار أكبر تسريب في تاريخ الأمم المتحدة

عائشة البصري
عائشة البصري
TT

المتحدثة السابقة لـ«يوناميد»: كل المعلومات الصادرة عن البعثة تتعرض للتلاعب والتحوير

عائشة البصري
عائشة البصري

تقدمت المتحدثة السابقة للبعثة المشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لحفظ السلام في إقليم دارفور السوداني المضطرب (يوناميد)، عائشة البصري باستقالتها، احتجاجا على ما أسمته «تستر وتواطؤ» البعثة الدولية على جرائم ضد الإنسانية تحدث في الإقليم.
ونقلت للصحافة العالمية وقائع ما أسمته مجلة «فورن بوليسي» أكبر تسريب لوثائق «سرية جدا» في تاريخ الأمم المتحدة، تحكي عن صمت البعثة وتواطؤها مع الحكومة السودانية والحركات المتمردة ضد مدنيي دارفور.
فور ذيوع تلك الوثائق، أجرت «الشرق الأوسط» هذه المقابلة مع السيدة عائشة البصري عبر الهاتف، بحثت معها خلاله دوافع كشفها عن تلك المعلومات، والظروف المحيطة بها.
تساءلت البصري عن تواطؤ، وحملت المنظمة الدولية مسؤولية اختفاء مصطلح «الجنجويد» - قوات شبه نظامية اتهمت بارتكاب فظائع ضد المدنيين - وسكتت عن دمجهم في القوات الحكومية، بدلا من تسريحهم ونزع سلاحهم حسب قرار مجلس الأمن.
ودمغت البصري الأمم المتحدة باللامبالاة بمدنيي دارفور، وقالت إنها تعلم أن بعثتها فاشلة منذ تكوينها، وأن هناك مجموعة «اختطفت البعثة»، وحولتها إلى «إمبراطورية صمت وتستر» على انتهاكات القوات الحكومية والميليشيات الحليفة لها، والحركات المتمردة ضد المدنيين والنازحين، فإلى الحوار:

* ذكرت أن بعثة حفظ السلام الدولية في دارفور «يوناميد» تتستر على جرائم القوات الحكومة والميليشيات والحركات المتمردة، لماذا تفعل هذا في نظرك..؟
- لقد تحدثت عن تستر أكبر، يشمل فشل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في حماية المدنيين من القصف الجوي العشوائي للقوات الجوية السودانية لأماكن سكناهم، وهجمات القوات الحكومية، وليست الميليشيات على المدنيين وجنود البعثة نفسها، إضافة إلى هجمات تشنها بعض الفصائل المتمردة على المدنيين في دارفور، وعمليات نهب وسلب واعتداء واختطاف.
حين يتعلق الأمر بعناصر «الجنجويد»، فأنا لا أتحدث عن «الميليشيات الحكومية» أو «الميليشيات الموالية للحكومة» وغيرها. بعد صدور قرار مجلس الأمن 1556 عام 2004، الذي قضى بنزع سلاح ميليشيات الجنجويد ومحاكمة قياداتها، لم تكتف الحكومة السودانية بعدم الامتثال، بل تحدت مجلس الأمن، وأدمجت عددا منهم في صفوف القوات المساعدة الحكومية - حرس الحدود، الدفاع الشعبي، شرطة الاحتياط المركزي المعروفة بـ«أبوطيرة» - لذلك فالحديث عن الميليشيات فيما يتعلق بهذه القوات المساعدة الحكومية، هو أصلا جزء من عملية الإرباك التي ساهمت فيها التقارير الأممية.
أما عن سبب التستر، فمن الأحرى أن يطرح السؤال على كل من رئيس بعثة «يوناميد» السيد محمد بن شمباس، ورئيس إدارة حفظ السلام السيد هيرفي لادسوس، والأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون.
أنا بدوري أريد أن أعرف لماذا مثلا اختفت كلمة «الجنجويد» من تقارير الأمم المتحدة، بدءا من تقارير «بان كي مون»، عقب ادعاء الخرطوم بأنه لم تعد هناك مجموعات تحمل هذا الاسم في دارفور؟ ولماذا لم تنشر التقارير التي تقول الحكومة السودانية أنها أدمجت عددا من الجنجويد في قواتها المساعدة، في وقت يتوقع فيه نزع سلاحهم وإبعاد خطرهم عن المدنيين.
* قلت إن مجلس الأمن على علم مسبق بحتمية فشل بعثة «يوناميد»، كأنك تتحدثين عن مؤامرة دولية ضد دارفور.. هل تقصدين هذا؟
- مجلس الأمن وإدارة حفظ السلام، يعلمان أن البعثة لن تنجح في مهمة حفظ السلام وحماية المدنيين قبل إرسالها، فلتنجح أية بعثة لا بد من اتفاقية سلام حقيقية ملزمة للأطراف، وقبول الدولة المضيفة وجود البعثة وتسهيل عملها، إضافة للجانب اللوجيستي، الذي يوفر للبعثة الظروف الملائمة لقيامها بعملها.
قبل نشر البعثة، لم تكن هناك اتفاقية سلام، فاتفاقية «أبوجا» الموقعة بين الحكومة وفصيل واحد احتضرت قبل ميلاد البعثة، ولا توجد رغبة من الحكومة أو الحركات المتمردة لإلقاء السلاح والجلوس للمحادثاث.
أجبرت الخرطوم على الامتثال لضغوط «ما يسمى» بالمجتمع الدولي، فقبلت شكليا انتشار قوات «حفظ السلام»، واشترطت أن تكون معظمها أفريقية، ليس حبا في أفريقيا، بل لمعرفتها أن قوات أفريقية لن تغير في الواقع شيء، لضعف قدرات وإمكانيات عدد من هذه الدول، وهو الذي مكن الخرطوم من إفشال بعثة الاتحاد الأفريقي في دارفور «الأيميس»، وطالب المجتمع الدولي باستبدالها ببعثة يفترض أن تكون أقوى بكثير، المجلس يعلم أن ما قبلته الخرطوم نسخة مكبرة من بعثة «الأيميس» الفاشلة، ويعلم بأن الحكومات الغربية غير مستعدة لإرسال جندي واحد أو طائرة رصد واحدة لدافور، ناهيك بسلاح حديث يليق بحماية مدنيي دارفور.
اكتفى مجلس الأمن ببعثة ذات طابع أفريقي لأنها «أرخص ما في السوق».
استمع هذا المجلس العجيب إلى إحاطة إعلامية من وكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام «جان ماري غينو» في 27 من سبتمبر (أيلول) 2007، عن «ثغرات خطيرة» تواجه البعثة، فقبل بدء المهمة كانت «يوناميد» تفتقر للنقل الجوي وقدرة التنقل والرصد، وتعاني عراقيل تضعها الحكومة السودانية التي رفضت انتشار وحدات من بعض الدول غير الأفريقية من تايلاند، ونيبال وشمال أوروبا.
وشكك غينو في التزام وتعاون الحكومة بنشر القوات بسرعة وفعالية، فهي تعرقل التراخيص، بل وصادرت معدات اتصال لعدة أسابيع، وقدمت مقترحات جديدة وصفها غينو بأنها ستجعل عمل البعثة مستحيلا، تتضمن السماح للحكومة بتعطيل شبكة اتصالات البعثة حال قيامها بـ«عمليات أمنية». بعد أسبوع على انتشار «يوناميد» 31 ديسمبر (كانون الأول) 2007، أطلقت القوات السودانية النار على قافلة تموين تابعة لها، أصيب سائق سوداني بجراح فسكت المجلس، مما شجع الحكومة والتمرد على الاعتداء على المدنيين وحفظة السلام الذين أصبحوا عرضة للقتل والجرح والإهانة بدلا من حماية المدنيين، أمرهم مجلس الأمن باستعمال القوة ولم يمنحهم القوة، فهم أقل عددا وتدريبا وعتادا من مهاجميهم، تائهون بين احترام البلد المضيف، وحتمية الصمود لهجمات جنوده ومتمرديه.
* إذا كانت البعثة تتستر على عمليات القوات الحكومية وميليشياتها ضد أهل دارفور، لماذا تتستر على عمليات ضد قواتها، هذا مخالف لطبيعة الأشياء..؟
- دعني أسألك بدوري، هل تظن أن الحكومة السودانية كانت لتسمح لـ«محمد بن شمباس» بارتداء قبعتين «قبعة رئيس البعثة والوسيط المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في عملية السلام»، لو تجرأ وأفصح للعالم، أن القوات السودانية هاجمت حفظة السلام يومي 18 و19 أبريل (نيسان) 2013 في مدينة مهاجرية، وقتلت جنديا نيجيريا وجرحت اثنين آخرين؟
لا أحد يملك الجواب عن أسباب التستر عن مأساة المدنيين في دارفور إلا المتسترون أنفسهم، وهم الآن يتمادون في صمتهم.
* لماذا تقدمت باستقالتك من البعثة..؟ أما كان من الأجدر أن تواصلي عملك، لتكشفي ما يحدث للعالم من خلال موقعك؟
- قبل أن أكشف للعالم ما يجري في دارفور كان علي أن أكتشفه أولا، ثم أستوعبه وأوثقه، وصلت دارفور 16 أغسطس (آب) 2012، وكنت منكرة لحقيقة الحرب، ومقتنعة أن الصحافة الغربية ضخمت أزمة دارفور لتغطية جرائم بوش وحلفائه في العراق، ولتلفق للعرب والمسلمين جرائم بشعة.
صدقت أول تصريح لرئيس لبعثة الـ«يوناميد» رودولف أدادا صيف 2009 بأن الحرب في دارفور انتهت، وصفقت لـ«اتفاقية الدوحة للسلام»، وقبلت بمنصب الناطقة الرسمية باسم البعثة، لأني مؤمنة بأني سأتحدث عن السلام والاستقرار والتنمية، ثم بدأت أكتشف أني أصبحت الناطقة باسم «البعثة الصامتة» على الفشل وعلى جرائم يندى لها الجبين.
استعصى علي تقبل فكرة أن السودانيين يقتلون بعضهم بشراسة، ويحرقون قرى بأكملها، ويعتدون على المدنيين، ويغتصبون نساء وفتيات بشكل ممنهج، ويقترفون من العنف ما يستعصي وصفه.
قبل أن أكشف للإعلام ما يجري في دارفور المنسية كان علي كشفه لنفسي، كنت صدقت الصورة الوردية التي رسمتها تقارير البعثة، و«هراء» تقارير بان كي مون، وصمت الوكالات الأممية عن انتهاكات إنسانية أهل دارفور.
فور وصولي سألت أحد قادة البعثة عن سبب عدم رصد ورفع تقارير عن هجوم القوات الحكومية على أربع قرى في منطقة «طويلة» بين 24 و27 أغسطس 2012، فأجابني ببساطة: «كما تعلمين فإنه يتعين علينا أحيانا أن نتصرف كالدبلوماسيين، لا يمكننا أن نقول كل ما نشاهده في دارفور». هزني هذا التصريح وهز ثقتي بتقارير البعثة، حتى باحت لي السيدة «عايشتو منداودو» التي تولت قيادة البعثة لفترة انتقالية في مراسلة إلكترونية بـ«أن كل المعلومات الصادرة عن البعثة تتعرض للتلاعب والتحوير»، وعن معركتها ضد «شخصين أو ثلاثة أشخاص اختطفوا البعثة»، لتحقيق أجندات أخرى لا تتعلق بولاية البعثة وحماية المدنيين.
لقد صدمني الاعتراف الخطير، وزعزعتني نظرية العمى الدبلوماسي، فلوحت باستقالتي منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول)، عقب السكوت المتعمد عن مجزرة «هشابة» في سبتمبر 2012، راح ضحيتها ما يناهز 100 مدني، بقصف الطيران الحكومي، وهجوم قوات حكومية معها «جنجويدها» حسب الخطة المعهودة في مثل هذه الهجمات محكمة التنسيق.
طلبت من البعثة إصدار بيان عن الحادثة التي وقعت خلال غياب السيدة عايشتو، فرفضوا وماطلوا إلى أن نسي الإعلام قصة هشابة، بعد حادثة الهجوم على قرية «سجيلي».
لم تكن هذه المرة الأولى أو الأخيرة التي اصطدم فيها مع جهاز الرقابة والصمت المحكمين، حاولت جاهدة إحداث تغيير في السياسة الإعلامية داخل البعثة، لتقول ما ترى وما تعرف، لكن القيود والعراقيل كانت أقوى مني بكثير ومن السيدة عايشتو نفسها.
كل أسبوع أخوض معركة من أجل بيان صحافي، وللحصول على تقرير أو على معلومة لتمليكها للإعلام ولتوثيقها، وطلب فتح تحقيق في كل هذه الانتهاكات الأممية لاحقا.
ثمانية أشهر من التخبط أنهكت قواي حتى قدمت استقالتي في 4 أبريل 2013 إلى السيد ابن شمباس، بعد أن علمت بأن جنود البعثة لم يقوموا بأدنى جهد لمنع متمردي حركة تحرير السودان - فصيل عبد الواحد من اختطاف واحتجاز 31 نازحا ونازحة تحت حراستهم، وهم يتجهون لحضور مؤتمر نيالا يوم 24 مارس (آذار) 2013.
حينذاك انعدمت ثقتي بالبعثة بشكل مطلق، ولم يبق لي إلا التفكير في كيفية فتح تحقيق في كل هذه المخالفات لسياسة الأمم المتحدة الإعلامية، التي توصي بالشفافية والصدق في التعامل مع الإعلام والرأي العام بشكل عام.
* لماذا صمت عن كل ما ذكرت أثناء وجودك في وظيفتك؟
- لم يكن بإمكاني أو بالأحرى، لم أكن أملك الشجاعة للبوح بأن البعثة تتستر على فشلها في حماية المدنيين وجرائم ضدهم، وضد جنودها أثناء عملي، لأني سأعرض نفسي لخطر أكيد، سيما وأني تعرضت لمضايقات بلغت حد التلويح بالتهديدات، كان همي توثيق ما يثبت الاتهام الخطير، والدفع بتحقيق أممي.
قد تتذكر حالة الحزن والخوف والغضب التي كانت تنتابني حين طلبت لقاءك، وأنا على وشك مغادرة الخرطوم، لكي أخبرك بأن القوات الحكومية كانت وراء الهجوم الذي أسفر عن مقتل جندي من جنود الـ«يوناميد» في «مهاجرية».
كنت خائفة وظل ذاك الخوف ينتابني لشهور، كنت مثل «المرأة المعنفة» فهي قد تحتاج لسنوات لكي تتحرر من أثر الصدمة والخوف، لكن هذا الشعور لم يمنعني من أن أدلي بتصريحات للصحافة بالخرطوم، معلنة عن استقالتي احتجاجا على السياسة الإعلامية للبعثة.
كان أملي أن تعير إدارة حفظ السلام في نيويورك بعض الاهتمام لتصريحاتي، سيما بعد أن قدمت تقرير عن نهاية مهمتي في 11 مايو (أيار) 2012، وطلبت فيه نظر انتهاكات البعثة للسياسة الإعلامية.
فلم يتصل بي أحد، لذا طلبت في 30 أغسطس تحقيقا رسميا من مكتب خدمات الرقابة الداخلية في الأمم المتحدة، وباءت المحاولة بالفشل. وواصلت الحديث مع الإعلام الدولي خاصة الهولندي والفرنسي، وقلت إن الأمم المتحدة لا تقول الحقيقة، عن حرب اتسعت رقعتها وتعقدت طبيعتها وانتشر سلاحها.
أعترف أن صوتي كان خافتا، إلى أن تأكدت أن الأمم المتحدة لن تحقق في فشلها الذي يدفع ثمنه أهل دارفور، وأدركت أن الطريقة الوحيدة لتسليط الضوء على هذه الكارثة هو أن أجعل الصحافة تقوم بدورها.
هذه هي القصة وراء استقالتي والذي وصفته مجلة «فورن بوليسي» بأكبر تسريب لوثائق «سرية جدا» في تاريخ الأمم المتحدة.
* هل أنت غاضبة لأنك اضطررت للاستقالة، لذلك تشنين حملة على «الجمل بما حمل»؟
- لم يجبرني أحد على الاستقالة، بل ووصف تقييم أدائي المهني خلال فترة عملي في البعثة بأنه «يتجاوز التوقعات»، قرار استقالتي كان صعبا، ليس للتخلي عن عمل هام وراتب لم أكن أحلم به، وامتيازات دبلوماسية وحياة رفاهية، بل التخلي عن الأمم المتحدة التي خذلتني وخذلت أهل دارفور، فكان من الواجب أن أخذلها. حين قررت فتح ملفاتها للغرباء، انتابني إحساس بأني خنت عائلتي وانقلبت على أسرتي وعضضت اليد التي أطعمتني، وأن مصيري سيكون هو الوحدة والخجل، لذلك لم أشعر بالغضب بقدر ما شعرت بالحزن والخوف، لأن أكبر تسريب لم ينجح في تسليط الضوء على معاناة أهل دارفور، ولم ينجح في الدفع قدما للبحث عن المسؤولين ومحاسبتهم، ولتقييم تداعياته على مدني دارفور وفرص السلام الضائعة، وإخراج الأمم المتحدة من صمتها بحجة أنها لا تعلق عن التسريب.
أنا لا أريد إخراج البعثة من السودان، بل إصلاح ما يمكن إصلاحه، فمادام القصف والهجوم على المدنيين مستمرا، فإن مقرات البعثة أصبحت الملجأ لآلاف المحتمين، وخروج البعثة يعرضهم لهجمات أكبر، لن يجدوا مكانا يحتمون به.
* ذكرت في مقابلة أن الاتفاقية الموقعة بين الحكومة و«يوناميد» نصت على أن البعثة تحت حماية الحكومة، هل هذا أمر جديد؟
- بموجب البندين 48 و49 من الاتفاقية بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والسودان، بشأن العملية الهجين في فبراير (شباط) 2008، تلتزم الحكومة بتوفير الأمن والحماية لـ«يوناميد» وأعضائها وموظفيها ومعداتها، ولم تلتزم الخرطوم بذلك، بل مارست قواتها وجنودها ضد البعثة وموظفيها كل أنواع الإهانة والترهيب والاعتداء، أليس عبثيا أن جنود البعثة المكلفين بحماية المدنيين من الحكومة، وفي نفس الوقت فإن الحكومة مكلفة بحماية الجنود أنفسهم، وتشكل أكبر خطر عليهم؟ الجديد هو وجوب إعادة قراءة نص الاتفاقية الذي لا يتماشى مع الحرب التي زج بجنود البعثة بها تحت شعار «بعثة حفظ السلام».
* قلت إن المنظمة الدولية، والأمين العام بان كي مون وإدارة حفظ السلام، ووكالات تابعة للأمم المتحدة عاملة في السودان، كلهم متواطئون مع حكومة الخرطوم، أليس في الأمر بعض المبالغة؟
- المبالغة موجودة في مدى هذا التواطؤ بما يرضي رغبة الحكومة والفصائل المتمردة على حساب المدنيين، فمحو كلمة «الجنجويد» من التقارير الأممية تواطؤ.. عدم دق ناقوس الخطر تجاه تصعيد القصف الجوي العشوائي تواطؤ.. التراجع عن رفع تقارير انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور منذ نهاية 2009 تواطؤ.. السكوت الواسع عن الاغتصاب الممنهج تواطؤ.. الامتناع عن تسمية الجناة بأسمائهم تواطؤ، وهو ليس تقصيرا دبلوماسيا بل رضوخ لجهة ما.
* ما دور الحركات الدارفورية المسلحة في تأزيم الوضع، وهل تمارس هي الأخرى، انتهاكات واضحة، وهو الاتهام الذي ظلت تدمغهم به الخرطوم دوما، حسب متابعاتك ما مدى صحة المزاعم الحكومية؟
- تكمن مأساة دارفور في أنه حتى الفصائل المتمردة التي تدعي بأنها حملت السلاح للدفاع عن مصالح أهل دارفور، في الحقيقة ترتكب جرائم بحق المدنيين، مارست الحركات اعتداءات جسدية وعمليات نهب وسلب لممتلكات واختطاف واحتجاز لمدنيين بدعوى أنهم موالون للحكومة.
الأمر الأخطر في نظري، أن وجود الحركات أو شنها لهجوم على القوات الحكومية قرب قرى المدنيين، يعرضها لعقاب جماعي من الحكومة، تحت الزعم أنهم متواطئون مع المتمردين، لذا فبعض الفصائل متهمة بجرائم حرب.



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.