كازنوف يخلف فالس على رأس حكومة فرنسية لخمسة أشهر

كازنوف يخلف فالس على رأس حكومة فرنسية لخمسة أشهر

هولاند يريد أن يبقى رئيسًا حتى آخر يوم من ولايته
الأربعاء - 8 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 07 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13889]
مانويل فالس المستقيل (يسار) مع رئيس الحكومة الجديد برنار كازنوف (أ.ف.ب)

لم يسبق لفرنسا أن عرفت في العقود الأخيرة تسارعا في عملية استبدال رئيس للحكومة مثل السرعة التي شهدتها يوم أمس. إذ ما كاد مانويل فالس الذي أعلن ترشحه للانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الاشتراكي يقدم رسميا إلى الرئيس هولاند استقالة حكومته صباح أمس، حتى صدر عن قصر الإليزيه بيان يفيد بأن رئيس الجمهورية عهد لبرنار كازنوف، وزير الداخلية السابق، مهمة تشكيل حكومة جديدة.
وبعد أقل من ساعتين، خرجت الصيغة الحكومية «الجديدة» التي لم تشهد تغييرا سوى تسمية شخصية اشتراكية مقربة من هولاند لحقيبة الداخلية التي أسندت إلى رئيس المجموعة الاشتراكية في مجلس النواب برونو لورو. كذلك تمت عملية تبادل حقائب ثانوية بين وزيري دولة، ما يعني عمليا أن هولاند فضل المحافظة على الصيغة الحكومية السابقة على إجراء تغييرات وزارية واسعة في الأشهر الخمسة المتبقية له في قصر الإليزيه. وعجل هولاند في رسم «خريطة طريق» لحكومة كازنوف، وذلك بمناسبة تدشينه معرض «صناعات المستقبل» في ضاحية فيلبانت القريبة من مطار رواسي شارل ديغول.
وبحسب رئيس الجمهورية، فإن مهمة الحكومة «الاستمرار في إدارة شؤون فرنسا حتى آخر يوم (من ولايتها) والتحضير للمستقبل وفتح أبواب الأمل للأجيال اللاحقة». لكن قبل ذلك، يريد هولاند من الحكومة أن تسهر على «حماية» فرنسا ومواطنيها، هنا داخل حدودها وحمايتها خارج الحدود (في إشارة إلى العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الفرنسية لمحاربة الإرهاب في بلدان الساحل الأفريقية وفي سوريا والعراق)، لأن فرنسا مهددة».
لكن هذه الحماية لا تنحصر فقط في الجانب الأمني، لأن هولاند الذي نأى بنفسه، قبل خمسة أيام، عن الترشح لولاية رئاسية ثانية يريد كذلك حماية ما يراه «الأهم» أي «الانسجام (الوطني) وطريقة العيش (الفرنسية) والحريات والنموذج الاجتماعي» الذي يعتبره مهددا.
حقيقة الأمر أن هولاند أراد أن يؤكد أنه مستمر في إدارة شؤون فرنسا، وأن امتناعه عن خوض المنافسة الرئاسية لا يعني أبدا أنه «سيعد الأيام» بانتظار انتهاء ولايته. ويبدو اختيار كازنوف لرئاسة حكومة يمكن وصفها بـ«الانتقالية»، وتفضيله على مرشحين آخرين مثل وزير الدفاع جان إيف لودريان، أو وزير الزراعة ستيفان لوفول، مبررا لسببين رئيسيين: الأول، أن كازنوف مقرب جدا من هولاند ويحظى باحترامه بفضل إدارته للمرحلة الصعبة التي عرفتها فرنسا منذ بداية العام الماضي بسبب العمليات الإرهابية. وقد عين كازنوف المعروف بهدوء أعصابه وتحفظه وزيرا للداخلية في عام 2014، ليخلف مانويل فالس الذي عهدت إليه وقتها رئاسة الحكومة. والثاني، ألا طموحات سياسية له، إذ إن كازنوف ينوي اعتزال العمل السياسي بعد انتهاء مهمته الحكومية، ولن يخوض الانتخابات النيابية، لأنه يفضل معاودة مهنته الأساسية محاميا، وبالتالي لن ينغص على هولاند حياته أو ينافسه أو يخاصمه. وما يهم هولاند، في الأيام المائة وخمسين المتبقية له قبل أن يسلم مفاتيح القصر الرئاسي لخليفته أن ينجح في تحضير خروجه السالم، وأن يبين لمواطنيه أن همه «الوحيد» هو خدمة فرنسا بعيدا عن ضجيجي الحملة الانتخابية التمهيدية للحزب الاشتراكي واليسار بشكل عام. ولذا لا يتوقع أن تعرف الأشهر المتبقية تغييرات في التوجهات الحكومية، إن في الداخل أو في الخارج. وللتدليل على مدى اهتمامه بأمن الفرنسيين، فإن هولاند سيقوم يوم الجمعة المقبل بزيارة تفقدية، هي الثانية من نوعها، لحاملة الطائرات شارل ديغول الموجودة في مياه شرق البحر المتوسط، قبالة الشواطئ السورية التي تشارك في العمليات الجوية ضد تنظيم داعش أكان ذلك في العراق أو في سوريا. وجاء في بيان صادر عن قصر الإليزيه أمس، أن الزيارة «تعكس التزام فرنسا وحزمها في محاربة التنظيم الإرهابي (داعش)».
بموازاة ذلك، انطلقت حملة رئيس الحكومة الأسبق مانويل فالس للفوز بترشيح الحزب الاشتراكي له، لخوض الانتخابات الرئاسية في ربيع العام المقبل. لكن مشكلة فالس في تحقيق هذا الغرض مزدوجة. وأول وجه لها كثرة المرشحين الاشتراكيين الذين بلغ عددهم حتى الآن، بينهم اثنان خطران هما وزير الاقتصاد السابق أرنو مونتبورغ، وزميله وزير التربية والتعليم العالي السابق بونوا هامون، اللذان يمثلان الجناح «اليساري» داخل الحزب الاشتراكي، بينما يمثل فالس جناحه الليبرالي. ومنذ ما قبل ترشحه، واجه فالس حملة انتقادات قاسية تتهمه بالعجز عن توحيد الحزب، وباتباع سياسة يمينية ليبرالية وبالسلطوية، وبالتنكر لمبادئ الحزب ولمصلحة الطبقات الوسطى والدنيا. أما الاتهام الآخر لفالس فهو «خيانته» للرئيس هولاند، بسبب الضغوط المباشرة التي مارسها عليه لمنعه من الترشح لولاية ثانية. ولذا، فإن أتباع هولاند وأصحاب الخط اليساري ومنهم الوزيرة السابقة مارتين أوبري التي تتمتع بشعبية واسعة، لم يسارعوا لتأييد فالس والوقوف إلى جانبه. وإذا كان الأخير هو الأوفر حظا ليتقدم على منافسيه في الجولة الأولى من الانتخابات الداخلية، فإنه ليس متأكدا من الفوز في الجولة الثانية. ولذا، فقد دعا إلى وحدة الاشتراكيين، وعدل خطابه السياسي وعاد إلى «الأساسيات» التي يريد منها «تجميل» صورته وإعادة تأهيله اشتراكيا وقلب صفحة تفتت الاشتراكيين وتناحرهم.
أما المشكلة الثانية، وهي الأصعب، فتتمثل في قدرة فالس على التأهل للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) المقبل. ذلك أن المساحة السياسية التي يستطيع التحرك ضمنها ضيقة. فمن جهة ينافسه عن يمينه وزير الاقتصاد السابق إيمانويل ماكرون الذي استقال من الحكومة الصيف الماضي ورشح نفسه مباشرة للانتخابات الرئاسية دون المرور بالتمهيدية. أما عن يساره، فيتعين عليه مواجهة الوزير الأسبق جان لوك ميلونشون صاحب الخط اليساري المتشدد الذي تعطيه استطلاعات الرأي نسبة أصوات قد تصل إلى 15 في المائة متقدما على فالس بخمس نقاط. ولذا، فإن «الخوف الأكبر» بالنسبة للاشتراكيين أن يعجز فالس عن الوصول إلى الجولة الرئاسية الثانية، ما يترك المجال مفتوحا لمرشح اليمين الكلاسيكي فرنسوا فيون، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان. وسبق للاشتراكيين أن عرفوا تجربة مماثلة عام 2002 عندما تأهل والد مارين لوبان للجولة الثانية، متقدما على المرشح الاشتراكي ورئيس الحكومة الأسبق ليونيل جوسبان. وكانت النتيجة أن الرئيس جاك شيراك انتخب لولاية ثانية. عندما أعلن هولاند عزوفه عن الترشح، كان هذا المعطى أحد الأسباب الرئيسية.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة