مسؤولة أممية: لم نشارك في التغيير الديموغرافي في سوريا

مسؤولة أممية: لم نشارك في التغيير الديموغرافي في سوريا

خولة مطر: «جائزة الشجاعة» يستحقها الشعب السوري الصامد منذ أكثر من 5 سنوات
الثلاثاء - 7 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 06 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13888]
خولة مطر نائبة الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) تلقت في أكتوبر الماضي جائزة أمين عام الأمم المتحدة للشجاعة عن فترة عملها في سوريا (موقع الأمم المتحدة)

خلال عملها مديرة لمكتب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا بين (2014 - 2016) تعرضت خولة مطر ككل العاملين في مناطق الصراع لضغوط مضنية من جميع الأطراف، إلا أنها وهي في زيارة حالية لدمشق ضمن فريق بعثة تقصي الحقائق الخاصة بحادثة الاعتداء الذي تعرضت له قافلة المساعدات الإنسانية التابعة للهلال الأحمر العربي السوري في أورم الكبرى في 19 سبتمبر (أيلول) الماضي، تقول في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن أصعب المواقف التي عاشتها في سوريا كانت «العجز أمام ضرورة إنقاذ إنسان محتاج، أو مريض أو عاجز».

انخرطت خولة مطر مع فريق المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا في مهام إنسانية، وكانت على رأس وفود الأمم المتحدة التي عملت على إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة مثل مضايا والزبداني وكفريا والفوعة والوعر وداريا. ونجحت في إخراج بعض الجرحى ومبادلة أسرى، مع أن تلك الأعمال ليست ضمن المهام السياسية لمكتب المبعوث الخاص. ولكن مطر ترى أن «المسألة السياسية بحاجة إلى بناء ثقة بين الأطراف المتحاربة لتقتنع بالجلوس معا إلى طاولة المفاوضات، ولذلك قمت وفريق المكتب بالعمل على المساعدة حيثما استطعنا. إن السياسي والإنساني مرتبطان بشكل كبير ويسهمان في خدمة بعضهما البعض، وقد أثبتت التجربة ذلك. فبدلا من الجلوس والانتظار حتى تحين اللحظة المواتية للحل السياسي، تعاون الفريقان السياسي والإنساني كفريق متكامل للأمم المتحدة ليحسّنا من ظروف معيشة السوريين، خصوصا في المناطق المحاصرة لتسهيل عملية التواصل مع مختلف الأطراف. إلى جانب أن دخول هذه المناطق لإيصال المساعدات، أو إخراج الجرحى من المدنيين، أو حتى أحيانا إخراج المسلحين حسب اتفاق بين الطرفين، الحكومة السورية والممثلين عن المجموعات المسلحة الموجودة في أي منطقة، مثل هذا الدخول يتيح لنا كفريق سياسي الاجتماع بممثلي المجموعات المسلحة، والتشاور معهم حول رؤيتهم للحل السياسي، فمن ناحية نكون قد حققنا هدف التواصل مع أكبر عدد ممكن من ممثلي هذه الجماعات، وكذلك نكون قد استمعنا إلى آرائهم حتى يشعر الجميع بأنه طرف في هذه العملية السياسية، وأن آراءهم ستنقل إلى طاولة الحوار حتما».

وعن عدم أداء فريق دي ميستورا لنشاط ملحوظ حيال مخيم اليرموك الفلسطيني الواقع جنوب دمشق والذي يسيطر على أجزاء منه تنظيم (داعش)، أشارت خولة مطر إلى وجود محاولات سابقة للتوسط لإخلاء المخيم من المسلحين، غير أن مجلس الأمن عندما أصدر قرارا يعتبر «داعش» والنصرة منظمات إرهابية، فإنه حظر التعامل معها، لافتة إلى أن «الأمم المتحدة قامت بدور مهم بالنسبة لليرموك، فالأونروا تقوم بشكل مستمر بتقديم المساعدات والدعم لسكان اليرموك الذين نزحوا للبلدات المجاورة، مثل يلدا وبابيلا وبيت سحم وغيرها من المناطق».

الفهم العميق للواقع السوري والسوريين لم يجنب خولة مطر ولا زملاءها التشكيك والاتهامات بالانحياز لجانب النظام، أو الضلوع في تنفيذ خططه في «التغيير الديموغرافي»، وهي اتهامات تراها مطر «طبيعية جدا وغير مستغربة» في الوضع السوري الحالي، مضيفة: «أعترف أنه مؤلم جدا أن نُتهم أنا وزملائي وزميلاتي العاملون في الأمم المتحدة بالانحياز لأي طرف سوى الشعب السوري بكل أطيافه. وأنا كنت من ضمن الذين تعرضوا لمثل تلك الاتهامات حتى بعد انتقالي إلى عملي الجديد، فقد قيل لي إن هناك كثيرا من السوريين المعارضين الموجودين في لبنان ينظرون إليك بأنك كنت قريبة جدا من المسؤولين السوريين». وتستدرك بالقول: «غير أن آخرين اتهموني بأنني ضد الحكومة السورية وقريبة من التنظيمات المسلحة. لا أعرف ماذا أقول سوى أنني كنت مستعدة للتواصل والتنسيق والاتصال بالجميع، لتوفير بعض الأمن وبعض الغذاء وبعض الدواء، إن أمكن، لكل سوري».

وتنفي المديرة السابقة لمكتب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ضلوع الأمم المتحدة بقضية التغيير الديموغرافي، وتشدد على أنه «لم يتم نقل مجموعة من طائفة معينة وأحللنا مكانهم سوريين من طائفة أخرى». وبسؤالها بأن الاتهامات تلك بنيت على إشراف الأمم المتحدة على عمليات إخلاء بعض المناطق من المعارضة المسلحة، تؤكد مطر أن «عمليات الإخلاء بشكل عام لم تكن للأمم المتحدة أي يد فيها، على العكس فقد أعلن المبعوث الخاص والأمم المتحدة في نيويورك، بأننا لسنا مع المصالحات التي تنتهي إلى إخلاء المدن والبلدات»، مشددة على أن المصالحات تتم بين ممثلين عن الحكومة السورية وممثلين عن الأطراف الموجودة بتلك البلدة أو المدينة: «ثم يطلب من الأمم المتحدة أن تشرف على الإخلاء، فقط، للتأكد من أمن وسلامة من يتم إخلاؤهم من هذه البلدات».

وصلت خولة مطر إلى مناطق صراع صعبة وبعيدة في ريفي حلب ودمشق، وكانت على احتكاك مباشر مع الأطراف الأكثر تشددا بين المتقاتلين، وكان التحدي مضاعفا كموظفة دولية أولا وكامرأة عربية ثانيًا. وتشير إلى ذلك بقولها: «لا أخفي أنني كنت قلقة من أن بعض الأطراف لن تتقبلني، ولكني اكتشفت أن ذلك كله يعتمد على الطريقة التي يتعامل فيها الفرد مع الأطراف الأخرى. وأعتقد أنهم جميعا شعروا بأنني كنت أبذل جهدي لمساعدة المدنيين في مناطقهم وتوفير الاحتياجات الأساسية. وكثير منهم استمروا في التواصل معي حتى بعد أن تركت سوريا، فقط للسؤال والاطمئنان. لقد فهموا أني لا أحمل أجندة خاصة بي، أو أنني لا أعمل لصالح أي طرف، لذا فإن الفتور والتوجس كان يتحول إلى ألفة، وأحيانا إلى ما يشبه الصداقة».

بعد انتهاء مهمتها مديرة لمكتب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، قبل شهور، تفاجأت خولة مطر التي تشغل الآن موقع نائبة الأمينة التنفيذية للإسكوا، بمنحها جائزة الأمين العام للأمم المتحدة للشجاعة في حفل أقيم في مدينة نيويورك بمناسبة «يوم موظفي الأمم المتحدة». الجائزة تمنح لموظفي المنظمة تقديرا لبذلهم جهودا جبارة تتخطى نداء الواجب ووضعهم مشاريع ابتكارية. تقول مطر إن «من كان يستحق الجائزة وكل الجوائز هو الشعب السوري الصامد لأكثر من خمس سنوات أمام الاقتتال والهجرة والموت والعذاب».

كموظفة أمم متحدة عملت في سوريا قرابة السنتين، لا تزال خولة مطر الدبلوماسية البحرينية، متمسكة بالأمل في الوصول إلى حل سياسي، وتقول في ختام حديثها مع «الشرق الأوسط»: «هناك أمل حتما في الجلوس لطاولة المفاوضات، وهذا ليس تنبؤا وإنما هو بناء على تجارب كثير من الشعوب في العالم، فلا يوجد حل عسكري رغم إحساس أي طرف بذلك في مرحلة ما».


اختيارات المحرر

فيديو