البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

هجّر الألوف من سوريا والعراق وليبيا مهددًا النسيج السكاني والاجتماعي

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره
TT

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

ساهم انحسار نفوذ تنظيم داعش الإرهابي المتطرف في كل من سوريا والعراق، وكذلك في ليبيا، في إعادة سكان هجّرهم التنظيم من مناطقهم إلى ديارهم الأولى. وكان التنظيم، منذ بدء تمدّده في مناطق عدة في الدول الثلاث، قد دفع بالألوف من سكان تلك المناطق إلى النزوح، عاملاً على إحداث تغيير ديموغرافي طال الأعراق والطوائف فيها، ووطّن في الكثير منها متشددين وعائلاتهم كان قد استدعاهم من مناطق مختلفة حول العالم.
بدأت عملية إعادة التوازن الديموغرافي في سوريا، منذ بدأ انحسار سيطرة «داعش» في مدينة عين العرب (كوباني) في شمال شرقي محافظة حلب السورية، على الحدود مع تركيا، وذلك إثر انكساره في المعركة أمام الميليشيات الكردية المدعومة بالتحالف الدولي. وحسب مصدر كردي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن التنظيم نقل كثيرين من مناصريه ومقاتليه وعائلاتهم إلى مناطق تسكنها غالبية كردية وآشورية (نسطورية) وسريانية (يعقوبية) وعربية سنّية، تقدم منها إلى عين العرب ومحيطها من مناطق نفوذه في العراق.
الشيء نفسه يحصل الآن في شمال غربي العراق، حيث خسر التنظيم المتطرف الكثير من المناطق التي كان قد اجتاحها أثناء استهدافه مدينة الموصل، وليس قبل أن يتسبب في تهجير الألوف من العرب السنة، وكذلك الإيزيديون والآشوريون والسريان والشّبك، وغيرهم من المكونات العراقية.
ولئن كان الخوف على التنوع السكاني، في حد ذاته، ليس في رأس قائمة أولويات المسؤولين الليبيين، فإن مشكلة التهجير التي تسبب بها التنظيم جدية للغاية، ولا سيما أنها تتعلق بمئات الألوف من مواطني ليبيا، يقدر أن 100 ألف منهم هجروا من طرابلس وحدها.

العرب السنة
مع أن «داعش» يزعم أنه يقاتل من أجل «خلافة» إسلامية ويمثل أهل السنة والجماعة، فإن غالبية ضحايا إرهابه وعنفه في سوريا والعراق كانوا وما زالوا من العرب السنة. ولعل أبلغ مثال على تهجير السنة من مناطق في محافظة دير الزور، بشرق سوريا، حيث مارس التنظيم «ما يشبه الإبادة الجماعية» بحق عشيرة الشعيطات التي لم تعلن تأييدها له؛ إذ أعدم التنظيم نحو 700 من أبناء العشيرة بعد المواجهات معه. وللعلم، تعد الشعيطات من أكبر عشائر دير الزور، وكانت من أشد المعارضين وآخر العشائر التي بايعته في المحافظة المتاخمة لغرب العراق.

.. وآخرون
في سوريا أيضًا، بسيطرة «داعش» على مدينة الرقّة في يناير (كانون الثاني) 2014، اختل التوازن الديموغرافي في المدينة التي كان يسكنها أكثر من 300 ألف نسمة، يتوزعون بين سكان عشائريين وقبليين وآخرين يتحدّرون من قوميات وأديان ومذاهب مختلفة مثل العرب السنة والتركمان والآكراد والآشوريين والسريان. إذ لاحق معارضيه بلا هوادة، وقتل الناشطين الذين فضحوا جرائمه. وبتقدّمه من الرقّة باتجاه ريف بلدة سلمية في ريف محافظة حماه الشرقي، ارتكب التنظيم أيضًا فظائع في المنطقة التي يسكنها عرب من الإسماعيليين والسنة. وتجدر الإشارة إلى أن سلمية والقرى المحيطة تعد أكبر مركز للإسماعيليين سوريا، غير أن الخسائر البشرية استهدفت أيضا العرب السنة والمسيحيين والأكراد ممن قاوموه، وكانوا أكثر من دفع ثمن التهجير من مناطقهم.
المسيحيون الآشوريون والسريان هجِّروا، بدورهم من مناطق واسعة بمحافظة الحسكة بأقصى شمال شرقي سوريا، خصوصًا بعدما فرض «داعش» عليهم الرحيل أو دفع الجزية. وانحصرت الخيارات بالهرب، بعدما اعتقل التنظيم أكثر من مائتي مسيحي من المنطقة، ومن ثم شكل المسيحيون قوات عسكرية محلية، تعاونت مع الأكراد، وطردت التنظيم لاحقًا من بلدة تل تمر في الحسكة وقرى أخرى بالمحافظة على نهر الخابور. ويذكر أنه خلال فبراير (شباط) 2015 شن التنظيم المتطرف هجومًا واسعًا على القرى الآشورية الواقعة على الضفة الجنوبية من نهر الخابور، واشتبك مع ميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية التي كانت تسيطر على تلك القرى، وحقق تقدمًا كبيرًا باتجاه تل تمر. ثم شن هجمات مركزة ومكثفة على نحو ثلاثين قرية من القرى الآشورية الممتدة على شريط نهر الخابور، حيث أحرق الكنيسة في تل هرمز، ودفع بالسكان للهجرة إلى المطرانية الآشورية في مدينة الحسكة نفسها والقرى شرقي الخابور.
وإثر الهجوم، برزت حملة نزوح كبيرة باتجاه مدينتي الحسكة والقامشلي (أكبر مدينتين في المحافظة) بعد إعلان «الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان في سوريا» أن مقاتلي «داعش» اقتحموا منازل المدنيين في البلدات التي سيطروا عليها، وخطفوا عددًا كبيرًا منهم رهائن، في حين استمر احتجاز مئات العائلات الآشورية في منازلهم. وتحدثت المعلومات عن فقدان الاتصال بأكثر من 60 عائلة آشورية، معظم أفرادها من الأطفال والنساء، إضافة إلى عدد من الآشوريين الذين كانوا يحرسون قراهم. وفيما أفرج التنظيم عن عدد من الأسرى الذين بلغ عددهم 220 آشوريًا، ما زال «داعش» يحتجز نحو 130 آشوريًا بينهم نساء وأطفال، وفق إحصائيات «المرصد الآشوري لحقوق الإنسان».
والآشوريون - أو النساطرة الأرثوذكس، وأبناء عمومتهم الكلدان، أو النساطرة الكاثوليك - يسكنون في شمال ما بين نهري دجلة الفرات في العراق وسوريا وتركيا، كما يعتبرون مع اليعاقبة السريان من أقدم الشعوب التي اعتنقت المسيحية، وذلك ابتداءً من القرن الأول الميلادي. ويشار إلى أن عدد الأشوريين الإجمالي في سوريا، بلغ قبل اندلاع الثورة السورية في مارس عام 2011 نحو 30 ألفًا من أصل مليون و200 ألف مسيحي في سوريا، معظمهم في محافظة الحسكة. ومع أن المسيحيين كانوا يشكلون نحو 5 في المائة من إجمالي عدد السكان في سوريا، فإن أعدادًا كبيرة منهم نزحت خارج سوريا، منذ اندلاع الثورة فيها وتصاعد نفوذ التنظيمات المتطرفة.
وفي أماكن أخرى من سوريا، تكررت الاعتداءات على المسيحيين في أغسطس (آب) 2015 مع تقدم التنظيم إلى بلدة القريتين بريف محافظة حمص، حيث اختطف 230 مدنيًا، بينهم 60 مسيحيًا، قبل أن يفرج عن بعضهم، ولا يزال يعتقل العشرات الآخرين. وإثر دخوله المنطقة، بث الرعب، حين هدم دير مار آليان الواقع في مدينة القريتين مستخدما الجرافات. وقبل الهجوم على القريتين وتهجير سكانها، كان التنظيم هدم الدير السرياني التاريخي الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس، بعد خطف رئيس الدير الأب جاك مراد في أعقاب سيطرة التنظيم المتطرف على مدينة تدمر الأثرية في محافظة حمص.
القومية التركمانية، بدورها، تعرضت للتهجير أيضا إثر تقدم «داعش» إلى مناطق ريف محافظة حلب، بينها ريف مدن الباب وجرابلس ومنبج، ووجدت نفسها مجبرة على النزوح إلى الأراضي التركية أو إلى مناطق حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية. ولقد عاد معظم هؤلاء إلى مناطقهم بعد نجاح عمليات «درع الفرات» المدعومة من تركيا بطرد التنظيم من جرابلس وريف الباب وريف مدينة أعزاز.

المشهد العراقي
في العراق، كما سوريا، لم تظل طائفة أو جماعة دينية في مأمن من ممارسات «داعش»؛ إذ وجد أن الأكراد والمسيحيين والإزيديين وغيرهم كثيرون باتوا تحت مقصلة التنظيم المتطرف، إلا أن الضحية الأكبر كانوا العرب السنة.
ذلك أن غالبية المناطق التي اجتاحها «داعش» في غرب العراق وشماله يسكنها عرب سنة، أي المذهب نفسه الذي يزعم «داعش» الدفاع عنه، ولهم المصالح نفسها التي يزعم التنظيم حمايتها.
في العراق الغالبية العظمى من المهجّرين البالغ عددهم 4.2 مليون عراقي ممن شردتهم «حروب» «داعش» من السنة. ومع اشتداد المعارك للسيطرة على الموصل، كبرى المدن السنية في العراق، وعلى مدينة الرقّة التي اتخذها «داعش» عاصمة له في سوريا، تعرض المزيد من المدن والقرى السنّية للتدمير وعمّ فيها الخراب.
والحقيقة أنه لم يكن لغالبية السنة دور في ظهور هؤلاء المتطرفين، لكن الجميع دفعوا ويدفعون ثمنًا باهظًا نيابة عن غيرهم ممن ارتكبوا تلك الفظائع؛ ما ساهم في تسريع وتيرة التراجع لطائفة مثلت غالبية المسلمين التي سادت في منطقة المشرق العربي لأكثر من 1400 سنة.
الشيخ غازي محمد حمود، شيخ إحدى القبائل السنّية في بلدة ربيعة بأقصى شمال غربي العراق التي خضعت لسيطرة «داعش» عام 2014 والآن باتت خاضعة لسيطرة الأكراد، يقول: «(داعش) هو تسونامي الذي ضرب السنة.. لقد خسرنا كل شيء، خسرنا بيوتنا وأعمالنا وأرواح أبنائنا».
وحقًا، على امتداد الحدود السورية – العراقية، حيث تداخلت الحرب على «داعش» مع الصراع المستعر بين قوات المعارضة السورية ونظام بشار الأسد، اكتوى العرب السنة بنار العنف والتشرد، من جهتين: الجهة الأولى ما اقترفه «داعش» بحقهم، والجهة الثانية الضربات الجوية السورية والروسية سوّت البلدات والضواحي السنّية بالأرض، وحرب المقاتلين الشيعة الآتين من إيران ولبنان والعراق على المعارضة ذات الغالبية السنّية. ووفق الأرقام المتوافرة يشكل السنة غالبية الخمسة ملايين لاجئ المنتشرين في المنطقة وفي أوروبا، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة والحكومات التي تستضيف هؤلاء اللاجئين.
وهنا، يقول المحللون والعراقيون: إن الأخطار واضحة، وإن العرب السنة باتوا يواجهون خطر الحرمان والتحول إلى طبقة دنيا مضطهدة في المناطق التي طالما حكموها؛ مما يخلق أرضا خصبة لتكرار تجربة التهميش والتطرف التي جاء «داعش» من رحمها في البداية. وحسب روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا، الذي يعمل حاليا في «معهد الشرق الأوسط» بواشنطن، فإن «السيطرة على منطقة ليست القضية، فالأهم هو حكمها بشكل صحيح، وإلا فسيكون لدينا تمرد على شاكلة (داعش) ولفترة طويلة. إن لم يحظَ الحكام الجدد بالدعم الشعبي سيتمكن (داعش) من تجنيد أعضاء جدد، خصوصا إذا لم تتوافر المياه، وظلت المدارس مغلقة واستمر انقطاع الكهرباء». ويفيد عمال الإغاثة والدبلوماسيون بأن ذلك هو أسوأ سيناريو محتمل، والمفترض منعه في حال انتهاء الحرب والبدء في إعادة إعمار ما دمرته، والشروع دوليًا في إجراء المصالحة الوطنية. ففي العراق، حيث تحققت أكبر المكاسب ضد الجماعات المسلحة، فإن احتمال هزيمتهم في المستقبل القريب يحمل أملاً بسيطًا بفرصة آتية للسنة، وأيضا للشيعة وللأكراد الذين يقودون المعارك، وكذلك فرصة تسوية الخلافات لمد الجسور مجددا مع دول الجوار. غير أن طبيعة تسوية تلك الخلافات ما زالت محل جدال؛ إذ إن العقبات كبيرة والمصادر شحيحة، واحتمالات المصالحة الحقيقة ما زالت بعيدة. والتجول بين الكثير من البلدات والقرى العراقية التي حرّرت من سيطرة «داعش» يظهر حجم التحدي. فمن الحدود السورية في الغرب إلى الحدود الإيرانية في الشرق، يرى الزائر قرى مدمرة وبلدات نصف مهجورة، وسكانا حطمت حياتهم ربما إلى الأبد.

تحديات جديدة
من ناحية أخرى، مع أن غالبية المناطق التي استولى عليها «داعش» مناطق سنّية، فإن غالبية القوات التي تعمل على استعادتها تتألف من الشيعة والأكراد. وفي بعض الأماكن، فإن «المُحرِّرين» الذين لا تربطهم روابط سابقة بسكان المناطق التي حرروها، احتفظوا بمواقعهم قرب المناطق المحررة بحجة ألا يتركوا فراغًا أمنيًا يؤدي إلى عودة المسلحين المتطرفين ويعيد رسم خريطة مستقبلية للمنطقة بعد تجدد الصراع على الأرض والسلطة والسياسة.
بل جرى منع عشرات الآلاف من السكان في القرى المحررة من العودة إلى منازلهم، التي لم يعد لغالبيتها وجود على الأرض بعدما استحالت أكواما من التراب والحجارة. وفي الكثير من مناطق شمال العراق، التي لا تقع ضمن «إقليم كردستان الذاتي الحكم»، تنتشر نقاط التفتيش التابعة للميليشيات الكردية. وفي قرية على الطريق الممتد جنوبا تجاه منطقة سنجار الإيزيدية، اصطحب ثلاثة من مقاتلي البيشمركة صحافيين من صحيفة «واشنطن بوست» في جولة وسط المنازل المهدمة. وحسب هؤلاء ينتمي سكان القرية إلى قبيلة عرف عنها مساندتها لتنظيم داعش؛ ونتيجة لذلك لن يسمح لهم بالعودة إلى المنطقة مجددًا.

داعش.. وليبيا
المشهد العراقي والسوري، بطريقة مختلفة بعض الشيء يتكرر في ليبيا.
رئيس لجنة العدل المصالحة في البرلمان الليبي، إبراهيم عميش، قال لـ«الشرق الأوسط» موضحًا «هنا المشكلة تتركز حول مساعي بعض الأطراف لمنح الجنسية الليبية لنحو نصف مليون دخلوا البلاد عن طريق الهجرة غير الشرعية، بسبب الفوضى التي أحدثها تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى في عموم البلاد الغنية بالنفط».
في ليبيا، تغيرت معالم مدينة سرت الجميلة، وتحول الكثير من مبانيها إلى أنقاض بعدما حولها «داعش»، طوال أكثر من سنة، لأكبر مركز له في شمال أفريقيا. وتقع المدينة، التي تعد مسقط رأس معمر القذافي، في الشمال الأوسط من ليبيا. كان عدد سكانها، وفقا لآخر تقدير محلي يعود لعام 2014 نحو ثمانين ألف نسمة، لكن دخول «داعش» إليها في تلك السنة دفع الألوف إلى الفرار منها والإقامة في مدن أخرى داخل ليبيا، أو مغادرة البلاد والعيش في إحدى دول الجوار.
الهرب من «داعش» لم يكن في سرت فقط، ولكن الاقتتال، ومن ثمَّ طوابير المهجَّرين، طال الكثير من المدن الأخرى، على رأسها بنغازي ودرنة. وتقول الإعلامية ندى الزوي، ابنة مدينة بنغازي لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معها «عائلات كثيرة فرت من الاقتتال، إلا أنها بدأت الآن في العودة بشكل تدريجي، حيث إن الجيش الوطني تمكن من تحرير معظم ضواحي بنغازي. المشكلة تكمن في البيوت التي تركها المتطرفون في بنغازي مفخخة بالمتفجرات».
وفعلاً، تمكن الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، من طرد «داعش» من مدن الشرق الليبي. كما اقتربت «قوات البنيان المرصوص» بإشراف رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، من هزيمة «داعش» في سرت، لكن يبدو أن المشكلة تكمن في قدرة «داعش» على الانتقال من مدينة إلى أخرى، وذلك بعدما ظهرت قوافل السكان الفارين من التنظيم القادم حديثا إلى مدينتي الخُمس والزاوية على مشارف العاصمة طرابلس. أو كما يقول رجب بن غزي، المذيع التلفزيوني الليبي لـ«الشرق الأوسط» إن «تنظيم داعش لم يخرج من ليبيا. يضربونه في سرت يظهر في الخُمس.. يضربونه في درنة يطلع في البيضاء. هذه دوامة يدور فيها السكان من بلدة إلى بلدة».
عن أعداد المهجرين، يقول عميش «توجد تقديرات بأعداد من تأثروا من السكان بنشاط (داعش) ومَن غادروا بلداتهم بسبب هذا التنظيم المتطرف رحلوا إلى مناطق قريبة منهم، وإلى بعض المناطق الأخرى؛ للإقامة لدى أقربائهم.. كما أن هناك من اختار البقاء تحت الخطر. ومنهم من مات ومنهم من عاش». في حين يقول بن غزي إن عدد من هجّروا طرابلس منذ عام 2014 فقط يقدر بنحو مائة ألف.. «وهؤلاء ذهبوا إلى مدن أخرى مثل طبرق وبنغازي والبيضاء والجنوب، وغيرها. ومن بينهم من هاجروا للأردن ومصر وتونس». بينما أدت الهجرة الداخلية، كما تقول الزوي، إلى «تغيير في تركيبة السكان بشكل وضح مثلما حدث في سرت التي هجرها معظم سكانها. وتسبب تكدس المهاجرين في المدن الآمنة إلى ارتفاع أسعار العقارات». وتضيف «اضطر كثيرون آخرون إلى الانتقال شرقا للإقامة لدى أقاربهم. الوضع صعب. لا توجد رواتب والإيجارات مرتفعة. هناك استغلال من تجار الحرب».
ولا ينظر كثير من السياسيين الليبيين، مثل النائب عميش، إلى انتقال ألوف المواطنين من مدينة إلى أخرى باعتباره أمرا سيطول، ويقول إن هؤلاء سيعودون إلى منطقهم الأصلية بعد أن تهدأ الأوضاع.. «حتى في سرت. من خرجوا لديهم أمل في العودة بعد هدوء الأوضاع.. منهم مجموعات ذهبت إلى مصراتة وأخرى إلى مدينة بني وليد والبعض إلى إجدابيا والبعض الآخر رحل إلى الجنوب».
ويتابع: «لا يوجد خوف من تغير التركيبة الديموغرافية للسكان بسبب (داعش). التغير، كما أراه، لا يحصل إلا من خلال الهجرة غير الشرعية وبعض المساعي من أطراف لمنح الجنسية لأعداد كبيرة من قبائل وغيره. وهذا الأمر حوله صراع الآن (بين القادة الليبيين)».
وتعود قصة منح الجنسية الليبية لغير الليبيين من ذوي الأصول الليبية إلى عهد القذافي، لكن يبدو أن بعض الأطراف التي تحاول إيجاد أنصار لها في خضم الفوضى التي تضرب البلاد، أخذت تلعب على الوتر نفسه مستغلة دخول ألوف الهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا، خصوصا بعد محاولة سرقة منظومة تسجيل المواليد والجنسية، وقيام مجهولين بقتل مسؤولها في طرابلس خلال الأسابيع الأخيرة.
ويشرح عميش «كان القذافي قد منح الجنسية للبعض من مناطق في تشاد وبعض من دول الجوار الجنوبي، ثم سحبها منهم، لكن بقيت معهم أوراق، سواء صحيحة أو مزورة، تقول إنهم عرب يعاملون معاملة الليبيين». ويتابع موضحا أن «هذا هو مصدر ما يمكن أن يحدث من تغيرات ديموغرافية ومن دخلاء»، مشيرا إلى أن محاولات التجنيس الجارية الآن «تشمل من يأتون إلى ليبيا مع الهجرة غير الشرعية، وتشمل المقاتلين الذين دخلوا خلال الفترة الأخيرة بالآلاف.. حيث إن بعض المقاتلين كان لديهم جنسية أصلا أو سحبت منهم أو أنهم متجنسون أو يشعرون بأنهم ينتمون إلى قبائل ليبية ويريدون أن يعيشوا في ليبيا.. وغالبية هؤلاء من السكان الموجودين على امتداد الحدود الليبية مع دول الجوار».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.