البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

هجّر الألوف من سوريا والعراق وليبيا مهددًا النسيج السكاني والاجتماعي

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره
TT

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

ساهم انحسار نفوذ تنظيم داعش الإرهابي المتطرف في كل من سوريا والعراق، وكذلك في ليبيا، في إعادة سكان هجّرهم التنظيم من مناطقهم إلى ديارهم الأولى. وكان التنظيم، منذ بدء تمدّده في مناطق عدة في الدول الثلاث، قد دفع بالألوف من سكان تلك المناطق إلى النزوح، عاملاً على إحداث تغيير ديموغرافي طال الأعراق والطوائف فيها، ووطّن في الكثير منها متشددين وعائلاتهم كان قد استدعاهم من مناطق مختلفة حول العالم.
بدأت عملية إعادة التوازن الديموغرافي في سوريا، منذ بدأ انحسار سيطرة «داعش» في مدينة عين العرب (كوباني) في شمال شرقي محافظة حلب السورية، على الحدود مع تركيا، وذلك إثر انكساره في المعركة أمام الميليشيات الكردية المدعومة بالتحالف الدولي. وحسب مصدر كردي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن التنظيم نقل كثيرين من مناصريه ومقاتليه وعائلاتهم إلى مناطق تسكنها غالبية كردية وآشورية (نسطورية) وسريانية (يعقوبية) وعربية سنّية، تقدم منها إلى عين العرب ومحيطها من مناطق نفوذه في العراق.
الشيء نفسه يحصل الآن في شمال غربي العراق، حيث خسر التنظيم المتطرف الكثير من المناطق التي كان قد اجتاحها أثناء استهدافه مدينة الموصل، وليس قبل أن يتسبب في تهجير الألوف من العرب السنة، وكذلك الإيزيديون والآشوريون والسريان والشّبك، وغيرهم من المكونات العراقية.
ولئن كان الخوف على التنوع السكاني، في حد ذاته، ليس في رأس قائمة أولويات المسؤولين الليبيين، فإن مشكلة التهجير التي تسبب بها التنظيم جدية للغاية، ولا سيما أنها تتعلق بمئات الألوف من مواطني ليبيا، يقدر أن 100 ألف منهم هجروا من طرابلس وحدها.

العرب السنة
مع أن «داعش» يزعم أنه يقاتل من أجل «خلافة» إسلامية ويمثل أهل السنة والجماعة، فإن غالبية ضحايا إرهابه وعنفه في سوريا والعراق كانوا وما زالوا من العرب السنة. ولعل أبلغ مثال على تهجير السنة من مناطق في محافظة دير الزور، بشرق سوريا، حيث مارس التنظيم «ما يشبه الإبادة الجماعية» بحق عشيرة الشعيطات التي لم تعلن تأييدها له؛ إذ أعدم التنظيم نحو 700 من أبناء العشيرة بعد المواجهات معه. وللعلم، تعد الشعيطات من أكبر عشائر دير الزور، وكانت من أشد المعارضين وآخر العشائر التي بايعته في المحافظة المتاخمة لغرب العراق.

.. وآخرون
في سوريا أيضًا، بسيطرة «داعش» على مدينة الرقّة في يناير (كانون الثاني) 2014، اختل التوازن الديموغرافي في المدينة التي كان يسكنها أكثر من 300 ألف نسمة، يتوزعون بين سكان عشائريين وقبليين وآخرين يتحدّرون من قوميات وأديان ومذاهب مختلفة مثل العرب السنة والتركمان والآكراد والآشوريين والسريان. إذ لاحق معارضيه بلا هوادة، وقتل الناشطين الذين فضحوا جرائمه. وبتقدّمه من الرقّة باتجاه ريف بلدة سلمية في ريف محافظة حماه الشرقي، ارتكب التنظيم أيضًا فظائع في المنطقة التي يسكنها عرب من الإسماعيليين والسنة. وتجدر الإشارة إلى أن سلمية والقرى المحيطة تعد أكبر مركز للإسماعيليين سوريا، غير أن الخسائر البشرية استهدفت أيضا العرب السنة والمسيحيين والأكراد ممن قاوموه، وكانوا أكثر من دفع ثمن التهجير من مناطقهم.
المسيحيون الآشوريون والسريان هجِّروا، بدورهم من مناطق واسعة بمحافظة الحسكة بأقصى شمال شرقي سوريا، خصوصًا بعدما فرض «داعش» عليهم الرحيل أو دفع الجزية. وانحصرت الخيارات بالهرب، بعدما اعتقل التنظيم أكثر من مائتي مسيحي من المنطقة، ومن ثم شكل المسيحيون قوات عسكرية محلية، تعاونت مع الأكراد، وطردت التنظيم لاحقًا من بلدة تل تمر في الحسكة وقرى أخرى بالمحافظة على نهر الخابور. ويذكر أنه خلال فبراير (شباط) 2015 شن التنظيم المتطرف هجومًا واسعًا على القرى الآشورية الواقعة على الضفة الجنوبية من نهر الخابور، واشتبك مع ميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية التي كانت تسيطر على تلك القرى، وحقق تقدمًا كبيرًا باتجاه تل تمر. ثم شن هجمات مركزة ومكثفة على نحو ثلاثين قرية من القرى الآشورية الممتدة على شريط نهر الخابور، حيث أحرق الكنيسة في تل هرمز، ودفع بالسكان للهجرة إلى المطرانية الآشورية في مدينة الحسكة نفسها والقرى شرقي الخابور.
وإثر الهجوم، برزت حملة نزوح كبيرة باتجاه مدينتي الحسكة والقامشلي (أكبر مدينتين في المحافظة) بعد إعلان «الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان في سوريا» أن مقاتلي «داعش» اقتحموا منازل المدنيين في البلدات التي سيطروا عليها، وخطفوا عددًا كبيرًا منهم رهائن، في حين استمر احتجاز مئات العائلات الآشورية في منازلهم. وتحدثت المعلومات عن فقدان الاتصال بأكثر من 60 عائلة آشورية، معظم أفرادها من الأطفال والنساء، إضافة إلى عدد من الآشوريين الذين كانوا يحرسون قراهم. وفيما أفرج التنظيم عن عدد من الأسرى الذين بلغ عددهم 220 آشوريًا، ما زال «داعش» يحتجز نحو 130 آشوريًا بينهم نساء وأطفال، وفق إحصائيات «المرصد الآشوري لحقوق الإنسان».
والآشوريون - أو النساطرة الأرثوذكس، وأبناء عمومتهم الكلدان، أو النساطرة الكاثوليك - يسكنون في شمال ما بين نهري دجلة الفرات في العراق وسوريا وتركيا، كما يعتبرون مع اليعاقبة السريان من أقدم الشعوب التي اعتنقت المسيحية، وذلك ابتداءً من القرن الأول الميلادي. ويشار إلى أن عدد الأشوريين الإجمالي في سوريا، بلغ قبل اندلاع الثورة السورية في مارس عام 2011 نحو 30 ألفًا من أصل مليون و200 ألف مسيحي في سوريا، معظمهم في محافظة الحسكة. ومع أن المسيحيين كانوا يشكلون نحو 5 في المائة من إجمالي عدد السكان في سوريا، فإن أعدادًا كبيرة منهم نزحت خارج سوريا، منذ اندلاع الثورة فيها وتصاعد نفوذ التنظيمات المتطرفة.
وفي أماكن أخرى من سوريا، تكررت الاعتداءات على المسيحيين في أغسطس (آب) 2015 مع تقدم التنظيم إلى بلدة القريتين بريف محافظة حمص، حيث اختطف 230 مدنيًا، بينهم 60 مسيحيًا، قبل أن يفرج عن بعضهم، ولا يزال يعتقل العشرات الآخرين. وإثر دخوله المنطقة، بث الرعب، حين هدم دير مار آليان الواقع في مدينة القريتين مستخدما الجرافات. وقبل الهجوم على القريتين وتهجير سكانها، كان التنظيم هدم الدير السرياني التاريخي الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس، بعد خطف رئيس الدير الأب جاك مراد في أعقاب سيطرة التنظيم المتطرف على مدينة تدمر الأثرية في محافظة حمص.
القومية التركمانية، بدورها، تعرضت للتهجير أيضا إثر تقدم «داعش» إلى مناطق ريف محافظة حلب، بينها ريف مدن الباب وجرابلس ومنبج، ووجدت نفسها مجبرة على النزوح إلى الأراضي التركية أو إلى مناطق حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية. ولقد عاد معظم هؤلاء إلى مناطقهم بعد نجاح عمليات «درع الفرات» المدعومة من تركيا بطرد التنظيم من جرابلس وريف الباب وريف مدينة أعزاز.

المشهد العراقي
في العراق، كما سوريا، لم تظل طائفة أو جماعة دينية في مأمن من ممارسات «داعش»؛ إذ وجد أن الأكراد والمسيحيين والإزيديين وغيرهم كثيرون باتوا تحت مقصلة التنظيم المتطرف، إلا أن الضحية الأكبر كانوا العرب السنة.
ذلك أن غالبية المناطق التي اجتاحها «داعش» في غرب العراق وشماله يسكنها عرب سنة، أي المذهب نفسه الذي يزعم «داعش» الدفاع عنه، ولهم المصالح نفسها التي يزعم التنظيم حمايتها.
في العراق الغالبية العظمى من المهجّرين البالغ عددهم 4.2 مليون عراقي ممن شردتهم «حروب» «داعش» من السنة. ومع اشتداد المعارك للسيطرة على الموصل، كبرى المدن السنية في العراق، وعلى مدينة الرقّة التي اتخذها «داعش» عاصمة له في سوريا، تعرض المزيد من المدن والقرى السنّية للتدمير وعمّ فيها الخراب.
والحقيقة أنه لم يكن لغالبية السنة دور في ظهور هؤلاء المتطرفين، لكن الجميع دفعوا ويدفعون ثمنًا باهظًا نيابة عن غيرهم ممن ارتكبوا تلك الفظائع؛ ما ساهم في تسريع وتيرة التراجع لطائفة مثلت غالبية المسلمين التي سادت في منطقة المشرق العربي لأكثر من 1400 سنة.
الشيخ غازي محمد حمود، شيخ إحدى القبائل السنّية في بلدة ربيعة بأقصى شمال غربي العراق التي خضعت لسيطرة «داعش» عام 2014 والآن باتت خاضعة لسيطرة الأكراد، يقول: «(داعش) هو تسونامي الذي ضرب السنة.. لقد خسرنا كل شيء، خسرنا بيوتنا وأعمالنا وأرواح أبنائنا».
وحقًا، على امتداد الحدود السورية – العراقية، حيث تداخلت الحرب على «داعش» مع الصراع المستعر بين قوات المعارضة السورية ونظام بشار الأسد، اكتوى العرب السنة بنار العنف والتشرد، من جهتين: الجهة الأولى ما اقترفه «داعش» بحقهم، والجهة الثانية الضربات الجوية السورية والروسية سوّت البلدات والضواحي السنّية بالأرض، وحرب المقاتلين الشيعة الآتين من إيران ولبنان والعراق على المعارضة ذات الغالبية السنّية. ووفق الأرقام المتوافرة يشكل السنة غالبية الخمسة ملايين لاجئ المنتشرين في المنطقة وفي أوروبا، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة والحكومات التي تستضيف هؤلاء اللاجئين.
وهنا، يقول المحللون والعراقيون: إن الأخطار واضحة، وإن العرب السنة باتوا يواجهون خطر الحرمان والتحول إلى طبقة دنيا مضطهدة في المناطق التي طالما حكموها؛ مما يخلق أرضا خصبة لتكرار تجربة التهميش والتطرف التي جاء «داعش» من رحمها في البداية. وحسب روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا، الذي يعمل حاليا في «معهد الشرق الأوسط» بواشنطن، فإن «السيطرة على منطقة ليست القضية، فالأهم هو حكمها بشكل صحيح، وإلا فسيكون لدينا تمرد على شاكلة (داعش) ولفترة طويلة. إن لم يحظَ الحكام الجدد بالدعم الشعبي سيتمكن (داعش) من تجنيد أعضاء جدد، خصوصا إذا لم تتوافر المياه، وظلت المدارس مغلقة واستمر انقطاع الكهرباء». ويفيد عمال الإغاثة والدبلوماسيون بأن ذلك هو أسوأ سيناريو محتمل، والمفترض منعه في حال انتهاء الحرب والبدء في إعادة إعمار ما دمرته، والشروع دوليًا في إجراء المصالحة الوطنية. ففي العراق، حيث تحققت أكبر المكاسب ضد الجماعات المسلحة، فإن احتمال هزيمتهم في المستقبل القريب يحمل أملاً بسيطًا بفرصة آتية للسنة، وأيضا للشيعة وللأكراد الذين يقودون المعارك، وكذلك فرصة تسوية الخلافات لمد الجسور مجددا مع دول الجوار. غير أن طبيعة تسوية تلك الخلافات ما زالت محل جدال؛ إذ إن العقبات كبيرة والمصادر شحيحة، واحتمالات المصالحة الحقيقة ما زالت بعيدة. والتجول بين الكثير من البلدات والقرى العراقية التي حرّرت من سيطرة «داعش» يظهر حجم التحدي. فمن الحدود السورية في الغرب إلى الحدود الإيرانية في الشرق، يرى الزائر قرى مدمرة وبلدات نصف مهجورة، وسكانا حطمت حياتهم ربما إلى الأبد.

تحديات جديدة
من ناحية أخرى، مع أن غالبية المناطق التي استولى عليها «داعش» مناطق سنّية، فإن غالبية القوات التي تعمل على استعادتها تتألف من الشيعة والأكراد. وفي بعض الأماكن، فإن «المُحرِّرين» الذين لا تربطهم روابط سابقة بسكان المناطق التي حرروها، احتفظوا بمواقعهم قرب المناطق المحررة بحجة ألا يتركوا فراغًا أمنيًا يؤدي إلى عودة المسلحين المتطرفين ويعيد رسم خريطة مستقبلية للمنطقة بعد تجدد الصراع على الأرض والسلطة والسياسة.
بل جرى منع عشرات الآلاف من السكان في القرى المحررة من العودة إلى منازلهم، التي لم يعد لغالبيتها وجود على الأرض بعدما استحالت أكواما من التراب والحجارة. وفي الكثير من مناطق شمال العراق، التي لا تقع ضمن «إقليم كردستان الذاتي الحكم»، تنتشر نقاط التفتيش التابعة للميليشيات الكردية. وفي قرية على الطريق الممتد جنوبا تجاه منطقة سنجار الإيزيدية، اصطحب ثلاثة من مقاتلي البيشمركة صحافيين من صحيفة «واشنطن بوست» في جولة وسط المنازل المهدمة. وحسب هؤلاء ينتمي سكان القرية إلى قبيلة عرف عنها مساندتها لتنظيم داعش؛ ونتيجة لذلك لن يسمح لهم بالعودة إلى المنطقة مجددًا.

داعش.. وليبيا
المشهد العراقي والسوري، بطريقة مختلفة بعض الشيء يتكرر في ليبيا.
رئيس لجنة العدل المصالحة في البرلمان الليبي، إبراهيم عميش، قال لـ«الشرق الأوسط» موضحًا «هنا المشكلة تتركز حول مساعي بعض الأطراف لمنح الجنسية الليبية لنحو نصف مليون دخلوا البلاد عن طريق الهجرة غير الشرعية، بسبب الفوضى التي أحدثها تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى في عموم البلاد الغنية بالنفط».
في ليبيا، تغيرت معالم مدينة سرت الجميلة، وتحول الكثير من مبانيها إلى أنقاض بعدما حولها «داعش»، طوال أكثر من سنة، لأكبر مركز له في شمال أفريقيا. وتقع المدينة، التي تعد مسقط رأس معمر القذافي، في الشمال الأوسط من ليبيا. كان عدد سكانها، وفقا لآخر تقدير محلي يعود لعام 2014 نحو ثمانين ألف نسمة، لكن دخول «داعش» إليها في تلك السنة دفع الألوف إلى الفرار منها والإقامة في مدن أخرى داخل ليبيا، أو مغادرة البلاد والعيش في إحدى دول الجوار.
الهرب من «داعش» لم يكن في سرت فقط، ولكن الاقتتال، ومن ثمَّ طوابير المهجَّرين، طال الكثير من المدن الأخرى، على رأسها بنغازي ودرنة. وتقول الإعلامية ندى الزوي، ابنة مدينة بنغازي لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معها «عائلات كثيرة فرت من الاقتتال، إلا أنها بدأت الآن في العودة بشكل تدريجي، حيث إن الجيش الوطني تمكن من تحرير معظم ضواحي بنغازي. المشكلة تكمن في البيوت التي تركها المتطرفون في بنغازي مفخخة بالمتفجرات».
وفعلاً، تمكن الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، من طرد «داعش» من مدن الشرق الليبي. كما اقتربت «قوات البنيان المرصوص» بإشراف رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، من هزيمة «داعش» في سرت، لكن يبدو أن المشكلة تكمن في قدرة «داعش» على الانتقال من مدينة إلى أخرى، وذلك بعدما ظهرت قوافل السكان الفارين من التنظيم القادم حديثا إلى مدينتي الخُمس والزاوية على مشارف العاصمة طرابلس. أو كما يقول رجب بن غزي، المذيع التلفزيوني الليبي لـ«الشرق الأوسط» إن «تنظيم داعش لم يخرج من ليبيا. يضربونه في سرت يظهر في الخُمس.. يضربونه في درنة يطلع في البيضاء. هذه دوامة يدور فيها السكان من بلدة إلى بلدة».
عن أعداد المهجرين، يقول عميش «توجد تقديرات بأعداد من تأثروا من السكان بنشاط (داعش) ومَن غادروا بلداتهم بسبب هذا التنظيم المتطرف رحلوا إلى مناطق قريبة منهم، وإلى بعض المناطق الأخرى؛ للإقامة لدى أقربائهم.. كما أن هناك من اختار البقاء تحت الخطر. ومنهم من مات ومنهم من عاش». في حين يقول بن غزي إن عدد من هجّروا طرابلس منذ عام 2014 فقط يقدر بنحو مائة ألف.. «وهؤلاء ذهبوا إلى مدن أخرى مثل طبرق وبنغازي والبيضاء والجنوب، وغيرها. ومن بينهم من هاجروا للأردن ومصر وتونس». بينما أدت الهجرة الداخلية، كما تقول الزوي، إلى «تغيير في تركيبة السكان بشكل وضح مثلما حدث في سرت التي هجرها معظم سكانها. وتسبب تكدس المهاجرين في المدن الآمنة إلى ارتفاع أسعار العقارات». وتضيف «اضطر كثيرون آخرون إلى الانتقال شرقا للإقامة لدى أقاربهم. الوضع صعب. لا توجد رواتب والإيجارات مرتفعة. هناك استغلال من تجار الحرب».
ولا ينظر كثير من السياسيين الليبيين، مثل النائب عميش، إلى انتقال ألوف المواطنين من مدينة إلى أخرى باعتباره أمرا سيطول، ويقول إن هؤلاء سيعودون إلى منطقهم الأصلية بعد أن تهدأ الأوضاع.. «حتى في سرت. من خرجوا لديهم أمل في العودة بعد هدوء الأوضاع.. منهم مجموعات ذهبت إلى مصراتة وأخرى إلى مدينة بني وليد والبعض إلى إجدابيا والبعض الآخر رحل إلى الجنوب».
ويتابع: «لا يوجد خوف من تغير التركيبة الديموغرافية للسكان بسبب (داعش). التغير، كما أراه، لا يحصل إلا من خلال الهجرة غير الشرعية وبعض المساعي من أطراف لمنح الجنسية لأعداد كبيرة من قبائل وغيره. وهذا الأمر حوله صراع الآن (بين القادة الليبيين)».
وتعود قصة منح الجنسية الليبية لغير الليبيين من ذوي الأصول الليبية إلى عهد القذافي، لكن يبدو أن بعض الأطراف التي تحاول إيجاد أنصار لها في خضم الفوضى التي تضرب البلاد، أخذت تلعب على الوتر نفسه مستغلة دخول ألوف الهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا، خصوصا بعد محاولة سرقة منظومة تسجيل المواليد والجنسية، وقيام مجهولين بقتل مسؤولها في طرابلس خلال الأسابيع الأخيرة.
ويشرح عميش «كان القذافي قد منح الجنسية للبعض من مناطق في تشاد وبعض من دول الجوار الجنوبي، ثم سحبها منهم، لكن بقيت معهم أوراق، سواء صحيحة أو مزورة، تقول إنهم عرب يعاملون معاملة الليبيين». ويتابع موضحا أن «هذا هو مصدر ما يمكن أن يحدث من تغيرات ديموغرافية ومن دخلاء»، مشيرا إلى أن محاولات التجنيس الجارية الآن «تشمل من يأتون إلى ليبيا مع الهجرة غير الشرعية، وتشمل المقاتلين الذين دخلوا خلال الفترة الأخيرة بالآلاف.. حيث إن بعض المقاتلين كان لديهم جنسية أصلا أو سحبت منهم أو أنهم متجنسون أو يشعرون بأنهم ينتمون إلى قبائل ليبية ويريدون أن يعيشوا في ليبيا.. وغالبية هؤلاء من السكان الموجودين على امتداد الحدود الليبية مع دول الجوار».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.