استبقت فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية، بضواحي العاصمة السورية دمشق، أي محاولات من قبل النظام لإجبارها على توقيع هدنة أو اتفاق مصالحة، بإعلان مبادرة لوضع «جيش الإنقاذ الوطني» الهادف لتذليل الخلافات بين الفصائل وتفعيل عملها. وهي خطوة تأمل أن تمكنها من مواجهة النظام، ومنع ضغوطه عليها لتوقيع اتفاقيات أو إخلاء المنطقة المحاصرة، كما جرى في مناطق ريف دمشق الأخرى، وكان آخرها في التل.
فصائل في الغوطة الشرقية وضعت ما يشبه إطار العمل، لمنع تكرار ما يجري في مناطق أخرى في محافظة ريف دمشق بحقها. ففي بيان أصدرته الهيئة العامة في الغوطة الشرقية، قالت إنه «يتوجب على قادة الفصائل في الغوطة الشرقية الاجتماع الفوري ودون مماطلة أو تسويف لوضع مبادرة جيش الإنقاذ الوطني موضع التنفيذ الفعلي وتحمل مسؤولياتهم الشرعية والأخلاقية والوطنية تجاه ما يجري». وأكدت الهيئة العامة أن «كل تلك الجرائم الإرهابية لن تدفعنا للرضوخ لمنطق الاستسلام الذي يسوقه - زورًا - النظام المجرم وأزلامه وداعموه تحت مسمى المصالحة الوطنية». وأضافت: «لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية حقيقية ما لم يسبقها وقف شامل لإطلاق النار على مستوى سوريا كاملة وإطلاق سراح المعتقلين بالتزامن مع خطوات جدية لتحقيق العدالة الانتقالية وخطة واضحة للسلام الدائم وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة ضمن إطار الحل السياسي على المستوى الوطني».
يذكر أن تفعيل الدعوات للتوحد في الغوطة ينطلق من الخلاف القائم بين الفصائل، كان أبرزها مصادرة «فيلق الرحمن» لمعدات عسكرية من «جيش الإسلام» في وقت سابق، قبل أن يبدأ تهاوي المناطق بيد قوات النظام السوري، كما قال الناشط في الغوطة الشرقية ضياء الحسيني لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن ارتفاع وتيرة المطالب بجيش الإنقاذ الوطني «يستهدف تفادي سقوط البلدات وإعادة الحقوق لأهلها وإلغاء الحواجز بين مناطق الغوطة». وأكد الحسيني أن «إحدى مهام جيش الإنقاذ المأمولة، إيقاف زحف النظام لتخفيف الضغط عن الغوطة، ومنع النظام من المطالبة بإخراج المسلحين المعارضين منها، كي لا يتكرر سيناريو ما يجري في مناطق أخرى في ريف دمشق».
وبينما تحدثت مصادر معارضة في الغوطة عن أن تلك الدعوات «باتت متأخرة ومن الصعب أن تحقق الهدف المأمول في ظل حصار النظام ومنع دخول السلاح إلى الغوطة»، قال الحسيني إن توحيد الفصائل «سيجمع جهود الفصائل الموجودة، ومن شأنه أن يسمح للفصائل بتبادل السلاح والخبرات»، لافتًا إلى أن جيش الإسلام في هذا الوقت «يقاتل وحده على جبهات أوتوستراد دمشق – حمص الدولي وحول دوما وميدعاني، بينما تعد الجبهات الأخرى التي يقاتل فيها فيلق الرحمن أو جيش الفسطاط خامدة، وأهمها جبهة جوبر». وتابع أن الحراك الشعبي الذي قام ضد الفصائل، أجبرها على التوصل إلى اتفاقات، نأمل أن تتطور للقيام بعمليات مشتركة.
واقع الأمر أن المصالحات والهدن، تشكل «أسوأ سيناريو» يواجه قوات المعارضة في ريف دمشق، ولقد بدأت في مدينة التل أمس، عملية إجلاء مقاتلي المعارضة إلى محافظة إدلب، بموجب اتفاق مع النظام. وأشار «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إلى أن الحافلات بدأت بالانطلاق من مدينة التل برفقة سيارات إسعاف تقل الجرحى، في «تنفيذ لعملية تهجير جديدة في ريف العاصمة دمشق، عبر اتفاق التل الذي جرى بين سلطات النظام والفصائل العاملة في منطقة التل».
عدد من الحافلات ناهز عددها الـ45 وصلت إلى مدينة التل صباحا، حيث ركنت في نقاط محددة داخل المدينة، وبدأ الراغبون من الأهالي بالخروج من المدينة بالصعود إليها. وتحدث معلومات عن أن الدفعة الأولى من إجلاء المقاتلين، تستهدف 200 مقاتل، وفق قوائم محددة مسبقًا، ترافقهم عائلاتهم، على أن تصل الحافلات إلى منطقة قلعة المضيق في الشمال، قبيل نقل المقاتلين إلى إدلب.
الاتفاق وقعته سلطات النظام والفصائل المقاتلة في المدينة، وجاء في أعقاب أن اشتباكات شهدتها منطقة التل واستمرت لأيام وترافقت مع قصف مكثف من قوات النظام وطائراتها المروحية. وينص الاتفاق على تسليم الأسلحة فيما عدا الفردية منها، وخروج المقاتلين ومن يرغب في الخروج من مدينة التل، وتسوية أوضاع من يتبقى ويكون «مطلوبًا للنظام»، و«تسوية أوضاع المتخلفين عن التجنيد الإجباري والمنشقين»، بمدة لا تتجاوز 6 أشهر، وفتح الطرق الواصلة بين مدينة التل وباقي المناطق السورية، وتشكيل جهاز أمني من أهالي المدينة يكون قائمًا على حماية المدينة من الداخل، وعدم دخول النظام إلى المدينة إلا في حال وجود أسلحة وبمرافقة اللجنة الأمنية الأهلية.
وهكذا، تنضم التل إلى بلدة خان الشيح و13 بلدة في ريف دمشق الغربي والجنوبي سبق لها أن عقدت مصالحات مع النظام، وستكون تحت سيطرة النظام بشكل تام. وفعلاً، استكمل أمس خروج المهجّرين من القاطنين في بلدة خان الشيح الواقعة بغوطة دمشق الغربية، باتجاه محافظة إدلب، بناءً على اتفاق بين سلطات النظام والفصائل العاملة في البلدة، والقاضي بإخراج المئات من المقاتلين وعوائلهم نحو إدلب، ومن ثم «تسوية أوضاع» من تبقى من داخل البلدة، من مقاتلين و«مطلوبين» للنظام، وأن تجري عودة أهالي البلدة النازحين عنها، وأن يغادر النازحون إليها في وقت سابق ويعودوا إلى منازلهم، في حين سلمت الفصائل العاملة في البلدة قبل خروجها منها، نحو 40 شخصًا غالبيتهم من عناصر قوات النظام، كانت قد أسرتهم بوقت سابق.
وحول هذا الموضوع أعلن المركز الروسي في حميميم (شمال غربي سوريا)، المعني بالمصالحة، قال إن 3010 أشخاص، بينهم 1846 مسلحًا و1164 من أفراد عوائلهم، غادروا بلدة خان الشيح في الفترة 28 نوفمبر (تشرين الثاني) والأول من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، باتجاه محافظة إدلب.
فصائل الغوطة الشرقية تسابق المصالحات بالدعوات إلى إنشاء «جيش الإنقاذ الوطني»
النظام السوري يبدأ بإخلاء معارضي التل إلى إدلب بعد استكمال خروج الفصائل من خان الشيح
دبابة تابعة لقوات النظام مع عناصر من ميليشيات موالية لها في بلدة خان الشيخ بعد استكمال عملية خروج الفصائل المسلحة المعارضة منها (غيتي)
فصائل الغوطة الشرقية تسابق المصالحات بالدعوات إلى إنشاء «جيش الإنقاذ الوطني»
دبابة تابعة لقوات النظام مع عناصر من ميليشيات موالية لها في بلدة خان الشيخ بعد استكمال عملية خروج الفصائل المسلحة المعارضة منها (غيتي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



