تجديد النظر إلى الفلسفة بمناسبة يومها العالمي

في ظل التطور التقني والتحولات الجذرية التي يشهدها العالم

* أستاذ فلسفة
* أستاذ فلسفة
TT

تجديد النظر إلى الفلسفة بمناسبة يومها العالمي

* أستاذ فلسفة
* أستاذ فلسفة

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، الذي يصادف هذا العام، بروز تحولات عالمية جذرية، على المستويين السياسي (ترامب والأصوليات على الصعيد العالمي)، والأخلاقي (تدمير النزعة التضامنية)، والاقتصادي (غياب عدالة توزيع الخيرات الرمزية والمادية)، هل هناك مبرر اليوم لإعادة طرح السؤال الكلاسيكي / المعاصر: ما هي الفلسفة، وفيم يمكن أن تفيدنا؟ وهل من قيمة تتملكها الفلسفة اليوم بالنسبة لنا، نحن الذين نعيش في القرن الواحد والعشرين، عصر التطور التقني على جميع المستويات والمجالات؟
قد يبدو السؤال للقارئ، مجرد درس تقليدي يجب أن يوجه للمبتدئين، أو لتلامذة المدرسة الثانوية، في حصصهم الأولى، التي تكون بمثابة مداخل عامة يتعرفون، من خلالها، على جزء من «تاريخ الفلسفة» وليس على الفلسفة.
إن ما يجعلنا في حاجة إلى إعادة النظر في تعريف الفلسفة، وقيمتها، هو تشكيكنا في الطرح الذي يعتقد في كون كل من ولج إلى المدرسة / المؤسسة قد تعلم الفلسفة. وهذا التشكيك نابع من شهادات الواقع، التي تجعلنا نصادف، يوميا، وفي وضعيات مختلفة، طلابا درسوا الفلسفة في المرحلة الثانوية أو الجامعية، لكنهم في كل مناحي حياتهم وسلوكهم، لا يزالون يسلكون ويتصرفون، كما يتصرف بادئ الرأي - الإنسان البسيط في التفكير الذي يسلّم لانطباعاته. وهذا ما يجعل المسلمة، التي تقدم إلينا، بأن تعريف الفلسفة بات واضحا بمجرد ما نقول إنها محبة / عشق / إيثار، ونزوع نحو الحذق، والمهارة، والحقيقة، والحكمة، لا يفي بالغرض. من هنا نكون دائما في حاجة إلى البحث عن تعريف للفلسفة خارج التعريفات الايتيمولوجية والمعجمية والتاريخية الشائعة. بل نكون هنا، في حاجة إلى استيعاب «روح الفلسفة».
قد يعترض علينا اليوم معترض، بكون العلم حينما صار قادرا على السيطرة التقنية على الجسد والطبيعة والمادة بشكل كبير، لم تعد الحاجة إلى الفلسفة ضرورية. ويفرض علينا هذا الاعتراض، أن نقارن بين مجالات الفلسفة ومجالات العلم، لكي نوضح مدى قدرة هذا الزعم على الصمود أمام المساءلة الفلسفية.
صحيح، نحن لا ننكر أن العلم، إذا أخذنا علم الوراثة، على الأقل، قد صار قادرا على التدخل في مسألة الخلق، التي كانت تعتبر، إلى عهود قريبة، أسرارًا إلهية. ولكي نوضح ما قد تتعرض له هذه الفكرة من سوء فهم، لنعط مثالا بسيطا: إذا سألت شخصا ما، بعد عملية حمل مباشرة، عن جنس الجنين، وما إذا كان ذكرا أم أنثى، فسيكون جوابه: هو الله أعلم بذلك. أما اليوم، وبفضل العلم، فقد صار بالإمكان التدخل في شريط الصبغيات، وفي مورثات الجنين، لتفادي أي ولادة مشوهة أو إعاقة - وحوار هابرماس وبيتر سلوتردايك الشهير دليل على ذلك. ويجري ذلك التدخل، من خلال عملية زرع مبكرة، واستئصال أي مورثات قد تكون مسؤولة، في المستقبل، عن أي تشوهات. أما على مستوى المادة، فقد صار العلم قادرا على تحرير الطاقة الكامنة فيها، والتحكم فيها. ولم يقف العلم عند حدود التحكم في الجسد والطبيعة والمادة، بل هناك أبحاث للتحكم في المستقبل، في مجال تكنولوجيا الـ«نانو» التي أحدثت ثورة في عالمنا المعاصر. كل هذه الممكنات التي أصبحت العلوم الحقة قادرة عليها، قد تجعل بعض الغرور، أو بعض السذاجة، يتسرب للإنسان ليشكك في قيمة الفلسفة أمام قوة العلم التقنية. هذا القول يصبح مدعاة للسخرية، حينما نعيد التذكير بأن منجزات العلم النظرية والتقنية، إذا ما قورنت بمنجزات الفلسفة، قد تصير من دون أية قيمة عملية للناس في حياتهم اليومية. فالعلم القادر على التحكم في المادة والجسد، قد يصير عاجزا عن الإجابة عن أبسط وأعمق الأسئلة التي يطرحها الإنسان العادي بشكل يومي. فسؤال الحب، والعدالة، والحرية، والديمقراطية والموت، والخير، والشر، هي من بين أسئلة كثيرة يكون العلم إزاءها عاجزا. وهي الأسئلة التي نطرحها بشكل يومي، سواء كنا كبارا أو صغارا أو شيوخا. فإذا استحضرنا طفلا عمره ثلاث سنوات مثلا، يهتم به والداه، فإن هذا الاهتمام العائلي، والحب والتقدير، ينتقل في حالة ولادة أخ صغير، إلى المولود الجديد، مما يجعل المولود الأول يقوم بتصرفات وسلوكيات عدائية غايتها في العمق، المطالبة بحقه في الحب والتقدير والاهتمام. وفي غياب معرفة توجه التربية داخل الأسرة، نجد أن أغلب الآباء، يلجأون إلى العنف والترهيب، كجواب بسيط على ذلك. كما أن سؤال الحب يصبح مطروحا بشدة لدى المراهقين والمراهقات. إذ تسود بينهم حالات الإحباط والتوحد والانطوائية، فيلجأون إلى وسائل الاتصال الحديثة من أجل تشييد عوالم تستجيب لحاجاتهم النفسية والوجدانية والعقلية. كما يخلقون فضاءات لمناقشة القضايا التي تعتبر تابوهات لا يسمح لهم الفضاء الأسري والمجتمعي والمؤسساتي بمناقشتها علانية. ولا يتوقف طرح سؤال الحب عند مستوى الصغار والمراهقين، بل يطرحه العجائز كذلك. فكم من مرة نلتقي عجوزا وقد وفر له أبناؤه كل ما يحتاج إليه، أو تكفلت الدولة بذلك. لكنه رغم كل شيء يشتكي. وحين تواجهه بأن كل ما يحتاج إليه متوفر، يجيبك متحسرا «آه، إنني لا أحتاج فقط للمال والأكل والشرب، بل أحتاج لمن يتحدث إلي ويهتم بي»؛ إنه في العمق، بحاجة إلى من يحبه ويعترف به كذات. ويحدث هذا مع باقي المطالب الأخرى، مما يعني أن أسئلة العلم، إذا قارناها بأسئلة الفلسفة، سنجد بينهما بونا شاسعا. فأسئلة العلم قد تكون مهمة لطلبة العلم في الكليات والمدارس، أو للعلماء في المختبرات، بينما أسئلة الفلسفة هي مهمة بالنسبة للجميع ويطرحها الجميع، بغض النظر عن مستواهم التعليمي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، لأنها أسئلة وجودية ويومية مرتبطة بالإنسان في كل زمان ومكان. ومن هنا، يمكننا أن نخلص إلى تعريف بعيد عن التعريف المعجمي للفلسفة، فنقول، إنها نشاط معرفي وعقلي يتيح للإنسان إمكانية أن يجيب ويفكر في الأسئلة التي لا يستطيع العلم أن يقدم له أجوبة حاسمة عليها. فمثلا، إذا كان العالم يستطيع أن يقدم لي صيغة صورية لجزيء الماء، باعتباره يتكون من الهيدروجين والأكسجين HO2، بحيث يسمح لي ذلك، سواء كنت في المغرب أو الرياض أو لندن أن أجد أن هذه الصيغة تنطبق على جزيء الماء، بغض النظر عن الزمان والمكان، فإن هذا العالم العبقري لا يستطيع أن يعطيني صيغة صورية للحب، بحيث يجعلني تطبيقها محبوبا أو عادلا أو حرا. من هنا، نكون في هذا العالم، بحاجة ماسة إلى الفلسفة، وبالضبط إلى «روح الفلسفة». فتعلم الفلسفة هو تعلم لتاريخها وللفلسفات والأنساق الفلسفية التي عرفها هذا التاريخ. وهذه العملية، لا تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد ما دامت الكتب والمراجع متوفرة. فإن كنت سأتعلم الفلسفة لأقضي حياتي في القول، «قال أرسطو وقال أفلاطون وديكارت وكانط وهيغل وابن مسكويه والفارابي وابن رشد...» فسأظل بعيدا كل البعد عن الفلسفة. والفلسفة التي أتحدث عنها هنا، هي تلك الروح الفلسفية الثاوية في قلب كل الأنساق الفلسفية، بحيث تكون العودة لما كتبه الفلاسفة ليس من أجل الإقامة فيه وإعادة إنتاجه، بل لنتعلم كيف فكّر هؤلاء في قضايا الإنسان، كالحب، والعدالة، والديمقراطية، والجمال، والخير، والشر، والموت وغيرها.
تبدأ الفلسفة إذن، حينما تصبح لدينا القدرة على المخاطرة بالتفكير في قضايانا، لا كما فكّر فيها هؤلاء الفلاسفة العظام في لحظتهم، بل كما نختار نحن في حاضرنا وحسب حاجاتنا. هنا تكون روح الفلسفة طاقة تحريرية تجعلنا متحررين من كلمتين خطيرتين عبر التاريخ وفي حياتنا اليومية، وهما «قال وسمعت / وأحسست». فـ«قال وسمعت»، تحيل على الآخرين وعلى الغير، سواء كان فردا أو جماعة أو آيديولوجية. وقد علمنا التاريخ وتعلمنا الحياة اليومية، أن الآخرين ليسوا مصدرا موثوقا دائما للمعرفة. فهم قد يضللوننا، وقد يحرفون ويزيفون المعارف التي ينقلونها لنا، إن كانت قابلة فعلا للنقل. فكم من مرة اعتمدنا فيها، فقط، على ما يقال لنا أو سمعنا عن شخص ما أو حادثة ما، وتصرفنا بحسب ما سمعناه أو قيل لنا. وبعد مرور ردح من الزمن، نكتشف أننا كنا مخطئين في أحكامنا، أو في سلوكياتنا، التي سلكناها حسب ما قيل لنا وسمعنا. فعبارات «أحسست وبدا لي»، تحيل على الانطباعات الأولية التي نكوّنها دائما عن الآخرين، وعن ظواهر العالم، بفعل العادة والتكرار. فنميل بسرعة، إلى تكوين حكم أو رأي أو موقف انطلاقا مما يظهر لنا، ونتناسى أن الحواس والانطباعات خادعة. وقد وقع ذلك مع البشرية حينما اعتقدت لقرون، أن الأرض التي تدور ثابتة وهي مركز الكون. إذن هنا مرة أخرى، تكون الفلسفة مهمة ليس كمادة تعليمية أو معرفة يمكن أن نتبجح بمعرفة متونها، بل مهمة لأن الروح الفلسفية التي تمنحها لنا، تجعلنا قادرين على مواجهة كل أشكال التضليل التي نحن عرضة لها في هذا العالم، سواء من طرف الآخرين أو من طرف حواسنا وانطباعاتنا. وهنا نستحضر ما قام به بيكون في أرغانونه الجديد، حينما حذرنا من الأوهام التي تحيط بنا، ومن بينها الأوهام التي تدفعنا إلى سرعة التعميم والحكم، وكذلك أعمال رونيه ديكارت.
يحضرني في هذا السياق، سؤال آخر: متى يمكننا أن ندرك بأننا شرعنا في التفلسف وفي امتلاك هذه الروح الفلسفية؟ هل معرفتنا وحفظنا للمتون الفلسفية وإعادة ترديدها، كاف لإدخالنا إلى رحاب الفلسفة؟ أم أن التفلسف والروح الفلسفية شيء آخر؟
أعتقد أن الفلسفة تبدأ حينما نقرأ كل ما كتبه الفلاسفة العظام ونحاوره. وحينما نتمكن من التحرر منه، وتصبح لدينا القدرة على إنتاج موقف خاص بنا، حول القضايا نفسها التي فكر فيها الفلاسفة العظام ذاتهم. آنذاك، نكون قد شرعنا في التفلسف وفي امتلاك هذه الروح الفلسفية. فالقيام بهذه الخطوة الأولى، أي التخلص مما قاله الفلاسفة وإعادة إنتاجه حرفيا، هو المدخل الأساسي للفلسفة. ولا يمكن القيام بهذه الخطوة، إلا بإعادة تملك عقولنا الخاصة واستعادتها من هيمنة الآخرين، ومن هيمنة الانطباعات والأحاسيس الأولية التي قد تضللنا. وهنا نتذكر التعريف الشهير لإيمانويل كانط لمفهوم التنوير. فغاية الروح الفلسفية، هي تعليم طريقة خاصة في التفكير. والتفكير هنا نوع من المخاطرة، لأنه يحتاج إلى الشجاعة اللازمة للإقدام عليه. وهو مخاطرة بالمعنى اليوناني وبالمعنى الكانطي، لأنه يتطلب منا بذل المزيد من الجهد للتخلص من كل ما ترسخ لدينا من انطباعات، ويضعنا في مواجهة كل ما تلقيناه من الآخرين، الذين يعتبرون ما قدموه لنا نوعا من الهبة أو الدين الذي يقتضي منا الخضوع والطاعة والسير على نهج حدد سابقا. فنكون بذلك، مجبرين على الاختيار واتخاذ القرار كما يقرر الآخرون ويسلكون. لذلك تكون الفلسفة هنا، أو «روح الفلسفة»، كما أحب أن أسميها مع تلامذتي في الفصل، أحيانا، موجهة لنا، فتتيح لنا هذه الروح الفلسفية أن ندافع عن هذا الحق في المخاطرة بالتفكير، مما يمنحنا وجودا مختلفا. وكل تخلّ عن هذا الحق في المخاطرة، هو تخلّ منا عن حقنا في الاختلاف، وعن حقنا في العيش بالأسلوب الذي نقرره ونعزم عليه. فكما تحتاج الحرب إلى الشجاعة والشرف في اليونان القديمة، بحيث يبارز المحارب خصمه ندًا لند، فالتفكير أيضًا، هو نوع من فن الحرب، بحيث يتيح لنا أن نواجه وأن نخاطر في مواجهة القديم الذي يسكننا ويعيقنا في الحاضر ندًا لند، بحيث تبزغ الذات وتنبثق من حماة الحشد، مطالبة بحقها في أن تكون في العالم متفردة ضد ثقافة الجموع.



رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس
TT

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.

وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).

واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

والاس (يساراً) وبوروز (في صورة غير مؤرخة) (المصدر: أسوشييتد برس)

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».

في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).

بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.

بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.

في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.

وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».

أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

مايك والاس

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.

بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!

جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث


فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
TT

فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته

تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، نواحي شمال مدينة أريحا. أُطلق على هذا الصرح اسم «الخربة» التي خرج منها، ثم اشتهر باسم «قصر هشام»، وأهم معالمه سجادة فسيفسائية ضخمة تزيِّن أرض حمّامه الكبير، توصف بـ«أكبر فسيفساء في العالم». تمتد على مساحة 835 متراً مربعاً، وتتألف من مجموعة خانات فسيفسائية مترابطة، تشكِّل كلها، بعضها مع بعض، أرضيّة جامعة.

حافظت هذه الفسيفساء على مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التوثيقية التي التُقطت عند اكتشافها في الثلاثينات.

كيف نجت هذه السجادة من الخراب؟ وكيف خرجت مكوّناتها من بين الردم بشكلها الأصلي؟

في الواقع، أظهرت الدراسات العلمية المتأنية أنَّ الموقع شُيّد في عهد هشام بن عبد الملك، واستمرَّت حركة البناء فيه بعد رحيل الخليفة، إلى أن تعرَّضت المنطقة لزلزال كبير خلال عام 746، فتهاوى القصر إثر هذا الزلزال، إلا أن الأتربة والأنقاض المتراكمة حفظت أرضياته الفسيفسائية، وشكّلت لها ستاراً واقياً.

في عام 1959، نشرت جامعة أكسفورد دراسة شاملة تناولت هذا الموقع الأثري الأموي، وحملت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء».

في هذا الكتاب المرجعي، قدَّم العالم البريطاني روبرت هاملتون دراسةً تحليليةً شاملةً تناولت أرضيات القصر الفسيفسائية، وحوت رسوماً توثيقية خاصة بهذه السجادات شكّلت أساساً لدراسة هذا الأثر الفريد.

عُرف «قصر هشام» في الميادين الخاصة بعلم الآثار، واقتصرت شهرته على هذه الميادين. في عام 1994، عاد اسم هذا القصر إلى الواجهة الإعلامية بعد نقل صلاحيات إدارته إلى السلطة الفلسطينية، وسارعت دائرة الآثار الفلسطينية الوليدة إلى العمل على تأهيله وإحيائه بالتعاون مع «اليونيسكو»، و«معهد الآثار الفرنسيسكاني»، وأجرت مسحاً طوبوغرافياً جديداً للموقع، وأنشأت معهداً لترميم الفسيفساء بدعم من الحكومة الإيطالية في عام 1999. بعدها، نظفت دائرة الآثار هذه الفسيفساء ونقّتها وثبّتتها خلال عام 2010، ثم قيّمت حالة حفظها وصيانتها. في تلك الحقبة، قام الباحث الفلسطيني حمدان طه بحملة لتصوير هذا الأثر الكبير بالتعاون مع فريق محلّي ضمّ 4 علماء من فلسطين، وفي عام 2015، نشر مجلداً خاصاً بهذه الفسيفساء، حوى عرضاً توثيقياً شاملاً لمكوّناتها.

كشفت وزارة السياحة الفلسطينية عن فسيفساء قصر هشام لفترة وجيزة عام 2010، ثم أعادت طمرها بغية الحفاظ عليها، وأعادت الكشف عنها استثنائياً في عام 2016، بحيث أصبحت متاحةً للسياح والزوار لمدة شهر واحد فقط. بعدها، عقدت الوزارة اتفاقاً مع «الوكالة اليابانية للتعاون الدولي» لترميم الموقع وتحديثه وتجهيزه، وأثمر هذا الاتفاق عن إعادة الكشف عن الفسيفساء في خريف 2021، بعد تأمين كل السبل لحمايتها، وبلغت تكلفة هذا المشروع 12 مليون دولار. أُقيم فوق هذه الأرضية سقف واقٍ، جاء على شكل قبة معدنية تغطّي أرضية الفسيفساء، وشُيّد هذا السقف فوق 4 قواعد رئيسية مثبتة في الزوايا. وجرى تأمين ممرات داخلية للدخول إلى الموقع، مع مسارات علوية للزوار والسياح، استناداً إلى المعايير الدولية المتبعة في تنظيم مسألة الحفاظ على الآثار. هكذا تحوَّل قصر هشام إلى موقع سياحي مفتوح، بعدما كان على مدى عقود من الزمن موقعاً أثرياً يعرفه أهل الاختصاص فحسب.

تتكوَّن هذه الفسيفساء الضخمة من 38 خانة مترابطة، ووفقاً للدراسة التي أنجزها روبرت هاملتون، تتبنّى هذه الخانات 7 أنماط تصميمية، شكّلت أساساً لتأليف فسيفساء الحمّام الملكي. تتوسّط هذه الفسيفساء الضخمة سجادة دائرية بديعة تحت القبة المركزية، وتتكوّن من مجموعة أقواس متداخلة تشع من الوسط في اتجاه الخارج. يحوي تأليف الفسيفساء الجامع 4 سجادات دائرية أصغر حجماً، تقع كل منها بين 4 أعمدة. تشكّل هذه السجادات الدائرية الـ4إطاراً مربّعاً يحيط بالسجادة الكبيرة التي تحتل مركز الوسط، وتحوي كل منها شبكة من التصاميم الدائرية تبدو كأنَّها خيوط منسوجة. كذلك يحوي هذا التأليف الجامع سجادتين مستطيلتين، تقع إحداهما عند مدخل القاعة الشرقية، والأخرى في الجانب الجنوبي. ثمة سجادات مستطيلة أخرى تزينها زخارف مجدولة.

من جهة أخرى، يحوي هذا التأليف 3 سجادات طويلة تشكِّل إطاراً له، وتحدّ هذا الإطار سلسلة من الحنيات تماثل المحاريب، زيّنت كل منها بتأليف خاص، ومنها ما زُيِّن بزخارف نباتية مجرّدة، ومنها ما زُيِّن بزخارف تحاكي ما تُسمّى بـ«أشكال قوس قزح». تجاور إحدى هذه الحنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتفرّد بصورة ثنائية في وسط عتبتها تمثّل سكيناً وفاكهة على شكل عنقود من العنب.

وصف روبرت هاملتون خصائص كل لوحة من ألواح هذه الأرضية، وقارنها بالأمثلة التي سبقتها زمنياً في الشرق الأوسط، وأظهرت هذه المقارنة متانة تأليف فسيفساء «قصر هشام»، ودقة أسلوبها الهندسي الذي تميّزت به بشكل خاص. لا يشكّل هذا الأسلوب التجريدي الهندسي خصوصيّة أمويّة، إذ نقع على كنائس محلية من العهد البيزنطي تعتمد هذا الأسلوب، منها على سبيل المثل كنيسة تُعرف بـ«الكنيسة الشمالية»، في موقع «اليصيلة» الأثري شمال الأردن، على بعد نحو 9 كيلومترات إلى الشرق من مدينة إربد. تعود هذه الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي، وتزيِّنها أرضية فسيفسائية تخلو من أي عناصر تصويرية آدمية وحيوانية، وتعتمد التقاسيم الهندسية البحتة. تتبنّى فسيفساء قصر هشام هذا الطراز، وتتميّز بضخامتها وبتأليفها المسبوك.

توقَّف روبرت هاملتون أمام الصورة الثنائية التي تحضر استثنائياً في إحدى حنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتمثّل بسكين وفاكهة على شكل عنقود من العنب، فرأى هذا العالِم البريطاني أنِّ هذه الصورة الثنائية ترمز إلى ثنائية الذكر والأنثى، وتشير إلى الولادة، وهي تختزل رمزيّاً اسم الخليفة الوليد. في المقابل، دحض غازي بيشة هذه القراءة التأويلية في كتابه «القصور الأموية في الأردن» الصادر سنة 1974، وأشار إلى حضور هذه الصورة الثنائية في كثير من الأرضيات الكنسية الأردنية، ورأى أنَّها تشكِّل في العالم البيزنطي رمزاً للخصوبة والعطاء والازدهار.


أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

اوكتافيو باث
اوكتافيو باث
TT

أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

اوكتافيو باث
اوكتافيو باث

لم تكن باريس في ستينات وسبعينات القرن العشرين مجرد مدينةٍ أوروبيةٍ، بل كانت «المِرجلَ» الذي انصهرت فيه طموحاتِ أدباء أميركا اللاتينية، لتولد من رحمِ غربتها «طفرة» أدبيةً أعادت صياغة الخريطة الروائية العالمية. لقد شكّل عمالقةٌ من أمثال غابرييل غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وخوليو كورتاثار، وكارلوس فوينتس، مجتمعاً أدبياً متوقداً، حوّل شوارع «مدينة الأضواء» إلى ساحاتٍ للتجريب والتمرد الفكري، فتحولت باريس إلى المَهد الذي احتضنَ «طفرة» الأدب اللاتيني.

ماركيز

ومن القامات التي سكنت ضفاف «السين» وتميز كل واحد منهم عن الآخر: ماريو فارغاس يوسا (البيرو)، ففي كنف باريس، وبين جدران وكالة الصحافة الفرنسية، تفتحت موهبته لتثمر «مدينة الكلاب»؛ الرواية التي دوّت في الآفاق وأعلنت ميلاد كاتبٍ سيغير وجه الرواية الحديثة. وغابرييل غارسيا ماركيز (كولومبيا)، الذي قاسى في باريس شظف العيش وفقرَ البدايات، لكنه في رحم هذا الفقر، استلهمَ خيوط ملحمته الخالدة «مائة عام من العزلة»، محولاً عزلته الباريسية إلى كونٍ سحريٍّ لا ينسى. وهناك خوليو كورتاثار (الأرجنتين)، الذي اتخذ من باريس مستقراً أبديّاً منذ الخمسينات، وفي أزقتها ودروبها المتاهية، نسج تحفته «الحجلة» (Rayuela)، التي جعلت من المدينة بطلةً حقيقيةً في سياقٍ من الغرائبية والعبث. وكارلوس فوينتس (المكسيك)، الذي كان الجسرَ الحيّ الذي يربط أدباء القارة ببعضهم البعض، وحلقة الوصل التي عززت حضورهم في المشهد الأدبي العالمي.

أوستورياس

أيقونات ثقافية

لم تكن إقامة هؤلاء العمالقة عشوائية، بل تمحورت حول مساحاتٍ صارت أيقوناتٍ ثقافية: الحي اللاتيني؛ القلب النابض الذي ضخَّ الحياة في عروق إبداعهم، حيث تلاقت الأفكار فوق موائد المقاهي العتيقة. ومكتبة «شكسبير وشركاه»: الملاذ الذي احتضن أرواح المغتربين، وظلَّ حتى يومنا هذا منارةً تجمع المبدعين من كل فجٍّ عميق. وفندق «لويزيانا»: الشاهدُ الصامتُ على بداياتهم المتواضعة، حيث كان الفندقُ «محطةَ انتظار» قبل أن يحلقوا في سماء العالمية ويذيع صيتهم في الآفاق.

كانت باريس «المسافة» الضرورية التي منحتهم موضوعيةً قاسيةً لرؤية أوطانهم بوضوح؛ فمن بُعدِ كيلومتراتٍ طويلة، اكتشفوا جوهر هويتهم اللاتينية. ولم يكن هذا التماسّ الأدبي محض صدفة، بل دعمته مؤسسات نشرت إبداعهم (مثل دار «غاليمار»)، مما فتح أمامهم أبواب العالمية. وفي خضمِّ هذا العطاء، لم تخلُ مسيرتهم من دراما إنسانية؛ حيث تحولت علاقاتهم من صداقاتٍ أخويةٍ وطيدة إلى خلافاتٍ أيقونية كالعراك الشهير بين يوسا وماركيز عام 1976، لتصبح هذه المواقف جزءاً من الأسطورة التي أحاطت بـ«طفرة» الأدب اللاتيني.

في كتابه المثير للدهشة تحت عنوان «أنوار الوطن: قرنٌ من أدباء أميركا اللاتينية في باريس»، يجسّد مؤلفه جايسون فايس، بأسلوبٍ يجمع بين الرصانة الفكرية والعمق البلاغي، مفارقةً فلسفية عميقة؛ وهي معادلة الإبداع في المنفى والغربة، فالوطن الذي غادره هؤلاء الكُتّاب قسراً أو طوعاً، لم يغب عنهم، بل استحال «نوراً» داخلياً يُضيء عتمة المنفى، ومنح نصوصهم بريقاً لا يضاهى. يمكننا تأمل هذه العلاقة من عدة زوايا أدبية وروحية: المنفى كمرآة للذات: حين يبتعد المبدع عن جغرافيا وطنه، يكتشف أن الوطن ليس مجرد تضاريس، بل هو لغة وذكريات وإيقاع نفسي. باريس هنا لم تكن مجرد مدينة أوروبية، بل كانت «المرآة» التي انعكس فيها الوطن بوضوح أكبر. ففي الغربة، يزداد الحنين حدةً، وتتحول الصور الباهتة للأرض الأم إلى مشاهد نابضة بالحياة في أعمالهم الروائية.

يأتي بعد ذلك، تلاقح الحضارات (التثاقف)، بكون باريس «مختبراً عالمياً» للأفكار، منحت هؤلاء الكتّاب أدواتٍ حداثية، وتقنيات سردية متطورة، لكنهم لم يذوبوا فيها. لقد كان نجاحهم يكمن في «التهجين الأدبي»؛ حيث صهروا عبثية باريس، وفلسفتها، وتاريخها، مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية، فخرج إلينا أدبٌ عالميٌّ بامتياز، مُحمّلٌ بروحٍ محليةٍ غائرة في القدم. لذلك أصبحت باريس بوصلة النجاح التي توثق «محطة الوعي»؛ فبمجرد أن يُقرأ الكاتب اللاتيني في باريس، أو يُترجم عبر دور نشرها العريقة، فإنه يحصل على اعترافٍ دوليٍّ يُعيده إلى وطنه بطلاً أدبياً، ويمنحه شرعية العبور إلى العالمية. وهكذا تحولت باريس إلى «جسرٍ» يربط بين هوامش أميركا اللاتينية ومركزية الثقافة العالمية. وفي هذا المجال، لو غصنا في تجربة كتّاب وأدباء أمثال ماريو فارغاس يوسا، أو غابرييل غارسيا ماركيز، أو خوليو كورتاثار، نكتشف أن هؤلاء حملوا «أنوار أوطانهم» ليضيئوا بها سماء باريس، وتمسكوا بلغتهم الأم، وكذلك كتّاب آخرون «يتنفسون» المدينة (مثل كورتاسار وفارغاس يوسا). هؤلاء الأخيرون بقوا أوفياء للغتهم الأم (الإسبانية)، لكن باريس عملت في نصوصهم كـ«مُحفّزٍ سريالي». وصول فارغاس يوسا إلى الأكاديمية الفرنسية - وهو الذي يكتب بالإسبانية - هو اعترافٌ فرنسي بأن «الأدب اللاتيني» قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من صيرورة الثقافة العالمية. ولكن هناك مَن تحول إلى الكتابة بلغة الآخر؛ أي هؤلاء الذين اتخذوا من «لغة موليير» جسراً ليعبروا فيه عن ذواتهم المهاجرة، إذ قامت النقاشات حول «المثقف المهاجر» و«اللغة كوطن بديل». إن هؤلاء الكتاب، الذين اختاروا الفرنسية، لم يكتفوا بكونهم «مترجمين» لذواتهم، بل تحولوا إلى «مبدعين» استلهموا من روح اللغة الفرنسية هيكلاً جديداً لأفكارهم، مما يثري مشهد الأدب العالمي أمثال إدواردو مانيت الذي عانى تجربة المنفى القسري، وروايته «الغرباء»، وهيكتور بيانشوتي من ضفاف الأرجنتين إلى قبة الأكاديمية، يعتبر بيانشوتي حالة استثنائية؛ فهو لم يكتفِ بالكتابة بالفرنسية، بل صعد سلّم الاعتراف الثقافي الفرنسي حتى نال مقعداً في «الأكاديمية الفرنسية». وراؤول دامونتي بوتانا والمعروف بالاسم المستعار كوبي الذي يُعتبر تجسيداً للتمرد السريالي.

ثمة لحظةٌ فارقةٌ في حياة المبدع، حين يجد نفسه واقفاً على أعتاب مدينةٍ ليست مدينته، يقتات من ذكرياتِ أرضٍ باتت بعيدة، ويكتبُ بلغةٍ قد لا تكون لغته الأم، أو يكتبُ عن وطنٍ يراه بوضوحٍ أكبر كلما زادت المسافة. هذا ما تعبّر عنه تجربة أدباء أميركا اللاتينية في باريس، التي تتقاطع مع حكاية أولئك المبدعين الذين اختاروا «الفرنسية» موطناً لأقلامهم، ليشكلا معاً لوحةً فريدة لـ«إنسان الغربة».

على الجانب الآخر، نجد تلك الكوكبة التي اختارت الفرنسية لغةً للإبداع، مثل كونديرا وماكين ويونسكو. إذا كان أدباء أميركا اللاتينية قد لجأوا لباريس ليحفظوا «ذاكرة الوطن»، فإن هؤلاء المبدعين لجأوا إلى «اللغة الفرنسية» ليجدوا «وطناً للروح»، إذ إن اختيار اللغة ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو قرارٌ فلسفيٌّ بتفكيك الهوية وإعادة بنائها. فعندما يكتب المرء بلغةٍ غير لغته الأم، فهو لا يكتبُ فقط، بل هو يتخلص من زوائد المألوف، ويصل إلى جوهر الفكرة دون أن تعيق حركة خياله قيودُ التراث والنشأة.

لم يكن أدباء أميركا اللاتينية في باريس - مثل غارسيا ماركيز أو خوليو كورتاثار - يكتبون عن باريس التي كانت بالنسبة لهم «مختبراً» للنضج، ومكاناً يمنح الكاتب المسافة اللازمة لرؤية وطنه بـ«عدسةٍ كونية»، بل إنهم كانوا يفرون من أتون السياسة والاقتصاد، ليجدوا في المقاهي الباريسية صومعةً لترميم الذات، حيث يمتزج صخب السريالية الفرنسية بواقعية أميركا اللاتينية السحرية، ليصنعوا أدباً يفوح برائحة الغابات الاستوائية في أزقة مدينة الأضواء. في كلتا التجربتين، تظهر باريس ككائنٍ حيّ، كما وصفها الأدباء الآخرون: «الملاذ»، «العيد»، «اللعوب» و«الفاتنة»، و«الواحة» التي تمنحهم الحرية لتأكيد ذواتهم أو بالأحرى الجسر الذي يربط بين «تخوم العالم» و«مركزه»، والامتزاج بين الحنين والمجهول.

يوسا

إن هؤلاء المبدعين - سواء كانوا لاتينيين يحملون إرث القارة البعيدة، أو «مهاجرين لغويين» اختاروا فرنسية النص - يؤكدون على شيءٍ واحدٍ هو أنّ الإبداع لا يعترف بالحدود الجغرافية، و«الوطن» الحقيقي ليس رقعة أرضٍ نولد عليها، بل هو تلك المساحة الرحبة من الحرية التي يصنعونها بأنفسهم عبر استحضار ذكريات الماضي أو عبر استنطاق لغةٍ جديدة.

لقد أثبت هؤلاء أنَّ الكاتب، حين يغترب، لا يضيع بالضرورة، بل يجد صوته الحقيقي في أصداء الصمت، ويحول ألمه الشخصي إلى «أنوار» تضيء دروب القراء في كل زمان ومكان. ويمكن للكاتب أن يكون «مغترباً» حتى داخل لغته الأم، وأنَّ الإبداع الحقيقي لا يولد إلا في المسافة الفاصلة بين الانتماء والرحيل بفعلِ تلاطم أمواجِ الأزمات السياسية، والاختناقات الثقافية، والانهيارات الاقتصادية في أوطانهم، لذلك وجد أدباء أميركا اللاتينية ملاذاً في الهجرة إلى باريس التي لطالما كانت قبلةَ المنفيين والمغضوب عليهم كأنهم يشتركون في «سيرة جماعية» للإبداع، متجذرةً في تربة أوطانهم الأولى رغم الغربة.

لم يقف هؤلاء الأدباء عند حدود الجدل الأدبي التقليدي بين «الفانتازيا» و«الغرائبي»، بل غاصوا عميقاً في نقد «صنمية السلعة» التي تلتهمُ الإبداع. وقد تم توثيق ذلك من خلال محاوراتهم وجدلهم وشتات رسائلهم، ومذكراتهم. وكانت بينهم مظلاتٍ إنسانية مشتركة؛ كالدبلوماسية، أو النزوح القسري، أو التجاوز الجنسي، أو حتى التغرب في لغةٍ أخرى (الفرنسية). ومع كل تلك الاختلافات بينهم إلا لأنّ ثمة «نغمة خفية» توحدُ بين أدباء أميركا اللاتينية، وهي حالة لم تعرفها الأمم المهاجرة الأخرى في باريس التي تحولت قنديلاً يُضيءُ طريقهم نحو إعادة اكتشاف هويتهم اللاتينية.

سوبولفيدا

هؤلاءَ العمالقة صاغوا تاريخ باريس «الهسباني»: كورتاسار، ساردوي، أستورياس، كاربنتيير، ريبيرو، بريس إيشينيكي، فارغاس يوسا، وغارسيا ماركيز، أوكتافيو باث، وأليخاندرا بيزارنيك وغيرهم، نرى في أعمالهم مختلف التأثيرات، ومنها «التأثيرات السريالية في روايات خوليو كورتاثار» أو «تمثيلات الغربة في أدب ماريو فارغاس يوسا»، و«خبايا» إقامتهم في باريس. وهناك أسماء أدبية نسوية مهمة، وفي مقدمتهن لويزا فوتورانكس، التي حظيت بترجماتٍ إنجليزية بارعة. ولا يمكن إهمال رؤية تأثير الثورة الكوبية على تنامي الاهتمام الأوروبي بأميركا اللاتينية، وحضور أسماء أدبية مهمة في جلسات المقاهي الباريسية.

يُشكّل وجود هؤلاء الأدباء في المنفى، تجسيداً لـ«ظاهرة باريس» كمركز ثقلٍ أبدي في حياة النخبة المثقفة في أميركا اللاتينية. وبينما لا يزال بعض النقاد يشككون في قدرة باريس على الاحتفاظ بهيبتها الأدبية لكنها كانت آنذاك كـ«مختبرٍ وجودي» صقل «تحول أميركا اللاتينية» من مجرد ملاذٍ للمنفيين إلى فضاءٍ فكري، كما دمجوا في أعمالهم، وهذا هو التأثير الأهم في كتابتهم، التحليل النفسي وما بعد البنيوية، بل إن هؤلاء الأدباء المغتربين من أميركا اللاتنية حولوا اغترابهم إلى نصوصٍ عابرة للحدود، تعيد خلق الوطن من رحم العدم. في الختام، نتساءل: هل كان من الممكن أن يحدث هذا التحول الفلسفي في أعمالهم ووصوله إلى العالمية دون التماسّ مع باريس؟

صهروا عبثية باريس وفلسفتها وتاريخها مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية