يعتبر الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، الذي رحل منذ أيام (1926 - 2016) أيقونة عالميّة شديدة السطوع، رغم العداء الشديد الذي واجهته به عبر عشرات السنين أدوات الدعاية الأميركية وأجهزتها الاستخبارية، وهكذا كان على زعيم نصف الجزيرة الثائرة التي تسبح في حديقة واشنطن الخلفيّة أن يعيش في ظل حصار دائم، شيطن بدأب كل محاولات التقرب من الزعيم الكاريزمي حتى وصل الأمر إلى حد التهديد بالحرب النووية في مرحلة من المراحل. لكن رجلاً واحدًا تحدى كل محاولات الحصار هذه كل الوقت، مستمرًا في الدفاع عن كاسترو وثورته حتى آخر أيامه، وبقي وفيًا لصداقته حتى وهو على مائدة رئيس الدولة العظمى. إنه الروائي الكولومبي الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز (1927 - 2014)، حائز جائزة نوبل للآداب (1982)، وأعظم من كتب بالإسبانيّة منذ سيرفانتيس.
نجح الأميركيون في عزل كوبا وإبعاد الأصدقاء من حولها. حتى خروتشوف الزعيم الروسي المتهور اضطر في النهاية إلى سحب الصواريخ السوفياتية التكتيكيّة من كوبا وكان مستعدًا لمبادلة (الورقة) الكوبيّة بأوراق أقرب لحدود الاتحاد. أما الأدباء والروائيون - حتى اليساريين منهم - فقد كانوا الأسرع في التخلي عن كوبا وعن شعبها، وتحول أكثرهم إلى رأس حربة ضد النظام الجديد في هافانا. الاستثناء البارز كان فقط غابرييل غارسيا ماركيز الذي لم تثمر كل الضغوط عليه سوى مزيد من تمسك الروائي بصداقته للثوري الكوبي الملتحي، وبثورته، رغم النفس الانتقادي لبعض تعليقاته على أداء الدولة الكوبيّة بعد الثورة، الذي صار معلمًا بارزًا في كل كتاباته وتصريحاته عن كوبا لحين غيابه.
كان ماركيز - رائد ما عرف في الأدب اللاتيني المعاصر بالواقعية السحريّة - قد نشر في 1967 روايته الملحميّة «مائة عام من العزلة» التي عدّها البعض أفضل عمل أدبي كتب بالإسبانيّة منذ نشر «دون كيشوت» قبل أربعمائة سنة، فأثرت في أجيال متتابعة من الروائيين عبر العالم، وباعت ما يقارب 50 مليون نسخة في بعض التقديرات، وانتهت به متوجًا بجائزة الأدب الأرفع في العالم بعد عقد من ذلك. وبينما كان ماركيز يؤسس سمعته روائيًا عالميًا، لم يتردد في إظهار دعمه لكاسترو حتى بعد أن أيّد الأخير وبلا تحفظ الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا - وقتها -، فيما عرف لاحقًا بربيع براغ 1968.
علاقة ماركيز بكاسترو قديمة، تعود إلى أواخر الخمسينات من القرن الماضي عندما فتح الزعيم الكوبي الأبواب للصحافيين من كل العالم لحضور محاكمات الديكتاتور الكوبي المخلوع فيلجينسيو باتيستا على جرائم ضد المدنيين. في البداية، وقّع الصحافي الكولومبي الشاب على نداء من أجل الرحمة والتساهل مع المتهم - رفضته المحكمة الكوبيّة - ، لكنه ما لبث أن أعلن وقت إصدار الحكم النهائي عن اقتناعه بعدالة حكم المحكمة الثوريّة.
ما لبثت العلاقات أن توثقت بين الرجلين عندما كلفت السلطات الكوبيّة ماركيز، وبالتعاون مع زميل له في 1960 بتأسيس مكتب بوغوتا لوكالة أنباء أسسها الكوبيون لتكون إحدى وسائل مواجهة الضغوط الإعلامية الأميركيّة الهائلة، إذ انتقل ماركيز لفترة إلى مكتب هافانا للتدريب ليندمج هناك بالعمل ليلاً ونهارًا، حتى أنه لم يحتفظ بذكريات من هافانا الساحرة سوى شكل مكتبه وتفاصيل المصعد القديم في مقر الوكالة. وقد قال عن تلك الفترة من ساعات العمل الطويلة - بين المزاح والجد - : «إذا كان ثمة شيء سيكسر هذه الثورة، فإنه سيكون فاتورة الكهرباء».
كان ماركيز في نيويورك وقت محاولة الغزو الأميركيّة الفاشلة عام 1961 المعروفة بعمليّة خليج الخنازير، وقد تعرض للتهديد من قبل الأميركيين وكتب لاحقًا أنه كان في أسوأ مكان في العالم وقت الغزو، وما لبث أن غادر سريعًا إلى كوبا، لكنه سرعان ما استقال من وكالة الأنباء الكوبيّة تلك، بعد أن سيطر عليها الحزب الشيوعي الكوبي. رغم ذلك حافظ ماركيز على مسافة معقولة من النظام الكوبي، واستمر يحتفظ بمنزل له في هافانا منحه إياه الزعيم الكوبي، وكثيرًا ما التقيا لساعات طويلة يتحدثان عن السياسة والروايات ومستقبل كوبا. كان كاسترو كأنه روائي ضَلّ طريقه، فانتهى إلى العمل الثوري، بينما كان ماركيز كأنه ثوري ضَلّ طريقه فانتهى إلى الرواية والأدب!
ماركيز دعم مواقف كاسترو في معظم المراحل مع تدخلات نقديّة الطابع: فهو مثلاً توسط بشكل ما لإطلاق سراح هيربيرتو باديا، الكاتب الذي سجن في 1971 لمعارضته حكم كاسترو، ولم يكن راضيًا عن النظام السوفياتي الذي وصفه بأنه يشبه الاشتراكيّة على نحو أقل كل يوم، وذلك رغم تأييد كاسترو غير المحدود لحلفائه السوفيات. في 1975 كتب ماركيز مقالة هامة انتقد فيها افتقاد حرية التعبير في كوبا، لكنه أبدى ثقته من أن الأمور مقبلة على التحسن بحكم الدستور الذي تبناه الكوبيون.
استمر ماركيز في إزعاج الأميركيين بمواقفه الإيجابية من كوبا ومن كل الحركات الثوريّة في أميركا اللاتينية. وهو كتب ممتدحًا تكيّف الكوبيين المبدع مع الحصار الأميركي الخانق. وهكذا رغم شهرته العالميّة المتزايدة وفوزه الذي احتفى به العالم كله تقريبًا بجائزة نوبل للآداب في 1982، منع من الحصول على تأشيرات جديدة لدخول الولايات المتحدة حتى التسعينات، حينما رفع الرئيس كلينتون ذلك الحظر واستقبله في البيت الأبيض. لكن سطوة مائدة عشاء الرئيس الأميركي، لم تخفف من وفائه لصديقه كاسترو مدافعًا عن مواقفه بإصرار المحارب الشرس، كما دعا الرئيس الأميركي للاجتماع بالزعيم الكوبي والتفاهم معه مباشرة على حل المشكلات العالقة بين البلدين.
هذا الوفاء هو ما جعل قلب وأبواب الزعيم الكوبي مفتوحة دائمًا للروائي الشهير، حتى وهو يوجه الانتقادات لسياسات الزعيم وحزبه ونظامه.
وقد كتب عدة صحافيين أميركيين وأدباء مرتزقة يهاجمون ماركيز بسبب هذه العلاقة الخاصة بين الروائي العالمي والزعيم الثوري، وصدرت عدة كتب تصف تاريخ وأبعاد هذه العلاقة، منها كتاب «فيدل وغابو» لستيفاني بانشيللي، الذي صدر في 2009 قبل أعوام قليلة من وفاة ماركيز، وحاولت فيه المؤلفة التفريق بين شخصيات الروائي المعروف والصديق الشخصي والسفير السياسي عند ماركيز، والفصل بالتالي بين أفعاله في إطار تلك الأدوار المختلفة، داعية بذلك الجمهور الأدبي في أميركا إلى تقبل أعماله الروائية بمعزل عن مواقفه السياسيّة التي لا تتوافق مع المصالح الأميركيّة بالطبع. لكن هذه المحاولة بدت شديدة السطحيّة ومسيّسة وغير ذات صلة. فماركيز صحافي محترف صعد في أجواء ثوريّة ساندها بحكم فهمه للواقع في أميركا اللاتينية، وهو ذات الفهم الذي مكّنه من الكتابة عن هموم كولومبيا وأميركا اللاتينية بتلك الروح الواقعية - التي وصفت في الأوساط الأدبيّة بالسحريّة - . وعلاقته بكاسترو جزء من فهمه للعالم والتزامه بقضايا الإنسان في القارة المحكومة بجيرة الإمبراطوريّة العظمى. كان ماركيز قد امتنع عن الكتابة لعامين بعد انقلاب بينوشيه في تشيلي عام 1973 الذي أطاح بالرئيس اليساري المنتخب سيلفادور الليندي بتدبير من المخابرات الأميركية - وإن كان عاد عن قراره لاحقًا معتبرًا أن الكتابة فعل مقاومة - . وهو ما يشير إلى أن الروائي الراحل كان يستلهم أعماله من صداقاته الملتزمة وسفاراته العالميّة تمامًا، كما كان يستلهمها من أوجاع الفقراء في كولومبيا وأميركا اللاتينيّة الغارقة بالحروب الأهليّة والانقسام الطبقي والجريمة التي كان للأميركيين الشماليين يد فيها دائمًا، من قريب أو من بعيد.
غياب كاسترو الجمعة الماضي أغلق دائرة علاقة نادرة بين نجمين هائلين في سماء أميركا اللاتينية. علاقة يصعب أن تتكرر بين المثقف الثوري والثوري المثقف في زمان انتصار الإمبراطورية النهائي.
كاسترو وماركيز.. علاقة نادرة بين المثقف الثوري والثوري المثقف
الزعيم الكوبي الراحل بدا كأنه روائي ضل طريقه إلى العمل السياسي
ماركيز وكاسترو في أحد لقاءاتهما في العاصمة الكوبية ({الشرق الأوسط})
كاسترو وماركيز.. علاقة نادرة بين المثقف الثوري والثوري المثقف
ماركيز وكاسترو في أحد لقاءاتهما في العاصمة الكوبية ({الشرق الأوسط})
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


