كاسترو وماركيز.. علاقة نادرة بين المثقف الثوري والثوري المثقف

الزعيم الكوبي الراحل بدا كأنه روائي ضل طريقه إلى العمل السياسي

ماركيز وكاسترو في أحد لقاءاتهما في العاصمة الكوبية ({الشرق الأوسط})
ماركيز وكاسترو في أحد لقاءاتهما في العاصمة الكوبية ({الشرق الأوسط})
TT

كاسترو وماركيز.. علاقة نادرة بين المثقف الثوري والثوري المثقف

ماركيز وكاسترو في أحد لقاءاتهما في العاصمة الكوبية ({الشرق الأوسط})
ماركيز وكاسترو في أحد لقاءاتهما في العاصمة الكوبية ({الشرق الأوسط})

يعتبر الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، الذي رحل منذ أيام (1926 - 2016) أيقونة عالميّة شديدة السطوع، رغم العداء الشديد الذي واجهته به عبر عشرات السنين أدوات الدعاية الأميركية وأجهزتها الاستخبارية، وهكذا كان على زعيم نصف الجزيرة الثائرة التي تسبح في حديقة واشنطن الخلفيّة أن يعيش في ظل حصار دائم، شيطن بدأب كل محاولات التقرب من الزعيم الكاريزمي حتى وصل الأمر إلى حد التهديد بالحرب النووية في مرحلة من المراحل. لكن رجلاً واحدًا تحدى كل محاولات الحصار هذه كل الوقت، مستمرًا في الدفاع عن كاسترو وثورته حتى آخر أيامه، وبقي وفيًا لصداقته حتى وهو على مائدة رئيس الدولة العظمى. إنه الروائي الكولومبي الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز (1927 - 2014)، حائز جائزة نوبل للآداب (1982)، وأعظم من كتب بالإسبانيّة منذ سيرفانتيس.
نجح الأميركيون في عزل كوبا وإبعاد الأصدقاء من حولها. حتى خروتشوف الزعيم الروسي المتهور اضطر في النهاية إلى سحب الصواريخ السوفياتية التكتيكيّة من كوبا وكان مستعدًا لمبادلة (الورقة) الكوبيّة بأوراق أقرب لحدود الاتحاد. أما الأدباء والروائيون - حتى اليساريين منهم - فقد كانوا الأسرع في التخلي عن كوبا وعن شعبها، وتحول أكثرهم إلى رأس حربة ضد النظام الجديد في هافانا. الاستثناء البارز كان فقط غابرييل غارسيا ماركيز الذي لم تثمر كل الضغوط عليه سوى مزيد من تمسك الروائي بصداقته للثوري الكوبي الملتحي، وبثورته، رغم النفس الانتقادي لبعض تعليقاته على أداء الدولة الكوبيّة بعد الثورة، الذي صار معلمًا بارزًا في كل كتاباته وتصريحاته عن كوبا لحين غيابه.
كان ماركيز - رائد ما عرف في الأدب اللاتيني المعاصر بالواقعية السحريّة - قد نشر في 1967 روايته الملحميّة «مائة عام من العزلة» التي عدّها البعض أفضل عمل أدبي كتب بالإسبانيّة منذ نشر «دون كيشوت» قبل أربعمائة سنة، فأثرت في أجيال متتابعة من الروائيين عبر العالم، وباعت ما يقارب 50 مليون نسخة في بعض التقديرات، وانتهت به متوجًا بجائزة الأدب الأرفع في العالم بعد عقد من ذلك. وبينما كان ماركيز يؤسس سمعته روائيًا عالميًا، لم يتردد في إظهار دعمه لكاسترو حتى بعد أن أيّد الأخير وبلا تحفظ الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا - وقتها -، فيما عرف لاحقًا بربيع براغ 1968.
علاقة ماركيز بكاسترو قديمة، تعود إلى أواخر الخمسينات من القرن الماضي عندما فتح الزعيم الكوبي الأبواب للصحافيين من كل العالم لحضور محاكمات الديكتاتور الكوبي المخلوع فيلجينسيو باتيستا على جرائم ضد المدنيين. في البداية، وقّع الصحافي الكولومبي الشاب على نداء من أجل الرحمة والتساهل مع المتهم - رفضته المحكمة الكوبيّة - ، لكنه ما لبث أن أعلن وقت إصدار الحكم النهائي عن اقتناعه بعدالة حكم المحكمة الثوريّة.
ما لبثت العلاقات أن توثقت بين الرجلين عندما كلفت السلطات الكوبيّة ماركيز، وبالتعاون مع زميل له في 1960 بتأسيس مكتب بوغوتا لوكالة أنباء أسسها الكوبيون لتكون إحدى وسائل مواجهة الضغوط الإعلامية الأميركيّة الهائلة، إذ انتقل ماركيز لفترة إلى مكتب هافانا للتدريب ليندمج هناك بالعمل ليلاً ونهارًا، حتى أنه لم يحتفظ بذكريات من هافانا الساحرة سوى شكل مكتبه وتفاصيل المصعد القديم في مقر الوكالة. وقد قال عن تلك الفترة من ساعات العمل الطويلة - بين المزاح والجد - : «إذا كان ثمة شيء سيكسر هذه الثورة، فإنه سيكون فاتورة الكهرباء».
كان ماركيز في نيويورك وقت محاولة الغزو الأميركيّة الفاشلة عام 1961 المعروفة بعمليّة خليج الخنازير، وقد تعرض للتهديد من قبل الأميركيين وكتب لاحقًا أنه كان في أسوأ مكان في العالم وقت الغزو، وما لبث أن غادر سريعًا إلى كوبا، لكنه سرعان ما استقال من وكالة الأنباء الكوبيّة تلك، بعد أن سيطر عليها الحزب الشيوعي الكوبي. رغم ذلك حافظ ماركيز على مسافة معقولة من النظام الكوبي، واستمر يحتفظ بمنزل له في هافانا منحه إياه الزعيم الكوبي، وكثيرًا ما التقيا لساعات طويلة يتحدثان عن السياسة والروايات ومستقبل كوبا. كان كاسترو كأنه روائي ضَلّ طريقه، فانتهى إلى العمل الثوري، بينما كان ماركيز كأنه ثوري ضَلّ طريقه فانتهى إلى الرواية والأدب!
ماركيز دعم مواقف كاسترو في معظم المراحل مع تدخلات نقديّة الطابع: فهو مثلاً توسط بشكل ما لإطلاق سراح هيربيرتو باديا، الكاتب الذي سجن في 1971 لمعارضته حكم كاسترو، ولم يكن راضيًا عن النظام السوفياتي الذي وصفه بأنه يشبه الاشتراكيّة على نحو أقل كل يوم، وذلك رغم تأييد كاسترو غير المحدود لحلفائه السوفيات. في 1975 كتب ماركيز مقالة هامة انتقد فيها افتقاد حرية التعبير في كوبا، لكنه أبدى ثقته من أن الأمور مقبلة على التحسن بحكم الدستور الذي تبناه الكوبيون.
استمر ماركيز في إزعاج الأميركيين بمواقفه الإيجابية من كوبا ومن كل الحركات الثوريّة في أميركا اللاتينية. وهو كتب ممتدحًا تكيّف الكوبيين المبدع مع الحصار الأميركي الخانق. وهكذا رغم شهرته العالميّة المتزايدة وفوزه الذي احتفى به العالم كله تقريبًا بجائزة نوبل للآداب في 1982، منع من الحصول على تأشيرات جديدة لدخول الولايات المتحدة حتى التسعينات، حينما رفع الرئيس كلينتون ذلك الحظر واستقبله في البيت الأبيض. لكن سطوة مائدة عشاء الرئيس الأميركي، لم تخفف من وفائه لصديقه كاسترو مدافعًا عن مواقفه بإصرار المحارب الشرس، كما دعا الرئيس الأميركي للاجتماع بالزعيم الكوبي والتفاهم معه مباشرة على حل المشكلات العالقة بين البلدين.
هذا الوفاء هو ما جعل قلب وأبواب الزعيم الكوبي مفتوحة دائمًا للروائي الشهير، حتى وهو يوجه الانتقادات لسياسات الزعيم وحزبه ونظامه.
وقد كتب عدة صحافيين أميركيين وأدباء مرتزقة يهاجمون ماركيز بسبب هذه العلاقة الخاصة بين الروائي العالمي والزعيم الثوري، وصدرت عدة كتب تصف تاريخ وأبعاد هذه العلاقة، منها كتاب «فيدل وغابو» لستيفاني بانشيللي، الذي صدر في 2009 قبل أعوام قليلة من وفاة ماركيز، وحاولت فيه المؤلفة التفريق بين شخصيات الروائي المعروف والصديق الشخصي والسفير السياسي عند ماركيز، والفصل بالتالي بين أفعاله في إطار تلك الأدوار المختلفة، داعية بذلك الجمهور الأدبي في أميركا إلى تقبل أعماله الروائية بمعزل عن مواقفه السياسيّة التي لا تتوافق مع المصالح الأميركيّة بالطبع. لكن هذه المحاولة بدت شديدة السطحيّة ومسيّسة وغير ذات صلة. فماركيز صحافي محترف صعد في أجواء ثوريّة ساندها بحكم فهمه للواقع في أميركا اللاتينية، وهو ذات الفهم الذي مكّنه من الكتابة عن هموم كولومبيا وأميركا اللاتينية بتلك الروح الواقعية - التي وصفت في الأوساط الأدبيّة بالسحريّة - . وعلاقته بكاسترو جزء من فهمه للعالم والتزامه بقضايا الإنسان في القارة المحكومة بجيرة الإمبراطوريّة العظمى. كان ماركيز قد امتنع عن الكتابة لعامين بعد انقلاب بينوشيه في تشيلي عام 1973 الذي أطاح بالرئيس اليساري المنتخب سيلفادور الليندي بتدبير من المخابرات الأميركية - وإن كان عاد عن قراره لاحقًا معتبرًا أن الكتابة فعل مقاومة - . وهو ما يشير إلى أن الروائي الراحل كان يستلهم أعماله من صداقاته الملتزمة وسفاراته العالميّة تمامًا، كما كان يستلهمها من أوجاع الفقراء في كولومبيا وأميركا اللاتينيّة الغارقة بالحروب الأهليّة والانقسام الطبقي والجريمة التي كان للأميركيين الشماليين يد فيها دائمًا، من قريب أو من بعيد.
غياب كاسترو الجمعة الماضي أغلق دائرة علاقة نادرة بين نجمين هائلين في سماء أميركا اللاتينية. علاقة يصعب أن تتكرر بين المثقف الثوري والثوري المثقف في زمان انتصار الإمبراطورية النهائي.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي