مشهد تصويت بوتفليقة على كرسي متحرك يعمق الجدل بشأن انتخابات الرئاسة الجزائرية

اشتباكات بين الأمن وشبان رافضين للاقتراع في ولاية البويرة.. ونسبة المشاركة أبرز تحد

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على كرسي متحرك خلال الادلاء بصوته في مدرسة البشير الإبراهيمي في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على كرسي متحرك خلال الادلاء بصوته في مدرسة البشير الإبراهيمي في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
TT

مشهد تصويت بوتفليقة على كرسي متحرك يعمق الجدل بشأن انتخابات الرئاسة الجزائرية

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على كرسي متحرك خلال الادلاء بصوته في مدرسة البشير الإبراهيمي في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على كرسي متحرك خلال الادلاء بصوته في مدرسة البشير الإبراهيمي في العاصمة أمس (إ.ب.أ)

صوت الجزائريون أمس لاختيار رئيس للبلاد من بين ستة متنافسين، بينهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي أدلى بصوته على كرسي متحرك وهو طامح لفترة رئاسية رابعة على التوالي، ومنافسه الرئيس علي بن فليس الذي أكد «تفاؤله» بالفوز وجدد «التحذير من التزوير».
وجرى الاقتراع وسط إجراءات أمنية مشددة ومخاوف مسبقة لدى المواطنين من حدوث «نزاع» حول النتيجة المرتقبة بين المتنافسين الرئيسين، وربما اشتباكات في بعض الأماكن يقدم عليها رافضون للاقتراع بسبب ترشح الرئيس بوتفليقة وهو عاجز صحيا عن أداء بعض الوظائف الكلامية والجسدية. كما تمثل نسبة المشاركة تحديا أمام هذا الاقتراع، خصوصا بعدما تجندت عدة قوى سياسية خلال الأسابيع الماضية تدعو الناس للامتناع عن التصويت في ما سمته «المهزلة الانتخابية».
وكان لافتا أن الرئيس بوتفليقة أدلى بصوته على كرسي متحرك في مدرسة البشير الإبراهيمي بأعالي العاصمة، في مشهد قد يعمق الجدل المرتبط بصحة الرئيس. وحضر الرئيس مرفوقا بشقيقه وكبير مستشاريه بالرئاسة السعيد، وشقيقه الآخر ناصر المستشار بالرئاسة أيضا، والأمين العام بوزارة التكوين المهني، ونجله الأصغر الذي يبلغ عشر سنوات.
ونزل بوتفليقة من سيارة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، وسط إجراءات أمنية مشددة وبحضور مسؤول التشريفات بالرئاسة. ولم يتفوه بكلمة واحدة أثناء الدقائق الخمس التي أمضاها داخل مكتب التصويت، ورفع يده اليمنى ثلاث مرات لتحية الموجودين في المكتب من موظفين ومصورين وصحافيين. فيما سلم عليه بعض المصوتين الذين كانوا ينتظرون الدور لوضع الورقة في الصندوق، وكان بينهم مسؤول الإعلام بمديرية حملته وزير الصناعة سابقا عبد السلام بوشوارب. والتحق الرئيس بالعازل حاملا معه ظرفا وأوراق المرشحين الستة، وبعد ثوان خرج ليضع الظرف في الصندوق. وفعل شقيقاه ناصر والسعيد الشيء نفسه بعده. ثم خرج الرئيس وهو يدقق النظر في الحاضرين وعن يمينه ابن شقيقه. ووضع في السيارة التي أقلّته من جديد تحت زغاريد امرأة، أظهرت سعادتها لرؤيته، وقالت لصحافي أجنبي «ربي يحفظ رئيسنا من كل سوء».
لكن سيدة جزائرية قالت لـ«الشرق الأوسط» داخل مركز الاقتراع بعدما رأت المشهد «يا إلهي، لماذا لا يتركونه يرتاح؟ هذا ليس بوتفليقة الذي أعرفه». وعبرت السيدة الستينية عن شعورها بـ«الألم»، على حد تعبيرها، وهي ترى الرئيس فوق كرسي متحرك يدفعه الحرس الرئاسي الخاص إلى باب مكتب الاقتراع. وقال شخص آخر، يسكن بنفس الحي الذي يقيم به الرئيس، إن حالة بوتفليقة «تحسنت كثيرا مقارنة بما كان عليه في الشهور الماضية، لكنني لا أتصور أنه يملك القدرة على الاستمرار في الحكم».
وفي خارج مكتب التصويت، وقف عدد كبير من المصورين المحليين والأجانب، لالتقاط صور المرشح غير العادي. وعبر صحافيون جزائريون وأجانب عن استيائهم لرفض الحرس الرئاسي دخولهم إلى مركز الاقتراع، بحجة أن المكان لا يتسع إلا لبضعة صحافيين جرى انتقاؤهم من طرف مديرية الإعلام بالرئاسة. وانطلق الموكب الرئاسي بسرعة كبيرة على طول شارع البشيري الإبراهيمي، تحت زغاريد نساء وقفن على جنبات الطريق. وعادت الحركة إلى الحي من جديد، بعد أن توقفت لمدة 30 دقيقة. وغير بعيد عن المكان كان المشهد مختلفا بعض الشيء في مدرسة محمد عليق بحي حيدرة. فهناك أيضا حضر عدد كبير من الصحافيين منذ وقت مبكر انتظارا لقدوم «المرشح المستقل» علي بن فليس. وبعد أن وصل مرفوقا بعدد كبير من المساعدين، وجد بن فليس صعوبة للتقدم نحو مكان الإدلاء بصوته بسبب التفاف الصحافيين والمصورين حوله. وبعد تصويته أدلى بتصريح للصحافة شدد فيه على «ضرورة احترام سيادة الشعب»، مذكرا بأنه حذر من التزوير طوال الحملة الانتخابية وما زال يحذر منه اليوم. وقال إنه «وعد الجزائر بمشروع واعد» وحضر لها «مستقبلا واعدا يتضمن مشروعا للتجديد». كما عبر عن «تفاؤله» بالمرحلة المقبلة «شريطة أن تحترم إدارة الشعب»، مما سيسمح له بقيادة البلاد «نحو شاطئ الأمان، لكن إذا حدث غير ذلك وبقي التزوير يلعب دوره فالأمر يصعب حله وستتفاقم الأزمة». وتابع قائلا «لا أتمنى هذا على الإطلاق، فأنا رجل سلم وسلام، رجل محبة ووئام، رجل يرفض العنف ولا ينادي له على الإطلاق، بل يعمل من أجل سكينة وهدوء وطمأنينة الجزائر».
وبدورهم، صوت المرشحون الآخرون عبد العزيز بلعيد مرشح جبهة المستقبل، ولويزة حنون زعيمة حزب العمال اليساري والمرأة الوحيدة المشاركة في السباق الرئاسي، وعلي فوزي رباعين مرشح حزب «عهد 54»، كلهم في العاصمة، بينما صوت موسى تواتي مرشح حزب الجبهة الوطنية في ولاية المدية (80 كم جنوب العاصمة) التي يتحدر منها. وكان لافتا أن بلعيد، الذي يعد أصغر المتنافسين الستة (50 عاما) دعا بعد الإدلاء بصوته الشباب إلى التصويت لأن جيل الاستقلال «حاضر في هذا السباق»، في إشارة إلى شخصه الذي يعد المرشح الوحيد المولود بعد استقلال البلاد عن فرنسا عام 1962.
وتمثل نسبة المشاركة الشعبية أكبر تحد في هذه الانتخابات، علما بأن مجموعة الأحزاب التي قررت مقاطعة الاقتراع ظلت تتحدث خلال الأسابيع الماضية عن وجود تجاوب شعبي مع دعواتها لتفكيك المصداقية عن الاقتراع الذي يشارك فيه الرئيس بوتفليقة وهو في وضع صحي لا يؤهله لأداء مهام الرئاسة، على حد قولها. ولاحظت «الشرق الأوسط» حتى ظهر أمس تدني نسبة الإقبال في بعض مراكز الاقتراع بالعاصمة، إلا أن العاصمة والحواضر الكبرى في البلاد تصنف في العادة ضمن الولايات الأقل مشاركة. واستفاد السكان من العطلة التي منحت لهم بسبب يوم الاقتراع، للخروج والاستمتاع بالجو الذي كان مشمسا.
وتحدث مرشحون، مثل بن فليس وتواتي، صباح أمس، عن بروز مؤشرات أولية على التزوير. إلا أن غالبية المرشحين، عدا بوتفليقة وبن فليس، لم يتمكنوا من توفير عدد من الممثلين عنهم لمراقبة مراكز الاقتراع. وقال رئيس بلدية حيدرة أمس إن المركز الذي صوت فيه بن فليس لم يأته سوى مراقبين أحدهما عن بوتفليقة والثاني عن بن فليس.
ودعي أكثر من 23 مليون ناخب للتصويت في أكثر من 60 ألف مركز ومكتب اقتراع في كل الولايات الـ48، يشرف على تأطيرها 460 ألف شخص. وافتتحت مراكز الاقتراع في الساعة الثامنة صباحا، على أن تغلق في السابعة مساء مع إمكانية تمديد المهلة ساعة إضافية.
وتحدثت تقارير عن وقوع اشتباكات بين متظاهرين مناهضين للاقتراع وقوات الأمن في منطقة رافور التابعة لولاية البويرة غير البعيدة عن العاصمة، أصيب خلالها العشرات من عناصر الدرك الوطني. ووقعت الاشتباكات، حسب مصادر محلية، إثر إقدام متظاهرين على حرق صناديق الاقتراع. وتحدثت المصادر عن وقوع أحداث مشابهة في منطقتي السحاريج وأغبالو التابعتين لنفس الولاية. وفي بلدة آيت رزين بأقبو التابعة لولاية بجاية (شرق، عاصمة القبائل الصغرى)، أحرق مجهولون مكتب اقتراع.
يذكر أن السلطات أمرت بنشر 180 ألف عنصر أمن إضافة لقوات الدرك والجيش، لتأمين الاقتراع على مستوى الوطن. وجاءت هذه الأحداث بينما شدد وزير الداخلية الطيب بلعيز، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الرسمية، على «اتخاذ جميع آليات الشفافية والحياد والأمن لإنجاح الاقتراع»، ودعوته المواطنين إلى «المشاركة بقوة في الاستحقاق الذي يجري في ظل الأمن والطمأنية». ومن المنتظر أن تعلن نتائج الانتخابات اليوم الجمعة، علما بأن قانون الانتخابات ينص على أنه في حال لم يحصل أي مرشح على أغلبية 50 في المائة من الأصوات سيجري تنظيم دور ثان في غضون أسبوعين.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.