«الخوذ البيضاء».. عندما تكون الحياة ثمنًا لإنقاذ الآخرين

متطوعو المنظمة: نشعر بالحرية أكثر من أي وقت مضى لأننا نعمل لكرامة الإنسان وحريته

خبراء ألغام في الجيش الحر لدى فحصهم عبوات زرعها تنظيم داعش بالقرب من مدينة {الباب} (غيتي)
خبراء ألغام في الجيش الحر لدى فحصهم عبوات زرعها تنظيم داعش بالقرب من مدينة {الباب} (غيتي)
TT

«الخوذ البيضاء».. عندما تكون الحياة ثمنًا لإنقاذ الآخرين

خبراء ألغام في الجيش الحر لدى فحصهم عبوات زرعها تنظيم داعش بالقرب من مدينة {الباب} (غيتي)
خبراء ألغام في الجيش الحر لدى فحصهم عبوات زرعها تنظيم داعش بالقرب من مدينة {الباب} (غيتي)

هم أصحاب «الخوذ البيضاء» الذين لم يعترف بهم وبعملهم رئيس النظام السوري بشار الأسد.
شباب من مختلف المناطق السورية قرروا الانحياز إلى الإنسانية والمخاطرة بحياتهم لإنقاذ حياة الآخرين، لينجحوا خلال نحو ثلاث سنوات في إنقاذ أكثر من 73 ألف مدني من تحت الأنقاض.
وقفتهم إلى جانب الثورة السورية، ومشاركتهم في المظاهرات ضد النظام السوري التي بدأت في عام 2011 لا تتناقضان مع عملهم الذي يرون فيه «انتصارا لكرامة الإنسان وحريته»، بحسب ما يعبر عنه مدير مكتب الموارد البشرية في الدفاع المدني زياد أبو طالب. في حين بات يعيش مدير عمليات الدفاع المدني في حلب عمار سلمو، كل يوم ولحظة مع مشاهد القتل والجثث والأشلاء التي لا يقوى 50 في المائة من المتطوعين على تحمل قسوتها ويتركون المهمة بعد أسبوع من بدء العمل.
ثلاثة مشاهد لا تفارق سلمو، وتشعره بالأسى والندم في الوقت عينه، وهو الذي يمضي أيامه متوقعا في أي لحظة أن يكون أحد ضحايا البراميل المتفجرة التي تسقط على حلب. ويقول سلمو لـ«الشرق الأوسط» متذكرًا «أندم على انسحابي من المكان الذي أصيب فيه زميلي عمر بركات، رئيس نقطة الهلال الأحمر في أورم الكبرى، بريف حلب، حيث كان يصرخ داخل سيارته مستغيثا، وإذا بعمر يفارق الحياة بعد دقائق نتيجة القذائف التي بقيت تنهمر على المنطقة وكانت السبب في تراجعنا». ويضيف «الندم على عدم مساعدة عمر لا يفارقني. كان يفترض أن أنقذه مهما كان الخطر».
إضافة إلى المشاهد المؤلمة التي يعيشها عمار وأصدقاؤه كل لحظة، مشهدان آخران يطبعان ذاكرته: «الأول صورة المرأة المتفحمّة التي رأتها بعدما كانت قد فارقت الحياة وهي تغمر طفلها بين يديها على طريق الكاستيلو في مدينة حلب، وتلك الأم التي كانت تركض نحوي لتسألني عن ابنها العامل في محل الحلاقة الذي قصف في حلب وأنا عاجز عن إجابتها والقول لها إن أشلاء جثّته في داخل الكيس الذي أحمله بين يدي، لتعود بعد ذلك وتقنع نفسها بأن ابنها قد يكون عاد إلى المنزل وتذهب على أمل أن تراه هناك».
عمل عمار، أستاذ اللغة الإنجليزية، في الإغاثة عام 2011 وبدأ كونها «هواية»، كما يصفها، في بلدته السفيرة بريف محافظة حلب الشرقي، حيث بدأ في تأمين المساعدات الغذائية مع عشرات الشباب المتطوعين من المنطقة الذين كانوا قد شاركوا في المظاهرات عند بدء الثورة في سوريا. ويقول: «لم نكن نطالب بأكثر من الكرامة، ولم نكن نريد أن تصل سوريا إلى ما وصلت إليه اليوم. لكن كل ما حصل هو نتيجة أعمال النظام وحلفائه».
وفي عام 2013 بعد تردي الوضع واشتداد القصف على المنطقة وجد عمار و24 شابا آخرين أنفسهم أمام واقع جديد بحيث بات المطلوب منهم القيام بعمليات إنقاذ وإطفاء وانتشال المدنيين والجثث من تحت الأنقاض.
بذلوا كل ما بوسعهم وبحسب القدرات المحدودة التي يمتلكونها في هذا الإطار لتقديم المساعدة لمن يحتاج إليها. في الشهر الثامن من العام نفسه، وتحديدا بعد شهرين من «مجزرة الآبار» في بلدة خناصر المجاورة، وجد المتطوعون أنفسهم أمام مهمة أصعب وهي انتشال عشرات الجثث من الآبار بعدما عمدت قوات النظام إلى قتلهم ورميهم في داخلها. ويروي «كنا ننتشل الجثث ونسلّمها لعائلاتها بعد التعرف إليها من ثيابها ونرقّم تلك المجهولة الهوية». في الشهر العاشر، وجدنا أنفسنا بين سندان النظام ومطرقة «داعش» الذي دخل إلى المنطقة فما كان أمامنا إلا الانتقال إلى مدينة حلب وتحديدا باب النيرب، ومن ثم البدء فعليا بتنظيم عمل «الخوذ البيضاء» عبر إنشاء مراكز في عدد من المحافظات، التي وصل عددها اليوم إلى ثمانية، هي إضافة إلى مركز حلب، مراكز حماه وإدلب وريف اللاذقية وريف حمص وريف دمشق ودمشق ودرعا والقنيطرة، بعد إقفال مركز الرقة التي باتت تحت سيطرة «داعش».
مرحلة الانتقال من «الهواية إلى الاحتراف» بدأت عند انتقالنا إلى باب النيرب وإنشائنا مركزًا خاصًا، بحسب ما يقول سلمو، مضيفا: «هنا بدأ عملنا بصعوبته وقساوته مع مرحلة القصف بالبراميل المتفجرة على حلب، حتى أننا شعرنا بالإحباط وعدم القدرة على تحمّل كل ما يحصل، وبدأنا البحث عن شباب متخصصين للقيام بدورات تدريبية وتوسيع دائرة المتطوعين، ونجحنا في الحصول على دعم من منظمات ألمانية وبريطانية وأميركية تؤمّن لنا المساعدات اللازمة للقيام بعملنا».
يصف سلمو مهمّة المتطوعين في حلب بـ«الامتحان الكبير الذي استطعنا قدر الإمكان تجاوزه، ومن ثم بدأنا في تنظيم العمل بشكل أكبر وأنشأنا مديرية كاملة، وأجرينا في الشهر الرابع من عام 2014 مسابقة لتعيين مدير لها، شارك فيها عدد من الشباب وفزت أنا بها». ويعمل اليوم في حلب 21 مركزا، في كل منها 30 متطوعا، ومركز واحد للتدريب في ريف حلب، كان يرأسه نقيب منشق عن «الدفاع المدني السوري»، قبل تعرضه للقصف قبل أسبوعين؛ ما أدى إلى توقفه عن العمل، ليبقى لغاية الآن مركز تدريب واحد في إدلب، يستقبل الشباب الراغبين بالتطوع إلى صفوف «الخوذ البيضاء» التي تعمل بشكل أساسي في المناطق الخاضعة للمعارضة.
إلا أن اقتصار عملها على هذه المناطق لا يعني رفضها تأدية واجبها الإنساني في مناطق النظام، بحسب ما يؤكد سلمو، ويقول: «لا مانع لدينا من العمل في مناطقه لأن هدفنا إنساني بالدرجة الأولى، لكن لو أن النظام يقبل بالآخر لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم».
من هنا، يؤكد سلمو، أن شروط الانتساب إلى «الدفاع المدني»، الذي خسر لغاية الآن 150 شابا من متطوعيه خلال تأدية عملهم، هي بشكل أساسي ألا يكون المتطوع منتسبا إلى أي فصيل سياسي أو عسكري، وأن يكون حسن السمعة، محبا للعمل الإنساني وعمره ما بين 18 و35 سنة. وفيما يخضع متطوعو الإنقاذ لدورات تدريبية، ينتسب الكثير من الشباب إلى الدفاع المدني للعمل بما يتناسب مع اختصاصاتهم، كالإعلام وإدارة الأعمال وغيرها التي تتطلبها الأعمال الإدارية واللوجستية في المنظمة.
ويشرح زياد أبو طارق، مدير مكتب الموارد البشرية في المنظمة، الذي كان يدرس الحقوق قبل اندلاع الثورة في سوريا، عن متطوعي الخوذ البيضاء، قائلا: «نلمس حماسة لدى الكثير من الشباب للانتساب إلى المنظمة، ونتلقى الكثير من الطلبات، ونقبل كل من تنطبق عليه الشروط، ليخضع بعدها إلى دورة تدريبية تشمل الإنقاذ والإسعاف والإطفاء لمدة 12 يوما». ويضيف: «بات اليوم عدد متطوعي الدفاع المدني أكثر من 3 آلاف، بينهم 500 شاب في حلب، بعدما كانوا في البداية نحو 25 معظمهم انشقوا عن (الدفاع المدني السوري) بعدما أراد النظام تغيير هدفه بما يتناقض مع مبادئ الدفاع المدني الإنسانية».
ويلفت أبو طارق إلى أن «الدفاع المدني» في طور العمل لافتتاح مراكز جديدة لتدريب الفتيات الراغبات بالانتساب إلى المنظمة، وتحديدا في مناطق الأتارب وعندان وحي المشهد، بحيث يتم تدريب 8 فتيات للعمل في كل مركز، مشيرا إلى أن التركيز على المتطوعين الشباب يعود إلى أسباب تتعلّق بطبيعة العمل القاسية والصعبة. ويوضح «في المقابل نقوم بدورات تدريبية لفتيات ونساء في بعض القطاعات، كالتعليم والتمريض وغيرها، بحيث يستطعن من خلال عملهن تقديم المساعدة وإسعاف أو إنقاذ من هو في حاجة إليها، ولا سيما أن قصف النظام على حلب لم يعد يميز بين مركز عسكري أو مستشفى ومدرسة».
هذا العمل الإنساني يُشعر أبو طارق القابع تحت القصف بعيدا عن أهله بعدما خسر شقيقه في الثورة، بـ«الحرية»، حسب وصفه، قائلا: «أشعر بالحرية أكثر من أي وقت مضى ولا أندم على كل ما قمت به. أنا صاحب قضية وأؤمن بقضيتي حتى النهاية».
وقضية أبو طارق هي التي أوصلته مع رفاقه إلى «العالمية» وخوّلته تسلّم جائزة «نوبل البديلة» يوم أول من أمس، في وقت كان رئيس النظام السوري بشار الأسد، يتظاهر بعدم معرفته لهم. بل وسخر من عملهم في إحدى المقابلات التي أجرتها معه وكالة «أسوشييتد برس» في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، سائلا: «من هم، وماذا فعلوا لسوريا؟
لتردّ حينها «الخوذ البيضاء» على سؤاله بفيديو، شارحة ماذا قامت به المنظمة، بانتشال عشرات آلاف المدنيين من تحت الأنقاض: «الأنقاض التي تسببت بها براميلك المتفجرة» بحسب ما تقول إحدى الفتيات في الفيديو مذكرة أيضا بالشباب المتطوعين الذي قتلوا وهم يحاولون إنقاذ من استهدف بهذه البراميل والمئات الذين تشوهوا بها.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.