وورن بايتي الساخر السياسي يطل من جديد

علاقة حب كسرت قواعد هوارد هيوز الصارمة

وورن بايتي كما يظهر في «القواعد غير مطبقة» - ليلي كولينز تؤدي البطولة النسائية في «القواعد غير مطبقة».
وورن بايتي كما يظهر في «القواعد غير مطبقة» - ليلي كولينز تؤدي البطولة النسائية في «القواعد غير مطبقة».
TT

وورن بايتي الساخر السياسي يطل من جديد

وورن بايتي كما يظهر في «القواعد غير مطبقة» - ليلي كولينز تؤدي البطولة النسائية في «القواعد غير مطبقة».
وورن بايتي كما يظهر في «القواعد غير مطبقة» - ليلي كولينز تؤدي البطولة النسائية في «القواعد غير مطبقة».

بين المشهد الذي وقف فيه وورن بايتي على منصّـة الأوسكار يسأل كلينت إيستوود وجاك نيكولسون «كيف تفعلانها؟» وتوقيت فيلمه الجديد «القوانين لا تطبّـق» 16 سنة.
بين هذا الفيلم وآخر أعماله السينمائية السابقة 18 سنة.
المشهد الأول جرى في حفل تتويج بايتي بأوسكار إرفينغ ج. تالبيرغ الشرفية. تساءل الممثل - المخرج علنًا وهو ينظر من المنصّة إلى حيث جلس كل من الممثلين الآخرين اللذين لا يتوقفا عن العمل متسائلاً كيف يمكن لهما ذلك. كان رد فعل جاك نيكولسون، المتوقف عن العمل الآن منذ عام 2010 عندما ظهر في الفيلم الكوميدي «كيف تعلم»، «المال» قالها بالإشارة وهو يضحك.
الآن يعود وورن بايتي (79 سنة) بفيلم جديد عنوانه «قواعد غير مطبقة» (Rules Don‪›‬t Apply) كان وعد بتحقيقه منذ ذلك الحين واشتغل عليه فعلاً لسنوات طويلة. جزء من المشكلة هي أنه لم يعد الفتى الأول الذي يستطيع باتصال واحد إيجاد المموّل المطلوب، أو إبرام عقد ما. على عكس إيستوود، الذي لا يزال اسمًا رنانًا ومطلوبًا، بايتي عليه أن يكتب ويعيد الكتابة ويعرض ثم يعرض من جديد إلى أن يجد مستثمرًا واحدًا على الأقل يؤمن بالمشروع مثله وهذا يتطلب وقتًا طويلاً.

إشارة لامعة
إلى أن استقر بايتي على اختيار هذا الفيلم سنة 2010 وانكب على كتابة السيناريو الذي أنهاه في منتصف سنة 2011 كان السؤال الحائر الذي أطلقه ما زال بلا جواب. بعد عامين من إنجاز السيناريو بوشر الإعداد للتصوير وفي الخامس والعشرين من فبراير (شباط) 2014 بوشر التصوير الذي انتهى في مطلع يوليو (تموز) في العام ذاته. المشروع دخل مرحلة ما بعد التصوير وانتهى العمل عليه وبات جاهزًا في الثالث عشر من مارس (آذار) هذه السنة.
توقيت إطلاقه اليوم يعود إلى الرغبة في دخول سباق الغولدن غلوبس والأوسكار، الجائزتان السنويتان الأكثر أهمية في عالم السينما من بين المؤسسات والجمعيات السينمائية. لكن في حين أن الفيلم نجح في الحصول على استحسان النقاد في الصحف الأميركية الرئيسة، لم ينجح تجاريًا. صحيح أن الإقبال التجاري ليس معيارًا فنيًا يحدد قدرة الفيلم على المنافسة على الجوائز التي ستعلن مع مطلع الشهر المقبل وحتى منتصف فبراير في العام المقبل، إلا أنه إشارة ذات مغزى لمدى اكتراث الجمهور لفيلم جديد من إخراج وتمثيل بايتي.
بنى المخرج حكايته على ثلاثة: ممثلة شابة هي ليلي كولينز وممثل شاب (ألدن إرنريتش) يتقدمان جنبًا إلى جنب وورن بايتي في بطولة هذا الفيلم. الحكاية من ملفات هوليوود غير الرسمية تقع أحداثها سنة 1958 مع وصول ملكة جمال في بلدتها اسمها مارلا (كولينز) إلى هوليوود لتوقيع عقد عمل مع المنتج الأسطوري هوارد هيوز (بايتي). الاستوديو أرسل لها سائقًا اسمه فرانك (إرنريتش) لينقلها من المطار. فرانك ومارلا يقعان في الحب من النظرة الأولى. هناك تعقيدات عاطفية ودينية (مارلا تنتمي إلى الكنيسة المعمدانية ونذرت نفسها أن تبقى عذراء وفرانك مرتبط بامرأة أخرى) إضافة إلى أن حبهما يخترق قانونًا فرضه هيوز على كل العاملين في مؤسسته وهو تحريم أي علاقة بين الممثلين والموظفين أو العكس.
هذا قريب من فيلم وودي ألن الأخير «كافيه سوسيَتي»، هناك فوارق عدّة لكن الأهم بينها أن فيلم وورن بايتي يدور حول هوليوود بوصفها حافزا لتحقيق الحلم الأميركي الكبير. في حين أن فيلم ألن اكتفى، وقد وقعت أحداثه في فترة مشابهة، بسرد حكاية الحب وحدها.

قوانين هوارد هيوز
في الوقت ذاته، فإن «قواعد غير مطبقة» عمل ساخر كحال فيلم بايتي الأخير «بولوورث». في ذلك الفيلم سخر من السياسة الخارجية والداخلية عبر حكاية سياسي فاسد يطلب من وكالة تعيين من يقوم بقتله. لكن صحوة الضمير تنتابه فيقرر كشف عورات السياسيين المحليين ولماذا لا يوجد معبّـر فعلي عن الطبقات الوسطى والعاملة وما دون (لأنهم ببساطة لا يموّلون الحملات الانتخابية) وكيف تعمل السياسة الخارجية بمقتضى الفوائد والمصالح الاقتصادية التي تبرر لها، من بين عوامل أخرى، دخول الحروب. حينها لم يكن غزو العراق بعيدًا عن البال والفيلم أوصل رسالته كوميديًا وغنائيًا ودراميًا.
مع أن الفيلم الجديد، على صعيد اختيار القالب الشكلي، ليس من النوع ذاته، إلا أنه يسخر من هوارد هيوز كما يحلو له. هيوز كان شخصية مطروقة في أكثر من فيلم آخرها، على مستوى الإنتاجات الرئيسية، فيلم مارتن سكورسزي «الطيار» (2004).
مرّة أخرى، هذا التشابه لا يعني أن بايتي يسرد الحكاية ذاتها. الفيلم السابق كان سيرة حياة. الفيلم الحالي قصّة كوميدرامية تستعين ببعض الواقع. من بين هذا الواقع، وإمعانًا في السخرية، ما يرد فيه الفيلم من قواعد وضعها هوارد هيوز بهدف التطبيق بلا نقاش:
«تستيقظ الممثلة في البيت الذي تم استئجاره لها في الساعة السابعة صباحًا. عليها أن تأخذ حمامًا وتكون جاهزة لتناول الإفطار في الساعة السابعة والنصف. السيارة (بسائقها الخاص) ستنطلق في الساعة الثامنة بها إلى حيث ستقوم بتمارين الرقص والتمثيل والغناء (إذا ما تطلب الدور)».
وفي قوانينه أيضًا: «على الممثلة أن تقوم بشراء حاجاتها الخاصة مرة واحدة في الأسبوع. في المساء عليها أن تقصد واحدًا من ستة مطاعم عينها الرئيس (هيوز) وممنوع عليها أن تضرب مواعيد غرامية مع أي كان. السائق هو الذي سيصحبها إلى العشاء. وعلى السائق، حين الوصول إلى النتوءات الإسفلتية في الطرق، تقليص سرعته إلى ميلين في الساعة حتى لا يتسبب في ارتجاج الممثلة التي ينقلها».
«القواعد لا تطبّق» فريد من نوعه بوصفه عملا سينمائيا وجيدا في استحواذه على منابر للسخرية في الوقت الذي يعكس فيه حب المخرج لهوليوود الأمس. في الوقت ذاته يعلّق على حالة من العلاقات التي داخلتها قواعد الاشتباك العاطفية التي أصدرها سينمائي كاد أن يصبح إمبراطور عاصمة السينما العالمية.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز