الجيش الإسرائيلي يستدعي الاحتياط والشرطة.. وقوات الدفاع المدني تعلن حالة طوارئ

إخلاء عشرات ألوف المواطنين في حيفا من بيوتهم وإصابة أكثر من مائة شخص

عائلة هاربة من النيران التي اجتاحت حيفا ثالثة كبرى المدن في إسرائيل أمس (أ.ف.ب)
عائلة هاربة من النيران التي اجتاحت حيفا ثالثة كبرى المدن في إسرائيل أمس (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يستدعي الاحتياط والشرطة.. وقوات الدفاع المدني تعلن حالة طوارئ

عائلة هاربة من النيران التي اجتاحت حيفا ثالثة كبرى المدن في إسرائيل أمس (أ.ف.ب)
عائلة هاربة من النيران التي اجتاحت حيفا ثالثة كبرى المدن في إسرائيل أمس (أ.ف.ب)

أعلنت أجهزة الأمن الإسرائيلية، من الجيش إلى الشرطة وقوات الدفاع المدني، أمس، حالة طوارئ تشبه حالة الحرب، في أعقاب اتساع موجة حرائق لم تشهد إسرائيل مثيلا لها عبر تاريخها كله. فقد سجلت 220 حادثة حريق، وأصيب أكثر من 100 مواطن بحالات اختناق، وتم إخلاء عشرات ألوف المواطنين من بيوتهم. كما أخليت جامعة حيفا، ومعهد الهندسة التطبيقية (التخنيون)، ووضعت خطة لإخلاء سجن الدامون، ومستشفى الكرمل.
وبدأت المخابرات الإسرائيلية العامة، في التحقق من صحة أنباء قالت إن نصف هذه الحرائق، اشتعل بفعل فاعل. وفي الحال جرى اتهام مواطنين عرب من فلسطينيي 48، وكذلك من فلسطينيي الضفة الغربية. بل سارع نواب اليمين الإسرائيلي المتطرف، على تسمية ما جرى بـ«انتفاضة النيران». وأعلن المفتش العام للشرطة، الحنان الشيخ، عن اعتقال عدد من المشتبهين. وفي الأثناء، واصلت قوات الإطفائية الإسرائيلية عمليات الإطفاء، واستدعت طائرات خاصة بإطفاء الحرائق من ست دول، بينها تركيا وروسيا. وأعرب خبراء حالة الطقس، عن مخاوف من استمرار الحرائق حتى يوم الثلاثاء المقبل، لأن الرياح الجافة التي تسيطر على البلاد تقاوم محاولات الإطفاء.
وكانت مئات الحرائق قد نشبت في سائر أنحاء إسرائيل، من القدس في الجنوب، وحتى أعالي منطقة الجليل، منذ الأربعاء. وجرى في بعض الأماكن السيطرة على النيران، لكن الرياح القوية وانخفاض نسبة الرطوبة، وكذلك الاشتباهات بوجود أيد بشرية، نقلت النيران إلى نقاط جديدة. واقتربت النيران ليلا من الشارع الرئيسي الواصل بين تل أبيب والقدس، وتسبب ذلك في اختناقات مرورية ضخمة، بلغت حد إغلاق الشارع. وفي الوقت نفسه، اندلعت حرائق في مناطق أم الفحم، وشفاعمرو، وأبو أسنان، ومنشية زبدة، وكلها مناطق عربية. كما اندلعت حرائق في الضفة الغربية، خصوصا قرب نابلس الفلسطينية، وعدد من المستوطنات اليهودية في المنطقة. وبلغ مجموع الحرائق التي شهدتها البلاد حتى مساء أمس 220 حريقا.
لكن الحريق المهول اندلع في غابات الكرمل، التي هددت أكبر ثالث مدينة في إسرائيل. وقد تسبب الحريق هناك، في حالة هلع كبرى بين المواطنين، إذ أعادت إليهم ذكريات الحريق الضخم الذي أصاب غابات الكرمل قبل خمس سنوات، وتسبب في تدمير الأشجار في مساحة تزيد عن 50 ألف دونم، وفي مقتل 44 شخصا. وقد سارعت الشرطة وقوات الدفاع المدني إلى إخلاء 66 ألف مواطن، من سكان 13 حيا من أحياء المدينة المحاذية للغابات. كما تم إخلاء جامعة حيفا، المتربعة على قمة جبال الكرمل، ويتعلم فيها 18 ألف طالب، ثلثهم من العرب، ومعهد الهندسة التطبيقية والعلوم الحية والهندسة (التخنيون)، وفيه يتعلم 13 ألف طالب ربعهم من العرب. وجرى أعداد خطة لإخلاء مستشفى الكرمل الكبير، في حال اقتراب النيران منه.
وقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن حالة طوارئ، واستنفر قوات كبيرة من جيش الاحتياط، فرفد قسما منها لتساعد قوات الشرطة والإنقاذ، ووضع القسم الثاني على أهبة الاستعداد الأمني خوفا من وجود مسلحين. وألغت الشرطة جميع الإجازات، واستدعت مئات العناصر من مركز البلاد، ونشرتهم في الأحياء التي تم أخلاؤها خوفا من عمليات السرقة. وتجمعت في حيفا، معظم قوات الدفاع المدني في إسرائيل، لتساعد في إخلاء المواطنين المحتاجين، علما بأن حيفا تضم نحو 40 ألف مسن، فوق سن التقاعد.
وأعلن وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، أن 50 في المائة من الحرائق التي شهدتها إسرائيل في اليومين الأخيرين، تمت بفعل فاعل. وأن نصف هذه العمليات وقعت نتيجة الإهمال، ونصفها نتيجة لعمل مخطط. لكن المفتش العام للشرطة، قال إن إشعال النيران لا يبدو عملا منظما من خلايا معادية نفذتها. وأنه استنادا إلى التحقيقات الأولية، يراها بالأساس، عمليات فردية. وكشف أن لدى الشرطة عددا من المعتقلين بشبهة إشعال النيران في أكثر من موقع. وقد استغل قادة اليمين المتطرف هذا الإعلان، للتحريض على المواطنين العرب وسائر الفلسطينيين، بدعوى أنهم «يكرهون إسرائيل شعبا وشجرا». وسماها عدد من الوزراء والنواب بـ«انتفاضة النيران الفلسطينية». وانضم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى المحرضين قائلا إن إشعال النيران في الأحراج هو إرهاب، وذلك قبل أن تتضح الصورة الحقيقية لأسباب الحرائق. وقد رد ابن حيفا، النائب أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة»، على هذه التصريحات قائلا: «للأسف الشديد، نحن تعتصر قلوبنا بالأسى ونحن نشاهد أشجارنا الخضراء تحترق وسكان مدينتنا، اليهود والعرب، يتركون بيوتهم وأثاثهم وذكرياتهم ويهربون من النيران، وهناك من يجدها مناسبة (حلوة) للتحريض علينا». وقال عودة: «إن من يحرض علينا لا يفهم الحقيقية البسيطة. إن هذا هو وطننا وهذه هي أشجارنا. عشنا في ظلالها ألوف السنين. وارتباطنا بها وشائجي عميق، وجذورنا تضرب في أعماق أعماقها. لذلك فإن من يحرقها يحرق قلوبنا. فتعالوا نتعامل بأخلاق حضارية ونضع أيدينا بأيدي بعضنا البعض، حتى ننقذ ما يمكن إنقاذه من هذه الأشجار، ومن سكان مدينتنا الغالية».
وعلى الرغم من أن قوات الإطفائية عملت ليل نهار، وشغلت كل طواقمها (822 عاملا من قوات المطافئ النظامية، ثم تم تجنيد 212 عامل إطفاء من الاحتياط، وعملت معهم 350 سيارة إطفاء، فيما قامت طائرات إخماد الحرائق بـ107 طلعات، جرى خلالها إلقاء 50 طنا من المواد المساعدة على إخماد الحرائق)، غير أن هذا لم يكف. واتصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع رؤساء دول عدة يطلب مساعدتها، فوصلت طائرة إطفاء عملاقة من روسيا، و3 طائرات إطفائية من اليونان، ووصلت طائرات من كرواتيا وقبرص وإيطاليا.`
* حريق الكرمل في 2010
أثار الحريق في غابات الكرمل، أمس، هلعا شديدا في مدينة حيفا، بسبب ذكريات حريق آخر كان قد وقع في أحراجها في مثل هذه الأيام، قبل خمس سنوات، وتحديدا في 2 ديسمبر (كانون الأول) 2010، حيث حصد 44 نفسا من شرطة السجون (خمسة منهم عرب) ورجال إطفاء.
وفي حينه، هرب طفل في الرابعة عشرة من مدرسته، وراح يدخن نرجيلة قرب قريته العربية عسفيا. وبعد انتهائه من التدخين، قذف الجمرات بلا مسؤولية، فتسببت في نشوب حريق هائل. وامتدت النيران إلى سجن الدامون، الذي يعتبر غالبية نزلائه من الأسرى الفلسطينيين.
وتبين يومها، أن إسرائيل غير مستعدة بشكل جدي لمواجهة كوارث طبيعية كبرى، وطلبت مساعدات من دول عدة، بينها الأردن والسلطة الفلسطينية. وبالفعل، وصلت طائرات إطفاء من روسيا وتركيا بريطانيا واليونان ومصر وقبرص وبلغاريا وأذربيجان وكرواتيا وفرنسا وإسبانيا. كما وصلت ثلاث وحدات من الدفاع المدني الفلسطيني ومثلها من الأردن. وأرسلت إسرائيل طائرات نقل عسكرية إلى فرنسا، لإحضار مواد لإخماد الحريق، والتي نفدت من مخازنها. وكان هذا أكبر حريق شب في تاريخ إسرائيل. واعتبره وزير الدفاع يومها، إيهود باراك: «كارثة خطيرة جدًا».
* العرب يستضيفون اليهود
في الوقت الذي كان فيه قادة اليمين الإسرائيلي الحاكم يحرضون على العرب، بدعوى أنهم تسببوا في قسم كبير من الحرائق التي شهدتها البلاد، أمس، كان العرب ينقسمون إلى قسمين: قسم تعرض لأخطار الحرائق مباشرة، وقسم كان بعيدا عن الحرائق، لكنه هرع لإخماد الحرائق، أو استضاف يهودا ممن اضطروا لإخلاء بيوتهم.
فقد التهمت النيران عددا من البيوت العربية في مناطق عدة، مثل قرى نابلس في الضفة الغربية، وبلدات شفاعمرو، وأبو سنان، وأم الفحم في إسرائيل نفسها. وفي حيفا، التي يشكل السكان العرب فيها نسبة 12 في المائة من مجموع السكان، لوحظ وجود عشرات المتطوعين الذين ساهموا في عمليات الإنقاذ.
وعرض سكان عسفيا بيوتهم لاستضافة المنكوبين، بغض النظر عن انتمائهم القومي.
وفي أبو غوش، القرية الصغيرة ألقابعة على جبال القدس، فتحت عشرات البيوت أبوابها للجيران اليهود من بلدة نتاف المنكوبة.
وروى أبرهام بورغ، أحد سكان القرية الذي شغل في الماضي، منصب رئيس الوكالة اليهودية ورئيس الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، إن الشرطة نقلت السكّان اليهود إلى بلدة أبو غوش المجاورة، حيث جرى استقبالهم في مبنى مجلس البلدة العربيّة المحلي والبيوت. وأن السكّان العرب حرصوا على جلب ألعابٍ وأغراضَ مفيدة معهم للأولاد، وإحضار الطّعام من المطاعم المُجاورة المشهورة بأطباق الحمّص الشهيّة. وقال: «إلى جانب الخوف والقلق من الضرر الذي يمكن أن يلحق بالبيت، هناك شعورٌ بالارتياح بعد أن استضافنا جيراننا الأوفياء، الذين استقبلونا بطريقة مميزة.
لقد علمنا أن هناك مكانا يمكننا اللجوء إليه في أمكنة كثيرة، ولكن التحضيرات لاستقبالنا في هذه البلدة العربية تبعث السعادة في قلوبنا».
وقال رئيس مجلس أبو غوش المحلي، عيسى جبر: «عندما سمعنا عن الحريق، فتحنا فورا أبواب المجلس المحلّي لمساعدة جيراننا». وقالت شهيرة جبر، المربية في روضة أطفال في أبو غوش، وقد استقبلت أطفال من روضة نتاف: «تواصل الأطفال ولعبوا معا منذ اللحظة الأولى. فهم يتعاملون مع الأمور ببساطة أكثر، يلعبون سويّة وحسب. فرح الأطفال في روضتنا جدًّا لاستقبال الأطفال الضيوف».
* حيفا.. مدينة ثقافة وتعايش
تعتبر حيفا ثالثة كبرى المدن في إسرائيل بعد القدس الغربية وتل أبيب. يبلغ عدد سكانها 272 ألف نسمة، 12 في المائة منهم عرب. تقع المدينة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، على سفوح جبال الكرمل. وتعتبر أجمل المدن على الإطلاق. وغاباتها الخضراء تضم ملايين الأشجار، وهي محمية طبيعية لمئات الأنواع من الحيوانات البرية.
وقد كانت واحدة من أهم مدن فلسطين التاريخية، التي شهدت حياة سياسية وثقافية واقتصادية غنية بشكل خاص. ويوجد فيها اليوم أهم ميناء في إسرائيل، وثلاثة مستشفيات عملاقة. وجامعة كبرى وعشرات الكليات الأكاديمية. وأحد أضخم مراكز «الهايتك». وفيها أهم معهد للعلوم (التخنيون)، الذي يحتل المرتبة المرموقة 26 في قائمة معاهد البحوث العلمية في العالم. وأكبر دار نشر عربية في إسرائيل («كل شيء» لصاحبها صالح عباسي)، وجريدة الاتحاد، ومعهد إميل توما للبحوث برئاسة عضو الكنيست السابق عصام مخول، و«جمعية مساواة» بقيادة الناشط السياسي جعفر فرح، ومعهد روبين للموسيقى. ويسكن فيها وزير المالية الإسرائيلي، موشيه كحلون، ورئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة.
مع أن تاريخ المدينة يعود إلى عشرات الآلاف من السنين، كما تدل بقايا الهياكل البشرية التي عثر عليها، وتعود إلى العصر الحجري، إلا أن تاريخها المعروف يعود إلى القرن الرابع عشر ق. م، حيث جعلها الكنعانيون قرية صغيرة. وفُتِحت المدينة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام 633، ونتيجة لذلك بدأت القبائل العربية الاستقرار في فلسطين. وبقيت حيفا جزءًا من الدولة الإسلامية طيلة العهدين الأموي والعباسي. إلا أن حيفا الحديثة، تأسست عام 1761 على يد القائد ظاهر العمر، الذي أسس إمارة شبه مستقلة عن العثمانيين في الجليل. وفي العهد العثماني، ازدهرت مدينة حيفا، وتأسس فيها أول مجلس بلدي عام 1873، وقد سقطت المدينة بأيدي المنظمات اليهودية في 21 أبريل (نيسان) 1948، بعد معارك عنيفة عدة، نتج عنها طرد جماعي لمعظم السكان العرب. ولم يبق فيها سوى بضع عشرات منهم. لكن العرب زحفوا إليها بعد الاحتلال من القرى المجاورة، ليصبحوا اليوم نحو 30 ألف نسمة، ويمثلون في المجلس البلدي بعضوين، أحدهما نائب رئيس البلدية.
وترعرع في هذه المدينة عدد من القادة السياسيين والمثقفين العرب، أمثال المؤرخ إميل توما، والأديب إميل حبيبي، والشاعر عصام العباسي، والشاعر حنا أبو حنا، والقادة السياسيين توفيق طوبي، وحنا نقارة، وصليبا خميس، وزاهي كركبي، وبولس فرح، وحبب قهوجي. وفيها مدفون الشيخ عز الدين القسام. وفيها عاش لسنين طويلة الشعراء محمود درويش، وسميح القاسم، وسالم جبران، وسهام داهود.
وهذه المدينة بالذات، معروفة بعلاقات حسن الجوار والتعايش بين العرب واليهود، والمسلمين، والمسيحيين، والدروز، والأحمديين. وفيها يقوم معهد رئيسي للبهائيين، يعتبر بحدائقه المعلقة وقبة عباس المميزة، أحد أهم معالم المدينة.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended