يوسف الشاهد: ما حققته حكومة الوحدة الوطنية غير كافٍ إذا قارناه بانتظارات الشعب

رئيس الحكومة التونسية أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق إلا بطفرة اقتصادية

يوسف الشاهد (رويترز)
يوسف الشاهد (رويترز)
TT

يوسف الشاهد: ما حققته حكومة الوحدة الوطنية غير كافٍ إذا قارناه بانتظارات الشعب

يوسف الشاهد (رويترز)
يوسف الشاهد (رويترز)

قال يوسف الشاهد، رئيس الحكومة التونسية، إن بلاده ستعرف انطلاقة اقتصادية مهمة خلال الفترة المقبلة، وعزا الاحتجاجات الاجتماعية الحالية والخلافات الحادة بين الحكومة ونقابة العمال إلى تخلي الحكومة خلال السنوات الأولى، التي تلت ثورة 2011، عن الملفات الاقتصادية، وتوجيه الاهتمام أكثر نحو إرساء المؤسسات الدستورية.
واعتبر الشاهد، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في تونس العاصمة، أن المشكل الرئيسي، الذي تواجهه تونس في الوقت الراهن، مشكلة البطالة وتوفير الشغل للتونسيين. ودعا المستثمرين في الخليج العربي إلى استئناف استثماراتهم في تونس خلال المنتدى الدولي للاستثمار المنتظر عقده يومي 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، مؤكدا أن الحكومة هيأت الظروف المناسبة للاستثمار من خلال وضع ترسانة من القوانين ذات الطابع الاقتصادي. وفيما يلي أهم ما جاء في الحوار.
* كيف تقيمون اليوم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في تونس؟
- يمكن اختصار الإجابة في كلمة «لا بأس». فبعد أكثر من سنوات من اندلاع الثورة، استكملنا بنجاح عمليات البناء المؤسساتي، وأرسينا ركائز العمل الديمقراطي، وكان العمل الأساسي متمحورا حول الجوانب السياسية والأمنية.
لكن بعد ذلك استفقنا لنكتشف أن هذه الجوانب، ورغم أهميتها الكبيرة، لا تكفي لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، خصوصا أن الملفات الاقتصادية تركت جانبا طوال السنوات الماضية، ولذلك جاء الآن الدور عليها، رغم أنها متشعبة ومعقدة للغاية. لكن لدينا أمل كبير في تجاوز هذه الظروف الاستثنائية في تاريخ تونس.
* هل تعتبر أن المشكل الرئيسي في تونس حاليا سياسي أم اجتماعي واقتصادي؟ أم مشكلات متداخلة؟
- كما قلت، فقد نجحت ثورة 2011 في ضمان الانتقال السياسي، ولكن تبقى الرهانات الاجتماعية والاقتصادية ذات أهمية مضاعفة، على اعتبار أن التونسيين بحاجة إلى تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتحسين الخدمات الحياتية، وهي كلها قضايا كبرى تتطلب إمكانات مالية ضخمة.
* ألهذه الأسباب أنتم مقدمون على تنظيم منتدى دولي لجلب الاستثمارات الخارجية إلى تونس؟
- بالفعل. فنحن نعمل منذ فترة تسلمنا أعباء السلطة على ترسيخ صورة جديدة عن تونس لدى مختلف الأطراف الاقتصادية الفاعلة، سواء على مستوى محلي أو دولي. ونحن على يقين بأن تونس تملك اليوم مختلف عوامل النجاح الاقتصادي والاجتماعي، بعد النجاح في تأمين الظروف السياسية والأمنية المناسبة، تماما مثل ما هو موجود في معظم الدول الديمقراطية.
* لكن ما الذي يميز الوجهة التونسية عن غيرها من دول المنطقة؟ وهل بلغت تونس مرحلة الاستقرار السياسي الفعلي الذي يشجع المستثمرين على التوجه إليها باطمئنان؟
- أنا لا أقول إن تونس حققت الاستقرار الكامل، لكنها تبقى وجهة تنافسية مهمة على مستوى القارة الأفريقية، وذلك بفضل اليد العاملة المتخصصة، والقرب الجغرافي من أوروبا، وتوافر المنتجات ذات الجودة. ولهذه الأسباب هناك أكثر من ثلاثة آلاف مؤسسة استثمارية أجنبية تنشط في تونس. أضف إلى كل هذا فإن تونس باتت اليوم وجهة ديمقراطية بالنسبة للمستثمرين، الذين يجدون فيها ضمانات ضد التعسف والتسلط واستغلال النفوذ.
* لكن ثمار التحول السياسي لم تظهر بعد على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وما زالت البلاد تعيش على وقع الاحتجاجات والمطالب المتكررة بالزيادة في الأجور؟
- كل ما أنجزناه من قوانين مشجعة على الاستثمار والاستقرار سيعطي ثماره في القريب العاجل، وربما يمثل المنتدى الدولي للاستثمار المزمع تنظيمه نهاية هذا الشهر انطلاقة فعلية للملفات الاقتصادية. لقد هيأنا كل ظروف النجاح، على غرار القانون الجديد للاستثمار، وقانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وقانون دفع النمو الاقتصادي، ولكل هذه الأسباب لا نظن أن النتائج الإيجابية ستتأخر كثيرا. ونحن نعترف أننا بددنا وقتا طويلا في الانتقال السياسي الذي ركزنا عليه كثيرا، ولكن تلك ضريبة الانتقال من نظام سياسي إلى نظام آخر أكثر عدالة ومساواة.
* وهل هناك بوادر مشجعة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي رغم أن ميزانية 2017 لا تزال موضوع تجاذب قوي مع نقابة العمال؟
- لاحظنا خلال الأشهر الماضية عودة القطاع السياحي إلى الانتعاش، واسترجاع إنتاج مادة الفوسفات لبعض مؤشراتها الإيجابية، وهذا أمر مشجع وستظهر ثماره قريبا. وأعتقد أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن تحقيقه إلا بطفرة اقتصادية فعلية تغير حياة التونسيين.
* وماذا عن دور الاستثمارات الخليجية في دفع التنمية في تونس، خصوصا أن كثيرا من المستثمرين الخليجيين أبطأوا نسق استثماراتهم بعد ثورة 2011 في انتظار ضمان الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي؟
- دعونا رجال الأعمال الخليجيين إلى المشاركة الفعالة في المنتدى الدولي للاستثمار، واليوم نرى أن دولة قطر أصبحت من بين الشركاء في الإعداد وتنظيم هذه المناسبة الاقتصادية الدولية. وقد قابلت مؤخرا عددا من المستثمرين من دول الخليج العربي الذي أعربوا عن دعمهم لتونس. وخلال الفترات الأخيرة توجه وزير الخارجية التونسي إلى بعض دول الخليج، وعلى رأسهم السعودية والإمارات وقطر، وقد لاقت زيارته اهتماما كبيرا من قبل المستثمر الخليجي.
* ما حقيقة علاقة تونس بصندوق النقد الدولي في ظل الانتقادات الكثيرة الموجهة إلى الحكومة بتنفيذ تعليمات هذه المؤسسة المالية الدولية بما يهدد الاستقرار الاجتماعي؟
- علينا أن نعرف أن كل الدول تتعاون مع صندوق النقد الدولي، باعتبارها أعضاء مساهمين في هذا الهيكل المالي، ومن حقها الانتفاع بمزاياه عند الاقتراض والبحث عن تمويلات مالية. وما نراه من حوار اجتماعي بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل (كبرى نقابات العمال) أعتبره عنصرا إيجابيا يؤكد انفتاح تونس على مكوناتها كافة، وأنا متفائل كثيرا بالتوصل إلى حلول للخلافات الحاصلة بين مختلف الأطراف.
لقد ساهمت نقابة العمال طوال تاريخها في الحراك الاجتماعي، وساهمت بفاعلية في ضمان الانتقال السياسي في تونس، ومن المنتظر أن تبعث برسائل إيجابية لإيجاد حل لمشكلات الزيادات في الأجور، التي لم نلغها. ولكن دعونا إلى تأجيلها إلى حين انفراج الوضع الاقتصادي.
* تحدثتم كثيرا عن بوادر تحسن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، لكن هناك نحو 630 ألف عاطل عن العمل، مع نسبة نمو اقتصادي ضعيفة لا تزيد على 5.1 في المائة، فكيف يمكن الخروج من هذه الوضعية؟
- إن الهدف من الدعوة إلى تأجيل الزيادات في الأجور، والرفع من مساهمات بعض المهن على مستوى الجباية، هو تحسين الموازنات المالية العمومية، ومن ثم الالتفات إلى مشكلات البطالة والتنمية والتفاوت بين الجهات. ولتحقيق هذه الانطلاقة الاقتصادية سعينا خلال المنتدى الدولي للاستثمار إلى تقديم مشاريع ذات جدوى اقتصادية، وأجرينا دراسات دقيقة لعدة مشاريع، أهمها مشاريع البنى التحتية والطاقات المتجددة، ونحن ننتظر تفاعلا إيجابيا معها من قبل المستثمرين العرب والأجانب.
* لكن تجربة تونس مع الوعود الدولية في مجال الدعم الاقتصادي لم تكن إيجابية بعد ثورة 2011، حيث تلقت عدة وعود لكنها بقيت حبرا على ورق.
- هذا صحيح، غير أن المناسبة الجديدة ستكون مختلفة، ذلك أن الحكومة التونسية ستتقدم بمشاريع مشتركة بين القطاعين العام والخاص، وستركز على المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، ونحن ننتظر إمضاءات وإعلانات صريحة بتمويل تلك المشاريع من قبل المشاركين في المنتدى الدولي للاستثمار، ولدينا ثقة تامة بنجاح هذا المنتدى في جلب استثمارات مهمة إلى الاقتصاد التونسي.
* توليتم رئاسة الحكومة قبل نحو ثلاثة أشهر، ما تقييمكم لنتائج هذه الفترة؟
- واجهت حكومة الوحدة الوطنية كما هائلا من الصعوبات، واعتمدت لغة الحوار في علاقتها مع الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية، ومرت كل مؤسسات الدولة بفترة صعبة. لكن لدينا ثقة كبرى في تجاوز هذه الصعوبات.
* نفيتم قبل تسلمكم رئاسة الحكومة ترشحكم لهذا المنصب، لكنكم قبلتم به عندما كلفكم الرئيس التونسي بصفة رسمية، ما الذي دفعكم إلى القبول؟ وهل ندمتم على توليكم هذه المهمة الصعبة؟
- لولا وجود تلك الصعوبات لما جاءت حكومة الوحدة الوطنية، التي أشركت أكثر من طرف سياسي ونقابي في تركيبتها. لقد كنت خلال تلك الفترة وزيرا للشؤون المحلية ومنضما للعمل الحكومي والسياسي، وقد لبيت الواجب نظرا للوضع الصعب الذي تمر به تونس، ولمصلحتها ومن أجلها دخلنا العملية السياسية وقبلنا التحدي، ولن نندم أبدا على قرارنا خدمة تونس.
* لكن فترة توليكم الحكم عرفت عدة انتقادات، بما يوحي أن حكومة الوحدة الوطنية لم تحقق الشيء الكثير.
- هناك انتقادات، ولكن بالتوازي مع ذلك هناك صعوبات جمة. ونحن نعتقد أننا حققنا كثيرا من النتائج الجيدة. فقد أعدنا إنتاج الفوسفات في مناجم المظيلة (جنوب غربي) بعد أشهر طويلة من انقطاع الإنتاج، وتوصلنا عبر الحوار إلى حلول مع عدد من الاحتجاجات الاجتماعية، على غرار اعتصام شركة «بتروفاك» البريطانية العاملة في مجال المحروقات، كما عالجنا مشكلة النظافة، وعملنا على تحسين عدة مؤشرات اجتماعية واقتصادية. لكن هذه النتائج غير كافية إذا قارناها بمستوى انتظارات التونسيين.
لقد واجهنا صعوبات مختلفة، ولكن ما يهمنا اليوم هو عدم توقف آلة الإنتاج، من خلال اعتماد الحوار في المقام الأول، وتطبيق القانون في حال عدم نجاح الحوار. لقد حققنا ما نقدر عليه، وهو مهم مقارنة مع حجم التحديات.
* برأيكم ما أهم مشكل تعاني منه تونس؟
- اهتمامنا منصب حاليا على التشغيل، لأنه المشكل الأساسي والأهم، وأعتقد أنه أكثر أهمية من أي خلاف سياسي أو اجتماعي في البلاد. ونحن على وعي كبير بأن حل معضلة البطالة في صفوف الشباب سيقينا كثيرا من المشكلات والمصاعب والإفرازات غير المحبذة، ومن بينها ظاهرة الإرهاب والانحراف السلوكي بمختلف درجاته.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.