الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

إسماعيل عمر غيلة أكد أن علاقة بلاده مع السعودية تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة
TT

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

من وسط مبانٍ بسيطة بُنيت حديثا، وأخرى تاريخية وقديمة، يدير الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيلة، شؤون بلاده التي تتطلع للعب دور مهم في العالم الجديد، معتمدة على موقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب والقرن الأفريقي. ويقول إن الدولة، محدودة الموارد، تستعد لفتح أبواب واسعة للتعاون عربيا وأفريقيا ودوليا على الصعيد الاقتصادي والأمني والعسكري، مشددا على عمق علاقة بلاده مع المملكة العربية السعودية والتي تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم.
وفي وقت جرى فيه توقيع اتفاقية للتعاون الأمني بين جيبوتي والسعودية، يؤكد الرئيس غيلة على أن البلدين «سيبرمان قريبا اتفاقية أخرى للتعاون العسكري».
ويقول الرئيس الجيبوتي إن بلاده لا تخشى من تنافس عسكري بين الدول الكبرى فوق الأراضي الجيبوتية، لأن وجودها موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب وضد القرصنة البحرية ولحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم، مشيرا إلى أن العالم شهد خلال العقد الأخير أزمات معقدة أدت إلى تبلور أوضاع اقتصادية وسياسية وأمنية حرجة. ويضيف أن هذا الأمر أدى لانعكاسات خطيرة للأوضاع الدولية، منها انتشار واسع، لم يسبق له مثيل، للإرهاب والعنف والتطرف.
وقطعت جيبوتي علاقتها بطهران التي تدعم المتمردين الحوثيين، وانضمت للتحالف العربي الذي تقوده السعودية لمساندة الشرعية في اليمن، ودخلت أيضا في التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب. ويقول الرئيس غيلة إن إيران تتدخل بشكل سافر في شؤون عدة دول عربية، من بينها اليمن والبحرين وسوريا والعراق، من خلال إثارة الفتنة الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح، ما أدى لزعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول، وحوَّلها لساحات حروب، معربا عن اعتقاده في أنه من حق العرب أن يتصدوا لهذا الدور الهدام الذي تلعبه إيران في المنطقة العربية بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
ومن خلال حديثه، يبدو أن الرئيس الجيبوتي يضع نصب عينيه تنفيذ خطة شاملة للنهوض بدولته الفقيرة من خلال فتح أبواب التعاون العربي والأفريقي والدولي. ويقول إن أفريقيا سوق استهلاكية ضخمة وستشهد ظهور طبقة متوسطة تتمتع بقوة شرائية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار بحلول عام 2020 ما يجعل القارة جاذبة للمستثمرين الأجانب، مشيرا إلى أن التحدي الرئيسي أمام تحقيق التطلعات الإنمائية في القارة يكمن في غياب البنية التحتية الحديثة في مجال الطرق والطاقة وغيرهما.
وإلى نص الحوار..
* فخامة الرئيس.. شاركتم في عدة محافل دولية خلال الشهرين الماضيين، منها الاجتماع السنوي للأمم المتحدة في نيويورك، والقمة العربية في موريتانيا. كيف تنظرون إلى خريطة العالم اليوم، مقارنة بما كان عليه قبل عشر سنوات، خاصة فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، على الصعيد الدولي، وقضية التضامن والتعاون على الصعيد العربي؟
- شهد العالم خلال العقد الأخير أزمات معقدة أدت إلى تبلور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية الحرجة التي تسود في الكثير من أنحاء العالم في الظرف الراهن. وكجزء من هذه الانعكاسات الخطيرة للأوضاع الدولية، فإن الإرهاب والعنف والتطرف سجل انتشارا واسع النطاق على نحو لم يسبق له مثيل، ويبذل المجتمع الدولي جهودا متواصلة لمحاربة هذه الظاهرة وتجفيف منابعها. وفي هذا السياق، فإن من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن التصدي بفعالية لهذه الآفة يتطلب تعاونا دوليا وثيقا، كما يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر فقط على الجانب الأمني والعسكري، بل تتعامل أيضا مع الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح بتنامي الإرهاب. وفيما يتعلق بالجزء الثاني من سؤالك، فإن المنطقة العربية شهدت خلال السنوات الأخيرة أزمات سياسية وأمنية خطيرة تستدعي تعزيز التضامن والتعاون وتكريس كافة الجهود في سبيل وحدة الصف العربي، انطلاقا من وحدة الهدف والمصير، لمواجهة تداعيات هذه الأزمات، والتصدي للتحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، والعمل على نشر ثقافة السلم والاعتدال والتسامح، ونبذ كل أشكال الغلو والتطرف والعنف والكراهية، ومعالجة الأزمات العربية بالطرق السلمية، ورفع التحديات التنموية وترسيخ قيم العدل والمساواة، والإسراع في تنفيذ مشروعات التكامل العربي القائمة وتوسيع فرص الاستثمارات بين الدول العربية، وإيجاد آليات لمساعدة الدول العربية الأقل نموًّا وتأهيل اقتصادياتها، ونأمل أن تؤتي الجهود العربية المبذولة في هذا الاتجاه أكلها.
* منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تشهد حالة من الاضطراب منذ سنوات، وذلك بالنظر إلى القلاقل الموجودة في الصومال والحرب في اليمن والقرصنة البحرية وغيرها. ما الدور الذي تلعبه جيبوتي للمساعدة في جعل هذه المنطقة أكثر أمنا واستقرارا؟
- تعتبر الأزمة الصومالية والحرب في اليمن والقرصنة البحرية والإرهاب والجفاف المتكرر (قلة مياه الأمطار) من التحديات الرئيسية التي تعاني منها هذه المنطقة الحيوية من العالم على الصعيدين الأمني والتنموي. وكما يعلم الجميع فإن جمهورية جيبوتي تضطلع بدور طليعي في الجهود المبذولة لمواجهة هذه التحديات وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، لينعكس ذلك إيجابا على التكامل والتضامن الاقتصادي وتعزيز فرص العيش الكريم لشعوبها.
* كانت لكم زيارة منذ نحو سنة إلى السعودية حيث التقيتم مع الملك سلمان بن عبد العزيز. فإلى أي حد تطورت العلاقات بين البلدين، في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، خاصة بعد انضمام جيبوتي للتحالف العربي المساند للشرعية في اليمن والتحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب؟
- علاقاتنا مع المملكة العربية والسعودية الشقيقة هي علاقات أخوية تاريخية متينة تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم والتنسيق العالي على المستويات كافة. ومنذ زيارتي الرسمية للرياض منذ نحو عام ولقائي بأخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، فإن علاقاتنا مع المملكة شهدت نقلة نوعية كبيرة. وقد أكدنا حينها كقيادتين سياسيتين، على ضرورة الارتقاء بهذه العلاقة إلى المستوى الاستراتيجي. وأستطيع أن أؤكد أن قيادتي البلدين تمكنتا من تحقيق ذلك الهدف. وفي هذا المضمار، وقع البلدان الشقيقان مؤخرا اتفاقية للتعاون الأمني، وسيبرمان قريبا اتفاقية أخرى للتعاون العسكري. كما نترقب في قادم الأيام انعقاد المنتدى الاقتصادي الجيبوتي السعودي الذي سيشهد إطلاق مجلس مشترك لرجال الأعمال الجيبوتيين والسعوديين، وكل ذلك يبرز مدى التطور الذي تشهده العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين الشقيقين على مختلف الأصعدة. أما فيما يتصل بموقف جيبوتي من التحالف العربي المساند للشرعية في اليمن، فإنه يأتي في سياق التنسيق والتعاون الوثيق القائم مع المملكة، كما يعكس في ذات الوقت الواجب الأخوي والأخلاقي الذي يتحتم علينا القيام به حيال أشقائنا اليمنيين الذين تجمعنا بهم روابط القرابة والجوار والتاريخ والحضارة. أما انضمامنا إلى التحالف الإسلامي الذي تقوده المملكة انطلاقا من دورها الريادي والقيادي في العالم الإسلامي، فعلاوة على كونه يندرج في إطار التنسيق الفعال الموجود بيننا وبين المملكة، فإنه يعكس أيضا رؤيتنا بأن إنشاء هذا التحالف كان مطلبا ملحا لشعوب الدول الإسلامية التي عانت أكثر من غيرها من الإرهاب الأعمى الذي يرتكب جرائمه البشعة دون تفريق بين دين أو مذهب أو عرق.
* قطعتم العلاقة الدبلوماسية مع إيران تضامنا مع السعودية عقب الاعتداء الذي تعرضت له سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد بإيران مطلع هذا العام. في هذا الإطار، كيف تنظرون إلى الاتهامات الموجهة إلى إيران بالتدخل في الشؤون العربية، ومنها اليمن والعراق وسوريا؟
- دور إيران في المنطقة العربية لم يعد سرا، فقد قامت إيران مرارا وتكرارا بالتدخل بشكل سافر في شؤون عدة دول عربية، من بينها اليمن والبحرين وسوريا والعراق من خلال إثارة الفتنة الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح، مما أدى إلى زعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول العربية وحولها إلى ساحات حروب. وأعتقد أنه من حق العرب أن يتصدوا لهذا الدور الهدام الذي تلعبه إيران في المنطقة العربية بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
* تأتي فترة رئاستكم الجديدة في وقت يشهد فيه العالم الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والأمنية، بينما تزداد الأهمية الدولية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب. هل تخشى جيبوتي من مغبة التأثر بالتنافس من عدة دول كبرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والصين، على الاستفادة من موقع بلادكم الجغرافي، خاصة أن مقر القيادة الأفريقية التابعة للقوات المسلحة الأميركية، يوجد في جيبوتي، مع ظهور تسريبات عن رغبة الصين في إيجاد صيغة لتعاون عسكري كبير مع بلادكم؟
- قطعا، لا نخشى من ذلك، لأن الوجود العسكري للدول الكبرى التي ذكرتموها في جيبوتي ليس استقطابا أو تنافسا بين هذه الدول على مصالح اقتصادية واستراتيجية في منطقتنا، ولكنه موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية وحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم من العالم، كما أننا بالمقابل نسعى إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار والتنمية في بلادنا على وجه الخصوص وفي المنطقة على وجه العموم. إذن فإنه يمكنني القول بأنه توجد هناك مصالح مشتركة، كما يوجد هنالك هدف مشترك يصبو إليه الجميع، ويتمثل في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وصون السلم والأمن الدوليين.
* كيف ترون مستقبل التعاون في القارة الأفريقية مع الوضع في الاعتبار أن «منظمة الإيقاد» التي تضم دولا أفريقية تأسست في جيبوتي عام 1986، بهدف زيادة التعاون في الأمن الغذائي وحماية البيئة وتعزيز وصون السلم والأمن. كما أن جيبوتي عضو فاعل في منظمة الكوميسا. فما هي العراقيل التي تطمحون إلى التغلب عليها للوصول إلى قوة اقتصادية أفريقية قادرة على سد احتياجات الداخل والمنافسة مع التكتلات الاقتصادية في القارات الأخرى؟
- أفريقيا قارة واعدة، بمواردها الطبيعية والبشرية الهائلة، فقد حققت القارة معدلات نمو اقتصادي سريعة خلال الأعوام الماضية، كما يتوقع أن تحقق معدلات نمو لافتة خلال السنوات القليلة المقبلة، حيث يرى المحللون الاقتصاديون بناء على الحقائق الديموغرافية أن القارة ستشهد ظهور طبقة متوسطة تتمتع بقوة شرائية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار بحلول عام 2020، أضف إلى ذلك كونها سوقا استهلاكية ضخمة، ووفرة الأيدي العاملة فيها، كل هذه العوامل تجعل القارة الأفريقية جاذبة للمستثمرين الأجانب. ومع ذلك، فإن غياب البنية التحتية الحديثة في مجال الطرق والطاقة وغيرها يعد التحدي الرئيسي أمام تحقيق التطلعات الإنمائية في أفريقيا بما في ذلك تعزيز القدرة التنافسية للقارة، وتحقيق التكامل الاقتصادي والتصنيع السريع، والتحول الهيكلي لاقتصادها. وهناك مساع تبذل حاليا على المستوى القاري للتغلب على هذا التحدي، ففي جيبوتي على سبيل المثال قمنا باستثمار ملايين الدولارات خلال السنوات القليلة الماضية في تطوير البنية التحتية اللوجستية (كالطرق البرية والسكك الحديدية)، وكذلك البنية التحتية المالية والتجارية والتي تخدم اليوم الاقتصاديين على مستوى المنطقة.
* ما مدى رضاكم عن طريقة عمل الجامعة العربية بوضعها الراهن؟ وما هو تصور جيبوتي لتطوير عمل الجامعة بما يمكنها من لعب دور فاعل في القضايا المتسارعة التي تشهدها المنطقة؟
- جامعة الدول العربية قامت عبر مسيرتها المديدة التي بدأت قبل سبعين عاما ببذل جهود جبارة في حلحلة قضايا عديدة، وإذا نظرنا إليها بوصفها منظمة تجمع بين «دول»، وأخذنا كذلك بعين الاعتبار الطابع التقليدي الذي تميز به الميثاق المنشئ لها، فإنه يمكننا القول بأن ثمة إنجازات وإيجابيات عديدة تحققت، ولكن توجد أيضا في المقابل بعض السلبيات التي لا يمكن أن نغفلها أو نقلل من شأنها. وعلى الرغم من أوجه القصور التي شابت أداءها، فإن جامعة الدول العربية ستبقى الإطار التنظيمي الملائم لتجسيد آمال الأمة العربية. ومع ذلك، فإنني أعتقد أنه توجد هنالك حاجة إلى إصلاح وتطوير آليات عمل الجامعة العربية وتفعيل دورها. وعليه، فإنه لا بد من العمل بجدية من أجل تطوير الجامعة وتدعيم أجهزتها ومؤسساتها، وذلك من خلال تعديل الميثاق على نحو يكفل لها القدرة المناسبة على تحقيق أغراضها وتخويلها السلطات والصلاحيات اللازمة لذلك، حتى يتسنى لها القيام بدور فاعل في القضايا المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، فضلا عن مواكبة التطورات والمستجدات على الساحة الدولية.
* شاركتم في أعمال الدورة الـ71 للجمعية العمومية للأمم المتحدة وقمة القادة في نيويورك حول أزمة اللاجئين. هل ترى ثمة إجراءات دولية حقيقية لمساعدة جيبوتي في التعاطي مع مشكلة اللاجئين خاصة أولئك القادمين من منطقة القرن الأفريقي ودولة اليمن؟
- جمهورية جيبوتي، منذ استقلالها، استضافت أعدادا كبيرة من اللاجئين من الدول المجاورة الهاربين من ويلات الحرب أو الآثار المدمرة للجفاف. وتشكل الأحداث الطبيعية والأفعال البشرية والتغير المناخي والتدهور البيئي مجتمعة، تهديدات تفاقم ظاهرة النزوح في أفريقيا بشكل عام وفي منطقة القرن الأفريقي على وجه الخصوص. وعلى الرغم من مواردنا المحدودة، فإن التزامنا قوي بمد يد العون لأولئك الذين يلجأون إلينا، حيث فتحنا لهم بيوتنا وقلوبنا، وقدمنا لهم المساعدة الإنسانية اللازمة. وهذا يتماشى مع القيم التي نعتز بها كدولة وكشعب، وفي هذا الصدد، قمنا بإنشاء وكالة خاصة تعنى بتقديم المساعدة للاجئين وضحايا الكوارث، والأزمات الإنسانية التي تضرب المنطقة. وبالإضافة إلى اللاجئين الموجودين منذ سنوات في بلادنا وجلهم من الصومال وإثيوبيا، فقد لجأ إلينا مؤخرا عدد كبير من إخواننا اليمنيين الذين اضطرتهم لذلك الأوضاع التي يشهدها اليمن الشقيق. وقد بادرنا على المستويين الرسمي والشعبي إلى تقديم العون الإنساني اللازم لهم في حدود إمكاناتنا، وساهمت منظمات دولية وإنسانية أيضا في المهمة، وإن كنا نعتقد أن هذه المساهمة لم تكن ترقى إلى المستوى المأمول. ومهما يكن من أمر، فإن الجهات الدولية والهيئات الإنسانية التي تعنى بشؤون اللاجئين تواكب جهود الحكومة الجيبوتية وتقدم إسهامات معتبرة، ولكن في ظل حرصنا الشديد على توفير كافة المتطلبات للاجئين الموجودين في بلادنا، فإننا نأمل أن نحظى بدعم أكبر من هذه الجهات والهيئات.
* لبلادكم تجربة مهمة في التعامل مع مشكلة اللاجئين.. فوفقا لتقرير البنك الدولي كان عدد اللاجئين في جيبوتي نحو 77.6 ألف في عام 1990، لكنه انخفض إلى أقل من 10 آلاف في عام 2007، إلا أن العدد ارتفع مرة أخرى إلى نحو 14.5 ألف لاجئ حسب إحصاء 2014. فما هو عدد اللاجئين حاليا في جيبوتي وما هي البلاد التي ينتمون إليها، وكيف تتعامل جيبوتي مع هذه المشكلة، وتأثير ذلك على الاستقرار والأمن وخطط التنمية في البلاد؟
- عدد اللاجئين الموجودين حاليا في جيبوتي يصل إلى 21.412 لاجئا حسب إحصائية أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وينتمون في غالبيتهم العظمى إلى اليمن والصومال وإثيوبيا، كما توجد بينهم قلة تنحدر من بلدان أخرى من قبيل العراق وسوريا وإريتريا. وتتعاطى جيبوتي مع هذه القضية من منطلق إنساني بحت، وكما ذكرت آنفا، فإن التزامنا قوي حيال مساعدة كل من يلجأ إلينا هاربا من ويلات الصراع في بلده، وتوفير الحماية له وضمان احترام حقوقه. وفي هذا الصدد، تبنت جيبوتي في عام 1977 تشريعات قانونية لضمان احترام حقوق اللاجئين. وتعززت هذه التشريعات بعد إنشاء المكتب الوطني لغوث اللاجئين والمنكوبين الذي يعتبر الآلية الرئيسية في مجال التعاطي مع شؤون اللاجئين. ومهما يكن من أمر، فإن التشريعات والآليات بشأن اللاجئين ساعدتنا على تنظيم عملية إدارة أوضاع اللاجئين وتوفير المتطلبات والاحتياجات لهم، بما في ذلك الحماية وعدم الإعادة القسرية. وفي ظل حرصنا على التعامل مع هذه المسألة بحكمة وبكل إنسانية، فإنه لا يوجد تأثير سلبي لوجود اللاجئين على الاستقرار والأمن وخطط التنمية في البلاد.
* هل كنتم تتوقعون أن ينتهي ما يعرف بـ«الربيع العربي» الذي ضرب المنطقة العربية في 2011، بهذه الطريقة التي نشهدها من فوضى ولاجئين واقتتال أهلي في دول مثل ليبيا وسوريا؟ وما هي الدروس المستفادة مما جرى بالنظر إلى الخسائر الكبيرة التي أصيبت بها شعوب هذه الدول؟
- إنه لأمر مؤلم، أن نرى كل هذه الفوضى والأزمات السياسية والأمنية الخطيرة التي أعقبت ما يعرف بالربيع العربي. وعموما، فإنني أعتقد أنه من المهم أن يتم رصد مثل هذه الحالات وتقييمها والإعداد لها ووضع الخطط والبرامج لاستيعابها والتعامل معها في سبيل الأمن والاستقرار والرخاء للمواطنين وتعزيز فرص المشاركة السياسية وخلق الأجواء الاقتصادية الملائمة لرفاهية المواطن الذي وجدت وانتخبت الحكومات في كل مكان في الدنيا من أجل خدمته ورعايته الرعاية اللائقة والكريمة بتوفير الغذاء والطعام والعلاج والتعليم ومحاربة الفقر والبطالة والعمل على تحقيق التنمية المستدامة، بالإضافة إلى حرية التعبير عن الرأي بانضباط في إطار النظام والقانون.
* تتمتعون بخلفية دينية من خلال دراستكم كطالب في «المعهد الديني»، وتتمتعون أيضا بخلفية أمنية من خلال عملكم في السابق كـ«مفتش في الشرطة». في رأيكم وبخبرتكم الطويلة، وبالنظر إلى ما تتعرض له عدة دول من أحداث عنف في الغرب والشرق، ما هي الحدود الفاصلة بين الإرهاب والعمل السياسي. وما هي الطريقة المثلى في رأيكم للقضاء على التشدد والتطرف في العالم؟
- أعتقد أنه توجد هنالك أوجه تقاطع بين المفهومين، فالإرهاب مرتبط بالعقائد والأفكار. والعمل السياسي يمثل في حقيقته مجموعة من المبادئ والرؤى والتصورات التي تبنى من خلالها الظاهرة السياسية. وبالتالي، فإنه قد يكون هنالك إرهاب سياسي وعنف سياسي، وكلاهما يعتبران شكلين من أشكال الإرهاب ويندرجان في إطار العمل السياسي بمفهومه الشامل، وقد يكون هنالك كذلك توظيف سياسي للإرهاب. ومع ذلك، فإن مصطلح ممارسة العمل السياسي كثيرا ما ينصرف عند إطلاقه إلى القيام بهذه الممارسة وفق الأطر الديمقراطية والقانونية وفي ظل تكريس الشفافية والعلانية ونبذ الإرهاب والعنف. أما التشدد أو التطرف فقد يكون ناجما عن أسباب اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو تربوية أو دينية أو سياسية أو طائفية أو نفسية، ومن ثم فإن الطريقة الأنسب للقضاء عليه تكمن، في اعتقادي، في معالجة أسبابه ومواجهته بفكر معاكس ومضاد، وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش والعمل على ترسيخ مبادئ التسامح والاعتراف بالآخر والحوار واللاّعنف.
* هل كانت هناك قرارات لم يسعفكم الوقت لاتخاذها وتنفيذها خلال فترة رئاستكم الماضية، وترون أنه يمكن إصدارها وتفعيلها في فترة الولاية الجديدة، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي والدولي؟
- أعتقد أن النجاح والإخفاق من الأمور البديهية في الحياة، وأستطيع القول إننا اتخذنا الكثير من القرارات الناجحة في المرحلة الماضية، لكننا لم نتمكن من القيام بكل ما كنا نود القيام به، وبالتأكيد فإننا سنسعى في المرحلة المقبلة إلى إنجاز ما لم نتمكن من إنجازه، وآمل أن يحالفنا التوفيق والسداد.
* هذه هي السنة الأولى لكم في فترة ولايتكم الجديدة للرئاسة، والتي بدأت بنشاط للقضاء على البطالة وإعادة البناء وإحلال المساكن العصرية بدلا من المساكن العشوائية للارتقاء بالعاصمة والمدن المجاورة، بالإضافة إلى مشاريع أخرى لمد خطوط السكك الحديدية إلى إثيوبيا، وتحديث الطيران الجيبوتي وتحديث الموانئ البحرية وتعبيد الطرق.. السؤال: هل الموارد المالية للحكومة في جيبوتي قادرة على تنفيذ كل هذه المشروعات الطموحة، أم أنها ستكون في حاجة إلى الدخول في شراكات مع القطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي؟
- نحن نحرص دائما على تعزيز وتحسين إدارة مواردنا المحدودة وتكريسها لتلبية احتياجاتنا التنموية، وقد نجحنا في إنجاز الكثير في مسيرة بناء هذا البلد، أما الشراكات سواء مع القطاع الخاص المحلي أو العربي والأجنبي فهي تمثل بعدا هاما في استراتيجيتنا التنموية، خاصة في تنفيذ المشاريع العملاقة من قبيل الموانئ والمطارات والسكك الحديدية، وسنمضي قدما في هذه الشراكات خلال المرحلة المقبلة لا سيما وأننا قمنا بتنفيذ الإصلاحات المؤسسية والفنية اللازمة لتوفير المناخ الملائم لهذه الشراكات.
* ماذا تقولون للشارع السياسي الجيبوتي وهو يستعد لخوض الاستحقاقات الانتخابية المحلية التي تجري مطلع العام المقبل، والانتخابات التشريعية في العام التالي؟
- الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة جزء من مسيرة العملية الديمقراطية المستمرة في بلادنا منذ أكثر من عقدين، وشعبنا بات الآن ناضجا بعد تجربته الطويلة في ممارسة هذه العملية، وأنا على يقين بأنه سيخوض الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة بحماس أقوى أكثر من أي وقت مضى لإثراء العملية الديمقراطية ودفعها نحو الأمام.
* ما هو «الحلم الكبير» الذي تتمنون أن يتحقق لجيبوتي بحلول عام 2030، وهو، كما تعلمون، العام الذي حددته الأمم المتحدة لتحقيق التنمية المستدامة للبشرية والكوكب.
- في الواقع فإن «الحلم الكبير» الذي أتمنى أن يتحقق لجيبوتي بحلول عام 2030 يحمل في طياته أهدافا طموحة من أبرزها ما يلي: القضاء على الفقر بجميع أشكاله في عموم التراب الوطني. وضمان تمتّع جميع المواطنين بمختلف فئاتهم العمرية بأنماط عيش صحية وبالرفاهية. وضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع. وضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع. وحصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة. وإقامة بنى تحتية متطورة وقادرة على الصمود، وتعزيز التصنيع الشامل والمستدام، وتشجيع الابتكار. وتوفير السكن اللائق لجميع المواطنين. واتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره.

الرئيس إسماعيل عمر غيلة في سطور
* ولد في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) في بلدة ديرة داوا في إثيوبيا عام 1947. وتلقى تعليمه في المعهد الديني في كل من إثيوبيا وجيبوتي. والتحق بعد ذلك بسلك الشرطة حتى وصل إلى رتبة مفتش.
* ترك العمل الشرطي وانخرط في العمل السياسي، وقاد «حركة استقلال الشعب الأفريقي». وشغل عضوية فريق التفاوض للاستقلال عن فرنسا عام 1977. وعُيِّن عقب الاستقلال رئيسا لمجلس الوزراء الرئاسي.
* بعد عامين من الاستقلال اندمجت «حركة استقلال الشعب الأفريقي» مع أحزاب جيبوتية أخرى. وتشكل من هذا الاندماج «حزب التجمع الشعبي للتقدم». وفي عام 1983 انتخب للجنة المركزية للحزب. وفي عام 1996 انتخب للمرة الثالثة نائبا لرئيس الحزب.
* في فبراير (شباط) عام 1999 رشحه الحزب لرئاسة جيبوتي، وذلك بعد أن قرر حسن غوليد (1916 - 2006) أول رئيس للبلاد منذ استقلالها، عدم ترشحه للانتخابات. وبذلك أصبح غيلة منذ ذلك الوقت ثاني رئيس للبلاد، حيث فاز لولاية رابعة في الانتخابات التي جرت في ربيع هذا العام.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.