الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

إسماعيل عمر غيلة أكد أن علاقة بلاده مع السعودية تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة
TT

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

من وسط مبانٍ بسيطة بُنيت حديثا، وأخرى تاريخية وقديمة، يدير الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيلة، شؤون بلاده التي تتطلع للعب دور مهم في العالم الجديد، معتمدة على موقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب والقرن الأفريقي. ويقول إن الدولة، محدودة الموارد، تستعد لفتح أبواب واسعة للتعاون عربيا وأفريقيا ودوليا على الصعيد الاقتصادي والأمني والعسكري، مشددا على عمق علاقة بلاده مع المملكة العربية السعودية والتي تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم.
وفي وقت جرى فيه توقيع اتفاقية للتعاون الأمني بين جيبوتي والسعودية، يؤكد الرئيس غيلة على أن البلدين «سيبرمان قريبا اتفاقية أخرى للتعاون العسكري».
ويقول الرئيس الجيبوتي إن بلاده لا تخشى من تنافس عسكري بين الدول الكبرى فوق الأراضي الجيبوتية، لأن وجودها موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب وضد القرصنة البحرية ولحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم، مشيرا إلى أن العالم شهد خلال العقد الأخير أزمات معقدة أدت إلى تبلور أوضاع اقتصادية وسياسية وأمنية حرجة. ويضيف أن هذا الأمر أدى لانعكاسات خطيرة للأوضاع الدولية، منها انتشار واسع، لم يسبق له مثيل، للإرهاب والعنف والتطرف.
وقطعت جيبوتي علاقتها بطهران التي تدعم المتمردين الحوثيين، وانضمت للتحالف العربي الذي تقوده السعودية لمساندة الشرعية في اليمن، ودخلت أيضا في التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب. ويقول الرئيس غيلة إن إيران تتدخل بشكل سافر في شؤون عدة دول عربية، من بينها اليمن والبحرين وسوريا والعراق، من خلال إثارة الفتنة الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح، ما أدى لزعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول، وحوَّلها لساحات حروب، معربا عن اعتقاده في أنه من حق العرب أن يتصدوا لهذا الدور الهدام الذي تلعبه إيران في المنطقة العربية بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
ومن خلال حديثه، يبدو أن الرئيس الجيبوتي يضع نصب عينيه تنفيذ خطة شاملة للنهوض بدولته الفقيرة من خلال فتح أبواب التعاون العربي والأفريقي والدولي. ويقول إن أفريقيا سوق استهلاكية ضخمة وستشهد ظهور طبقة متوسطة تتمتع بقوة شرائية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار بحلول عام 2020 ما يجعل القارة جاذبة للمستثمرين الأجانب، مشيرا إلى أن التحدي الرئيسي أمام تحقيق التطلعات الإنمائية في القارة يكمن في غياب البنية التحتية الحديثة في مجال الطرق والطاقة وغيرهما.
وإلى نص الحوار..
* فخامة الرئيس.. شاركتم في عدة محافل دولية خلال الشهرين الماضيين، منها الاجتماع السنوي للأمم المتحدة في نيويورك، والقمة العربية في موريتانيا. كيف تنظرون إلى خريطة العالم اليوم، مقارنة بما كان عليه قبل عشر سنوات، خاصة فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، على الصعيد الدولي، وقضية التضامن والتعاون على الصعيد العربي؟
- شهد العالم خلال العقد الأخير أزمات معقدة أدت إلى تبلور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية الحرجة التي تسود في الكثير من أنحاء العالم في الظرف الراهن. وكجزء من هذه الانعكاسات الخطيرة للأوضاع الدولية، فإن الإرهاب والعنف والتطرف سجل انتشارا واسع النطاق على نحو لم يسبق له مثيل، ويبذل المجتمع الدولي جهودا متواصلة لمحاربة هذه الظاهرة وتجفيف منابعها. وفي هذا السياق، فإن من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن التصدي بفعالية لهذه الآفة يتطلب تعاونا دوليا وثيقا، كما يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر فقط على الجانب الأمني والعسكري، بل تتعامل أيضا مع الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح بتنامي الإرهاب. وفيما يتعلق بالجزء الثاني من سؤالك، فإن المنطقة العربية شهدت خلال السنوات الأخيرة أزمات سياسية وأمنية خطيرة تستدعي تعزيز التضامن والتعاون وتكريس كافة الجهود في سبيل وحدة الصف العربي، انطلاقا من وحدة الهدف والمصير، لمواجهة تداعيات هذه الأزمات، والتصدي للتحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، والعمل على نشر ثقافة السلم والاعتدال والتسامح، ونبذ كل أشكال الغلو والتطرف والعنف والكراهية، ومعالجة الأزمات العربية بالطرق السلمية، ورفع التحديات التنموية وترسيخ قيم العدل والمساواة، والإسراع في تنفيذ مشروعات التكامل العربي القائمة وتوسيع فرص الاستثمارات بين الدول العربية، وإيجاد آليات لمساعدة الدول العربية الأقل نموًّا وتأهيل اقتصادياتها، ونأمل أن تؤتي الجهود العربية المبذولة في هذا الاتجاه أكلها.
* منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تشهد حالة من الاضطراب منذ سنوات، وذلك بالنظر إلى القلاقل الموجودة في الصومال والحرب في اليمن والقرصنة البحرية وغيرها. ما الدور الذي تلعبه جيبوتي للمساعدة في جعل هذه المنطقة أكثر أمنا واستقرارا؟
- تعتبر الأزمة الصومالية والحرب في اليمن والقرصنة البحرية والإرهاب والجفاف المتكرر (قلة مياه الأمطار) من التحديات الرئيسية التي تعاني منها هذه المنطقة الحيوية من العالم على الصعيدين الأمني والتنموي. وكما يعلم الجميع فإن جمهورية جيبوتي تضطلع بدور طليعي في الجهود المبذولة لمواجهة هذه التحديات وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، لينعكس ذلك إيجابا على التكامل والتضامن الاقتصادي وتعزيز فرص العيش الكريم لشعوبها.
* كانت لكم زيارة منذ نحو سنة إلى السعودية حيث التقيتم مع الملك سلمان بن عبد العزيز. فإلى أي حد تطورت العلاقات بين البلدين، في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، خاصة بعد انضمام جيبوتي للتحالف العربي المساند للشرعية في اليمن والتحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب؟
- علاقاتنا مع المملكة العربية والسعودية الشقيقة هي علاقات أخوية تاريخية متينة تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم والتنسيق العالي على المستويات كافة. ومنذ زيارتي الرسمية للرياض منذ نحو عام ولقائي بأخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، فإن علاقاتنا مع المملكة شهدت نقلة نوعية كبيرة. وقد أكدنا حينها كقيادتين سياسيتين، على ضرورة الارتقاء بهذه العلاقة إلى المستوى الاستراتيجي. وأستطيع أن أؤكد أن قيادتي البلدين تمكنتا من تحقيق ذلك الهدف. وفي هذا المضمار، وقع البلدان الشقيقان مؤخرا اتفاقية للتعاون الأمني، وسيبرمان قريبا اتفاقية أخرى للتعاون العسكري. كما نترقب في قادم الأيام انعقاد المنتدى الاقتصادي الجيبوتي السعودي الذي سيشهد إطلاق مجلس مشترك لرجال الأعمال الجيبوتيين والسعوديين، وكل ذلك يبرز مدى التطور الذي تشهده العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين الشقيقين على مختلف الأصعدة. أما فيما يتصل بموقف جيبوتي من التحالف العربي المساند للشرعية في اليمن، فإنه يأتي في سياق التنسيق والتعاون الوثيق القائم مع المملكة، كما يعكس في ذات الوقت الواجب الأخوي والأخلاقي الذي يتحتم علينا القيام به حيال أشقائنا اليمنيين الذين تجمعنا بهم روابط القرابة والجوار والتاريخ والحضارة. أما انضمامنا إلى التحالف الإسلامي الذي تقوده المملكة انطلاقا من دورها الريادي والقيادي في العالم الإسلامي، فعلاوة على كونه يندرج في إطار التنسيق الفعال الموجود بيننا وبين المملكة، فإنه يعكس أيضا رؤيتنا بأن إنشاء هذا التحالف كان مطلبا ملحا لشعوب الدول الإسلامية التي عانت أكثر من غيرها من الإرهاب الأعمى الذي يرتكب جرائمه البشعة دون تفريق بين دين أو مذهب أو عرق.
* قطعتم العلاقة الدبلوماسية مع إيران تضامنا مع السعودية عقب الاعتداء الذي تعرضت له سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد بإيران مطلع هذا العام. في هذا الإطار، كيف تنظرون إلى الاتهامات الموجهة إلى إيران بالتدخل في الشؤون العربية، ومنها اليمن والعراق وسوريا؟
- دور إيران في المنطقة العربية لم يعد سرا، فقد قامت إيران مرارا وتكرارا بالتدخل بشكل سافر في شؤون عدة دول عربية، من بينها اليمن والبحرين وسوريا والعراق من خلال إثارة الفتنة الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح، مما أدى إلى زعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول العربية وحولها إلى ساحات حروب. وأعتقد أنه من حق العرب أن يتصدوا لهذا الدور الهدام الذي تلعبه إيران في المنطقة العربية بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
* تأتي فترة رئاستكم الجديدة في وقت يشهد فيه العالم الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والأمنية، بينما تزداد الأهمية الدولية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب. هل تخشى جيبوتي من مغبة التأثر بالتنافس من عدة دول كبرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والصين، على الاستفادة من موقع بلادكم الجغرافي، خاصة أن مقر القيادة الأفريقية التابعة للقوات المسلحة الأميركية، يوجد في جيبوتي، مع ظهور تسريبات عن رغبة الصين في إيجاد صيغة لتعاون عسكري كبير مع بلادكم؟
- قطعا، لا نخشى من ذلك، لأن الوجود العسكري للدول الكبرى التي ذكرتموها في جيبوتي ليس استقطابا أو تنافسا بين هذه الدول على مصالح اقتصادية واستراتيجية في منطقتنا، ولكنه موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية وحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم من العالم، كما أننا بالمقابل نسعى إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار والتنمية في بلادنا على وجه الخصوص وفي المنطقة على وجه العموم. إذن فإنه يمكنني القول بأنه توجد هناك مصالح مشتركة، كما يوجد هنالك هدف مشترك يصبو إليه الجميع، ويتمثل في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وصون السلم والأمن الدوليين.
* كيف ترون مستقبل التعاون في القارة الأفريقية مع الوضع في الاعتبار أن «منظمة الإيقاد» التي تضم دولا أفريقية تأسست في جيبوتي عام 1986، بهدف زيادة التعاون في الأمن الغذائي وحماية البيئة وتعزيز وصون السلم والأمن. كما أن جيبوتي عضو فاعل في منظمة الكوميسا. فما هي العراقيل التي تطمحون إلى التغلب عليها للوصول إلى قوة اقتصادية أفريقية قادرة على سد احتياجات الداخل والمنافسة مع التكتلات الاقتصادية في القارات الأخرى؟
- أفريقيا قارة واعدة، بمواردها الطبيعية والبشرية الهائلة، فقد حققت القارة معدلات نمو اقتصادي سريعة خلال الأعوام الماضية، كما يتوقع أن تحقق معدلات نمو لافتة خلال السنوات القليلة المقبلة، حيث يرى المحللون الاقتصاديون بناء على الحقائق الديموغرافية أن القارة ستشهد ظهور طبقة متوسطة تتمتع بقوة شرائية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار بحلول عام 2020، أضف إلى ذلك كونها سوقا استهلاكية ضخمة، ووفرة الأيدي العاملة فيها، كل هذه العوامل تجعل القارة الأفريقية جاذبة للمستثمرين الأجانب. ومع ذلك، فإن غياب البنية التحتية الحديثة في مجال الطرق والطاقة وغيرها يعد التحدي الرئيسي أمام تحقيق التطلعات الإنمائية في أفريقيا بما في ذلك تعزيز القدرة التنافسية للقارة، وتحقيق التكامل الاقتصادي والتصنيع السريع، والتحول الهيكلي لاقتصادها. وهناك مساع تبذل حاليا على المستوى القاري للتغلب على هذا التحدي، ففي جيبوتي على سبيل المثال قمنا باستثمار ملايين الدولارات خلال السنوات القليلة الماضية في تطوير البنية التحتية اللوجستية (كالطرق البرية والسكك الحديدية)، وكذلك البنية التحتية المالية والتجارية والتي تخدم اليوم الاقتصاديين على مستوى المنطقة.
* ما مدى رضاكم عن طريقة عمل الجامعة العربية بوضعها الراهن؟ وما هو تصور جيبوتي لتطوير عمل الجامعة بما يمكنها من لعب دور فاعل في القضايا المتسارعة التي تشهدها المنطقة؟
- جامعة الدول العربية قامت عبر مسيرتها المديدة التي بدأت قبل سبعين عاما ببذل جهود جبارة في حلحلة قضايا عديدة، وإذا نظرنا إليها بوصفها منظمة تجمع بين «دول»، وأخذنا كذلك بعين الاعتبار الطابع التقليدي الذي تميز به الميثاق المنشئ لها، فإنه يمكننا القول بأن ثمة إنجازات وإيجابيات عديدة تحققت، ولكن توجد أيضا في المقابل بعض السلبيات التي لا يمكن أن نغفلها أو نقلل من شأنها. وعلى الرغم من أوجه القصور التي شابت أداءها، فإن جامعة الدول العربية ستبقى الإطار التنظيمي الملائم لتجسيد آمال الأمة العربية. ومع ذلك، فإنني أعتقد أنه توجد هنالك حاجة إلى إصلاح وتطوير آليات عمل الجامعة العربية وتفعيل دورها. وعليه، فإنه لا بد من العمل بجدية من أجل تطوير الجامعة وتدعيم أجهزتها ومؤسساتها، وذلك من خلال تعديل الميثاق على نحو يكفل لها القدرة المناسبة على تحقيق أغراضها وتخويلها السلطات والصلاحيات اللازمة لذلك، حتى يتسنى لها القيام بدور فاعل في القضايا المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، فضلا عن مواكبة التطورات والمستجدات على الساحة الدولية.
* شاركتم في أعمال الدورة الـ71 للجمعية العمومية للأمم المتحدة وقمة القادة في نيويورك حول أزمة اللاجئين. هل ترى ثمة إجراءات دولية حقيقية لمساعدة جيبوتي في التعاطي مع مشكلة اللاجئين خاصة أولئك القادمين من منطقة القرن الأفريقي ودولة اليمن؟
- جمهورية جيبوتي، منذ استقلالها، استضافت أعدادا كبيرة من اللاجئين من الدول المجاورة الهاربين من ويلات الحرب أو الآثار المدمرة للجفاف. وتشكل الأحداث الطبيعية والأفعال البشرية والتغير المناخي والتدهور البيئي مجتمعة، تهديدات تفاقم ظاهرة النزوح في أفريقيا بشكل عام وفي منطقة القرن الأفريقي على وجه الخصوص. وعلى الرغم من مواردنا المحدودة، فإن التزامنا قوي بمد يد العون لأولئك الذين يلجأون إلينا، حيث فتحنا لهم بيوتنا وقلوبنا، وقدمنا لهم المساعدة الإنسانية اللازمة. وهذا يتماشى مع القيم التي نعتز بها كدولة وكشعب، وفي هذا الصدد، قمنا بإنشاء وكالة خاصة تعنى بتقديم المساعدة للاجئين وضحايا الكوارث، والأزمات الإنسانية التي تضرب المنطقة. وبالإضافة إلى اللاجئين الموجودين منذ سنوات في بلادنا وجلهم من الصومال وإثيوبيا، فقد لجأ إلينا مؤخرا عدد كبير من إخواننا اليمنيين الذين اضطرتهم لذلك الأوضاع التي يشهدها اليمن الشقيق. وقد بادرنا على المستويين الرسمي والشعبي إلى تقديم العون الإنساني اللازم لهم في حدود إمكاناتنا، وساهمت منظمات دولية وإنسانية أيضا في المهمة، وإن كنا نعتقد أن هذه المساهمة لم تكن ترقى إلى المستوى المأمول. ومهما يكن من أمر، فإن الجهات الدولية والهيئات الإنسانية التي تعنى بشؤون اللاجئين تواكب جهود الحكومة الجيبوتية وتقدم إسهامات معتبرة، ولكن في ظل حرصنا الشديد على توفير كافة المتطلبات للاجئين الموجودين في بلادنا، فإننا نأمل أن نحظى بدعم أكبر من هذه الجهات والهيئات.
* لبلادكم تجربة مهمة في التعامل مع مشكلة اللاجئين.. فوفقا لتقرير البنك الدولي كان عدد اللاجئين في جيبوتي نحو 77.6 ألف في عام 1990، لكنه انخفض إلى أقل من 10 آلاف في عام 2007، إلا أن العدد ارتفع مرة أخرى إلى نحو 14.5 ألف لاجئ حسب إحصاء 2014. فما هو عدد اللاجئين حاليا في جيبوتي وما هي البلاد التي ينتمون إليها، وكيف تتعامل جيبوتي مع هذه المشكلة، وتأثير ذلك على الاستقرار والأمن وخطط التنمية في البلاد؟
- عدد اللاجئين الموجودين حاليا في جيبوتي يصل إلى 21.412 لاجئا حسب إحصائية أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وينتمون في غالبيتهم العظمى إلى اليمن والصومال وإثيوبيا، كما توجد بينهم قلة تنحدر من بلدان أخرى من قبيل العراق وسوريا وإريتريا. وتتعاطى جيبوتي مع هذه القضية من منطلق إنساني بحت، وكما ذكرت آنفا، فإن التزامنا قوي حيال مساعدة كل من يلجأ إلينا هاربا من ويلات الصراع في بلده، وتوفير الحماية له وضمان احترام حقوقه. وفي هذا الصدد، تبنت جيبوتي في عام 1977 تشريعات قانونية لضمان احترام حقوق اللاجئين. وتعززت هذه التشريعات بعد إنشاء المكتب الوطني لغوث اللاجئين والمنكوبين الذي يعتبر الآلية الرئيسية في مجال التعاطي مع شؤون اللاجئين. ومهما يكن من أمر، فإن التشريعات والآليات بشأن اللاجئين ساعدتنا على تنظيم عملية إدارة أوضاع اللاجئين وتوفير المتطلبات والاحتياجات لهم، بما في ذلك الحماية وعدم الإعادة القسرية. وفي ظل حرصنا على التعامل مع هذه المسألة بحكمة وبكل إنسانية، فإنه لا يوجد تأثير سلبي لوجود اللاجئين على الاستقرار والأمن وخطط التنمية في البلاد.
* هل كنتم تتوقعون أن ينتهي ما يعرف بـ«الربيع العربي» الذي ضرب المنطقة العربية في 2011، بهذه الطريقة التي نشهدها من فوضى ولاجئين واقتتال أهلي في دول مثل ليبيا وسوريا؟ وما هي الدروس المستفادة مما جرى بالنظر إلى الخسائر الكبيرة التي أصيبت بها شعوب هذه الدول؟
- إنه لأمر مؤلم، أن نرى كل هذه الفوضى والأزمات السياسية والأمنية الخطيرة التي أعقبت ما يعرف بالربيع العربي. وعموما، فإنني أعتقد أنه من المهم أن يتم رصد مثل هذه الحالات وتقييمها والإعداد لها ووضع الخطط والبرامج لاستيعابها والتعامل معها في سبيل الأمن والاستقرار والرخاء للمواطنين وتعزيز فرص المشاركة السياسية وخلق الأجواء الاقتصادية الملائمة لرفاهية المواطن الذي وجدت وانتخبت الحكومات في كل مكان في الدنيا من أجل خدمته ورعايته الرعاية اللائقة والكريمة بتوفير الغذاء والطعام والعلاج والتعليم ومحاربة الفقر والبطالة والعمل على تحقيق التنمية المستدامة، بالإضافة إلى حرية التعبير عن الرأي بانضباط في إطار النظام والقانون.
* تتمتعون بخلفية دينية من خلال دراستكم كطالب في «المعهد الديني»، وتتمتعون أيضا بخلفية أمنية من خلال عملكم في السابق كـ«مفتش في الشرطة». في رأيكم وبخبرتكم الطويلة، وبالنظر إلى ما تتعرض له عدة دول من أحداث عنف في الغرب والشرق، ما هي الحدود الفاصلة بين الإرهاب والعمل السياسي. وما هي الطريقة المثلى في رأيكم للقضاء على التشدد والتطرف في العالم؟
- أعتقد أنه توجد هنالك أوجه تقاطع بين المفهومين، فالإرهاب مرتبط بالعقائد والأفكار. والعمل السياسي يمثل في حقيقته مجموعة من المبادئ والرؤى والتصورات التي تبنى من خلالها الظاهرة السياسية. وبالتالي، فإنه قد يكون هنالك إرهاب سياسي وعنف سياسي، وكلاهما يعتبران شكلين من أشكال الإرهاب ويندرجان في إطار العمل السياسي بمفهومه الشامل، وقد يكون هنالك كذلك توظيف سياسي للإرهاب. ومع ذلك، فإن مصطلح ممارسة العمل السياسي كثيرا ما ينصرف عند إطلاقه إلى القيام بهذه الممارسة وفق الأطر الديمقراطية والقانونية وفي ظل تكريس الشفافية والعلانية ونبذ الإرهاب والعنف. أما التشدد أو التطرف فقد يكون ناجما عن أسباب اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو تربوية أو دينية أو سياسية أو طائفية أو نفسية، ومن ثم فإن الطريقة الأنسب للقضاء عليه تكمن، في اعتقادي، في معالجة أسبابه ومواجهته بفكر معاكس ومضاد، وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش والعمل على ترسيخ مبادئ التسامح والاعتراف بالآخر والحوار واللاّعنف.
* هل كانت هناك قرارات لم يسعفكم الوقت لاتخاذها وتنفيذها خلال فترة رئاستكم الماضية، وترون أنه يمكن إصدارها وتفعيلها في فترة الولاية الجديدة، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي والدولي؟
- أعتقد أن النجاح والإخفاق من الأمور البديهية في الحياة، وأستطيع القول إننا اتخذنا الكثير من القرارات الناجحة في المرحلة الماضية، لكننا لم نتمكن من القيام بكل ما كنا نود القيام به، وبالتأكيد فإننا سنسعى في المرحلة المقبلة إلى إنجاز ما لم نتمكن من إنجازه، وآمل أن يحالفنا التوفيق والسداد.
* هذه هي السنة الأولى لكم في فترة ولايتكم الجديدة للرئاسة، والتي بدأت بنشاط للقضاء على البطالة وإعادة البناء وإحلال المساكن العصرية بدلا من المساكن العشوائية للارتقاء بالعاصمة والمدن المجاورة، بالإضافة إلى مشاريع أخرى لمد خطوط السكك الحديدية إلى إثيوبيا، وتحديث الطيران الجيبوتي وتحديث الموانئ البحرية وتعبيد الطرق.. السؤال: هل الموارد المالية للحكومة في جيبوتي قادرة على تنفيذ كل هذه المشروعات الطموحة، أم أنها ستكون في حاجة إلى الدخول في شراكات مع القطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي؟
- نحن نحرص دائما على تعزيز وتحسين إدارة مواردنا المحدودة وتكريسها لتلبية احتياجاتنا التنموية، وقد نجحنا في إنجاز الكثير في مسيرة بناء هذا البلد، أما الشراكات سواء مع القطاع الخاص المحلي أو العربي والأجنبي فهي تمثل بعدا هاما في استراتيجيتنا التنموية، خاصة في تنفيذ المشاريع العملاقة من قبيل الموانئ والمطارات والسكك الحديدية، وسنمضي قدما في هذه الشراكات خلال المرحلة المقبلة لا سيما وأننا قمنا بتنفيذ الإصلاحات المؤسسية والفنية اللازمة لتوفير المناخ الملائم لهذه الشراكات.
* ماذا تقولون للشارع السياسي الجيبوتي وهو يستعد لخوض الاستحقاقات الانتخابية المحلية التي تجري مطلع العام المقبل، والانتخابات التشريعية في العام التالي؟
- الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة جزء من مسيرة العملية الديمقراطية المستمرة في بلادنا منذ أكثر من عقدين، وشعبنا بات الآن ناضجا بعد تجربته الطويلة في ممارسة هذه العملية، وأنا على يقين بأنه سيخوض الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة بحماس أقوى أكثر من أي وقت مضى لإثراء العملية الديمقراطية ودفعها نحو الأمام.
* ما هو «الحلم الكبير» الذي تتمنون أن يتحقق لجيبوتي بحلول عام 2030، وهو، كما تعلمون، العام الذي حددته الأمم المتحدة لتحقيق التنمية المستدامة للبشرية والكوكب.
- في الواقع فإن «الحلم الكبير» الذي أتمنى أن يتحقق لجيبوتي بحلول عام 2030 يحمل في طياته أهدافا طموحة من أبرزها ما يلي: القضاء على الفقر بجميع أشكاله في عموم التراب الوطني. وضمان تمتّع جميع المواطنين بمختلف فئاتهم العمرية بأنماط عيش صحية وبالرفاهية. وضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع. وضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع. وحصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة. وإقامة بنى تحتية متطورة وقادرة على الصمود، وتعزيز التصنيع الشامل والمستدام، وتشجيع الابتكار. وتوفير السكن اللائق لجميع المواطنين. واتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره.

الرئيس إسماعيل عمر غيلة في سطور
* ولد في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) في بلدة ديرة داوا في إثيوبيا عام 1947. وتلقى تعليمه في المعهد الديني في كل من إثيوبيا وجيبوتي. والتحق بعد ذلك بسلك الشرطة حتى وصل إلى رتبة مفتش.
* ترك العمل الشرطي وانخرط في العمل السياسي، وقاد «حركة استقلال الشعب الأفريقي». وشغل عضوية فريق التفاوض للاستقلال عن فرنسا عام 1977. وعُيِّن عقب الاستقلال رئيسا لمجلس الوزراء الرئاسي.
* بعد عامين من الاستقلال اندمجت «حركة استقلال الشعب الأفريقي» مع أحزاب جيبوتية أخرى. وتشكل من هذا الاندماج «حزب التجمع الشعبي للتقدم». وفي عام 1983 انتخب للجنة المركزية للحزب. وفي عام 1996 انتخب للمرة الثالثة نائبا لرئيس الحزب.
* في فبراير (شباط) عام 1999 رشحه الحزب لرئاسة جيبوتي، وذلك بعد أن قرر حسن غوليد (1916 - 2006) أول رئيس للبلاد منذ استقلالها، عدم ترشحه للانتخابات. وبذلك أصبح غيلة منذ ذلك الوقت ثاني رئيس للبلاد، حيث فاز لولاية رابعة في الانتخابات التي جرت في ربيع هذا العام.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.