انتهى حلم الإليزيه إلى الأبد.. هذه الحقيقة المرة كانت صعبة التقبل لدى الآلاف من مناصري الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي كان يعد الأيام ليثأر من الهزيمة التي ألحقها به فرنسوا هولاند قبل خمسة أعوام، وليعود مظفرا إلى رأس السلطة.
وكانت خطة ساركوزي بالغة البساطة: خوض التنافس للفوز بترشيح اليمين والوسط، ثم المنازلة الرئاسية في شهر مايو (أيار) المقبل ليواجه مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، التي تقول استطلاعات الرأي إنها ستتأهل للجولة الثانية.
وبالنسبة لساركوزي فقد كانت الجولة الأولى من الانتخابات التمهيدية محسومة لجهة تأهله ليوم الأحد المقبل، إذ إن استطلاعات الرأي كافة كانت تتوقع أن يواجه رئيس الحكومة الأسبق آلان جوبيه «الأقوى» شعبية من بين المرشحين السبعة. ولأن ساركوزي كان يرى أن المجتمع الفرنسي يميل يمينا، فقد اعتمد خطابا شعبويا قريبا من خطاب دونالد ترامب، مركزا على قيم الهوية الوطنية ومحاربة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية والوقوف بوجه «التمدد الإسلامي»، والمطالبة بقانون يمنع «البوركيني»، وآخر يمنع البرقع في الفضاء العام، ويطالب بـ«صهر» الوافدين في البوتقة الفرنسية وليس «اندماجهم». وترافق ذلك مع برنامج اقتصادي ليبرالي، أول بنوده إلغاء الضريبة على الثروة، وإضعاف النقابات وخفض الضرائب على الشركات، والقطيعة «الفجة» مع العهد الاشتراكي.
وقد كان ساركوزي يعول على ديناميته، ويعتبر أن برنامجه الجذري سيجلب له الكثير من مناصري اليمين المتطرف، وسينجح في تخطي جوبيه في الدورة الثانية المقررة الأحد المقبل ليكون جاهزا للمنافسة الكبرى. لكن المفاجأة كانت أن فرنسوا فيون، رئيس الحكومة السابق «الرجل المنسي» الذي لم يكن أحد يرى فيه تهديدا جديا، والذي كان يلهث وراء المرشحين الرئيسيين هو الذي كان «فلتة الشوط».
ومرة أخرى، تبين استطلاعات الرأي كم أنها «عمياء»، إذ إن أيا منها لم يستطع أن يكتشف أن فيون ليس فقط سيحل في المرتبة الأولى في انتخابات الأحد، بل إنه «سيسحق» منافسيه الاثنين سحقا. فقد حصل فرنسوا فيون على 44 في المائة من أصوات المقترعين متقدما 16 نقطة على آلان جوبيه «28 في المائة» و24 نقطة «20 في المائة» على ساركوزي، ما يعني أن الأخير سيترك السياسة من بابها الضيق.
وفي الكلمة التي ألقاها أمام محازبيه بعد إعلان النتائج، اعترف الرئيس السابق بالهزيمة، والأهم من ذلك أمران: إعلانه أنه سينتخب لصالح فيون الأحد المقبل «للقرابة بين برنامجه وبرنامج» الأخير. وهذا التحول فاجأ الكثيرين لأن ساركوزي لم يكن معروفا عنه احترامه الفضفاض لفيون، الذي كان يصفه بأنه «معاونه» وليس رئيس حكومة.
كما أن الأخير أثار فضيحة الصيف الماضي عندما كشف أنه تدخل لدى الرئاسة الفرنسية للتعجيل في إحكام قبضة القضاء على ساركوزي بسبب فضائحه الكثيرة ولإزاحته من المنافسة. أما الأمر الثاني فهو أن ساركوزي أعلن ليلة أول من أمس «اعتزال» الحياة السياسية للاهتمام بشؤونه «الخاصة». وبذلك يخرج من المسرح الرجل الذي «ملأ الدنيا وشغل الناس» في السنوات العشر الأخيرة رئيسا للجمهورية ورئيس حزب «الجمهوريون»، ومعارضا شرسا للعهد الاشتراكي.
بحصوله على 44 في المائة من الأصوات، وبفضل الدينامية السياسية التي أطلقها في الأسابيع الأخيرة، وخصوصا بفضل الدعم الذي لقيه من ساركوزي ومن المرشح الآخر برونو لومير «2.5 في المائة من الأصوات»، يقترب فيون كثيرا من الفوز بترشيح اليمين والوسط، رغم أن جوبيه أعلن أنه «مستمر» في المعركة واعدا بـ«مفاجأة أخرى» مساء الأحد المقبل. غير أن جوبيه الذي وعد بإجراء إصلاحات مقبولة ودعا إلى «الوئام» و«العيش المشترك» بين مكونات المجتمع كافة، بمن فيهم المسلمون، سيكون عليه من الصعب أن يقلب النتائج، علما بأن فيون يحتاج فقط لست نقاط إضافية ليفوز بالترشيح.
والسؤال الذي يشغل المحللين منذ مساء الأحد هو التالي: ما هو سر نجاح فيون المفاجئ والصاعق؟
يمثل فيون اليمين الكلاسيكي الفرنسي الكاثوليكي البورجوازي. ويمكن توصيف برنامجه الانتخابي كالتالي: فيون ليبرالي فيما يخص الاقتصاد، ومحافظ في ما يخص المسائل الاجتماعية، ومتشدد في موضوع الأمن والحفاظ على سلامة الفرنسيين ومحاربة الإرهاب، وصاحب خط مختلف في السياسة الخارجية، سمته الدعوة للتقارب مع موسكو والتركيز على الإرهاب وليس على الأسد.
وقد استفاد فيون من «حرب الزعيمين» ساركوزي وجوبيه. فالأول رفضه الفرنسيون لأنه متقلب وشعبوي، والثاني لم يزكه الناخبون لأن ساركوزي وأنصاره شنوا عليه حربا شعواء، متهمين إياه بالتعويل على أصوات اليسار وبالتواطؤ مع رئيس حزب «الحركة الديمقراطية» فرنسوا بايرو، وبأنه لا يمثل «قطيعة» مع العهد الاشتراكي، لا بل إنه متعاطف مع التيارات الإسلامية إلى درجة تسميته «علي جوبيه». ولذا اتجه ناخبو اليمين الكلاسيكي نحو رجل له خبرة في إدارة شؤون الدولة، ويتسم بالرصانة والمحافظة، كما أن برنامجه يميني بامتياز إلى درجة أن كثيرين يرون قرابة بينه وبين رئيسة الوزراء البريطانية الأسبق مارغريت تاتشر لجهة البرنامج الاقتصادي - الاجتماعي.
لكل هذه الأسباب كذب فيون كل استطلاعات الرأي. فالرجل الشهير بحاجبيه الكثيفين وهاوي سباقات السيارات التي يشارك فيها شخصيا، اقترب كثيرا من قصر الإليزيه إلا إذا حصل حادث خارج عن المألوف.
فاليسار الفرنسي يعاني من الانقسامات، والرئيس هولاند هبطت شعبيته إلى مستويات غير مسبوقة، ويتعين عليه أن يعلن قراره خوض الانتخابات الرئاسية، أو الامتناع عنها الشهر المقبل. وحتى الآن، دخل حلبة التنافس ثلاثة من وزرائه «أرنو مونتبوغ وبونوا هامون»، وآخرهم وزير الاقتصاد المستقيل إيمانويل ماكرون. يضاف إلى هؤلاء مرشحان عن الخضر، وآخر عن اليسار المتشدد «جان لوك ميلونشون»، ما يعني أن أصوات اليسار ستشتت وأن المرشح الرسمي للحزب الاشتراكي «أي العمود الفقري لليسار» سيغيب عن الجولة الانتخابية الثانية، وفق ما تفيد به استطلاعات الرأي «في حال صدقت توقعاتها». وهكذا سيجد فيون نفسه بمواجهة مارين لوبن التي يرجح كثيرا فوزه عليها ليكون ثامن رئيس للجمهورية الخامسة.
10:21 دقيقه
فرنسوا فيون «يسحق» منافسيه.. وساركوزي يترك السياسة من الباب الضيق
https://aawsat.com/home/article/790156/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%88%D8%A7-%D9%81%D9%8A%D9%88%D9%86-%C2%AB%D9%8A%D8%B3%D8%AD%D9%82%C2%BB-%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%81%D8%B3%D9%8A%D9%87-%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D9%83%D9%88%D8%B2%D9%8A-%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%8A%D9%82
فرنسوا فيون «يسحق» منافسيه.. وساركوزي يترك السياسة من الباب الضيق
أربعة ملايين ناخب وفائز واحد وستة خاسرين في الانتخابات الرئاسية
الرئيس السابق نيكولا ساركوزي يلقي كلمة أمام أنصاره خلال حملته الانتخابية أول من أمس في باريس (أ.ف.ب)
- باريس: ميشال أبونجم
- باريس: ميشال أبونجم
فرنسوا فيون «يسحق» منافسيه.. وساركوزي يترك السياسة من الباب الضيق
الرئيس السابق نيكولا ساركوزي يلقي كلمة أمام أنصاره خلال حملته الانتخابية أول من أمس في باريس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





