عبد محفوظ: أنتج أفضل تحت الضغط وعندما تكون أجواء العمل ديناميكية

من بائع متجول إلى مصمم عالمي

المصمم عبد محفوظ في معمله
المصمم عبد محفوظ في معمله
TT

عبد محفوظ: أنتج أفضل تحت الضغط وعندما تكون أجواء العمل ديناميكية

المصمم عبد محفوظ في معمله
المصمم عبد محفوظ في معمله

رغم أنه تعرض لحادث أثناء ممارسته هوايته في التزلج على المياه، لم يهدأ المصمم اللبناني عبد محفوظ أو يركن إلى السكينة ولو للحظة واحدة.. فأثناء اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في غرفة «الوحي» التي يجلس فيها لأكثر من 10 ساعات في اليوم والواقعة في مبنى مجاور لمركز «ستاركو» وسط بيروت حيث مشغله، لم يتخل عن ديناميكيته وابتسامته الدائمة. شرع أمامنا أبواب مشغله ومكاتبه كما فتح لنا قلبه فكان حوارا تلقائيا وصريحا استهله بالقول: «أحب مهنتي كثيرا وسر نجاحي هو عشقي لها وللأقمشة بنوع خاص».
ما إن تدخل غرفته الخاصة التي يسميها «inspiration room» حتى تلفتك الفوضى المنظمة التي يتبعها فيها. هنا على طاولة مستطيلة، تتوسط الغرفة كومة أقمشة من الدانتيل والتول والشيفون، ومساطر صغيرة لإكسسوارات تستخدم في التطريز، وعلى طرف الطاولة رسومات لقصات ما زالت قيد الإنشاء. حتى الحائط لم يسلم من لمسات المصمم، حيث علق عليه شاشة ضخمة تعرض أحدث تصاميمه لخريف 2013 وشتاء 2014. يشرح قائلا: «هذه الفوضى التي ترينها هنا بمثابة نواة أفكار أجمعها وأطورها لتصبح في ما بعد تصاميم». ويتابع: «انظري هنا (يشير إلى نموذج من قماش الدانتيل البيج والمحاك بخيوط ذهبية) هذا القماش أحببته وجعلني أستوحي منه تصميم ثوب مفعم بالأنوثة. أما هذا (مشيرا إلى قماش فضي لماع) فرغم أنه لفتني في البداية لكن سرعان ما بعث في نفسي الملل فتركته من دون رجعة».
كان لا بد من سؤاله كيف يقرر بين لحظة وأخرى وفي هذه الزحمة من الأقمشة ما يريده بالفعل، ليرد مبتسما: «أولا لدي ذاكرة لا تخونني، ثم كل شيء في مهنتنا نكتسبه مع الوقت، فعيوني زائد أناملي وخيالي كلها مجتمعة تتحكم بقراراتي. أما نوعية الأقمشة بحد ذاتها فهي التي تدفعني إلى اختيارها وتحمسني».
عبد محفوظ الذي دخل هذه المهنة منذ نحو ثلاثين عاما مساعدا لشقيقته، الخياطة خيرية محفوظ، التي كانت تنفذ التصاميم بينما يقوم هو بتسويقها، تبدل كليا. صارت لديه أحلامه وهواجس بعد تجربة بسيطة، يقول: «عندما وجدت بالصدفة في نفس المكان مع أحد المصممين اللبنانيين الأوائل، كان يبيع أحد تصاميمه لسيدة مشهورة بمبلغ لا يمكن مقارنته بما كنت أعرضه أنا عليها في تلك الفترة من الثمانينات، مما ولد بداخلي نوعا من التحدي، بأن أبرز ما لدي من إمكانات دفينة. وهكذا انفصلت عن شقيقتي وانطلقت وحيدا أرتب أموري، وبالتحدي وصلت إلى هنا وما زلت حتى اليوم أسير على نفس الفكرة».
أخيرا أطلق عبد محفوظ تصاميمه في الـ«هوت كوتير» في أسبوع الأزياء الإيطالي، «ألتا روما»، في مجموعة تميزت بتنوع الأقمشة والألوان المستوحاة من الطبيعة وأوراق وأغصان الشجر فكانت بمثابة لوحات سريالية من «التول» و«الدانتيل» و«الكريب». يقول عبد محفوظ: «أردت أن أخرج فيها عن المألوف فقلبت الموازين واستخدمت الألوان الفاتحة لفصل الشتاء بدل القاتمة، وهكذا كان الأخضر والمرجاني والأزرق والأصفر إلى جانب الأحمر القاني، ألواني للخريف والشتاء عوضا عن الربيع والصيف».
السبب كما يقول يعود إلى المرأة التي أصبحت اليوم منفتحة وملمة بكل شيء، يشرح: «إنها تعرف كل شيء يتعلق بأسرار الموضة وبأحدث صيحاتها، بفضل المواقع الاجتماعية الإلكترونية التي شرعت أمامها الأبواب لتنهل منها كل ما يهمها. تصوري أنني شاهدت مع إحدى زبوناتي صورا لتصاميم قديمة لي منشورة على موقع (أنستاغرام)؟! أنا نفسي نسيتها وتفاجأت عند رؤيتي لها».
ويضيف عبد محفوظ أنه لم يعد يصادف صعوبات تذكر في عمله في الـ«هوت كوتير»، يقول: «لقد سلمتها لمديري الفني، غسان حويك، الذي يعمل معي منذ ثلاث عشرة سنة، وأصبح يفهمني جيدا ويقرأ أفكاري بسرعة مما خفف عني العبء في هذا المجال».
الأمر يختلف في مجال الأزياء الجاهزة التي أطلقها منذ ثلاث سنوات، لهذا عليه أن يصب كل اهتمامه عليها، يقول: «لقد أصبحت أنام وأحلم وأستيقظ وأنا أفكر بتصاميمها، فهي تتطلب ملاحقة دائمة وخصوصا أنني لم أجد بعد حتى اليوم شخصا كغسان يستطيع أن يساعدني فيها.. ولكن هذا ليس مهما، فأنا متحمس لعملي الجديد وأضعه في أولوياتي، وخصوصا أنني أحب العمل في جو يسوده الضغط، لأني أعطي أكثر، وبالنسبة لي فهذا يمنح الأجواء روحا ديناميكية».
كان يتحدث بحماس، وفي الوقت نفسه ينظر إلى قطعة القماش الدانتيل يمسكها ويتحسس نسيجها بأنامله، متابعا: «سأقول لك سرا، مهنتنا صعبة فيها قلق وخوف من الغد، ولكني متصالح مع اليوم والغد معا وتعلمت من الأوروبيين التنظيم، ولذلك وجهتي المقبلة ستكون موسكو. ستسألينني لماذا هذا البلد بالذات؟ والجواب أنه اليوم يشكل مدخلا قويا لدول الخليج، فإلى جانب الخبرة والإبداع يجب أن نتحلى أيضا برؤية سياسية جيدة».
وهنا بادرته أستوضح عن دخوله سوق كردستان، فرد موضحا: «لقد اخترت أربيل لتكون مركزا حيويا جديدا، لهذا افتتحت فيها محلا جديدا بمساحة صغيرة إلى حد ما، إلا أنني أنوي توسيعه في المستقبل. لقد انتبهت إلى أن هذه المدينة العريقة بحاجة إلى لمسات عصرية في مجال الموضة.
وهذه مهمة ممتعة سأبذل جهدي لكي أوفرها لها بالتوفيق بين الزي الكردستاني والتصميم الغربي. وقد لاحظت أن إلمام المرأة الكردستانية بالموضة العالمية لا يزال محدودا رغم أنها أنيقة بطبيعتها». ولا يخفي المصمم أن المهمة ليست سهلة لكنه سعيد بها بدليل أنه سيقدم في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل أول عرض أزياء فيها.
في مشغله الخاص بمجموعته المقبلة للأزياء الجاهزة، في الطابق الأرضي من نفس المبنى، كان لنا جولة طويلة. الصمت هو السائد في المشغل، ففيه يصح قول «ترمي الإبرة وتسمع رنتها». كان الجميع يعمل بتأن وكأنهم خلية نحل. الخياطة أمينة تحيك يدويا ثوبا ذهبيا، وبول حنا (يعمل معه منذ 13 سنة) يشك الدبابيس بروية، ومحمد (ساعده الأيمن) يحاول تفصيل تنورة واسعة لثوب سهرة من التافتا الليلكي عليه رسومات ذهبية. التفت إلي محفوظ وقال: «أبحث دائما عن الأفضل وأتشبث به، لذلك أنا متطلب، في مرات كثيرة، أن أكون فظا وشديد العصبية مع العاملين معي، لكني بمجرد أن أرى نتيجة حلوة حتى أهدأ تماما».



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.