جنوب سوريا.. هدوء على وقع التوازنات الدولية

روسيا تضمن «الوضع الراهن» وإيران لتوسيع نفوذها.. وإسرائيل ضد استخدامه ورقة لمفاوضتها

جنوب سوريا.. هدوء على وقع التوازنات الدولية
TT

جنوب سوريا.. هدوء على وقع التوازنات الدولية

جنوب سوريا.. هدوء على وقع التوازنات الدولية

لم يبدّل القصف المتقطع لقوات النظام السوري على مناطق جنوب سوريا، في مشهد «الهدوء المؤقت» الذي تشهده الجبهة الجنوبية منذ أكثر من سنة، ذلك أن «توازن القوى» بين الطرفين، يكاد يكون معدومًا في ظل «جهود غربية مكبّلة» بفعل الانتظار لما ستؤول إليه التغييرات في السياسة الخارجية الأميركية إثر فوز الرئيس دونالد ترامب. بيد أن الرهان على تغييرات في المواقف الغربية، لا يكبّل وحده غرفة «الموك» التي عُرفت في وقت سابق بكونها أبرز الداعمين للفصائل العسكرية السورية المعارضة في الجنوب. فالتفاهم الذي جمع روسيا مع الأردن من جهة، وروسيا وإسرائيل من جهة أخرى، للإبقاء على الجبهة «باردة» يُسهِم في ضبط النظام السوري، عبر روسيا، عن إطلاق عمليات عسكرية واسعة في المنطقة الجنوبية، في حين يسهم في ضبط قوات المعارضة عن تنفيذ عمليات واسعة أيضًا ضد قوات النظام، بحكم عدم تلقيها الدعم العسكري من غرفة «الموك» (مركز العمليات العسكرية)، وتتولى روسيا في الحالتين ضبط الجبهة.
لم تشهد خريطة النفوذ في الجبهة الجنوبية لسوريا، تبدلاً استراتيجيًا منذ نحو عشرة أشهر، حيث ما زال نظام بشار الأسد يحافظ على مواقع سيطرته في مدينة درعا، عاصمة محافظة درعا وكبرى مدن الجنوب السوري بعد العاصمة دمشق، وعلى خط إمدادها الرئيسي من دمشق، وذلك بعدما فقد السيطرة على أكثر من 70 في المائة من أريافها خلال معارك واسعة شهدتها المنطقة على دفعات بدءًا من 2011.
ومنذ اليوم الأول لإطلاق المعارضة عملياتها في درعا، وسّع النظام آلة القصف، بالنظر إلى أن درعا، التي تبعد نحو 100 كيلومتر عن دمشق، تمثل أبلغ تهديد لنفوذ النظام في العاصمة، في وقت مثلت فيه أكبر تهديد شعبي له، بالنظر إلى أن المدينة تعتبر أول من انتفض ضد النظام في منتصف مارس (آذار) 2011. ولقد شكلت درعا وريف محافظتها، التي تمتد لتغطي معظم سهل حوران، مهد الانتفاضة الشعبية المطالبة بإصلاحات، خصوصا بعدما أقدمت السلطات على اعتقال وتعذيب فتيان إثر اشتباهها بكتابتهم شعارات مناهضة للنظام على الجدران.
وشيئًا فشيئًا، استطاعت المعارضة السيطرة على أكثر من 75 في المائة من مساحة المحافظة، ووصلت معاقلها بمناطق سيطرة المعارضة في القنيطرة، وبالغوطة الغربية لدمشق، بدعم من غرفة «الموك» (مركز العمليات العسكرية) Military Operations Center في الأردن، كما يقول معارضون سوريون، مما شكل تهديدًا كبيرًا للنظام الذي شن معركة في أوائل عام 2015 على ما عُرف باسم «مثلث الموت» الواقع بين مناطق غرب محافظة ريف دمشق الغربي وشمال درعا وشرق محافظة القنيطرة، لمنع اتصال قوات المعارضة في تلك المناطق ببعضها.
وفي ربيع 2015، تواصلت محاولات توسع المعارضة في الريف الغربي لمحافظة القنيطرة الممتد على المنحدرات الشرقية لجبل الشيخ والمتاخم للجولان السوري المحتل. وفي الوقت نفسه، نفّذت قوات المعارضة عمليات عسكرية سيطرت فيها على المناطق الحدودية مع الأردن قرب معبر الرمثا، والريف الشرقي لمحافظة درعا وصولاً إلى الحدود الإدارية مع محافظة السويداء. ومن ثم، اتجهت جنوبًا إلى مدينة درعا حيث تمكنت قوات النظام يومذاك من صدّ هجمات عسكرية واسعة حاولت فيها قوات المعارضة السيطرة على المدينة.
والواقع أن الهدوء بدأ يسود الجبهة الجنوبية في محافظتي درعا والقنيطرة، بعد أقل من شهر على تدخل روسيا العسكري في سوريا في 30 سبتمبر (أيلول) 2015، حيث تراجعت حدة العمليات العسكرية للمعارضة إلى حد كبير، بعد أربعة أشهر على توسع كبير حققته في المنطقة الحدودية مع الأردن، قبل أن يدخل العامل الروسي الذي أتاح لقوات النظام «فرصة لالتقاط الأنفاس» في المنطقة، كما يقول مصدر سوري معارض في الجنوب لـ«الشرق الأوسط». يشير المصدر إلى أن الهدوء الذي ساد الجبهات، دفع قوات النظام إلى «القفز فوق الاعتبارات الروسية» بعد ثلاثة أشهر من الهدوء، ثم الانطلاق في أوائل العام الحالي في عملية عسكرية خاطفة سمحت للنظام استعادة السيطرة على مدينة الشيخ مسكين وميطها، وبالتالي «توسيع رقعة الحماية لخط إمداد النظام من العاصمة إلى مدينة درعا».
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أي تغيير في خريطة النفوذ في الجنوب، يعني طرد النظام من مناطق قليلة يسيطر عليها، إذ وصلت خريطة النفوذ إلى الذروة حيث لا يمتلك النظام، استراتيجيًا، إلا خطوط إمداده إلى مدينة درعا.
ولا ينفي قياديون معارضون أن معارك الجبهة الجنوبية الآن «لا تحظى بتوافق دولي»، وأن قوات المعارضة «لا تمتلك إمكانات عسكرية بغياب الدعم الدولي». وهم يؤكدون أنه «في حال تم تقديم الدعم، فإن ذلك سيرجِّح كفة المعارضة في المعركة». ووفق تعبير المصدر المعارض فإن التوازنات الدولية «تحول دون إطلاق معركة في الوقت الحاضر».

الأردن وفصائل الجبهة
على مدى خمس سنوات، بنى الأردن علاقات جيدة مع فصائل الجبهة الجنوبية. وتعد هذه الفصائل المعتدلة التي تنتمي إلى «الجيش السوري الحر» مقرّبة من عمّان، وكانت قد تلقت دعمًا من الأردن عبر غرفة «الموك» لمواجهة تنظيم «شهداء اليرموك» الموالي لتنظيم داعش المتطرف في ريف درعا الغربي وريف القنيطرة.
غير أن التفاهمات الروسية - الأردنية، كما تقول مصادر متابعة، قضت في وقت سابق بتحييد الجبهة الجنوبية عن القصف الجوي الروسي مقابل التزام فصائل المعارضة في جنوب سوريا بوقف إطلاق النار ووقف العمليات العسكرية ضد النظام، بضمانة غرفة «الموك». وهذا، حسب المصادر، ما أهّل درعا لتكون أكثر المحافظات التزاما بالهدنة الروسية إذ حافظت على تماسكها رغم الخروق التي تعرضت لها.

ثبات «الموك» MOC
وعطفًا على ما سبق، رغم خروق النظام، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي والصاروخي الذي يستهدف مدينة درعا وريفها، لم يطرأ أي تغيير على خطط غرفة «الموك»، منذ التدخل الروسي في سوريا، والتفاهم مع الأردن على تبريد الجبهة الجنوبية. وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، يقول الباحث السياسي الأردني والخبير الاستراتيجي محمد أبو رمان: «أعتقد أن العمل العسكري في الجبهة الجنوبية، هو الآن قيد الانتظار، فالنظام والروس يستغلون فترة عدم وضوح الموقف الأميركي لتحقيق انتصارات على الأرض»، رغم أن المعركة «شبه معطلة».
ويضيف أبو رمان أن «برنامج التدريب مرتبط حصريًا بقتال داعش، وليس بقتال الروس». ويرى أن هناك «تحولات كبيرة، وثمة ترقب فرنسي وبريطاني لمعرفة ما سيحدث بعد انتخاب دونالد ترامب للرئاسة الأميركية»، لافتًا إلى أن تصريحاتهم «لا توحي بخطة لإبعاد الأسد بقدر ما تؤكد أن الجهود تصب لمحاربة (داعش)».
من ناحية أخرى، رغم الهدوء على جبهة الجنوب من قبل المعارضة، ما زالت قوات النظام وحلفائها تخترق المشهد بشكل متكرر بعمليات «انتقائية» و«موضعية»، تحاول فيها قضم مساحات جغرافية لتوسيع «رقعة الأمان» حول الطريق الدولي الذي يربط مدينة درعا بالعاصمة السورية، ويعدّ خط الإمداد الوحيد لقوات النظام المدينة. ولكن، مع ذلك «يستبعد الأردنيون أن يكون الجنوب هو الهدف الثاني للروس بعد حلب»، بحسب ما يقول أبو رمان، الذي يؤكد أن القيادة في العاصمة الأردنية «تعتقد أن موسكو سوف تتجه إلى التهدئة السلمية»، وعليه «لا يبدو في عمّان قلق شديد حول ملف درعا».
في المقابل، بعكس الموقف الأردني، يخالف أبو رمان بتقديره هذه التوقعات، إذ يقول: «أختلف مع الحسابات في هذا التقدير. برأيي، الروس أعلنوا أن الموضوع السلمي صعب تحقيقه، وإذا كان هذا الأمر صحيحًا، فإنه لا يقابله لدى الغرب خطة (ب)، وهو ما يعني أنه في حال شن النظام هجومًا على الجنوب، ما البدائل والخيارات؟». وهنا يضيف: «بالتأكيد هناك اختلال في موازين القوى، إذ إن الروس يحققون تقدمًا، بينما الأميركيون في حالة من التراجع وعدم الوضوح إزاء الأجندة السورية»، لافتًا إلى أن هذا الموقف «يربك الأردن، الذي لا يستطيع التحرك بمعزل عن القرارات الغربية».
رغم ما تقدّم، فإن حسابات الأردن مرتبطة بشكل كامل بالتفاهم مع روسيا حول التهدئة، بينما يدخل عامل آخر حائلاً دون تسخين الجبهة الجنوبية، وهو مرتبط بالاتفاق بين موسكو وتل أبيب، بالنظر إلى أن المنطقة متاخمة لهضبة الجولان السورية المحتلة، حيث تنشط الآلة العسكرية الإسرائيلية بالرد على أي استهداف يطال منطقة الجولان.
ووفق أبو رمان فإن القيادة الأردنية التي لا تتوقع تفجيرًا للجبهة الجنوبية من قبل النظام وروسيا، «تراهن على التفاهمات مع روسيا، وعلى العامل الإسرائيلي، بالنظر إلى أن تل أبيب لا تسمح بوجود الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في المناطق المتاخمة للجولان». ويزيد موضحًا أن الأردن «كان جزءًا من عملية التنسيق الثلاثي في جنوب سوريا، وكان له دور في هندسة تفاهم وقف إطلاق النار في الجنوب». غير الباحث والخبير الأردني، يخالف في الوقت نفسه، هذه التقديرات التي تتحدث عن أن روسيا تضمن عدم تفجير الجبهة، بحكم التفاهم مع إسرائيل أيضًا، ويشرح: «أنا أفرّق بين الأجندة الروسية من جهة، وأجندة إيران و(حزب الله) من جهة ثانية. صحيح أن روسيا غير مهتمة بالجنوب لتحقيق إنجازات عسكرية، لكن إيران والحزب مهتمان بمنطقة مثلث القنيطرة - ريف دمشق الغربي - ريف درعا الشمالي»، منبّهًا إلى أن وجود الإيرانيين والحزب «بازدياد في هذه المنطقة، بحسب ما يلاحظ الجيش السوري الحر، وهو ازدياد هادئ، وقائم وموجود رغم عدم وجود نشاط عسكري بارز لهؤلاء في المنطقة حاليًا».

الاعتبارات الإسرائيلية
العامل الإسرائيلي، يفرض أيضًا «وضعًا راهنًا» (ستاتوس كو) Status Quo في المنطقة الجنوبية لاعتبارين، يشرحهما ماريو أبو زيد، الباحث السياسي اللبناني والخبير في الأزمات الدولية، بالقول: «في الوقت الراهن، تحاول جميع الأطراف إلى حد ما الحفاظ على (الستاتوس كو) القائم في جنوب سوريا، باستثناء النظام الذي يحاول أن يثبت حضوره في المنطقة الجنوبية، خصوصًا على الجبهة المحاذية للجولان، وذلك لاستخدامه في مرحلة لاحقة بموضوع المفاوضات» السورية مع المجتمع الدولي. ويوضح أبو زيد في حديث مع «الشرق الأوسط» أنه «إذا ما تمكن النظام من انتزاع الجولان، أو على الأقل توسيع رقعة نفوذه حوله، فإنه سيفاوض إسرائيل على بقائه أو على إعادة الجولان إلى السيادة السورية».
ويشير أبو زيد إلى أن الاعتبار الثاني، يرجع إلى «الأمن القومي الإسرائيلي»، موضحًا أن «بعض المجموعات المدعومة إسرائيليًا تشكل حاجزًا أمام أي تقدم للنظام، أو أي أعمال عسكرية ما خلا بعض الخروق»، ويلفت إلى أن «الطيران الإسرائيلي يرد على أي تدخل أو تغيير في قواعد التوازن، أو إخلال به، حتى أنه كان يضرب منشقين عن المجموعات المدعومة من إسرائيل». ثم يضيف: «الهدف الأساسي لإسرائيل هو الحفاظ على الهدوء في الجبهة الحدودية مع الجولان، كون المنطقة تشكل خطرًا جديًا على الأمن الإسرائيلي»، مشددًا على أنه «حين تشتعل معارك بين النظام والفصائل المدعومة من تل أبيب، فإن التركيز يكون على قصف قوات النظام، وذلك لإسكات أي محاولات لتغيير قواعد التوازن في المنطقة».

معركة موضعية
من هذا المنطلق، لا يعدو الهجوم الذي شنته فصائل المعارضة السورية في جنوب سوريا على مواقع قوات النظام في المنطقة السهلية المحيطة بمدينة إبطع (إلى الشمال من مدينة درعا بريف درعا الأوسط)، أخيرًا، كونه «معركة موضعية» لا ترقى إلى مستوى «تفجير الجبهة الجنوبية» الهادئة نسبيًا منذ نحو تسعة أشهر، ويعزز فيها النظام متاريسه وقواعده العسكرية، ويستكمل «نشاطًا عسكريًا تكتيكيًا» لقضم مناطق صغيرة، واستهداف قادة المعارضة.
وكانت قوات المعارضة قد تعرّضت لانتكاسة عسكرية في الجنوب حين شنت هجومًا على مواقع النظام فيما يسمى محور «الكتيبة المهجورة»، شرقي إبطع، التي كان النظام قد تقدم إليها قبل نحو شهر. لكن النظام استطاع تطويق الهجوم بعد ساعتين على انطلاقته. ولم تكن تلك المعركة جزءًا من مخطط للسيطرة على مناطق أخرى في الجبهة الجنوبية، وتوسيع رقعة نفوذ المعارضة. ولقد وصف رامي عبد الرحمن، مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، الهجوم بأنه «موضعي وتكتيكي»، يهدف إلى «استعادة السيطرة على مناطق تقدم إليها النظام». وذكر أن الجبهة الهادئة منذ أشهر «يخرقها النظام يوميًا بقصف محدد، واغتيالات وخروق في محاولة لقضم مناطق المعارضة في المنطقة».
وللعلم، تعتبر «كتيبة الدفاع الجوي» المعروفة باسم «الكتيبة المهجورة»، خط الدفاع الأول عن مواقع قوات النظام في مدينة الشيخ مسكين (العاصمة العشائرية القديمة لسهل حوران)، وتقع الكتيبة على طريق درعا - دمشق القديم، وتتمتع بموقع استراتيجي مهم، وهي تمثل الآن نقطة انطلاق وتجمع النظام للهجوم على مدينتي داعل وإبطع الواقعتين جنوب الشيخ مسكين وشمال درعا. وفي حال سيطرت المعارضة على هذه الكتيبة، فإنها ستتمكن من دخول مدينة الشيخ مسكين الاستراتيجية وتصبح مواقع النظام في الشيخ مسكين و«اللواء 82» ومدينة إزرع تحت نيرانهم.
وفي مقابل محاولة المعارضة خرق الجبهة لتجنب «كسر في التوازن القائم» في الجنوب، لم تقدم قوات النظام على كسر حالة الهدوء، معتمدة بدلاً من ذلك على استراتيجية القضم البطيء، وذلك لتحاشي استفزاز الأردن. فالأردن، بحسب جهات مطلعة، لن يكون موقفه كما السابق، بل سيتحرك على خط دعم الفصائل السورية المعتدلة، على ضوء أن هناك 3 أخطار تترتب على انهيار الهدوء في جنوب سوريا، وتدفع الأردن إلى التصرف، هي: أولاً، وجود عشرات آلاف اللاجئين الذين سيتدفقون إلى الأردن. وثانيًا، نمو تنظيم داعش في صفوف الثوار نتيجة الإحباط إذا ما النظام حقق تقدمًا عليهم. وثالثًا، أن المواجهات ستنتقل من ريف درعا إلى المناطق الحدودية مع الأردن، وهو ما سيدفعه دفعًا لدعم الفصائل المعتدلة، بهدف حماية نفسه من هذه التهديدات الثلاثة.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.