مناطق شرق الموصل تطلق نداء استغاثة من الجوع و«داعش»

أهالي قضاء «تلكيف» يواجهون الإبادة الجماعية جوعًا وعطشًا

عراقي مصطحبا طفليه يهرب من المعارك في بلدة بعشيقة شرق الموصل أمس (رويترز)
عراقي مصطحبا طفليه يهرب من المعارك في بلدة بعشيقة شرق الموصل أمس (رويترز)
TT

مناطق شرق الموصل تطلق نداء استغاثة من الجوع و«داعش»

عراقي مصطحبا طفليه يهرب من المعارك في بلدة بعشيقة شرق الموصل أمس (رويترز)
عراقي مصطحبا طفليه يهرب من المعارك في بلدة بعشيقة شرق الموصل أمس (رويترز)

مع استمرار تقدم القوات الأمنية العراقية في تحرير المناطق والأحياء السكنية عند الجانب الأيسر لمدينة الموصل، وصولاً إلى مركزها الذي يحتوي على المبنى الحكومي لمحافظة نينوى عند الجانب الأيمن للمدينة، والذي يسيطر عليه تنظيم داعش منذ ثلاث سنوات وحتى الآن، ومع تقدم القطعات العسكرية تزداد أزمة مئات الآلاف من المدنيين العالقين في الأحياء السكنية بمناطق مدينة الموصل بجانبيها الأيسر والأيمن ونواحيها وأقضيتها المترامية الأطراف. معاناة الأهالي تختلف من مدينة إلى أخرى ومن حي إلى آخر، ففي قضاء تلكيف الواقع على بعد 18 كيلومترا شمال شرقي مدينة الموصل مركز محافظة نينوى، يحاصر تنظيم داعش الآلاف من السكان المدنيين من أهالي القضاء ويمنعهم من مغادرة المدينة، وأطلق الأهالي نداءات استغاثة للحكومة العراقية والقوات الأمنية للإسراع في تحريرهم، وخصوصًا بعد موت عشرات منهم نتيجة الجوع والعطش، وانعدام تام للمواد الغذائية والطبية والخدمات.
وقالت الناشطة في حقوق الإنسان نازك شمدين، من سكان مدينة شنكال في الموصل، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «أكثر من 35 ألف شخص من أهالي قضاء تلكيف يواجهون خطر الإبادة الجماعية جوعًا وعطشًا، وهم محاصرون هناك ويمنعهم تنظيم داعش الإرهابي من الخروج من منازلهم والتوجه صوب القوات الأمنية العراقية، وقد وجهوا نداءات استغاثة مطالبين الحكومة والقوات الأمنية بالإسراع في إنقاذ حياتهم حيث سقط عشرات من الأطفال والنساء وكبار السن ضحايا، نتيجة الجوع والعطش».
وأوضحت شمدين: «إننا نستغرب من عدم تحرير قضاء تلكيف من قبل القوات العراقية، وهي على مسافة قريبة من تواجد قوات الجيش العراقي شرقًا وقوات البيشمركة الكردية عند شمال القضاء، فهناك كثير من المناطق والقرى تم تحريرها، ولم يلتفت أحد إلى نداءات المدنيين الأبرياء المحاصرين هناك، وقد نفد مخزون الغذاء لديهم منذ 27 يوما، مع انعدام تام للكهرباء ومياه الشرب، فيما يقوم مسلحو تنظيم داعش الإرهابي بتضييق الخناق على المدنيين عبر دوريات لهم تجوب طريق حي العربي، وهم الآن متخفون في الأنفاق والملاجئ التي حفروها ويطلقون النار على أي شخص يحاول الخروج من المدينة».
وأشارت شمدين إلى أن «هناك مئات العائلات من أهالي قضاء تلعفر (50 كيلومترا غرب مدينة الموصل) أجبرهم التنظيم الإرهابي على التوجه إلى الأراضي السورية، وتحديدًا إلى مدينة الرقة الخاضعة لسيطرته، وخرجت تلك العائلات تحت تهديد السلاح من قبل عناصر التنظيم، وكان من بين العائلات مئات من النساء الإيزيديات الأسيرات والمغتصبات من قبل التنظيم الإجرامي، واللاتي نقلهن في وقت سابق إلى تلعفر، ويسوقهن اليوم إلى خارج الحدود».
وتابعت شمدين أنه «لا بد للحكومة العراقية من التحرك الفوري لحماية الآلاف من المدنيين الأبرياء من قبضة التنظيم الإرهابي ونشر القوات العراقية على الحدود مع سوريا، منعًا من نقل عائلاتنا إلى مناطق تحت سيطرة التنظيم الإرهابي، هي أكثر خوفًا ورعبًا وخارج حدودنا».
ومنذ انطلاق الحملة العسكرية لتحرير مدينة الموصل، تمكن أكثر من 59 ألف شخص من أهالي القرى والبلدات والمناطق في أطراف المدينة والأحياء السكنية في جانبيها الأيسر والأيمن من الهروب من قبضة تنظيم داعش، والتوجه صوب القوات الأمنية التي نقلتهم إلى مخيمات النزوح، ولا يزال الخطر يهدد نحو مليون آخرين يعيشون في المدينة الواقعة شمال العراق.
وقالت منسقة الشؤون الإنسانیة في العراق التابعة للأمم المتحدة، ليز غراندي، في تقرير صدر أمس، إن «كثيرًا من المناطق التي تمت استعادتها من (داعش) لا تصلح لعودة السكان إليها نتيجة تدمير البنى التحتية فيها، وإن التلوث الشدید المتمثّل بالألغام في تلك المناطق وسیاسة الأرض المحروقة التي تستخدمها الجماعات المسلحة المسیطرة على الموصل، تُشكل مخاطر فوریة وطویلة الأجل على السكان والبیئة، واليوم نحن نعمل باسم المجتمع الإنساني، وبالتعاون مع الشركاء في المجال الإنساني، على تقديم المساعدة إلى النازحین والأُسر الضعیفة في المجتمعات التي تمت استعادتها حدیثًا، حیثما كان ممكنًا».
في هذا الصدد، أضافت غراندي أن الأمم المتحدة ستعمل «بأقصى سرعة ممكنة، وبتنسیق وثیق مع السلطات العراقية، لمساعدة السكان الأكثر عرضة للخطر في العالم».
وأشارت غراندي إلى أن «الأرقام التي أوردها تقرير الأمم المتحدة تشير إلى ما یقرب من 59 ألف شخص نزحوا، منهم 26 ألفا من الأطفال. ویقیم أكثر من 40 ألف نازح في مخیمات رسمیة في ثلاث محافظات، وتدار من قبل الحكومة والأمم المتحدة والمنظمات غیر الحكومیة الوطنیة والدولیة، وتم استقبال أكثر من 13 ألف نازح في المجتمعات المضیفة السخیة، أو یقیمون في المباني والمنشآت الحكومیة. ودعمًا لحكومة العراق، بدأت الأمم المتحدة والمنظمات غیر الحكومیة في تقدیم المساعدة للأسر النازحة والمقیمة في المناطق التي تمت استعادتها حدیثًا».
وشدد التقرير على حاجة الأمم المتحدة والمنظمات غیر الحكومیة إلى موارد إضافیة لدعم عشرات الآلاف من الأُسر التي تحتاج إلى المساعدة العاجلة. ومع اقتراب فصل الشتاء، وانخفاض درجات الحرارة بشكل كبیر في اللیل، تحتاج الأُسر، وكثیر من الذین فروا من دیارهم وليس بحوزتهم شيء تقریبًا، إلى مدافئ وبطاطین ولوازم فصل الشتاء الأخرى. وذكر التقرير أن أكثر من 100 شريك في المجال الإنساني يقومون حالیًا بتقدیم المساعدة إلى الأشخاص المتضررین من العملیات العسكریة الجاریة، وفقًا للمبادئ الإنسانیة والحیادیة والنزاهة والاستقلال. ولفت التقرير إلى أنه مع اقتراب وصول العملیات العسكریة إلى المناطق المكتظة بالسكان في مدینة الموصل، یشعر العاملون في المجال الإنساني بقلق متزاید حول قدرة الأُسر المتضررة من الصراع على الوصول إلى بر الأمان والحصول على المساعدة.
وأوضح التقرير أنه في سیناریو حدوث أسوأ الاحتمالات، فقد یتعرض ما یصل إلى ملیون شخص للخطر الشدید المتمثل بتبادل إطلاق النار والقناصة، وتلوث العبوات الناسفة والطرد القسري والاستخدام دروعًا بشریة. وأن سقوط ضحایا في صفوف المدنیین، وعدم القدرة على علاجهم، یشكل مبعث قلق شدید.



إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.