فن الوشم ينتقل إلى حقائب اليد

دييغو ديلا فالي لـ: تعاوننا مع ساييرا هانغان جزء من فلسفتنا في مزج الفني بالتقاليد الحرفية

حقيبة «دابل تي» Double T الأيقونية التي ألهمت الفنانة ساييرا - الفنانة ساييرا هانغان أكبر مروج لفنها - حقيبة «دابل تي» Double T الموشومة
حقيبة «دابل تي» Double T الأيقونية التي ألهمت الفنانة ساييرا - الفنانة ساييرا هانغان أكبر مروج لفنها - حقيبة «دابل تي» Double T الموشومة
TT

فن الوشم ينتقل إلى حقائب اليد

حقيبة «دابل تي» Double T الأيقونية التي ألهمت الفنانة ساييرا - الفنانة ساييرا هانغان أكبر مروج لفنها - حقيبة «دابل تي» Double T الموشومة
حقيبة «دابل تي» Double T الأيقونية التي ألهمت الفنانة ساييرا - الفنانة ساييرا هانغان أكبر مروج لفنها - حقيبة «دابل تي» Double T الموشومة

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحول محل دار «تودز» اللندني الواقع بـ«بوند ستريت» إلى ورشة تعبق بالحرفية والفنية على حد سواء. ففي الطابق العلوي جلست فنانة الوشم العالمية ساييرا هانغان فوق مكتب ضخم ترسم لوحات فنية مستوحاة من الأساطير على جلود طبيعية، وإلى جانبها جلس حرفي إيطالي، بالكاد يتحدث اللغة الإنجليزية يصيغ ما كانت تنتهي من وشمه على شكل حقائب يد تم طرحها مؤخرا بعدد محدود جدا. كلاهما كان يستعمل إبرة، لكن الاختلاف بينه وبينها، كما بين الإبرتين، كان صارخا.
وفي حين كان يُمثل كل ما هو إيطالي، من مظهر كلاسيكي وطريقة عمل، كانت هي تمثل حالة تمرد على التقاليد والمتعارف عليه، بجسدها المغطى بالوشم، من العنق إلى الساقين. ومع ذلك كان منظرهما في غاية التناغم وكأنهما يؤديان رقصة تانغو مع بعضهما. ما إن تنتهي من رسم لوحتها حتى تُسلمها له ليحيكها آخذا بعين الاعتبار أن كل جانب وزاوية وكل طية من الحقيبة يجب أن تحافظ على جمال اللوحة والصورة الموشومة عليها.
كان وجود الفنانة ساييرا هانغان في محل الدار بـ«بوند ستريت» بلندن، يدخل ضمن خطة ينتهجها صاحبها الملياردير دييغو ديلا فالي منذ زمن لتعريف الزبائن بحرفية الدار وتسليط الضوء على ما يتطلبه صنع حقيبة واحدة من وقت ودقة وجهد.
والحقيقة أنك كلما قابلت السيد دييغو ديلا فالي، من ضمن 26 أغنى رجل في إيطاليا، تشعر بمدى عشقه للفن واحترامه للتقاليد الحرفية. تشعر أيضا بدفء الشخصية الإيطالية ينبعث منه بجرعات عالية، إضافة إلى أناقته التي لا تتقيد بالمتعارف عليه بالنسبة لرجل أعمال. فأسلوبه منطلق إلى «الداندية» أقرب منه إلى الكلاسيكية. لدى مقابلته في محله بـ«بوند ستريت» مثلا كان يلبس وشاحا أسود مستطيلا من الحرير عوض ربطة عنق، ليُذكرنا بأن الخيط بين الأسلوب الإيطالي والأسلوب «الداندي» المنمق رفيع جدا.
غني عن القول إن وجوده في لندن كان فرصة للحديث معه والتعرف على هدفه من هذا التعاون بينه وبين ساييرا هانغان. ما إن وصل إلى المحل ولمحني أراقبها وهي ترسم لوحاتها على قطع من الجلد بتفان وصبر، حتى أشار إليها غامزا لي: «أمامك فرصة لا تتكرر للحصول على وشم شخصي إن أردت». عندما أجبته أن والدتي يمكن أن تُصاب بالإغماء لو قمت بهذه «الفعلة»، رد ضاحكا ومتعاطفا مع والدتي: «أفهم ردة فعلها جيدا، لأنني أيضا مثلها لا يمكنني أن أفكر في القيام بذلك، رغم أني معجب للغاية بما تقوم به وشغفها به».
قال هذا، وهو يشير إلى ساييرا التي كانت في عالمها الخاص غير مبالية بما يجري حولها أو يُقال عنها. كانت الدقة التي تستعمل بها الإبرة للرسم تشد الأنفاس، بينما يبقى الإعجاب بجسدها الموشوم، مجرد إعجاب، كما لو كنت في معرض فني تُعجبك فيه كل اللوحات المعروضة لما تتضمنه من إبداع، لكنك لا تفكر في اقتنائها لأنها لا تناسب ديكور بيتك أو ذوقك. ولا شك أن هذا شعور ينتاب الأغلبية عندما يتعلق الأمر بفن الوشم على البشرة، حسب قول دييغو ديلا فالي. فمهما كان موضة دارجة تُروج لها مثيلات أنجلينا جولي وكايت موس وريهانا وديفيد بيكهام وغيرهم، فلا أحد يعرف كيف سيكون تقبلها والتعامل معها بعد عقد من الآن. فالزمن له قدرة عجيبة على تغيير أذواقنا وجعل ما قد يكون مقبولا في فترة الشباب، غير مرغوبا فيه في الكبر. الحل بالنسبة لدييغو ديلا فالي هو الاستمتاع بهذا الفن من خلال حقيبة يد فريدة من نوعها، لهذا منح الفنانة ورقة بيضاء لتعيد صياغة حقيبة الدار الأيقونية «دابل تي» Double T بطريقتها.
قدم لها كل التسهيلات الممكنة من جلود مترفة إلى حرفيين مهرة يقومون بتنفيذ كل صغيرة وكبيرة، وفي المقابل، كان يتوقع منها خمس حقائب كل واحدة برسمة مختلفة تجعلها فريدة من نوعها. بعبارة أخرى طلب أن تكون كل رسمة بمثابة جينات وراثية تميز كل حقيبة عن أختها، وهذا ما كان.
ثم أضاف موضحا أنه عاشق للفن والموضة على حد سواء، الأمر الذي شجعه على التعاون مع ساييرا هانغان، التي ما إن وقعت عيناه عليها ورأى أعمالها حتى ألهمته بفكرة طرح حقائب يد ترقى إلى مرتبة تحف فنية. «هذا التعاون جزء من فلسفة الدار المستمر بمزج الحداثي بالتقاليد الحرفية التي نحرص عليها ونعتمد في استمرارها على حرفيين مهرة توارثوا المهنة أبا عن جد» حسب قوله.
تلتقط ساييرا خيط الحديث لتقول إن «الفكرة كانت بالنسبة لي أن أبدع أشكالا رومانسية وقوية، وهو ما ترجمته من خلال رسمات مستوحاة من الأساطير القديمة، يظهر في كل منها حيوان أسطوري برأس أسد، أو بجسد تنين أو أفعى وما شابه، في تسلسل عجيب يُشعرك بأنها تحكي لك قصة متكاملة».
ووضح ديلا فالي أن النية، بعد إطلاق الخمس الحقائب، التي ستكون من نصيب امرأة محظوظة جدا، إتباعها بمجموعة أخرى، تُطبق فيها الرسمات نفسها بالليزر، وتتوفر في محلات الدار الرئيسية في كل العواصم العالمية منذ بداية الشهر الحالي.
ورغم أنه يقول إنه رجل أعمال أكثر منه مصمم أزياء وإنه نادرا ما يتدخل في عملية التصميم، فإن أي متابع له ولمسيرته المهنية، يعرف أن بصماته واضحة في دار «تودز» تحديدا. فهي دار تتمتع بمعزة خاصة في نفسه. فرغم امتلاكه بيوتا أخرى نذكر منها «هوغان أند فاي»، و«روجيه فيفيه»، و«إلسا سكاباريللي» تبقى «تودز» مولوده البكر، التي تابع نجاحها خطوة خطوة منذ أن تسلمها من والده في عام 1978 ونجح في تحويلها من ماركة محلية إلى اسم عالمي يجسد مفهوم «صُنع في إيطاليا». أما عشقه للموضة وشغفه بالفن فهما عنصران تشاطرهما معه ساييرا، لهذا فتح لها أبواب معامل دار «تودز» الواقعة بـ«برانكادورو» على مصراعيها. وهناك أتيح لها ترف اختيار أجمل أنواع الجلود، حسب قولها: «لقد جربت أنواعا مختلفة، بما فيها جلود التماسيح والأفاعي وغيرها، وكان بإمكاني أن أختار أيا منها لكني اكتشفت أنها إما لا تمتص الحبر بسهولة، أو بسمك لا يسمح للإبرة باختراقها». بعد عدة تجارب واختبارات رسا اختيارها على نوع من جلد العجل تُطلق عليه الدار «فاشيتا» وتستعمله في كثير من حقائبها الأيقونية.
وقد تعاملت مع هذه الجلود كما تتعامل مع البشرة تماما نظرا للتشابه بينهما، باستثناء أنها هنا تتمتع بمساحات معينة عليها أن تدرسها من كل الجوانب حتى تتأكد من أنها ستعطي لكل زاوية وجزء من الحقيبة حقه، وتتيح للحرفي إمكانية طيها وحياكتها من دون التأثير على الرسمة.
تشرح ساييرا هانغان أن قصة حبها لفن الوشم بدأت عندما كانت في الـ14 من عمرها «عندما وقعت عيني، لأول مرة على مجموعة أزياء تظهر فيها رسمات على شكل وشم للمصمم جون بول غوتييه. في تلك اللحظة عرفت أني أريد أن أكون فنانة وشم، ومنذ ذلك الحين وجون بول غوتييه مصدر إلهامي». نظرا لهذه العلاقة الروحية مع جون بول غوتييه، فهي لا ترى أن دخولها الموضة، من خلال تعاونات مع بيوت أزياء كبيرة، أمر غريب عليها. فهي كامرأة تحب الموضة وتستلهم منها كثيرا من رسماتها، كما تفهم تخوف البعض من وشم أجسادهم، بالنسبة لهؤلاء تبقى الأزياء والإكسسوارات طريقة أخرى للاستمتاع بالوشم من دون أي تورط بعيد المدى.



الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.


كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
TT

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

تساءل بعض الظرفاء مؤخراً عما إذا كان صناع الترف والموضة قد وجدوا أنفسهم في مأزق بسبب تقارب تواريخ عيد الحب وشهر رمضان الفضيل بفارق أيام قليلة. تزامن بدا للبعض أشبه بمن وُلد في يوم عيد، فصار عليه أن يقاسم احتفاله وهداياه واهتمامه بين مناسبتين مختلفتين.

فإلى حد كبير تعتبر المناسبتان في جوهرهما أن واحداً يتلخص في الاهتمام بالآخر والتعبير عن ذلك بالعطاء. لكن الفرق بينهما أيضاً واضح. بينما يركز عيد الحب على علاقة ثنائية ومشاعر فردية، يوسّع رمضان دائرة الحب والعطاء لتشمل العائلة والمجتمع. وهنا يكمن الإرباك التجاري بالنسبة لبيوت الأزياء وضرورة اعتمادهم خطابين تسويقيين مختلفين.

محلات «هارودز» استبقت الشهر وطرحت منذ فترة كل ما لذ وطاب من أكل ومجوهرات وأزياء (هارودز)

القلب طريق الجيب

هذا التساؤل، رغم ما ينطوي عليه من شقاوة، يكشف الكثير إذا أخذنا بعين الاعتبار أن صناع الموضة اعتادوا استغلال المناسبتين معاً للترويج لمنتجاتهم وتحقيق أرباح مغرية. فهم يُدركون أنهم هنا يخاطبون وجدان شريحة من الزبائن لا تبخل على نفسها ولا على أحبتها بالغالي والنفيس. وهكذا يغرقون السوق بسيل من الاقتراحات المغرية، عبارة عن باقات ورد حمراء وعلب شوكولاتة ودببة ومجوهرات وعطور إلى جانب الأزياء والإكسسوارات الفخمة.

من وجهة نظر تجارية محضة، ورغم أن هذا التزامن لم يكن مريحاً لصناع الموضة والعلامات التجارية الكبيرة، فإنهم تعاملوا معه بقدر من الحنكة. كان لزاماً عليهم التضحية بواحد على حساب الثاني، وكانت الأولوية لشهر رمضان. ليس لأنه يمتد زمنياً فحسب، بل لأن معنى الحب الذي يحمله أوسع وأعمق، ولأن عائداته الاقتصادية أكبر، تسمح بتعويض فترات ركود تمتد لأشهر أخرى، كما أكدت تجارب وأرقام السنوات الماضية. في دراسة أجريت العام الماضي مثلاً، تبين أن الأثر الاقتصادي الإجمالي لهذا الشهر في بريطانيا وحدها، يُقدّر بما يتراوح بين 800 مليون و1.3 مليار جنيه إسترليني، ويشمل ذلك الإنفاق على التجزئة والتبرعات الخيرية ومشتريات المتاجر الكبرى، والتسوق لعيد الفطر وما شابه.

محلات كثيرة تعرف أن لا بيت عربي يخلو من العطور والبخور فطرحت شموعاً وزيوتاً معطرة في قوالب مبتكرة (هارودز)

كل هذا يشير إلى أن الشهر الكريم، بالمقارنة بعيد الحب، لا يقتصر على الورود والقلوب الحمراء والإكسسوارات وعلب الشوكولاته والدببة ولا على يوم واحد فحسب، بل هو كل هذا فضلاً عن كرم الوقت ومراعاة الآخر والاهتمام به ولو من خلال وجبة إفطار في مكان خاص، سواء كان حميماً في بيت عائلي أو في مطعم فخم. وطبعاً كل هذا يحتاج إلى أزياء وإكسسوارات أنيقة وروائح عطرة، إضافة إلى أن ما يتم تقديمه من هدايا أكبر وأغلى ينعش كل القطاعات التي تتعلق بالحياة.

سباق رمضان يتوسَّع

فالورود والدببة لا تشكل أرقاماً مجزية مقارنة بما تُحقِّقه الشموع المعطرة والمجوهرات، فضلاً عن مجموعات حصرية كاملة من الأزياء والإكسسوارات، فيما أصبح تقليداً سنوياً يُطلق عليه سباق رمضان يبدأ قبل حلول الشهر الفضيل بأشهر. كل دار أزياء تتفنن في تقديم الجديد، وأحيانا اللعب على تشكيلاتها الأخيرة تنتقي منها ما يناسب ثقافة المنطقة، معتمدة إما على أسلوب الطبقات المتعددة لخلق صورة محتشمة أو على مواقع تصوير بطابع شرقي في حملاتها الرمضانية. في الأولى يتم تنسيق الفساتين أو العبايات مع كنزات كشمير ناعمة، وسراويل واسعة، ومعاطف من الصوف أو سترات دينم ناعمة، وفي الثانية تستعمل رمال الصحراء الذهبية أو مواقع أخرى ذات معمار شرقي. دار «فيراغامو» مثلاً صوّرت حملتها في المغرب على خلفية فسيفسائية، وعلى صوت الشاعرة الإماراتية فاطمة الجرمن، وهي تتلو نصاً صوتياً أصلياً، ساهم في تضخيم الطابع العاطفي.

الممثل معتصم النهار وزوجته لين في أزياء حملة «لاكوست» الرمضانية (لاكوست)

ويبدو واضحاً أن التعاون مع مؤثرين ومبدعين من المنطقة بات تقليداً مُرحّباً به. لا بوصفه خطوة تسويقية فحسب، بل كوسيلة تمنح المنتجات صوتاً محلياً وحمولة ثقافية أعمق. فالرغبة لدى البعض تتجاوز موسمية الشهر وتعكس محاولة لتوطيد علاقة طويلة الأمد مع سوق يُدركون أهميته في كل الأوقات. ومع ذلك لم ينجح الجميع في تحقيق المعادلة الصعبة بين العاطفة والتجارة... دار «لاكوست» مثلاً اكتفت بأزياء للنهار بألوان ساطعة، فيما راهنت على البُعد الإنساني عبر تعاونها مع الممثل معتصم النهار وزوجته لين برنجكجي في سرد بصري قالت إنه يُوثّق لحظات شخصية تنبض بالحميمية والدفء. تراجعت الأزياء للوراء لصالح المشاعر والإيقاع اليومي والارتباط الإنساني بين زوجين. اختيار يثير تساؤلاً حول ما إذا باتت العاطفة بديلاً للموضة في حملة يراد منها بيع الأزياء.

تعاونت «تيفاني آند كو» مع المؤثرة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي لاختيار نصّ شعري باللغة العربية (تيفاني آند كو)

«تيفاني آند كو» للمجوهرات في المقابل قدمت حملة مصورة بعنوان «تحت هلالٍ واحد»، قالت إنها تحتفي فيها بالتأمل الذاتي. هي الأخرى قدمت مجوهرات أيقونية من أرشيفها، مثل «هاردوير من تيفاني» و«نوت من تيفاني» و«تي من تيفاني» إضافة إلى «بيرد أون آ روك من تيفاني» الذي تقول إنه يستحضر إحساساً بالروحانية والتفاؤل، لما يجسّده من شعور بالتجدد. لكنها قوّت موقفها باستنادها إلى رموز رمضانية يظهر فيها الهلال كقوسٍ رقيق من الضوء، يرمز إلى الزمن والتحوّل، فيما توحي النجوم بالهداية والطمأنينة. وتشكل درجات السماء الليلية العميقة المرصعة بالنجوم ملامح المشهد، لتخلق أجواءً تأملية مفعمة بالسكينة. في قلب هذه الحملة، يبرز نصّ شعري باللغة العربية، كتبته الكاتبة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي، يعكس الوهج اللطيف لهلال الشهر الفضيل، وكيف يبعث نوره شعوراً بالقرب والحضور المشترك.

هلَّ هلال رمضان علينا بنقشٍ مُذَهَّب

وجمعَنا تحت سماءٍ لامعة كعقد الثُّرَيّا،

نورٌ يلامس القلوب ويضيء الإحساس

«تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية» مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية من (بالنسياغا)

بين الابتكار والاجترار

بيوت أزياء كثيرة أخرى لم تتأخر عن الركب ودخلت السباق بكل قوتها، متوجهة إلى زبائنها في المنطقة بتصاميم واقتراحات تأمل أن تجذبهم إليها ومن تم تحقق لهم الربح. نذكر منهم دار «بالنسياغا» التي استبقت الشهر وطرحت في يناير (كانون الثاني) الماضي «سلسلة بالنسياغا رمضان 26» الحصرية التي تعيد فيها ابتكار بعض الرموز الأيقونية ضمن لوحات لونية تروق للذائقة العربية، تشمل «تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية»، مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية، إلى جانب بلوزات حريرية وفساتين وأوشحة بألوان الأخضر الداكن والخوخي الفاتح. وتظهر النعال المكشوفة لحذاء «سبيد» الأيقوني باللون الذهبي.

بدورها طرحت دار «توري بيرش» الأميركية تشكيلة رمضانية تضم إكسسوارات وأزياء جاهزة ومجوهرات تعكس أسلوب مصممة تعشق روح الشرق وتستلهم تفاصيله في معظم عروضها حتى خارج الموسم الرمضاني.

دار «فالنتينو» طوّعت 6 إطلالات من عرضها من خط الكروز الأخيرة ليناسب الشهر الفضيل (فالنتينو)

أما «فالنتينو» فصوّرت حملة إعلانية صاغ رؤيتها المدير الإبداعي أليساندرو ميكيلي، والتقطتها عدسة المصورة جولي غريف، ضمت ست إطلالات من خط الـ«كروز» الأخير، واحد منها قفطان تم تنسيقه مع بنطلون متطابق بوهج ذهبي متدرج ووردي فاتح. ويبدو أن الدار مثل غيرها تراهن على الإكسسوارات بشكل كبير، بالنظر إلى كم حقائب اليد والأحذية والأوشحة التي طرحتها وأغدقت عليها الكثير من الترصيع.

من اقتراحات «دي كي إن واي» لهذا الشهر: الأزياء عصرية ومعاصرة والخلفية عربية (دي كي إن واي)

علامة «دي كي إن واي» DKNY ذهبت إلى أبعد من طرح مجرد أزياء محتشمة أو إكسسوارات تتوخى أن تجد لها مكاناً بارزاً في هذا السباق. تعاونت مع المؤثرة دينا السعدي من خلال تشكيلة محدودة الإصدار وحصرية «استُلهمت تفاصيلها من أمسيات رمضان الهادئة ولحظات التلاقي الدافئة» وفق قولها، وهو ما ترجمته في قصّات انسيابية، وألوان هادئة تتباين بين الترابي الهادئ والذهبي الدافئ.

المحلات الكبيرة أيضاً دخلت السباق متسلحة بكل العلامات المتوفرة لديها. محلات «هارودز» بلندن تقدم منذ بداية شهر فبراير (شباط) إلى شهر مارس (آذار) اقتراحات شهية عبارة عن سلال مليئة بكل ما طاب من تمور وحلويات وعسل طبيعي وشاي مغربي ومنتجات أخرى خاصة برمضان، يمكن تقديمها كهدايا، إضافة إلى أزياء وإكسسوارات تناسب دعوات الإفطار والسحور: أنيقة ومحتشمة وعملية، من مصممين كبار مثل تالر مامو، وستيلا مكارتني، وجيني باكهام، وميسوني.

صورت «هارودز» حملتها الرمضانية بالتعاون مع 5 مؤثرين ومبدعين عرب (هارودز)

وفي حملة مبتكرة تعاونت «هارودز» مع خمسة من أبرز المبدعين العرب في تصوير وإخراج فيلم قصير. تولّت بطولته نيا عمّون، المقيمة بين دبي والرياض ولندن، والتي تمثل فن «الاحتشام في الحداثة»، وأخرجه سيرج أسعد وصوره مازن أبصرور، ليجمع بين روعة ديكور هارودز وفخامة الأسلوب المحتشم المعاصر. أما تنسيق الأزياء فتولّاه أحمد النجار بينما أجرت المكياج خبيرة المكياج كنزة بيا.

اختارت «هارفي نيكولز دبي» ألواناً ترابية و50 قطعة بدرجة من الأزرق للدلالة على الصفاء والسكينة (هارفي نيكولز)

محلات «هارڤي نيكلز» أيضاً أطلقت منذ فترة حملة تأمل تدعو فيها للتصالح مع الذات، بعنوان «خيوط من النور». تلعب كل تفاصيلها على أناقة مرسومة بألوان الصحراء وتصاميم منسابة على شكل قفاطين من دار «تولر مارمو». لم تقتصر الاقتراحات على الألوان الترابية والذهبية، فهناك خمسون قطعة كلها بدرجة من الأزرق تتدرج من لون السماء إلى عمق الغسق، من ستيلا ماكارتني و«ماكوين» ومجوهرات من ميسوما وآلان كروسيتي وغيرهم. ويأتي هذا الاهتمام المكثف بالأزرق لتعزيز الإحساس بالسكينة والصفاء، وفق ما أكدته المسؤولات عن هذه الاختيارات.

الرموز الإيطالية في خدمة الثقافة العربية

ومن إيطاليا أرسلت دار «برونيلو كوتشينيللي» بطاقة حب إلى المنطقة العربية بمناسبة الشهر الفضيل، مكتوبة بلغة مباشرة وصادقة. كل ما فيها من تفاصيل يعترف بأنه يتودد لزبونة المنطقة، لكن بأسلوب يحترم ثقافتها وأسلوبها الخاص أيضاً.

كانت اقتراحات «برونيلو كوتشينيللي» الأقرب والأصدق لأنها احترمت الثقافة من دون استسهال (برونيلو كوتشينيللي)

ما يُحسب لها أن الجانب التجاري لم يأتِ على حساب الأناقة والحرفية. بالعكس تماماً، فكل عباية، بقصّاتها الراقية والمنسدلة، تُجسّد القيم الرمضانية، من راحة وخفّة وسهولة تنسيق. حتى الزخارف الهادئة في بعض القطع، تضيف للأقمشة المترفة بعُداً بصرياً وعمقاً إيقاعياً مستوحى من الزهور المتلألئة أو نقشة جلد التمساح، ونقشة الجاكارد المحبوكة. كلها تتناغم مع ألوان طبيعية مثل البني الرملي والبيج والبني الداكن والأبيض، إضافة إلى العنّابي الداكن والرمادي.

هذه الرغبة في إبراز الحرفية، تظهر أيضاً في مجموعة «فندي»، التي اعتمدت فيها الدار على استكشاف أبعاد جديدة لبريق المواد وملمسها ومدى تناغمها مع الدرجات المعدنية والتطريزات الدقيقة. والنتيجة جاءت على شكل فساتين طويلة من الشيفون أو الدانتيل تنسدل براحة فيما تتألق الملابس المنزلية بزخرفة زهرة الأقحوان.

في مجموعتها «نور» قدمت دار «فندي» مجموعة تعتمد على الحرفية والألوان الفاتحة مثل الوردي والذهبي (فندي)

وبينما غلب اللون الوردي على الأزياء، اكتسحت درجات الذهبي المائل للعاجي الإكسسوارات للتقرب من ذائقة اشتهرت بميلها إلى كل ما هو ذهبي أو زمردي ومصنوع باليد.

ضمن هذه المجموعة أعيد ابتكار حقيبتيْ «ميني باغيت» Mini Baguette وميني بيكابو Mini Peekaboo الأيقونيتين بتطريز كل قطعة يدوياً على قاعدة من الساتان، مع استخدام أحجار الكريستال والخرز الزجاجي في تقنية تتطلب ما يقارب الأسبوعين من العمل على يد حرفي متمكن للحقيبة الواحدة.

وهكذا فإن رمضان بروحه الجامعة وطقوسه الاجتماعية، ربما أربك التسويق لعيد الحب في المنطقة العربية وأنقص من وهجه، لكنه أعاد ترتيب الأولويات، الأمر الذي جعل تضارب التوقيت فرصة لاختيار الحب بوصفه قيمة ثقافية واجتماعية. كان أيضاً فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان معاً.


«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.