صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

بنغازي تصارع الإرهاب 4 من 5 : المحال التجارية تعود للحياة.. والأجانب يتوافدون لاقتناص الفرص

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية
TT

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

انقطعت الكهرباء مجددًا في متجر إبراهيم صاحب الشركة الحديثة للمواد الغذائية. هذا أمر شائع في ضاحية الهواري في بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية. الكهرباء تنقطع في عموم البلاد لعدة ساعات في كل يوم. وأحيانا تنقطع لعدة أيام في الأسبوع. بكل هدوء وسلاسة نهض إبراهيم البالغ من العمر 65 عاما من فوق مقعده وشغل مولد الكهرباء الخاص الذي اشتراه قبل شهرين بما قيمته 150 ألف دينار (نحو 30 ألف دولار). لديه سبعة عمال في متجره المطل على الشارع الرئيسي، لكن كلما انقطعت الكهرباء قام بتشغيل المولد بنفسه، لعدة أسباب.. أولا: السعر الباهظ للمولد. وثانيا: لقطع الطريق على أي تذمر قد يبديه العمال صغار السن قليلو الصبر على مثل هذه المشاكل.
على منوال هذه الطريقة الهادئة في معالجة الأمور والتغلب على العراقيل والمصاعب، يعمل غالبية التجار الكبار والمسؤولون في المنطقة الشرقية من البلاد والتي تمتد من مدينة إمساعد على الحدود مع مصر، إلى منطقة الموانئ النفطية في الشمال الأوسط من ليبيا قرب مدينة سرت. أما في الجانب الغربي من البلاد والذي تسيطر عليه الميليشيات، فتعم الفوضى ويسود الغموض دون أن تلوح في الأفق بوادر للثقة في المستقبل مثل تلك التي يتميز بها إبراهيم وقادة الشرق الذين يتأهبون لافتتاح مشروعات أمام المستثمرين الأجانب بمليارات الدولارات.

بعد نحو خمس سنوات من العذاب، تخلصت مدينة بنغازي وكل مدن الشرق الليبي من الميليشيات المتطرفة التي هيمنت عليها عقب سقوط نظام معمر القذافي في 2011. وفي الوقت الراهن يحاصر الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر بقايا المتطرفين في عدة ضواحٍ في غرب بنغازي. ووفقا لتقديرات محلية عاد ما لا يقل عن خمسين ألفا من أبناء المدينة التي هجروها هربا من تسلط الجماعات المتشددة. وتسود روح التفاؤل من خلال عملية واسعة لترميم مباني المدينة التي خربتها الحرب، وافتتاح المراكز التجارية والمؤسسات الخدمية. ومثل غالبية تجار بنغازي، وجد إبراهيم شركته منهوبة. ويقول: استولى المتطرفون على مخازن الطحين ونهبوا كراتين الزيت والصلصة والمياه المعدنية.
وفي الوقت الراهن تستيقظ بنغازي كل يوم من أجل إعادة بناء نفسها وترميم الكسور وتلوين الجدران التي غطاها سخام الحرائق لشهور، استعدادا لاستقبال الوفود الاقتصادية الأجنبية التي تسعى إلى الاستفادة من الثروات النفطية ومن إعادة الإعمار ومن استكمال مشروعات أخرى تبلغ قيمتها مليارات الدولارات كانت متوقفة منذ اندلاع الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، وتشمل استئناف عملية ازدواج الطرق الصحراوية الطويلة وبناء مدن سكنية ومشاريع سياحية وغيرها.
تتحرك بنغازي قدما وهي تشكو من صداع انقطاع الكهرباء وتأخر الرواتب وشح المواد الغذائية. ومع ذلك نشطت حركة الأسواق ومنها أقدم سوق لبيع وشراء السيارات المستعملة. كانت مكتظة. ووقف المنادي جوار سيارة يابانية الصنع موديل 2013، تعمل بالدفع الرباعي، وقطعت مسافة، وفقا للعداد، قدرها 20 ألف كيلومتر، وقال إن سعرها 60 ألف دينار ليبي. وارتفع صوت مناد آخر على سيارة كورية موديل 2012 قطعت مسافة 50 ألف كيلومتر وبدأ السعر بـ50 ألف دينار. وعلى المقاهي المجاورة يمكن ملاحظة ارتفاع أسعار المشروبات وأسعار تقديم خدمة الدخول على الإنترنت.
وعلى الجانب الآخر بدأت سوق العقارات تنتعش مع دخول مقاولين عالم ترميم المنازل والمحال التجارية. كما انتشر عمال البناء، معظمهم من مصر والسودان، تحت الكباري وعلى جانب الطرق في انتظار فرصة عمل، دون خوف من تعرضهم للخطف على يد التنظيمات المتطرفة كما كان يحدث قبل شهور.
ويقول إبراهيم: «مقارنة بما كانت عليه بنغازي فإننا الآن في وضع جيد. في كل يوم الأمور تتحسن عن اليوم السابق. في العام الماضي اقتحم المتطرفون المتاجر الكبرى في بنغازي. وأضرموا النيران في قاعات أفراح وفي مسارح وفي بيوت للفنون والشعر. ونسفوا مبنى مديرية الأمن الضخم بالسيارات المفخخة حتى تحول إلى كومة تراب. وتعرضت العديد من المصانع والدور الحكومية إلى دمار. ومع دخول الجيش إلى المدينة وفرض سيطرته عليها، وتعيين حكام عسكريين للمدن في شرق البلاد، بدأ نبض الحياة يظهر من خلال اللافتات الملونة وفاترينات عرض السلع وأضواء الكهرباء حتى لو كان مصدرها مولدات خاصة باهظة الثمن».
وانتهى إبراهيم قبل يومين من إعادة رسم لوحات دعائية على واجهة متجره الذي كان يطلق عليه في عهد القذافي «تشاركية». وجاءت شاحنة قادمة من مصر محملة بكراتين البطاطس المقلية. ثم أفرغت شاحنة أخرى قادمة من واحات الجنوب حمولة من مياه الشرب المعبأة من الآبار الجوفية. وبدأ المتجر يمتلئ.
في بداية دخول الجيش إلى المدينة وطرد المتطرفين من غالبية ضواحيها، كانت متاجر بنغازي تفتح في نحو الساعة الحادية عشرة صباحا وتغلق أبوابها قبل أذان العصر خوفا من طلقات الرصاص الطائشة ومن القذائف الصاروخية. لكن الوضع تغير الآن. وتسهر غالبية المتاجر والمقاهي حتى وقت متأخر من الليل. وفي الدواوين الحكومية التي عادت للعمل يستقبل المسؤولون الزوار الأجانب الذين بدأوا يتوافدون لاقتناص الفرص. جاء صينيون وفرنسيون وعرب وإيرانيون أيضا.
ويجري في الوقت الراهن بحث عودة فرع شركة شلمبرجير الفرنسية للعمل مع شركة الخليج العربي للنفط، وهذه الأخيرة شركة ليبية كبيرة تضررت بشدة من الفوضى التي أحدثتها الجماعات المتطرفة بعد مقتل القذافي. ويقول مسؤول في الشركة إن انتشار الجيش أخيرا خاصة في المنطقة الشرقية، فتح الشهية لاستئناف العمل. وكرمت الشركة أحد شيوخ القبائل ممن لعب دورا في دعم الجيش واستعادة الموانئ النفطية من الميليشيا التي كانت تسيطر عليها. وهي، مثل العديد من الشركات التي تسعى لاستئناف العمل بعد طول غياب، تنظر بعين الاحترام للدور الذي تقوم به إدارة الاستخبارات العسكرية ومديرها العميد شعيب الصابر، لبسط الأمن في عموم ليبيا.
ويجري العمل في كل مكان على قدم وساق. واستقبل العميد الصابر وفدا من لجنة الأمن القومي في مجلس النواب، برئاسة النائب طلال الميهوب. وفي الجانب الآخر من الشارع كان عشرات الشبان المتطوعون يرافقون شاحنة رفع القمامة وركام الحرب، للمساعدة في تنظيف الشوارع وتزيينها. ورفع عامل في شركة الخدمات العامة في المدينة، يدعى حسين، ذراعيه عاليا محييا موكبا عسكريا تابعا للجيش يتكون من ثلاث سيارات مدرعة لتفقد أحوال بنغازي. وهذه هي المرة الأولى التي تستأنف فيها شركة الخدمات العامة أعمالها في رفع قمامة المدينة منذ عام 2011.
وبسبب كثرة المخلفات التي تركتها الصدامات بين الجيش والمتطرفين، جاءت عدة شاحنات أخرى ومعها متطوعون، وعلى رأسها مدير شركة الخدمات نفسه، محمد البرغثي. ودخلت إلى الشوارع الرئيسية في منطقتي سيدي يونس والوحيشي. وأخذت المعاول تزيل أكوام الإسمنت والطوب والحديد للمباني المهدمة.. هناك أيضا حاويات بضائع مثقوبة وأجهزة مدمرة ومقاعد ومكاتب لم تعد تصلح للاستخدام بعد أن طالتها قذائف المتحاربين لشهور.
هذه مجرد عملية لبعث الحياة في المدينة وإغراء السكان والتجار الذين هجروها للعودة إليها مرة أخرى. عملية يشارك فيها الجميع. ووفقا للمسؤولين في بنغازي فإن الخطة الكبيرة لإعادة إعمار المدينة ستبدأ خلال الشهور المقبلة على أيدي الشركات المتخصصة سواء شركات ليبية أو عربية أو أجنبية. وجرى وضع تخطيط لجانب كبير من بنغازي في ستينات القرن الماضي على يد شركة دوكسيادس اليونانية، وتبعتها في العمل في هذا الاتجاه شركات أخرى من روسيا وتركيا ومصر. واستمر التطوير فيها لأكثر من ثلاثة عقود.
ثم شهدت المدينة طفرة نمو كبيرة منذ بداية الألفية، غيرت معالمها وحولتها إلى واحدة من المدن التجارية المهمة في شمال أفريقيا. وقاوم أصحاب المراكز التجارية الضخمة العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على نظام القذافي في ذلك الوقت. وبعد انتفاضة 2011، دخلت المدينة في موجة نمو جديدة أكثر طموحا، لكنها لم تستمر إلا لمدة 18 شهرا. وتعثر كل شيء بعد ذلك بسبب الفوضى والحرب مع المتطرفين. وظلت قوانين القذافي الاقتصادية هي القائمة حتى الآن. وخلال جولة قامت بها «الشرق الأوسط» خلال اليومين الماضيين في قلب المدينة، بدا أن المناقشات تجري على قدم وساق بين كبار المسؤولين للتعجيل باتخاذ خطوات عملية تعيد بنغازي إلى الواجهة.
وتحاول السلطات في بنغازي الحد من ارتفاع أسعار السلع الأساسية. ولديها رجال يمرون على الأسواق الرسمية (الجمعيات الاستهلاكية). لكن المشكلة تكمن في أن معظم هذه السلع متوفرة في الأسواق الموازية بضعف الثمن. مثلا السعر الرسمي لفئات لتر الزيت النباتي أقل من دينارين، لكنه يباع بشكل غير رسمي بأربعة دنانير وخمسة دنانير.
وفي الجهة الأخرى من بنغازي تجمع عدد من المسؤولين وقاموا بافتتاح مبنى بلدية المدينة الجديد. ووقفوا لأكثر من نصف ساعة في الهواء الطلق أمام المبنى. وتوقف المارة لتحيتهم. فقبل شهور قليلة كان يسيطر على هذه المنطقة المتطرفون. ولم يكن أحد من أهالي بنغازي، ولا من الجيش ولا من الشرطة، يمكنه العبور من هنا. وما زالت فلول المتطرفين تعرقل وصول السلطات إلى ميناء المدينة البحري. وهو ميناء تجاري هام. ويقول رئيس البلدية، العميد أحمد العريبي: «نتعاون مع الأطراف المعنية لاستعادة ميناء بنغازي البحري من أيدي المتطرفين، وتشغيل مطار بنينا الدولي».
وفي المساء عاد من طريق المطار الذي جرى تنظيفه من بقايا الحرب، وفد لشركات قادمة من الصين تبدو متعطشة لاستئناف العمل وجني الأرباح من المشروعات الجديدة. ويتكون المطار من جزأين.. الجزء القديم وهذا أصبح جاهزا للعمل ويمكن افتتاحه لاستقبال الطائرات خلال الفترة المقبلة. والجزء الحديث الذي شرع نظام القذافي في بنائه لكنه لم يكتمل بسبب انتفاضة 2011، مثله مثل المئات من المشاريع الأخرى التي تنتظر استئناف العمل بها بعد توقف دام أكثر من خمس سنوات.
ظهور الأجانب في بنغازي التي تعرضت فيها القنصلية الأميركية للهجوم في أواخر 2012، بدا لافتا للنظر. الفريق الصيني مطمئن وهو يتجول في الضواحي الشرقية من المدينة. والفريق الطبي الأميركي يتسوق من وسط بنغازي دون خوف. لقد وصل وفد جديد من هؤلاء الأميركيين التابعين لجمعية «نوفك» لجراحات القلب للأطفال. وظهرت مواكب أخرى لرجال أعمال أوروبيين وآسيويين وهم يتفقدون المجمعات السكنية الضخمة وغير المكتملة. الجميع يبحث استئناف أعمال التنقيب عن النفط وبناء العمارات ورصف الطرق ومد خطوط المياه وتحديث محطات الكهرباء والمستشفيات وغيرها.
وبما أن البلاد تعتمد على النفط، فإن الصراع السياسي والعسكري يبدو أنه يدور حول هذه النقطة. وشعرت بنغازي بالارتياح بعد أن سيطر الجيش على موانئ تصدير النفط في سبتمبر (أيلول) الماضي. لكن ما هي الجهة إلى ستقوم بتصديره ولمن ستذهب العائدات المالية، وكيف سيجري تقاسمها مع السلطات المتنافسة التي تحكم طرابلس ممثلة في المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج وحكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل. ويقول أحد المسؤولين العسكريين ممن جرى تعيينهم ضمن فريق من الجيش لحكم بنغازي، بدلا من مجلسها المنتخب: «نحن في حالة حرب. في الحرب لا يمكن الانتظار».
وبينما يجري الحوار السياسي بين عدة أطراف ليبية برعاية الأمم المتحدة لتوحيد السلطات في هذا البلد الغارق في الفوضى، تبدو بنغازي محورا مهما في إعادة هيبة الدولة من جديد إلى ليبيا بعيدا عن المفاوضات السياسية الأممية. تحركات سريعة. معروف أن الانقسام السياسي في البلاد، تسبب في انقسام المصرف المركزي إلى مصرفين، والمؤسسة الوطنية للنفط (المعنية بتصدير البترول للخارج) إلى مؤسستين. وعلى وقع تقدم الجيش في عدة محاور ليس في بنغازي فقط ولكن في العديد من البلدات بما فيها الجنوب والغرب، بدأ البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق، ويعد خصما لمجلس السراج الرئاسي، يشعر بالقوة.
ومن مظاهر قوة الجيش والبرلمان، بدء مناقشات جادة بين مؤسستي النفط المنقسمتين من أجل إعادة توحيدهما في جسم واحد يعمل انطلاقا من بنغازي. ويقول مسؤول في الاستخبارات العسكرية: هذا مصير الليبيين.. هذه قوتهم.. هذه مسألة أمن قومي. وفي حال نجحت عملية نقل المؤسسة، موحدة، إلى بنغازي، سوف يزيد إنتاج النفط إلى نحو 700 ألف برميل يوميا. وحول كيفية معالجة النزاع القائم بين رئيس المؤسسة في طرابلس ورئيس المؤسسة في بنغازي، يضيف المسؤول العسكري الذي يراقب عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة: «ما توصلنا إليه حتى الآن هو أن ينتقل مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة في طرابلس للقيام بعمله كرئيس للمؤسسة نفسها انطلاقا من بنغازي.. على أن يكتفي ناجي المغربي، رئيس المؤسسة في بنغازي، بموقع عضو مجلس إدارة في هذه المؤسسة.. توجد مساعٍ إيجابية لإقناعه بذلك. الهدف استئناف تصدير النفط للتغلب على نقص الأموال في عموم ليبيا».
وفي مصفاة طبرق التي تبلغ قدرتها نحو 20 ألف برميل في اليوم، اصطف عدد من الموظفين لاستقبال الوفود الرسمية التي تأتي إلى هنا لتفقد أحوال موانئ التصدير، بينما كانت عدة ناقلات نفط ترابط داخل البحر. وانتهت الأطقم الفنية، وكلهم مختصون ليبيون، داخل المصفاة، من تنفيذ عملية ترميم كبيرة استمرت ثلاثة أسابيع استعدادا لقابل الأيام. ويتوقع أن يزيد إنتاج المصفاة إلى الضعف مقارنة بما كانت عليه في السابق.
حالة الانتعاش والأمل في صلاح الأحوال تسيطر أيضا على مهندسي البترول في العديد من الحقول وموانئ التصدير. وفي موقع حقل الحمادة لإنتاج البترول الذي تديره شركة الخليج العربي للنفط ويبعد نحو 400 كيلومتر إلى الجنوب من العاصمة طرابلس، اجتمع مديرو عدة مواقع مماثلة من عموم البلاد، منها حقول «السرير» و«النافورة» و«مسلة»، وتعهدوا بتقديم المساعدة التي تسهم في سرعة وتيرة العمل. ويأمل المسؤولون الليبيون في أن يؤدي هذا إلى التغلب على مشاكل انقطاع الكهرباء ونقص الوقود وارتفاع أسعار الدولار أمام العملة المحلية، ونقص السيولة المالية في المصارف.
وتتنافس كل من سلطات الشرق والغرب على محاولات استرضاء الليبيين.. وتعيش طرابلس العاصمة وعدة بلدات مجاورة لها مأساة أكبر مما هو موجود في المناطق الشرقية الأكثر استقرارا. وفي كل من الجانبين يبدو الوضع الاقتصادي صعبا على السكان. ووصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى أكثر من خمسة دنانير، بعد أن كان سعره في السابق 1.3 دينار.
وقام المصرف المركزي في طرابلس باعتماد ميزانية طوارئ قدرها 1.5 مليار دينار ووفر سيولة قدرها 9.4 مليار دينار، لكن المردود يبدو أنه ليس مرضيا بالشكل الكافي. فالزحام على المصارف في عموم ليبيا أصبح من المظاهر المعتادة بالإضافة إلى نقص الخدمات وارتفاع الأسعار إلى الضعف والضعفين، خاصة مع حلول موسم الشتاء. الكيلوغرام من الفحم أصبح سعره يزيد على خمسة دنانير. وملء أسطوانة غاز الطهي وصلت في بعض المناطق إلى نحو 70 دينارا. وارتفعت أسعار مولدات الكهرباء الخاصة.. بعض البيوت والدكاكين الصغيرة تضطر لشراء المولد المستعمل بما لا يقل عن ستة آلاف دينار. وهو مولد ذو صوت مرتفع. أما المولدات الضخمة التي يبلغ حجمها حجم حاوية وذات ضجيج أقل، فتبدأ أسعارها من مائة ألف دينار وحتى مائتي ألف دينار. ومثل هذه تجدها في المنازل والمتاجر الكبيرة مثل متجر إبراهيم.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.