مسؤولو البيت الأبيض يأملون إقناع ترامب بأهمية إرث أوباما

خبرة رجل الأعمال السياسية المحدودة تعزز دور وزرائه

مسؤولة حملة دونالد ترامب الانتخابية كيليان كونوي تصل إلى برج ترامب في نيويورك أمس (رويترز)
مسؤولة حملة دونالد ترامب الانتخابية كيليان كونوي تصل إلى برج ترامب في نيويورك أمس (رويترز)
TT

مسؤولو البيت الأبيض يأملون إقناع ترامب بأهمية إرث أوباما

مسؤولة حملة دونالد ترامب الانتخابية كيليان كونوي تصل إلى برج ترامب في نيويورك أمس (رويترز)
مسؤولة حملة دونالد ترامب الانتخابية كيليان كونوي تصل إلى برج ترامب في نيويورك أمس (رويترز)

صباح الجمعة، أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب عبر موقع «تويتر» بعد فوزه المذهل أنه «يوم مليء بالعمل في نيويورك. سأتخذ قريبًا بعض القرارات بالغة الأهمية بخصوص الأشخاص الذين سيتولون إدارة حكومتنا».
في الواقع، لا تفي هذه العبارة بحجم خطورة القرارات التي سيتخذها ترامب بخصوص تعيينات أفراد الفريق المعاون له، ذلك أنه نادرًا في تاريخ الرئاسة الأميركية أن حملت قرارات اختيار أفراد الإدارة الأميركية مثل هذا التأثير واسع النطاق على طبيعة وأولويات الإدارة الجديدة.
وعلى خلاف الحال مع غالبية الرؤساء الجدد، يأتي ترامب إلى المنصب الجديد دون خبرة سياسية سابقة أو أجندة سياسية متناغمة، مخلفًا وراءه في الوقت ذاته سيلاً من التصريحات الاستفزازية، المتناقضة في معظمها، حول الهجرة والقضايا العنصرية والإرهاب.
في ظل مثل هذه البيئة الفوضوية، فإن الأشخاص الذين يقع الاختيار عليهم لمناصب محورية داخل البيت الأبيض، مثل رئيس فريق العمل المعاون للرئيس، وكذلك الوزراء الذين سيرأسون وزارات الخارجية والدفاع والخزانة، من الممكن أن يتمتعوا بنفوذ كبير يفوق حجم مناصبهم. وسيسهم اختيارهم في تحديد ملامح الإدارة الجديدة، وما إذا كانت ستعكس الوجه الغاضب الذي ظهر به ترامب خلال حملته الانتخابية، أم الوجه البراغماتي الذي غالبًا ما يبدو عليه خلف الأبواب المغلقة.
في هذا الصدد، أعرب روبرت داليك، المؤرخ المعني بشؤون الرئاسة، عن اعتقاده بأن «أي رئيس جديد يكون عرضة لمختلف أنواع التأثيرات والنفوذ من قبل المستشارين أصحاب الشخصيات القوية. وستحمل التعيينات التي سيقرّها ترامب خلال الأسابيع الستة المقبلة أهمية كبيرة للغاية فيما يتعلق بكشف ما إذا كان يرغب في توحيد الصفوف داخل البلاد، أم أنه ينوي بالفعل المضي قدمًا في تنفيذ الأفكار التي أعلنها خلال حملته الانتخابية».
ومن المحتمل أن تأتي بعض التأثيرات على ترامب من مصدر غير محتمل، وهو الرئيس أوباما، والذي في أعقاب لقاء ترامب معه داخل المكتب البيضاوي، الخميس، قال الأخير إنه «يتطلع نحو العمل مع الرئيس مستقبلاً، بما في ذلك في الحصول على مشورته». وبعد ذلك بيوم، قال في مقابلة مع كل من «وول ستريت جورنال» وبرنامج «60 دقيقة» إنه قرر الإبقاء على عناصر من قانون الرعاية الصحية الذي أقره أوباما بعد حديثهما معًا، ما يوحي بأنه ربما يدير أمور الحكم على نحو أقل راديكالية عما تحدث عنه خلال الحملة الانتخابية.
من ناحيتهم، أعرب مسؤولو البيت الأبيض عن أملهم في أن يتمكن أوباما من إقناع ترامب بأهمية عناصر أخرى من إرث إدارته، مثل اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني. ومن المنتظر أن يقيم الاثنان فيما بينهما علاقة نظير بنظيره، والتي لا يمكن بناؤها إلا بين رئيسين. وهو أمر يأمل مسؤولو الإدارة الحالية في أن يلقى قبولاً من جانب ترامب، ويتواءم مع كبريائه.
إلا أنهم اعترفوا في الوقت ذاته بعدم وجود سوابق تاريخية كثيرة لمثل هذه العلاقة، خاصة عندما يكون الرئيس المنتخب قد أطاح بحزب الرئيس الذي أوشكت فترة ولايته على نهايتها بعد حملة انتخابية شرسة، إلى جانب أنه من غير المحتمل دخول ترامب وأوباما في علاقة صداقة.
من جانبه، يعتمد ترامب بصورة أساسية على مجموعة من المساعدين والأنصار الذين يثق بهم، تبعًا لما أفادته مصادر قريبة من حملته الانتخابية. جدير بالذكر أن ترامب أعلن الجمعة عن أن ثلاثة من أبنائه البالغين، وهم إيفانكا ودونالد وإيريك، إلى جانب صهره جاريد كوشنر، سيشاركون في فريق العمل المؤقت المساعد له، الأمر الذي أثار قلقا داخل واشنطن لأنهم يتولون أيضًا إدارة نشاطاته التجارية. ومن الواضح أن آل ترامب سيتمتعون بنفوذ غير عادي في تحديد عناصر الإدارة الجديدة.
ومع ذلك، فإنه حتى داخل الدائرة الضيقة المحيطة بترامب، تبقى هناك اختلافات حادة على أصعدة الآيديولوجيا والخلفية والمزاج العام من الممكن أن تلعب دورًا حاسما في كيفية تعامل البيت الأبيض مع الكونغرس، وكيفية تعامل الولايات المتحدة مع باقي دول العالم.
وربما يقع التباين الأكبر بين ستيفين بانون، رجل الأعمال العامل بمجال الإعلام وصاحب التوجهات المحافظة والذي تولى رئاسة حملة ترامب الانتخابية، ورينس بريبس، رئيس الحزب الجمهوري الذي تصالح مع فكرة ترشح ترامب للرئاسة مؤخرًا. جدير بالذكر أن كليهما مرشح لمنصب رئيس فريق العمل بالبيت الأبيض، وبغض النظر عمن سيقع عليه الاختيار، فإن الآخر من المحتمل أن ينال منصبًا محوريًا آخر داخل البيت الأبيض.
وسيحمل كل منهما توجها مختلفا تمامًا عن الآخر، إلى وظيفة غالبًا ما توصف بأنها ثاني أهم وظيفة في واشنطن، ويوصف صاحبها بأنه حارس بوابة الرئيس، وغالبًا ما يكون أول شخص يلتقيه الرئيس داخل المكتب البيضاوي.
المعروف أن بانون، الرئيس التنفيذي لموقع «بريتبارت نيوز» الإلكتروني الإخباري والذي سبق له العمل مسؤولاً تنفيذيًا بـ«غولدمان ساكس»، يعتبر غريمًا شرسًا لرئيس مجلس النواب بول راين، إلى جانب ارتباطه بصلات مع حركة «أولت رايت». وربما يبدي بانون اهتمامًا ضئيلاً بالتوصل إلى أرضية مشتركة مع الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون في ظل قيادته الحالية. كما أنه من أشد منتقدي نظام الهجرة الحالي، وشجع ترامب مرارًا على محاولة استقطاب أصوات قواعد الحزب الجمهوري عبر طرح انتقادات للعولمة.
أما بريبس، فيبدي ولاءً كبيرًا تجاه الحزب وقد سعى نحو التصالح مع قيادات الجمهوريين، والاحتمال الأكبر أنه سيعمل على بناء جسور مع راين وغيره من قيادات الحزب.
من ناحية أخرى، يمكن النظر إلى بانون وبريبس باعتبارهما يخوضان حربًا بالوكالة أوسع نطاقًا تدور حول الوجه الذي سيظهر به الرئيس ترامب. ذلك أن بعض المسؤولين الجمهوريين السابقين ما يزال الأمل يحدوهم في أن يتفاعل ترامب مع الشخصيات المعتدلة، في الوقت الذي يخالج البعض الآخر القلق من أنه سينصت ببساطة إلى آخر شخص تحدث إليه.
في هذا الصدد، أوضح جون نيغروبونت، المدير السابق للاستخبارات الوطنية في عهد الرئيس جورج دبليو. بوش، أنه «دائمًا ما نجد ثمة توترا بين ما قاله كي يفوز بانتخاب المواطنين له، وما يؤمن به حقًا».
وأعرب نيغروبونت، الجمهوري الذي أيد هيلاري كلينتون في الانتخابات الأخيرة، عن اعتقاده بأنه ربما تظهر أصوات داخل مجلس الأمن الوطني المعاون لترامب تحذره من مخاطر التخلي عن دول وتركها خارج المظلة النووية الأميركية، الأمر الذي هدد ترامب بفعله خلال حملته الانتخابية، في إشارة إلى اليابان وكوريا الجنوبية.
وربما تجري معركة موازية للفوز بدعم ترامب على صعيد السياسات الخارجية. جدير بالذكر في هذا الصدد أن لفتنانت جنرال مايكل تي. فلين، ضابط الاستخبارات المتقاعد، من أقرب مستشاري ترامب فيما يخص السياسة الخارجية، وهو مرشح لمنصب مستشار الأمن الوطني، تبعًا لوثيقة داخلية سربت مؤخرًا لوسائل الإعلام، وكذلك ستيفن هادلي الذي عمل بهذا المنصب في عهد إدارة بوش.
يذكر أن هادلي، الذي ربما أيضًا يقع الاختيار عليه في منصب وزير الدفاع، ضغط على بوش لزيادة أعداد القوات الأميركية بالعراق ويميل نحو سياسات التدخل العسكري.
في المقابل، نجد أن جنرال فلين، المسجل بصفوف الحزب الديمقراطي، انتقد السياسات المحافظة الجديدة التي انتهجتها إدارة بوش بسبب دفعها الولايات المتحدة في مستنقعات مثل العراق.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الأسماء المرشحة للمناصب الاقتصادية الكبرى لا تكشف ذات القدر من التباين الآيديولوجي مثل تلك الخاصة بمناصب البيت الأبيض والأمن الوطني، لكنها تثير القلق بالنظر إلى المشاعر المعادية للمؤسسة المهيمنة و«وول ستريت» التي أججها ترامب خلال حملته الانتخابية.
* خدمة «نيويورك تايمز»



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».