أكبر وصمة تركها باراك أوباما في إرثه السياسي هي المعاناة التي بات يواجهها الحزب الديمقراطي. ونزلت نتيجة انتخابات عام 2016 وفوز دونالد ترامب عن الحزب الجمهوري بالرئاسة كالصاعقة على مؤسسات الحزب. فالديمقراطيون أقصوا عن السلطة في واشنطن برحيلهم عن البيت الأبيض وعن الكونغرس بغرفتيه، وسيهيمن الجمهوريون على السلطة ابتداء من يناير (كانون الثاني) المقبل بعد أن تهاوت عروش الحزب الديمقراطي في الولايات الأميركية كافة.
فللمرة الأولى خلال ربع القرن الأخير يخلو البيت الأبيض أو الحكومة من اسم كلينتون، وأيضا أوباما ونائبه جو بايدن في الطريق لمغادرة خشبة المسرح نهائيا. لكن من المؤكد أن ذلك من شأنه أن يشعل صراعا حول روح واتجاه الحزب في الفترة المقبلة، وسيفسح المجال لقادة جدد لملء الفراغ الجديد في مقاعد الحزب.
فزعيم الأقلية بمجلس الشيوخ تشارلز شامر مشرع موهوب وسياسي بارع تواق دائما للبقاء دائما في دائرة الضوء، لكن من غير المرجح أن يمثل الحل بالنسبة للحزب.
فبحسب المستشار السياسي جو تريبي: «أتوقع حدوث خلاف داخل الحزب الديمقراطي حول الاتجاه المفترض أن يسير فيه. قد يكون هذا للحزب على المدى البعيد، لكنه سيكون مؤلما على مدار السنوات المقبلة، فلن يكون هناك رئيس ديمقراطي قادر على لم شمل الحزب بطوائفه المختلفة».
فانتصار ترامب على وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بالتأكيد سيشجع الاتجاه الليبرالي داخل الحزب. فقد جادل السيناتور بيرني ساندرز، الذي نافس كلينتون في ترشيحات الحزب الديمقراطي، بطرح أسئلة معقولة ليقول: إنه الأجدر بحمل لواء القضية في النزال أمام ترامب؛ نظرا لكونه ناقدا حادا لحي المال والأعمال «وول ستريت»، وخصما شرسا لاتفاقيات التجارة الحرة.
يقول اليسار إن خلاص الحزب الديمقراطي يتمثل في المطالبة بما يعرف بحزمة البرامج الجديدة «نيو ديل» ونقل الحزب لقواعد أكثر شعبية كتلك التي دعت إليها السيناتور إليزابيث وارن.
وصرح إم غرين، أحد المؤسسين لحملة «التغيير التقدمي»، بأن الدرس المستفاد من تلك الهزيمة أمام دونالد ترامب هو أن «الديمقراطيين في حاجة إلى مخاطبة الناخبين الغاضبين بشكل أكثر صراحة ومباشرة. أتمنى أن يغيروا من صورة الحزب ليتطابق مع الهيئة التي صورتها السيناتور إليزابيث وارن لتكون رسالة للحزب أكثر حماسة وقدرة على استيعاب غضب الناخبين وتوجيهه في قنوات إيجابية أكثر من تلك التي نراها في رسائل ترامب السلطوية». فالانتصار الساحق الذي حققه ترامب من المفترض أن يجعل الديمقراطيين يشعرون بأهمية الجدل الدائر داخل الحزب والذي اتخذ أشكالا متعددة منذ حقبة الثمانينات من القرن الماضي.
«والسؤال هو: هل يستطيع التيار الشعبي اليساري هزيمة التيار الشعبي اليميني؟» لا جدال في ذلك، بحسب مات بيتيت، نائب رئيس منظمة «ثيرد واي».
فترامب شخص غير تقليدي في أرائه، فقد ركز في حديثه عقب الفوز على إعادة بناء الولايات المتحدة، وإعادة رصف الطرق وبناء الجسور والمطارات والمستشفيات. ربما استفاد الجمهوريون من عدم وجود مرشح يميني متعصب مقابل ترامب، فلو حدث ذلك لكانت الصعوبة أكبر على الحزب المنافس تحديد طبيعة المنافسة. لكن ما لا يمكن إنكاره هو حالة التآكل في جسد الحزب الديمقراطي خلال السنوات الثمانية الماضية التي حكم فيها أوباما الولايات المتحدة، وتحديدا منذ أيامه الأولى في الحكم. وصرح أوباما صباح الأربعاء الماضي أثناء تأمله في النتائج، بقوله أرى «وظيفتي هذه أشبه بسباق التناوب؛ فبمجرد أن تمسك بالعصا تأخذ في الركض بأقصى سرعة ممكنة لديك. ويجب أن تكون متقدما على زميلك عندما تقرر تسليم العصا له، وحينها سيعنى أنك قد حققت بعض التقدم». لكن حزبيا، ما رأيناه هو العكس.
فترشيح ترامب راق للناخبين، بمن فيهم التقليديون من الطبقة العاملة في الحزب الديمقراطي الذين يشعرون بأنهم تضرروا من الإصلاحات الاقتصادية جراء الأزمة المالية التي رافقت وصول أوباما للبيت الأبيض عام 2008.
ويقول العضو الديمقراطي السابق بالكونغرس عن ولاية أوهايو والليبرالي المتحمس، دينيس كوسنيش: إن «الإدارة الأميركية سلمت إلى وول ستريت، وليس إلى مين ستريت. فالديمقراطيون كانوا متبلدين في هذا الاتجاه؛ لأن الأمر بالنسبة لهم لم يكن يعني أكثر من الفوز بالانتخابات والوصول للسلطة، ولم يكن التفكير فيما يجب إنجازه للشعب الأميركي».
فخلال العام الأول أوباما الأول بالبيت الأبيض، وفي ذروة النشوة بتحقيق أكبر فوز انتخابي منذ عام 1988، وسع الديمقراطيون نطاق أغلبيتهم بمجلس النواب ليبلغ 257، وفي مجلس الشيوخ حققوا أكبر نسبة منذ عهد جيمي كارتر.
ونتيجة لذلك، كان عددهم بالضخامة التي مكنتهم من استعراض عضلاتهم لتغطي البرنامج الأول لخطة عمل أوباما، تحديدا برنامج أوباما للرعاية الصحية «أوباما كير».
فقد الحزب الديمقراطي السيطرة على الانتخابات في منتصف الدورة عام 2010 التي حركها ردة الفعل القوية ضد قانون الرعاية الصحية وعمليات الإنقاذ الحكومية لحي المال وول ستريت والصناعة الأميركية، وشهدت أعداد الحزب الديمقراطي تراجعا ملحوظا عام 2014، وتحطمت آمال الديمقراطيين في استعادة مجلس الشيوخ الثلاثاء الماضي بعدما أظهر فوز ترامب صعود الجمهوريين.
والدرس هنا هو أنه من دون أوباما نفسه ما كان لأصوات هذا الجيش من الشباب والأقليات لتظهر بهذا العدد للمحافظة على ماء وجه الحزب.
فعلى عكس تحالف فرانكلين روزفلت الذي عرف باسم تحالف «نيوديل»، فإن العملية السياسية المؤثرة التي بناها أوباما تبدو غير قابلة للنقل لغيره من الديمقراطيين، وعليه قد لا يكتب لها الاستمرار بعد نهاية فترته. وصرح المستشار الإعلامي بالبيت الأبيض، جوش إرنيست، الأربعاء أن الأرقام لا تكذب وإن بدت محيرة. «فهناك الكثيرين ممن صوتوا لأوباما عام 2008 والكثيرون الذين صوتوا لإعادة انتخابه عام 2012، وصوتوا لدونالد ترامب عام 2016»، بصراحة، ليس لدى تفسير لهذا. بحسب إيرنيست.
يوم الثلاثاء شهد حصول الجمهوريين على المزيد من المقاعد التشريعية وعلى المزيد من المقاعد في مجلس النواب، ليبلغ العدد الآن 24 ولاية ضمنت للحزب السيطرة على تشريعات المجلس. كان من ضمن انتصارات الحزب الجمهوري أيضا الفوز بأصوات ولاية كنتاكي للمرة الأولى منذ 100 عام، وكذلك الفوز بمقعد ولايا أيوا بمجلس الشيوخ.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}

