عميد أكبر قبائل منطقة الموانئ النفطية في مرمى النيران

بنغازي تصارع الإرهاب 1 من 5 : الصدفة تلعب دورا في إنقاذ ضاحية سيدي فرج من مذبحة

الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
TT

عميد أكبر قبائل منطقة الموانئ النفطية في مرمى النيران

الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)

ترصد «الشرق الأوسط» في سلسلة حلقات محاولات مدينة بنغازي التي كانت تسيطر عليها الميليشيات المتطرفة، العودة إلى الحياة رغم المصاعب ورغم ضعف إمكانيات الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر. أهالي المدينة التي تعد ثاني أكبر المدن الليبية بعد طرابلس العاصمة، لديهم إصرار على تنظيف بنغازي من آثار المعارك، لكن ما زالت توجد جيوب في المدينة تثير الخوف والفزع. ومع ذلك تبقى إرادة التغيير والسير إلى الأمام هي الشعار المرفوع هنا. روح معنوية مرتفعة وسط قصص عن بطولات قام بها مجهولون من أجل طرد المسلحين من المدينة.
افتح دكانك.. ارجع إلى بيتك. لكن افعل ذلك وأنت متأهب للخطر. مواقع المتطرفين ما زالت تقاوم في الشوارع الغربية. والخلايا النائمة في الضواحي الآمنة يمكن أن تستيقظ في أي لحظة لتنفيذ عملية خاطفة. والخصوم يحشدون لإعادة السيطرة على الموانئ النفطية. يوجد جيش ورجال لوزارة الداخلية ينتشرون في شوارع بنغازي. لكن الحذر واجب. هبت الرياح صباح يوم الجمعة محملة بالتراب على المدينة. يومٌ يحمل نُذر الخطر. كان يفترض الانتقال إلى منطقة سيدي فرج الواقعة إلى الجنوب الغربي من مطار بنغازي المعروف باسم «مطار بنينة الدولي». كان المتطرفون يحتلون هذه المنطقة الحيوية لعدة أشهر. واليوم جرى طردهم.

البرنامج يتضمن الوصول إلى منزل عميد قبيلة المغاربة الشيخ صالح الأطيوش. وإجراء حوار صحافي معه عن جهود الجيش وشباب بنغازي في الحرب ضد الإرهاب. ثم التوجه معه في سيارته المصفحة لأداء صلاة الجمعة في مسجد أبو بكر الصديق الذي جرى تأسيسه عام 2006 في منطقته على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من منزله. وبعد الصلاة وفقا للبرنامج، يعود الجميع مرة أخرى إلى منزله لتناول وجبة الغداء. لم يكن أحد يعلم أن هناك من ينتظر وراء أشجار الزيتون لتفجير السيارة بمن فيها.
بحلول الساعة العاشرة صباحا كان الغبار قد غطى شوارع المدينة. كانت الإقامة في منزل قريب من محاور القتال بين الجيش والمتطرفين في غرب بنغازي، يعود لأحد شيوخ قبيلة العواقير الكبيرة والقوية في شرق ليبيا. من السهل أن تسمع كل حين وآخر صوت انفجارات المدفعية وتكتكة الرصاص. الطريق من هنا إلى منزل الشيخ الأطيوش لا يقل عن خمسة عشر كيلومترا عبر شارع المطار. وبدأ الاستعداد للتوجه إلى هناك، لكن في اللحظات الأخيرة جرى تغيير الخطة بسبب سوء حالة الطقس.. غبار وريح وانخفاض في مستوى الرؤية. الرأي بتأجيل اللقاء مع الأطيوش إلى المساء. ومع ارتفاع صوت أذان الظهر، وصل الخبر. تفجير سيارة مفخخة لحظة وصول عميد قبيلة المغاربة إلى المسجد.
كانت صحيفة «الشرق الأوسط» هي أول صحيفة عربية تصل إلى هذا العمق من خطوط التماس بين قوات الجيش الذي يقوده حفتر، وبواقي قوات المتطرفين المتحصنين في عدة مناطق في غرب بنغازي. وبدأ عدد من المسؤولين في الاتصال للاطمئنان على أن المبعوث الصحافي ومرافقه محمود، ابن قبيلة القناشات، لم يصابا بسوء في تفجير الأطيوش. كان الاعتقاد ما زال سائدا عن أن هناك صحافيا في سيارة شيخ المغاربة التي تحولت إلى كومة من الحديد الملتوي والمحترق.
في الجهة الأخرى.. أي في منطقة سيدي فرج التي سيطر عليها تنظيم «أنصار الشريعة» الموالي لـ«داعش»، لعدة شهور، يوجد منزل الشيخ الأطيوش وسط بيوت لأبناء عمومته وأقاربه. ويحظى الأطيوش بأهمية خاصة بعد أن أدار بمهارة تسهيل عملية دخول قوات الجيش بقيادة حفتر للموانئ النفطية في الشمال الأوسط من البلاد، واستعادتها من أيدي ميليشيا يقودها أحد أبناء القبيلة ويدعى الجضران.
منطقة سيدي فرج صحراوية وقليلة السكان، ويوجد فيها مزارع للزيتون والخضراوات تروى بالمياه الجوفية. وتنتشر فيها «المزارع» وهي قطع من الأراضي تتراوح مساحاتها بين 500 و3000 متر تخص مواطنين من المدينة. كل مزرعة محاطة بسور ويوجد فيها بعض الشجيرات وغرفة واحدة على الأقل ودورة مياه، ويستخدمها أبناء المدينة في قضاء عطلة نهاية الأسبوع فيها مع الأسرة أو مع الأصدقاء.
وخلال احتلال المتطرفين لمنطقة سيدي فرج استخدموا هذه المزارع في الإقامة والمعيشة وتخزين الأسلحة والمتفجرات والانطلاق منها لتنفيذ الهجمات والعودة مرة أخرى. ولقي كل من الجيش وشبان المنطقة المتطوعين لمحاربة المتطرفين، صعوبة لوقت طويل في هزيمة العدو وطرد الغرباء من سيدي فرج. وخسر أحد قادة المنطقة ويدعى سليمان، كل رجاله ما بين قتيل ومعاق من أجل تحقيق النصر. ويوجد بالقرب من منزل الأطيوش هنا بيوت أخرى فقدت أبناءها في الحرب التي استمرت منذ أواخر عام 2014 حتى منتصف هذا العام.
وينتمي الأطيوش لقبيلة المغاربة المشهورة والموجود أسماء الكثير من قادتها التاريخيين في مذكرات الضباط الإيطاليين الذين غزوا ليبيا في مطلع القرن الماضي. وتتضمن تلك المذكرات، مثل مذكرات الجنرال غارازياني، قصصا عن ضراوة مقاومة المغاربة لأطماع الطليان. ويتركز وجود القبيلة في المنطقة الممتدة بين إجدابيا (على بعد نحو 80 كيلومترا غرب بنغازي) وحتى مدينة سرت (على بعد نحو 600 كيلومتر إلى الغرب من بنغازي). أي أنها موجودة في أغنى منطقة نفطية في ليبيا تحوي نحو 60 في المائة من مخزون البترول في الصحراء المعروفة باسم «الهلال النفطي» وتشرف على أربعة موانئ لتصدير النفط من على ساحل البحر المتوسط.
حين بدأت الفوضى في ليبيا بعد مقتل معمر القذافي، تسابق اللصوص والسياسيون وأمراء الحرب للهيمنة على منابع النفط وعلى موانئ التصدير في عموم البلاد. وساعد على ذلك سماسرة متعطشون للمكسب ينشطون في البحر، ولديهم حقائب من الدولارات وصناديق من الأسلحة. أي أن ثمن أي صفقة يجري تهريبها من الموانئ جاهز، وكما تريد.. أموال سائلة أو سلاح وسيارات.
وأدى احتدام المنافسة على الحقول إلى تراجع الإنتاج والتصدير من نحو 1.6 مليون برميل في اليوم، إلى أقل من 300 ألف برميل في اليوم. وفي خضم هذا الصراع ترأس الجضران ما يعرف بقوات حرس المنشآت النفطية، وجمع عدة آلاف من شباب قبيلة المغاربة وجلس بهم على ساحل البحر ليمنع السفن من شحن النفط من الموانئ. وقال الجضران في ذلك الوقت إنه يفعل هذا الأمر لمنع جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تهيمن على الحكم في طرابلس الغرب، من الاستفادة من عائدات النفط.
استمرت الأوضاع على هذا النحو قرابة 18 شهرا. الموانئ مغلقة، والمفاوضات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة تجري على قدم وساق بين عدة أطراف ليبية في بلدة الصخيرات المغربية. وتنظيم داعش يحصن مواقعه في مدينة سرت المجاورة للهلال النفطي من الغرب. ومدينة إجدابيا، على الحد الشرقي للهلال النفطي، مقسمة بين نفوذ الجضران ونفوذ قوات الجيش الذي يزداد ترابطا وتماسكا بقيادة حفتر يوما بعد يوم. إلى أن جاءت لحظة الصدام. انحاز الجضران للمجلس الرئاسي الذي اقترحته الأمم المتحدة لحكم ليبيا، وانحاز الجيش لقرارات البرلمان التي ترفض إطلاق يد المجلس الرئاسي في البلاد.
قرر الجيش حسم الموقف واستعادة حرس المنشآت النفطية للعمل تحت سلطته، وإخراج الجضران من المشهد. في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي كان الموقف كالآتي.. قوات الجيش تتمركز في منابع البترول جنوبا أي في الجانب الصحراوي من الهلال النفطي. وقوات حرس المنشآت برئاسة الجضران تدير الموانئ النفطية في على ساحل البحر، وهي «الزويتينة» و«البريقة» و«رأس لانوف» و«السدرة». هذا على المستوى العسكري. أما على الصعيد السياسي فقد ظهر الجضران مع مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر، ومع رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، ليتعهد بأنه سوف يسمح بتصدير النفط لصالح المجلس الرئاسي.
ويقول أحد العناصر القتالية التي كانت تعمل مع ميليشيا الجضران في حراسة المنشآت النفطية، وهو شاب مصاب بشظية في صدره ويقضي فترة النقاهة لدى أقاربه في منطقة سيدي فرج، إنه لا ينتمي إلى توجه معين، وإن عمله في حراسة الموانئ النفطية تحت سلطة الجضران كان في البداية واجبا قبليا.. «أنا من قبيلة المغاربة والموانئ النفطية موجودة في نطاق القبيلة». ويتقاضى عناصر المنشآت النفطية رواتب عن طريق الجضران. ويضيف: «لو وقفنا ضد الجيش لوقعت مذبحة. استمعنا لنداء الشيخ صالح الأطيوش وانسحبنا».
كان عميد القبيلة، الأطيوش، يقوم بدوره مع أبناء قبيلته في منطقة الموانئ النفطية. لا ترفعوا السلاح في وجه الجيش. عودوا إلى حضن القوات المسلحة وإلى حضن الدولة. من يريد أن يلتحق بالجيش فأهلا به وسهلا، ومن يريد أن يعود إلى بيته فهو آمن ولن يمسسه سوء. وأدت سيطرة الجيش بشكل مباغت على الموانئ النفطية إلى إرباك الكثير من عواصم العالم وإلى تضارب مواقف المجلس الرئاسي، وإلى اختلاط الأوراق الليبية في يد كوبلر.
وعلى الجانب الآخر بدأ الاحتفاء بموقف عميد قبيلة المغاربة من جانب المؤسسة العسكرية بقيادة حفتر ومن البرلمان برئاسة عقيلة صالح، ومن جانب القيادات القبلية الموالية للسلطة الشرعية ممثلة في البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق. ويقول البرلمان في سبب تكريم الأطيوش إنه تعبير عن العرفان للدور الذي لعبه، مع شيوخ وأعيان منطقة الهلال النفطي، في دعم الجيش، خاصة في تحريره للموانئ النفطية وحقن دماء الليبيين وعودة تصدير النفط.
وطوال الشهرين الماضيين واصل الأطيوش توجيه النداء تلو النداء لقطع الطريق على أي محاولة للارتداد على الجيش في منطقة نفوذ القبيلة في الموانئ النفطية. يقول الرجل الذي كان أجداده يحاربون المحتلين الإيطاليين في الزمن القديم: الوطن للجميع.. ليبيا للجميع.. والنفط لكل الليبيين. وبينما كانت القوات المسلحة تبسط نفوذها على موانئ رأس الأنوف والبريقة والزويتينة، وجه كلمة للشباب الذين كانوا يقفون مع الجضران، وقال لهم إنه «جرى التغرير بكم.. هناك من أعطاكم فكرة سيئة عن الجيش وعن البرلمان. أطالبكم بالعودة إلى حضن الدولة. عودوا إلى أهلكم، ومن يريد أن ينضم للجيش فالجيش مستعد لقبولهم ومن يريد أن يرجع لبيته فليلقِ السلاح ويرجع في أمان».
ويقول الأطيوش عن الجضران إنه أحد أبناء قبيلة المغاربة، لكن تم استثماره من جانب آخرين استثمارا سيئا ليس لمصلحة الوطن.. «أقول له أنت أخطأت.. ارجع إلى حضن القبيلة وحضن القوات المسلحة، ولو أجرت الدولة التحقيق معك فسيكون تحقيقا عادلا. ولن يصيبك أي ضرر».
قبل تفجير سيارة الأطيوش بليلة واحدة، أي مساء يوم الخميس، الثالث من الشهر الجاري، كان هناك عزاء في منطقة المقزحة، جنوب مطار بنغازي. حضر الكثير من قادة القبائل وقادة من الجيش بعضهم من معاوني المشير حفتر. وخلال مجلس العزاء اتجه الحديث إلى مستقبل الموانئ النفطية. وبدا أن الجضران ما زال يثير القلق لدى البعض. وجرى أيضا ذكر الشيخ الأطيوش والدور الذي يقوم به لحشد القبائل حول الجيش خاصة في منطقة الهلال النفطي ومحاولاته لاستعادة الجضران من ضفة الخصوم ومعاملته معاملة كريمة مع ترك مسألة التحقيق معه للدولة.
لكن هذا الشاب الأسمر، الذي كان مطاردا من الشرطة في مدينة إجدابيا قبل سقوط نظام القذافي، انضم إلى أعداء الجيش والبرلمان. ويتمركز هؤلاء «الأعداء» الآن في بلدة الجفرة، على بعد نحو 300 كيلومتر إلى الجنوب من الموانئ النفطية، وهم خليط من ميليشيات جهوية ومذهبية متطرفة كان معظمها يقاتل الجيش في بنغازي حتى شهور قليلة مضت. المثير في الأمر أن وزير الدفاع المقترح في مجلس السراج الرئاسي، على صلة بتلك الميليشيات. ويقول مصدر في الاستخبارات العسكرية في بنغازي: رصدنا تعاون وزير دفاع السراج، المهدي البرغثي، مع هذه الميليشيات لشن هجوم على الموانئ النفطية.
ووفقا لمعلومات الاستخبارات العسكرية في المدينة، فقد شهدت منطقة الجفرة نشاطا محموما قبل محاولة اغتيال الأطيوش بأربعة أيام. وتقول هذه المعلومات إنه في اليوم الأول من الشهر الجاري زار البرغثي قاعدة الجفرة العسكرية (خارج سيطرة حفتر) والتقى هناك مع رائد ليبي يدعى الأزهري، ومع اثنين من العسكريين الأجانب، الأول اسمه إكفين، والثاني يدعى جولياني، بالإضافة إلى مسؤول من إحدى دول المنطقة معني بالملف الليبي، وكذلك في وجود قادة لميليشيات متطرفة من بينهم رجل يلقب بـ«بلعم». ولا يوجد ربط مباشر حتى الآن بين اجتماعات الجفرة، ومحاولة التخلص من الأطيوش، فيما عدا التخطيط للهجوم على الموانئ النفطية.
ويوضح المصدر العسكري أن العناصر القتالية في الجفرة من ليبيين وغير ليبيين ما زالت تصرف لهم رواتب من خزينة الدولة في طرابلس تحت اسم «القوة الثالثة» التي تأسست في عهد الحكومات السابقة التي جاءت بعد القذافي وكان يهيمن عليها كل من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة الموالية لتنظيم القاعدة.
في اليوم الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري شهدت الجفرة خلافات حول صرف مستحقات المقاتلين الليبيين والأجانب (غالبيتهم مرتزقة أفارقة يطلق عليهم «مجموعة الزرق»)، ويديرهم رجل من مدينة الزنتان. وهدد بسحبهم من الجفرة. لكن تدخل أحد قيادات اتفاق الصخيرات في طرابلس لصرف مستحقاتهم والإبقاء عليهم هناك استعدادا للمشاركة في الهجوم على منطقة نفوذ قبيلة الأطيوش واحتلال الموانئ النفطية. وفي يوم الثالث من نوفمبر وصلت عبر الطائرات شحنات حديثة من الأسلحة إلى الجفرة وأشرف على العملية، وفقا لتقارير أمنية في بنغازي، شخصيات ليبية وأخرى من دول في منطقة الشرق الأوسط. وتشمل صفقة الأسلحة الجديدة صواريخ وقذائف مدفعية ومناظير رؤية ليلية وبنادق قنص وغيرها.
ومن خلال قراءة وجوه الحاضرين في مجلس عزاء المقزحة، يبدو أن الخطر ما زال قائما في قابل الأيام، رغم الجهود الضخمة التي يقوم بها الجيش الوطني بقيادة حفتر. فقد جرى قبل أسبوعين، في ساحة الكيش بوسط بنغازي، تفخيخ سيارة السياسي محمد بوقعيقيص الذي كان يحاول جمع الليبيين في جسم سياسي واحد موالٍ للجيش ومناهض لمجلس السراج والميليشيات التي يعتمد عليها. وقتل بوقعيقيص وثلاثة من مرافقيه.
يقول أحد العسكريين في عزاء المقزحة: «الإمكانيات ضعيفة.. لكن العزيمة على هزيمة الإرهاب كبيرة». كانت الساعة قد وصلت إلى الثانية من فجر يوم الجمعة. والسيارة تعبر في طريق العودة في دروب كان يسيطر عليها المتطرفون حتى وقت قريب. ومن بين الظلام يقف شبان متطوعون لحماية المواقع المحررة. وعلى الجانبين تظهر أمام أضواء السيارة بقايا الدمار الذي خلفته الحرب. ومن المقزحة انعطف الطريق إلى حرم مطار بنينا. هنا يقف جنود بملابس الجيش الرسمية. أعمدة الضوء تكشف كل شيء. تدقيق في الهويات وابتسامة لبث الطمأنينة. ثم هدر المحرك إلى قلب المدينة. ومن الجانب الغربي وصل دوي صوت انفجار مكتوم.
مع صباح الجمعة كان الغبار يغطي المدينة. والحركة شبه مستحيلة. وجرى تأجيل زيارة الأطيوش، والاقتراح بأداء الصلاة في مسجد قريب من وسط المدينة، على أن يكون اللقاء الصحافي معه بعد تحسن حالة الطقس أو في المساء. لكن مع أذان الظهر جاء النبأ بنجاته من محاولة اغتيال. يفترض أن الأطيوش يتحرك بسيارته الخاصة وهي سيارة مصفحة بدأ يعتمد عليها بعد دوره الكبير في موقعة استرداد الجيش للموانئ النفطية. خطة «الإرهابيين» الذين استهدفوه كانت كالآتي.. وضع سيارة مفخخة أمام المسجد وبالتحديد على جانب الطريق الذي سيأتي منه الأطيوش من منزله لصلاة الظهر هنا.
وحين تمر سيارته من جوار السيارة المفخخة يتم التفجير. لكن الظروف لعبت دورا. في هذه المرة لم يأت عميد قبيلة المغاربة بسيارته التي يعرفها المخططون للعملية، ولكنه جاء في سيارة عادية تخص أحد ضيوفه. ومرت بسلام من جوار السيارة المفخخة، إلا أن المخططين رأوا الأطيوش ينزل مع ضيفه فأسرعوا بتنفيذ عملية التفجير وهو يهم بدخول المسجد، ما أدى إلى إصابته في ذراعيه وقدميه وإصابة ضيفه واثنين آخرين أيضا. وأدت شدة الانفجار إلى تحطيم أربع سيارات وإصابة جدران المسجد ونوافذه بأضرار.
وهرع رجال الأمن والجيش إلى موقع الحادث وجرى نقل الرجل وضيفه والاثنين الآخرين إلى مركز بنغازي الطبي. ويقول ميلود الزوي القائد في قوات الصاعقة إن أحد المصابين الأربعة حالته حرجة. وبدأ يتوافد على المستشفى ألوف المهنئين بسلامته. وتحول بيت الأطيوش في منطقة سيدي فرج التي يقع فيها المسجد، إلى مزار لألوف الليبيين الرافضين لعودة الإرهاب مرة أخرى إلى بنغازي.
ووصف فتحي المجبري، عضو المجلس الرئاسي، محاولة الاغتيال بـ«الجبانة» وعدها محاولة لضرب الأمن الذي بدأ يترسخ بالفعل في بنغازي. كما أدان علي القطراني، عضو المجلس الرئاسي، العملية التي استهدفت الأطيوش ووصفها بأنها محاولة من الجماعات الإرهابية لإسكات صوت شجاع مدافع عن قضايا الوطن وداعم للمؤسسات المدنية والعسكرية للدولة. ويعد المجبري والقطراني من أعضاء المجلس الرئاسي الرافضين للكثير من توجهات السراج وكوبلر فيما يتعلق بمستقبل ليبيا.
وفي المستشفى التي جرى تجديدها وعادت إلى العمل بعد أن كان المتطرفون يسيطرون عليها قبل عدة أشهر، بدأ الأطيوش بمعنويات مرتفعة رغم الجروح والضمادات التي تلف ذراعيه وقدميه. ويقول وهو يبتسم: لن يهزمنا الإرهاب.. سأنتظركم لإتمام الحوار الصحافي المرة المقبلة. لكن الطاقم الطبي كان يجهز لنقله عبر الطائرة لاستكمال علاجه في الخارج. ومن جانبها تواصل السلطات في بنغازي التحقيق في الواقعة، حيث جرى القبض على عدة عشرات من المشتبه بعلاقتهم بالجماعات المتطرفة.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».