راهنية التراث في عالمنا المعاصر

يعدّ مرجعية تاريخية وثقافية حاسمة في دعم مقومات الشخصية وتقوية الشعور بالانتماء

راهنية التراث في عالمنا المعاصر
TT

راهنية التراث في عالمنا المعاصر

راهنية التراث في عالمنا المعاصر

يؤكد كثير من الباحثين، أهمية دراسة التراث، باعتباره عنصرًا أساسيًا لفهم طبيعة التطور وكيفية تشكل بنية المجتمع. من هنا، فالتراث مدخل مناسب لدراسة الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
بدأ الاهتمام بالتراث في السياق الثقافي (العربي)، منذ بواكير النهضة، مع ثلة من الباحثين، من أمثال رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، والكواكبي، إذ حرك هؤلاء التفكير في التراث، في محاولة للإجابة عن الأسئلة الملحة لعصر النهضة، من قبيل: كيف يمكن تحقيق التقدم واللحاق بالآخر (الغرب)؟ لقد وعى هؤلاء المفكرون، أهمية التراث في تطوير المجتمع العربي، فتزايد الاهتمام بالتراث، وتعددت زوايا دراسته ومقاربته.
لقد تجدد الوعي بأهمية التراث في عالمنا المعاصر، وارتبط بسياق عالمي موسوم بتحولات كبرى وأزمات ذات مستويات فكرية وسياسية واجتماعية ومالية وثقافية ومجالية وبيئية. هذه المستويات تتفاعل فيما بينها، لتعيد للبعد الثقافي أهميته، من خلال راهنية البحث عن المعنى، وعن سبل جديدة للعيش المشترك وبناء الحضارة. وقد سعى كثير من دول العالم، إلى إعادة الاعتبار للشأن الثقافي، باعتباره مدخلا رئيسا لتحقيق التنمية المستدامة، وإشاعة قيم العدالة والمساواة، وترسيخ الأمن والاستقرار في مواجهة أشكال الصراع المدمرة.
في هذا السياق إذن تجذر الوعي في كثير من البلدان النامية بقيمة الثقافة، كحاملة للمعنى والهوية، ما يستلزم تبني استراتيجية ثقافية، من ملامحها: احترام الهوية الثقافية والتنوع الثقافي، حماية وتثمين التراث المادي واللامادي، دعم الفنون الشعبية واللغات الوطنية، تشجيع المواطنين على المشاركة في الشأن الثقافي، اعتبار الثقافة عاملاً محركًا للإبداع والتنمية الاقتصادية وخلق الثروة.
هذه بعض ملامح يقتضي هذا السياق الجديد، الاعتراف بدور الثقافة في التنمية الوطنية والجهوية، ما يستلزم تشجيع الصناعة الثقافية، والاستثمار في مكونات الثقافة. وفي إطار هذا الاهتمام بالثقافة، يندرج اهتمام بلدان العالم، خصوصا النامية، بالتراث. ذلك أن هذه البلدان تعيش ظروفا وأوضاعا (الحروب، الفقر..)، تنعكس سلبا على الكنوز والآثار الإنسانية القيمة، التي تتعرض للتدمير والضياع والسرقة. لكن ما هو التراث؟

مفهوم التراث
يحيل مفهوم التراث في العربية، على الموروث من كتب الحضارة العربية الإسلامية. وشكَّل التراث، لعقود عدة، المعرفة التي خلفها عباقرة الإسلام، سواء كانوا مغاربة أم مشارقة، أي مجموع المعارف الإنسانية الانتقائية المتراكمة خلال قرون. ويقترح الموقع الرسمي لـ«اليونيسكو»، صورة تقريبية للتراث، فيعتبره «موروثًا (تركة) الماضي التي نستغلها اليوم ونحولها إلى الأجيال الثقافية. وتراثنا الثقافي والصناعي مصادر للحياة والإلهام لا بديل عنها».
من خلال هذه الصورة، يتضح أن التراث متصل بالماضي. فهو تركة وجب الحفاظ عليها وتناقلها بين الأجيال الحالية والمستقبلية. يهم هذا النقل كل ما له قيمة بالنسبة لجماعة بشرية، سواء كان ماديًا (كالمعالم الأثرية) أو لا ماديًا (العادات، التقاليد).
والتراث عنصر ملازم للثقافة، ينتجها وينتج عنها. وهو ذلك العنصر الذي يعطي للثقافة تجسيدًا وفاعلية من جهة، وثباتًا واستمرارية عبر الزمن من جهة أخرى.
والتراث أيضا، مجمل الرموز الحاملة للهوية، وهي رموز تستمد معانيها ودلالاتها وشحناتها العاطفية، من الثقافة. وبهذا التحديد يتموقع التراث بين الثقافة والهوية، إذ يستمد من الثقافة أشكاله ومعانيه، فتستمد منه الهوية حدودها.
وما يلاحظ في استعمال التراث أنه مفهوم عصي على التحديد، لدرجة يمكن معها القول، بطريقة مختزلة ومخلخلة، إن «التراث غير موجود»، وتصوُّره فعل مبنيّ. أما التراث باعتباره مفهومًا، فهو نتيجة لتأويل اجتماعي يحفز عبر مصالح متنافسة.
إن المواقف المسبقة للفاعلين وأدوارهم واختلاف منطق كل طرف، كلها عناصر تجعل من مفهوم التراث مفهوما انتقائيا، وذاتيا، وخاضعا للتطور الزمني. وهو مرتبط بقيم وتأويلات ذاتية وفاعلين مهتمين.

تصنيفات التراث
يلاحظ الدارس للكتابات المتصلة بالتراث، تنوع المصطلحات الموظفة للإحالة على الظاهرة التراثية. ومن هذه المصطلحات: المعلم الثقافي، المصدر الثقافي، التراث الثقافي.. كما يلاحظ تعدد التصنيفات المقترحة للتراث. ويعكس هذا التعدد، تنوع مواقع الباحثين ومواقفهم من التراث. ومن التصنيفات المطردة في هذا الإطار: التراث الطبيعي، ويدل على المعالم الطبيعية، كالتشكلات الفيزيائية، والبيولوجية الطبيعية، والتشكيلات الجيولوجية، ثم المواقع الطبيعية.

التراث الثقافي
يميز الباحثون في هذا التراث بين نوعين:
تراث مادي، وهو العقار (الأبنية، مواقع أركيولوجية، مآثر تاريخية..)، والأدوات (الأسلحة، الجواهر، الخزف، الفخار، الملابس، الأواني، الأبواب..). وتراث لا مادي، ويقصد به كل الخبرات والمهارات والمظاهر الثقافية الموروثة ذات القيمة التي تنتقل من جيل إلى جيل، وكل ما يعكس الشعور بالانتماء والهوية. ومن العناصر المكونة للتراث الثقافي اللامادي هذا: الموروث الشفهي (اللغات، الحكايات، الأشعار، الأمثال، الأغاني..)، الموسيقى وفنون العزف، العادات الاجتماعية والأعياد وطقوس التعبد، المعرفة وأساليب التعامل مع الطبيعة والعالم، الحرف والمنتجات التقليدية.
حين ندرك الروابط الحميمة بين التراث المادي واللامادي، سيتأكد لنا أن الفصل بينهما صعب، فالآلات الموسيقية التراثية مثلا توجد في نقطة تقاطع بين النوعية من التراث. فهي تراث مادي بالنظر إلى كونها ملموسة ومصنوعة من مواد محددة. وهي أيضًا، تراث لا مادي اعتبارًا لخبرات ومهارات صانعها.
مما سبق، يحق اعتبار التراث الثقافي، تشكيلة من القيم المادية واللامادية التي تستوعب الموضوعات والتقنيات، والخبرات، والمعارف، والمعتقدات، والعادات، التي خلفها لنا أسلافنا، وحافظنا عليها لنقلها إلى الأجيال المستقبلية. وكل هذه العناصر والمكونات، تتقاسم خاصية محددة، وهي كونها موارد غير قابلة للتجدد، فكل عنصر أو مظهر يهمل سيضيع إلى الأبد. من هنا وجب الحفاظ على التراث الثقافي وتثمينه.

دوافع الاهتمام بالتراث
تتعدد دوافع الاهتمام بالتراث في البلدان النامية، ومن هذه الدوافع، تطور الفكر الثقافي في الغرب. ومن مظاهر هذا التطور:
- إحياء الطرز المعمارية القديمة، الإيمان بخطية التاريخ، أي أن كل حدث أو أثر تاريخي، فقد لا يعوض، ومن هنا تنبع قيمة التراث.
- الثورات والحروب والتدمير باسم التحديث.
- عوامل التدمير الطبيعية والبشرية.
ويفسر الاهتمام بالرموز التراثية، باعتبارها دعامة، ومصدر اعتزاز لدى كل شعب، لأنها دليل أصالة وعراقة. لذا فالحرص على الحفاظ على التراث، ترجمة لوعي الأفراد والجماعات، يسهم بدوره، في ترسيخ الهوية الفردية والجماعية. كما أن تنامي الخطابات الداعية إلى الحفاظ على التراث، يستجيب لسياق يعرف تفاقم تيارات العولمة، وتعاظم أخطارها على الخصوصيات الثقافية والحضارية للأمم والشعوب. فالعولمة تهدد كثيرًا من الهويات الوطنية والمحلية، بالتلاشي، أو الذوبان في الهوية الغازية الغالبة، بينما التراث الإنساني باعتباره مكونا للهويات، معرض للمسخ والتشويه والتبخيس.
مما سبق، يتبين أن التراث جزء من ذاكرة الأفراد والأمم. وهو محدّد للهوية الوطنية، ومحافظ عليها في مواجهة تيارات العولمة التنميطية الإقصائية. إنه أداة لتحصين تلك الهوية، ومرجع للذاكرة وللروح لإيجاد توازن مع طبيعة الحياة.

التراث والتنمية
تشكل التنمية موضوعًا لاشتغال كثير من العلوم الاجتماعية والإنسانية، خصوصًا علمي الاجتماع والأنثروبولوجي، اللذين يعالجان قضايا التخلف، والفقر، والرواسب الثقافية، والصراعات الآيديولوجية والعرقية والإثنية، وتأثير ذلك على مسارات التنمية. وبالمجمل، تعرف التنمية كسيرورة ثقافية واجتماعية، لا يمكن فهم إشكالاتها من دون سبر أغوار البناء الاجتماعي والثقافي الذي يتأسس عبره المجتمع. والتنمية عمومًا هي التغيير الكمي والكيفي للمجتمع على المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. فهي كل متداخل منسجم، يهدف إلى تحسين شروط الحياة باتجاه تكريس الرفاه الاجتماعي.
ويرى بعض الدارسين، أن علاقة التراث بالتنمية ضعيفة. فالتراث - بالنسبة لهم - عامل ثانوي في تحقيق التنمية، لأن أثره (وأثر الثقافة عموما)، لا يظهر إلا بشكل بطيء على المدى المتوسط والبعيد. غير أن التحولات العميقة المتصلة بالعولمة، غيرت هذه النظرة، وأيقظت الوعي بخطورة العولمة على الهوية الفردية والجماعية. ومن هنا، بدأت تتبلور رؤى ومقاربات جديدة، تطمح إلى تجاوز جهود الحفاظ على التراث، إلى مستوى تثمينه واستثماره في مجال التنمية والحفاظ على الهوية الوطنية. ضمن هذا التوجه، ترسخ الشعور لدى فئات عريضة من المجتمع، بأهمية التراث، باعتباره يشكل مرجعية تاريخية وثقافية حاسمة في تركيز دعائم ومقومات الشخصية، وفي تقوية الشعور بالانتماء. فالتراث أداة مؤثرة في الصراع والتدافع. وهو عنصر ضامن للوحدة والاستقلال. كما أنه مجال متنوع (طبيعي، بشري، مادي ومعنوي)، يسهم في تحريك الطاقات المنتجة لأجل تنمية محلية جهوية ومحلية مندمجة ومستدامة.
في هذا السياق أيضًا، تعاظم الحديث عن استثمار التراث في المشروعات التنموية، أي «الصيانة المندمجة للتراث، باتخاذ تدابير وإجراءات تضمن استمراريته في محيطه الطبيعي والبشري الملائم، وتوظيفه عقلانيا للاستفادة من منافعه حاضرا ومستقبلا». ويبدو مفهوما التراث والتنمية اليوم، مفهومين متوافقين، إذ سيحظيان بالإجماع من طرف صناع القرار والمسؤولين جهويًا ومحليًا. وهكذا، سيغدو الحفاظ على التراث الثقافي (كملكية جماعية)، شأنا للناخبين، إذ إن هناك قناعات لدى فعاليات مدنية ورسمية، بأن المدينة - الجهة التي تثمن موروثاثها الثقافية، توفر إمكانيات لإعداد أفضل لمستقبلها. وقد ولّدت القناعات السالفة الذكر، مفهوم «المدينة الدائمة» كمقابل لـ«المدينة الوظيفية».
يتضح مما سبق، تلازم مفهومي التراث والتنمية، إذ يمثلان بعض القياسات التي تعكس إرادة لإدماج البعد التاريخي في برامج التنمية، أي مفصّلة الماضي والحاضر والمستقبل الخاص بالمجتمعات، في منطق تحويل وتضامن لأجيال متداخلة. ولأن التراث مورد غير قابل للتجدد، فالإحالة عليه بالحفاظ أو التثمين، تعد واحدة من الصيغ الشرعية المميزة للاستدامة على السلم الكوكبي. فالتراث مورد رمزي قيم، متصل بقوة بسؤال الذاكرة والهوية، وإرادات استعماله من طرف المنتخبين المحليين. لكنه أيضا، مورد اقتصادي تحت الزاوية السياحية بالخصوص، ذلك أن التراثية صيغة لتثمين الفضاءات والمجالات.
إن تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، رهن باستحضار الفضاءات والعناصر كافة التي تتفاعل بهدف تحقيق رخاء الإنسان، الذي يعد عنصرا بؤريا في كل مشروع تنموي. ومن المداخل الكفيلة بتثمين التراث الثقافي، إدماجه في استراتيجية تروم النهوض بالسياحة الثقافية.

* أستاذ باحث - المغرب



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.