الأسد يوجه ضربة لـ«جنيف 2» بإقالة جميل

محللون: إما أنه تجاوز ما هو مرسوم له أو انتهى دوره.. أو حاول تسويق نفسه كبديل مقبول > نائب رئيس الوزراء المعزول: خروجنا من الحكومة أسهل من دخولنا إليها

قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
TT

الأسد يوجه ضربة لـ«جنيف 2» بإقالة جميل

قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)

تلقت جهود عقد مؤتمر «جنيف 2» الخاص بسوريا ضربة جديدة تشكك في جدية نظام بشار الأسد في الجهود التي بنت عليها واشنطن آمالا في تحقيق حل سياسي. ففي بيان رسمي مفاجئ من الرئاسة السورية، أعلن عزل نائب رئيس مجلس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية، قدري جميل، إثر لقائه مع مسؤولين أميركيين.
وبينما برر النظام السوري قرار إعفاء جميل بـ«تغيبه عن مقر عمله وقيامه بـ(لقاءات في الخارج من دون التنسيق مع الحكومة) السورية»، أكدت وزارة الخارجية الأميركية لقاء السفير الأميركي الخاص بسوريا روبرت فورد بجميل السبت الماضي. وفسر محللون في لندن وواشنطن الخطوة التي أثارت تساؤلات في عواصم العالم المعنية بأنه إما أن يكون جميل قد استنفد الغرض المطلوب منه بعد أن بدأت الريح تتجه لصالح الأسد، أو أنه قد يكون قد تخطى الدور المرسوم له والذي كان يقوم خلاله بإطلاق بالونات اختبار.
وربط أحمد رمضان، القيادي في الائتلاف السوري المعارض، بين إعفاء جميل من منصبه ولقاءات مع مسؤولين أميركيين أجراها في جنيف، التي زارها انطلاقا من موسكو، مكان إقامته في الأسابيع الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأميركيين سبق أن أبلغوا معارضين في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بأن جميل التقى مسؤولين أميركيين، بناء على طلبه، وأبدى أمامهم الاستعداد للقبول بمرحلة انتقالية لا يكون الرئيس السوري بشار الأسد جزءا منها»، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن «الأميركيين لم يبدوا أي اهتمام بمواقفه لإدراكهم المسبق عدم تأثيره في صنع القرار السوري الرسمي».
وعقد جميل السبت الماضي لقاء في جنيف مع فورد، السفير الأميركي لدى سوريا، المقيم خارجها بسبب الأزمة والمكلف بالملف السوري، وبحث معه في التحضيرات لعقد مؤتمر «جنيف 2». وبحسب المصادر فإن جميل طلب من فورد المشاركة في «جنيف 2» كجزء من وفد المعارضة، إلا أن المسؤول الأميركي رفض شارحا أنه من الصعوبة بمكان أن يكون المرء في الحكومة والمعارضة في الوقت نفسه.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول «شرق أوسطي» قوله إن جميل «قدم ما اعتبره فورد في ما يبدو مقترحات غير قابلة للتنفيذ في ما يتعلق بمحادثات جنيف. وحاول أيضا دون جدوى كسب الدعم الأميركي لضمه إلى صف المعارضة في محادثات جنيف». وكان من اللافت أن جميل سعى إلى قيادة وفد ثالث في مفاوضات «جنيف 2» على أساس مستقل.
وذكرت رئاسة مجلس الوزراء السوري، في مرسوم الإعفاء الذي نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، أمس، أنه نتيجة «لغياب جميل عن مقر عمله ومن دون إذن مسبق، وعدم متابعته لواجباته المكلف بها كنائب اقتصادي في ظل الظروف التي تعاني منها البلاد، إضافة إلى قيامه بنشاطات ولقاءات خارج الوطن من دون التنسيق مع الحكومة وتجاوزه العمل المؤسساتي والهيكلية العامة للدولة، صدر مرسوم رئاسي بإعفائه من منصبه».
وجميل عضو في ما يصفه الرئيس السوري «بالمعارضة الوطنية»، وهي أحزاب سياسية تعتبر نفسها منافسة للرئيس لكن لم تنضم للانتفاضة المندلعة ضد حكمه منذ سنتين ونصف السنة، ويطلق عليها البعض بـ«معارضة الداخل». وفي رد أولي على القرار، كتب جميل على صفحته على موقع «فيس بوك»: «نقول منذ زمن إن خروجنا من الحكومة أسهل بكثير من دخولنا إليها».
ويبدو أن نبأ إعفاء جميل من منصبه، مع تسارع التحضيرات لعقد مؤتمر «جنيف 2» وبالتزامن مع وجود المبعوث العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي في دمشق، لم يفاجئ السوريين أنفسهم، لا سيما أنه موجود منذ أسابيع في إجازة يقضيها مع عائلته في روسيا، وفق ما سبق أن أعلنته مصادر في الحكومة السورية الأسبوع الماضي.
وقال أندرو تابلر، الباحث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، إنه من غير الواضح أبعاد إقدام الأسد على إقالة جميل و«هل سيتم القبض عليه لأنه اجتمع مع مسؤولين أميركيين». وأوضح تابلر أن جميل يتواصل مع المعارضة السورية ويحاول التعاون معها، ويعد أحد أعضاء ما يطلق عليه المعارضة الوطنية التي لم تشارك في «العنف المسلح» ضد نظام الأسد، وهذا لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع السوري، فلا يمكن أن يكون أحد رموز النظام وعضو المعارضة في وقت واحد. واستبعد تابلر أن تقبل المعارضة السورية تعاونا مع جميل الذي يعد أحد رموز حكومة الأسد، كما استبعد أن تؤثر إقالة جميل من منصبه على قدرة الأسد على التفاوض في «جنيف 2»، والذي يصر على رفض أي شروط مسبقة لها.
وعلق ديفيد باتلر، المحلل في برنامج الشرق الأوسط بالمعهد الملكي «تشاتام هاوس» في لندن، قائلا إن إقالة جميل ليست مفاجأة، فالرجل كان يقوم بإعطاء تصريحات تبدو كبالونات اختبار، أو ربما تكون لخدمة أهدافه هو. وأضاف أنه عندما أجرى الأسد التعديل الأخير في حكومته سحب بعض اختصاصاته، فالفكرة الأساسية بأن يكون قائد الفريق الاقتصادي في الحكومة لم تنجح على ما يبدو. أما على الجانب السياسي فرأى باتلر أنه ربما يكون هناك شعور لدى النظام أن جميل يقدم نفسه كبديل مقبول، أو أنه قد تكون الفائدة منه انتهت. ويتابع باتلر قائلا إن «جنيف 2» بالنسبة إلى الأسد هي فرصة ليجمع بقية العالم على طاولة حول رؤيته للحل السياسي التي تتماشى سواء أزيد أو أقل مع خريطة الطريق التي أعلنها سابقا.
وأعرب عن اعتقاده أن الأسد يريد العملية السياسية بهدف أن يرى العالم الأزمة من خلال رؤيته هو. وعن جميل، يرى باتلر أنه «ليس رقما مهما في النظام السوري، وأنه قد يكون مفيدا لبعض الوقت، وأنه يمثل معارضة في إطار النظام ولكن الآن مع اتجاه الريح لصالح الأسد لم تعد هناك حاجة له، وربما حدثت لديه أوهام حول مقدار نفوذه».
أما أندرو بوين، من معهد بيكر لأبحاث الشرق الأوسط، فقال إنه يعتقد أن الأسد جاد حول التفاوض، لكنه سيطيح بأي شخص يحاول التفاوض يتجاوز ما هو محدد له لتفادي أي واسطة أو صفقة قد تخرج عن شروطه. وقال إن فصله لا بد أن يكون سببه مناقشة لم يكن يجب أن تحدث، أو شيئا قوى مركزه وليس موقف بشار. وقال «أعتقد أيضا أن الدائرة المحيطة به لم تقرر بعد من يجب أن يمثلهم، أو كيف سيكون شكل المفاوضات أو ما هي التنازلات المستعد النظام تقديمها».
كريستوفر فيليبس، المحاضر في جامعة «كوين ماري» والزميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» أوضح «قد يكن الأمر متعلقا بترتيب المنزل من الداخل، ولتوصيل رسالة لأي طرف قد يفكر في التآمر: لا تتآمرو وراء ظهري» (أي ظهر الأسد) وغير ذلك. أو قد تكون إشارة إلى الروس وآخرين بأنه «إما تعملون من خلالي أو لا تعملون كليا». وأضاف «أعتقد أن الأسد ليس جادا في ما يخص التخلي عن السلطة، هكذا أنظر إلى الأمر. إذا كان ينوي التوجه إلى جنيف من أجل مسايرة الروس، فسيفعل ذلك، وأعتقد أن ما نراه حاليا مسرحية من النظام في ما يخص جنيف».
ومن جهته، أوضح فيصل ايتاني، الباحث بمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع لمركز أتلانتك، أن قيام الرئيس بشار الأسد بطرد قدري جميل يرسل رسالتين، الأولى للمجتمع الدولي يؤكد فيها أنه يملك كل مفاتيح السلطة، وأنه يسيطر على مسار أي مفاوضات حول سوريا، وأنه الرجل القوي في الحكم ولديه كل القدرات والإمكانيات. والرسالة الثانية يرسلها إلى الروس، فمن المعروف أن قدري جميل من الشخصيات المقربة لدى الدوائر الروسية، وبتنحية قدري من منصبه يقول الأسد للروس إنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا آراءهم عليه أو أن يضغطوا عليه في أي مجال يتعلق بالمفاوضات مع المعارضة.
ويقول ايتاني «من الممكن أن قدري كان يحاول التوصل للتقارب بين النظام السوري والمعارضة، ومن الواضح أنه كان يعمل وراء ظهر الرئيس الأسد لذا كان قرار إقالته من منصبه رسالة واضحة بأنه لن يشارك في أي مفاوضات».
وجاءت إشارة المصادر الحكومية السورية إلى أن جميل يقضي إجازة، فيما يفترض أنه في مهمة عمل رسمية، عقب تصريحات أطلقها من موسكو، أعلن فيها تحديد موعد مؤتمر «جنيف 2» في الثالث والعشرين من الشهر المقبل، الأمر الذي أثار حفيظة «الخارجية الروسية». ووجه الناطق باسمها ما يشبه التوبيخ بقوله إن تحديد موعد المؤتمر «ليس من شأن المسؤولين السوريين».
بعد هذه الواقعة، كثرت الشائعات عن انشقاق جميل، لكن سرعان ما نفتها مصادر مقربة من الحكومة وبشكل غير رسمي، قبل أن يتبين عمليا أنه في إجازة مفتوحة في موسكو، وتلت ذلك توقعات بإعفائه من مهامه. ولهذا لم يكن مفاجئا أن يعفى من منصبه بل كان أمرا متوقعا، خصوصا مع استمرار عقده لقاءات مع المعارضة السورية في الخارج، تردد أنه يجريها من دون تنسيق.
وأفادت معلومات بلقائه قبل يومين «وفدا عالي المستوى من وزارة الخارجية الأميركية» بحث معه في «قضايا أساسية جدا»، بحسب ما صرح به جميل. وقال، في تصريحات صحافية، إنه التقى «ممثلين عن الخارجية الأميركية بصفتي ممثلا عن جزء من المعارضة السورية». ونقلت وسائل إعلام موالية لقائه أعضاء في هيئة التنسيق (معارضة الداخل)، مشيرة إلى أنه عقد «اجتماعات سرية مع رئيس هيئة التنسيق حسن عبد العظيم، وأطراف معارضة أخرى في إطار التحضير لانضمام هذه الأطراف إلى الائتلاف الوطني السوري للمشاركة في وفد معارض واحد في (جنيف 2)».
وكانت مصادر في دمشق كشفت في وقت سابق عن زيارات يجريها قدري جميل بين موسكو وجنيف، بالتنسيق مع النظام السوري ومسؤولين في القيادة الروسية. كما جرى اتصال هاتفي بين جميل والإبراهيمي، طالبه فيه بضرورة عدم التفكير في تأجيل مؤتمر «جنيف 2».
وأكدت وزارة الخارجية الأميركية أمس لقاء السفير الأميركي لدى سوريا روبرت فورد مع جميل السبت الماضي في جنيف. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إن جميل «كان يقود حزبا معارضا مرتبطا بالحكومة، ويبدو أنه ترك هذا المنصب الآن». وبينما أثيرت تساؤلات عن سبب لقاء فورد مع مسؤول سوري رفيع المستوى، أوضح المسؤول الأميركي: «إننا نلتقي بالكثير من السوريين من خلفيات سياسية كثيرة.. ونلتقي بشكل نظامي مع سوريين لديهم اتصال مباشر مع النظام في دمشق، ونحن نقوم بذلك لأننا نريد أن يصل النظام والمعارضة إلى اتفاق سياسي مثلما تم تحديده في بيان جنيف في يونيو (حزيران) 2012».
وكانت رسالة فورد واضحة لجميل ولمن يلتقيهم من سوريين من طرفي النظام والمعارضة، بأنه من الضروري ألا يكون الأسد والمقربون منه جزءا من أي حكومة انتقالية، وهذا أمر ترفضه الحكومة السورية. ويذكر أن اجتماع وزراء خارجية الدول الـ11 الأساسية الأسبوع الماضي شدد على ضرورة عدم إشراك الأسد في السلطة، وأن عليه أن يتخلى عن «السلطات التنفيذية» لحكومة انتقالية. وأوضح المسؤول الأميركي «اننا واضحون، لا يوجد حل عسكري للطرفين، يجب أن تكون هناك عملية تفاوض سياسي لا آلية حكم انتقالية جديدة بناء على التراضي وبسلطات تنفيذية كاملة». وأضاف المسؤول أن الولايات المتحدة ملتزمة بالبيان الختامي الصادر عن اجتماع لندن والذي «يطالب المعارضة بحضور اجتماع (جنيف 11) المزمع والذي يؤكد على ضرورة أن تكون المعارضة ممثلة عن الشعب السوري بالإضافة إلى ضرورة معالجة قضية توصيل المساعدات الإنسانية وإطلاق المعتقلين، ونحن نوصل هذه الرسائل لكل السرويين الذين نلقتي بهم».
وتعليقا على ما تناقلته وسائل الإعلام عن اجتماع عقد في جنيف بين مسؤولين أميركيين وجميل، قال وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية السوري علي حيدر أمس بعد لقائه الإبراهيمي «أظن أن واشنطن تفكر جديا في فتح قنوات مع سوريا. ولكن من المبكر التكلم عن ذلك وخصوصا أن أميركا لم تتوقف عن الدعم السياسي والإعلامي (للمعارضة السورية في الخارج) وحتى التكلم عن التسليح والتمويل والتدريب». وتمنى أن «يكون التغيير في الموقف الأميركي حقيقيا لا شكليا».
وفي غضون ذلك، التزمت مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية جانب الحذر في التعليق على إقالة جميل بسبب «الغموض» الذي يحيط بموضوع إقالته والأسباب التي أفضت إليه. بيد أن هذه المصادر بدت «واثقة» لجهة الرابط بين الإقالة وبين التحضيرات والاتصالات الجارية حاليا بشأن الدعوة إلى مؤتمر جنيف 2 وزيارة الإبراهيمي لدمشق.
وترى المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أن «مسارعة» الأسد للتخلص من قدري جميل تبين «خوفه» من تفكك الدائرة التي تلتف حوله مع اقتراب موعد المؤتمر الموعود حيث «تسعى كل مجموعة للعب ورقتها الخاصة إذا تيقنت أن مصير النظام لن يكون مضمونا للمستقبل». فضلا عن ذلك، تعتبر هذه المصادر أن الأسد «لا يريد أن يسمح لأي صوت بأن تكون له لهجة ونبرة مختلفتين عن لهجته ونبرته» وبالتالي فإن كل من يتجرأ على الابتعاد قيد أنملة عن الخط العام فإما يقال أو يجري التخلص منه».
وتربط هذه المصادر بين «خروج» اللواء علي حبيب قبل أسابيع و«انشقاق» جميل لجهة المعنى السياسي من جانب ولجهة الغموض الذي يحيط بهما من جانب آخر. كما أنها تذكر بإبعاد نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع الذي لم يعلن عن انشقاقه بل عن «مقاربة مختلفة» لكيفية التعاطي مع الأزمة السورية وصعوبة الانتصار العسكري فيها لأي من الطرفين.
وتتوقع هذه المصادر أن تتكرر «حالة» قدري جميل في الأسابيع القادمة عندما يبدو أن «جنيف 2» سيعقد فعلا، وأن هناك «توافقا دوليا» خصوصا أميركيا - روسيا في الدفع باتجاه حل سياسي يبدأ بمرحلة انتقالية تحتاج لـ«إعادة تشكيل» صورة المشهد السياسي السوري.
من جهته، رجح الخبير في الشأن السوري وأستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس الجنوب، خطار أبو دياب، أن تكون إقالة جميل «رسالة سورية إلى الولايات المتحدة وروسيا تمنعهما من محاولة تركيب أي حل سياسي ينص على استثناء الأسد، على المدى المتوسط، من المرحلة الانتقالية»، مستندا إلى تفسير مؤتمر «جنيف 1» عن انتقال السلطة لهيئة انتقالية بصلاحيات كاملة، والتي «تعني أن يصبح الرئيس غير موجود».
ورأى أبو دياب أنه «حتى ضمن هذا الإطار، أراد النظام أن يقول إن أي حل سياسي لا يأتي وفق رؤية النظام.. هو حل غير مقبول». وأضاف «تؤكد هذه الفرضية، بعد إقالة جميل، أن النظام غير قابل للإصلاح»، مشيرا إلى أن «أي تغيير فيه، ولو كان طفيفا وديكوريا، فإنه لن يقبله كونه نظاما شموليا قائما على الشخص والمجموعة المرتبطة به والتي تدور في فلكه وحوله، وأي خلل ضمن النظام يعرضه للتصدع».
وعلى الرغم من ترجيحه هذه الفرضية، فإنه لم يستبعد احتمال أن تكون روسيا «أرادت إرسال جميل إلى المعارضة لتعزيز وجودها داخلها، ولتقول للغرب إنها الممسكة الفعلية بالقرار السوري والحلول للأزمة، على صعيد الحكم والمعارضة في آن معا». ولم يستبعد أن يكون اللقاء الذي جمع بين فورد والأميركيين «عقد بطلب روسي من جميل».
وبدوره، ربط عضو الائتلاف الوطني المعارض نجيب الغضبان بين قرار عزل جميل والتصريحات الأخيرة التي أدلى بها منذ شهر تقريبا بخصوص ضرورة وجود حل سياسي ما دام طرفا النزاع لم يتمكنا من إحراز نصر عسكري حاسم. وأوضح الغضبان، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، أن هذا «الكلام بالنسبة إلى نظام سلطوي مثل النظام السوري مرفوض تماما»، مشيرا إلى أن «كل مكونات الحكومة السورية عبارة عن تكنوقراط لا دور لهم في صنع القرار السياسي، ذلك أن القرار ينحصر في عائلة الأسد وبعض الضباط الممسكين بالأمن والجيش، وإذا ما حاول مسؤول حكومي تجاوز دوره التقني يتم عزله فورا كما حصل مع جميل».
ولفت المحلل السياسي السوري سمير التقي إلى أن الروس «كلفوا جميل بأن يلعب دورا داخل أوساط النظام لتهيئة الأجواء لتقديم بعض التعهدات التي قطعوها للأميركيين، بخصوص مصير الأسد والحلول الوسط». لكن النظام «وكما فعل مع معظم الشخصيات التي كان يمكنها أن تلعب دورا وسطيا، أبعد جميل»، معتبرا أن هذا الفعل «يعد أبرز مؤشرات فشل الدبلوماسية الروسية التي لن تتمكن من أخذ شيء من الأسد».
وأعرب التقي عن اعتقاده أن الأسد «يرى حلفاءه بحاجة إليه، وليس هو من يحتاج إليهم»، معتبرا أن ما حصل مع جميل «يؤكد أن كل كلام روسيا والصين عن إمكانية التوصل إلى حل سياسي «لا يتخطى كونه مناورة لكسب الوقت»، مشيرا إلى أن النظام «لا يوجد عنده ما يقدمه».



العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
TT

العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

سعى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، عبر سلسلة لقاءات مكثفة على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى إعادة تعريف الأزمة اليمنية باعتبارها تحدياً مباشراً للأمن الدولي، ترتبط مباشرة بأمن الملاحة العالمية واستقرار الطاقة ومكافحة الإرهاب، وليست مجرد نزاع داخلي.

وخلال اجتماعاته مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين وقادة دول، ركّز العليمي على فكرة مركزية مفادها أن دعم الدولة اليمنية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي والعالمي.

في هذا السياق، شدد العليمي خلال لقائه مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على ضرورة انتقال المجتمع الدولي من مرحلة «إدارة الأزمة» في اليمن إلى مرحلة «إنهائها».

وفي حين رأى أن استمرار الوضع الحالي يمنح الجماعة الحوثية مساحة لإعادة إنتاج التهديدات الأمنية، أكد أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي باتت ذات بعد استراتيجي؛ نظراً لتقاطعها مع أمن الملاحة الدولية واستقرار سلاسل الطاقة والتجارة العالمية.

العليمي مجتمعاً مع رئيس فنلندا على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التهديد الحوثي لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى أداة ضغط إقليمية تستخدم البحر الأحمر كورقة ابتزاز سياسي وأمني، محذراً من أن أي تراخٍ دولي قد يؤدي إلى تمدد المخاطر نحو بحر العرب وممرات مائية أخرى. وفي هذا السياق، أشاد بالدور الأوروبي في حماية الملاحة، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الاحتواء إلى إنهاء التهديد بشكل كامل.

كما ربط العليمي بين استقرار اليمن وتقليص نفوذ إيران في المنطقة، مؤكداً أن الأذرع المسلحة المدعومة من طهران تمثل التهديد المركزي للأمن الإقليمي، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب دعماً مؤسسياً للدولة اليمنية وليس التعامل مع كيانات موازية.

دعم الدولة

في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين وعدد من القادة الدوليين، قدم العليمي سردية سياسية تقوم على أن نجاح الدولة اليمنية يمثل أفضل استثمار طويل الأمد لأمن الخليج والبحر الأحمر والسلام العالمي.

وأكد أن التحولات الأخيرة داخل اليمن، بدعم سعودي، شملت توحيد القيادة الأمنية والعسكرية، وتشكيل حكومة جديدة، وإطلاق برنامج إصلاحي يركز على الانضباط المالي وتحسين الخدمات واستعادة الثقة المحلية والدولية.

اجتماع العليمي مع مسؤول أميركي رفيع لبحث دعم استقرار اليمن ومكافحة الإرهاب (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني أسهم في دحض مزاعم وجود فراغ أمني، موضحاً أن الخطر الحقيقي ينشأ عندما تتنازع جهات متعددة سلطات الدولة. وقال إن توحيد القرار الأمني لا يعزز فقط مكافحة الإرهاب، بل يسهم أيضاً في تجفيف بيئة التطرف وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك إغلاق السجون السرية.

وخلال لقائه بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، شدد العليمي على أهمية استمرار الدعم الأميركي سياسياً واقتصادياً وتنموياً، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز قدرات البنك المركزي واستقرار العملة وتأمين الخدمات الأساسية، التي وصفها بأنها «خط الدفاع الأول» ضد التجنيد الميليشياوي والتطرف.

الضغط على إيران

كما طرح رئيس مجلس القيادة اليمني رؤية أوسع للمرحلة الحالية باعتبارها لحظة إعادة تشكل استراتيجية في المنطقة، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إيران، معتبراً أن إضعاف أذرعها الإقليمية يخلق فرصة تاريخية لإنهاء نفوذها في اليمن.

وفي لقائه مع رئيس الوزراء الهولندي، ديك سخوف، دعا العليمي إلى موقف أكثر صرامة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، والدفع باتجاه إدراجه على قوائم الإرهاب الأوروبية، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية في اليمن تمثل إحدى أخطر أذرع إيران الإقليمية، وأن التساهل معها يطيل الحرب، ويُبقي التهديد مفتوحاً على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

اجتماع العليمي مع رئيس وزراء هولندا لاستجلاب الدعم الأوروبي (سبأ)

ودعا العليمي هولندا للاضطلاع بالدور نفسه أوروبياً تجاه الحوثيين عبر توسيع إجراءات الضغط والعقوبات على شبكات التمويل والتهريب، ودعم آليات الملاحقة القانونية والمالية للشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالميليشيات.

أما لقاؤه مع الرئيس الفنلندي، فقد حمل بعداً مختلفاً؛ إذ ركز على الاستفادة من التجربة الفنلندية في الحوكمة الرشيدة والتعليم وإصلاح القطاع العام، باعتبارها أدوات طويلة المدى لإعادة بناء الدولة والهوية الوطنية.


تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
TT

تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)

تراجعت أسعار صرف العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية بشكل مفاجئ أمام العملة المحلية (الريال اليمني) خلال الأيام الماضية، دون مقدمات اقتصادية واضحة أو تطورات تبرر هذا التحول؛ حيث لا زيادة في الصادرات، ولا عودة لتصدير النفط والغاز، ولا إعلان عن تدفقات مالية استثنائية، دون أن ينعكس أثر ذلك على أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وانخفض سعر الدولار والريال السعودي، وهما أكثر العملات الأجنبية تداولاً في الأسواق اليمنية، بصورة لافتة، في مشهد أربك سوق التداول، وأثار تساؤلات عن أسرار هذا التحول غير المتوقع، ومخاوف من أن تكون حركة سعرية بلا أساس اقتصادي صلب.

وبينما أكد البنك المركزي اليمني في عدن أنه يتابع سوق العملات بصرامة، ويعمل على الحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية، وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 1558 ريالاً للشراء و1573 ريالاً للبيع، بعد أن كان مستقرّاً عند مستويات أعلى بما يقارب 100 ريال خلال الأشهر الماضية.

وأظهرت مؤشرات من تطبيقات مصرفية على الهواتف المحمولة تراجعاً ملحوظاً في أسعار مختلف العملات.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

ويُعدّ هذا التغير في أسعار الصرف هو الأول منذ أواخر يوليو (تموز) وبداية أغسطس (آب) الماضيين، حين شهدت العملة المحلية تحسناً يقارب 50 في المائة، بإجراءات وسياسات اتبعها البنك المركزي والحكومية، بعد أشهر من انهيار تاريخي.

وجاء هذا التراجع بعد اجتماع للبنك المركزي، الخميس الماضي، ناقش فيه استمرار مراقبة حركة السوق المحلية، والمحافظة على استقرار العملة والأسعار لأطول فترة ممكنة.

تدخل غير معلن

لم يكشف البيان الصادر عن البنك، عقب الاجتماع، عن قرارات بتحديد أسعار العملات الأجنبية، ما أثار المخاوف في أوساط السكان من عودة المضاربة ودفعهم إلى بيع ما بحوزتهم من العملات.

إلا أن مصدراً في البنك المركزي تحدّث عن وجود قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية والمحافظة على الأسعار الجديدة لأطول وقت ممكن، بانتظار أن تُحقق المصادر الإيرادية الحكومية دعماً ثابتاً يؤدي إلى مزيد من الاستقرار.

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

وذكر المصدر -الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته- أن البنك لا يستطيع حالياً إعلان أسعار صرف العملات الأجنبية أو إلزام السوق المصرفية بها بشكل رسمي، لالتزامه باتفاقيات مع مؤسسات دولية بعدم التدخل، وترك الأسعار تخضع لحركة الأسواق.

ويرجع الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي التحسن الجديد في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بالتدفق النقدي الخارجي، خلال الأسابيع الماضية، ومن ذلك صرف رواتب الموظفين والعسكريين بالريال السعودي، ضمن تدخلات السعودية لمساندة الحكومة اليمنية.

ويُضيف الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك اتفاقاً بين البنك المركزي و«صندوق النقد الدولي» حول التحسن التدريجي للعملة المحلية للوصول إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، وخلال الأسابيع الماضية، حدثت زيادة كبيرة في العملات الأجنبية لدى كثير من الأفراد، في حين البنوك وشركات الصرافة تحتفظ بالعملة المحلية لاستخدامها عند تقديم طلبات الاستيراد من اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد.

ويعود ذلك لقرار البنك المركزي بحظر تحويل أي عملات أجنبية إلى خارج البلاد ما لم يكن قد جرى تغييرها بالعملة المحلية، في إطار إجراءاته التي اتبعها العام الماضي لوقف المضاربة بالعملة.

الأسواق اليمنية تشهد عزوفاً عن التسوق بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (غيتي)

ويؤكد الآنسي أن البنك المركزي لا يزال يملك القدرة على التحكم بأسعار الصرف وتحسين وضع العملة المحلية بشكل أكبر، لكنه يسعى إلى المباعدة بين فترات التحسين لضمان حدوث تحسن موازٍ في أسعار السلع، منوهاً بأن الفترة المقبلة قد تشهد مزيداً من تدفق النقد الأجنبي مع استمرار احتفاظ البنوك بالعملة المحلية.

وتقول مصادر محلية إن البنك المركزي وجه، شفهياً، الشركات والبنوك بشراء وبيع العملات الأجنبية بالأسعار الجديدة، على ألا تتجاوز أكبر عملية بيع واحدة مبلغ 600 دولار أو 2000 ريال سعودي، أو ما يعادلها من العملات لكل عميل.

اتساع الفجوة المعيشية

وتشكو العديد من العائلات التي تلقت حوالات خارجية من رفض الشركات والبنوك الشراء منها، بحجة محدودية ما لديها من أوراق نقدية من العملة المحلية، وتتزايد مخاوف العديد من السكان من فقدان قيمة ما يمتلكون أو يدخرون من العملات خلال الأسابيع المقبلة.

من جهته، يُحذر وحيد الفودعي، الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي اليمني، من أن يكون هذا التحسن قسرياً وغير مستدام، وناتجاً عن أزمة السيولة المحلية التي يرجح أنها مفتعلة، ويشدد على أن معالجتها ينبغي ألا تتم عبر تخفيض سعر صرف العملات الأجنبية؛ بل من خلال معالجة جذورها النقدية والهيكلية.

عدد من الأنشطة المحلية توقف أو تراجع بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يصف الفودعي تراجع سعر الصرف في الأيام الأخيرة بـ«وهم الانخفاض»؛ حيث تتسع الفجوة بين سعر العملات في السوق والأسعار الفعلية للسلع والخدمات، في ظل غياب انتقال حقيقي للأثر إلى المستهلك، في حين لا يلمس السكان أي تراجع لتكاليف المعيشة، في ظل هيكل سوق شبه احتكاري، وضعف في الرقابة وغياب آليات التسعير العادلة.

وينوه بأنه ومع استمرار الغلاء وتآكل الدخول، يتعمق الإحباط الشعبي، إذ لا ينعكس انخفاض سعر الصرف على واقع المعيشة، في حين تحتاج السوق إلى وقت طويل للتفاعل مع أي تغير، إن حدث ذلك أصلاً، ما يجعل خفض الصرف لا يعني بالضرورة خفض الأسعار.

وعلى الرغم من اقتراب شهر رمضان، تشهد الأسواق اليمنية حركة محدودة لشراء المواد والسلع الاستهلاكية، في ظل صعوبات معيشية تواجه السكان بسبب الحرب والتطورات العسكرية والأمنية واعتداءات الجماعة الحوثية على المنشآت الحيوية.

ويلفت حلمي الحمادي، الخبير المالي اليمني، إلى أنه ومع اقتراب شهر رمضان ترتفع معدلات تحويلات المغتربين لأهاليهم في اليمن، لمواجهة تكاليف متطلبات رمضان والعيد، إلى جانب أن كثيراً من رجال الأعمال والتجار المستثمرين خارج البلاد يقدمون مبالغ كبيرة لأعمال الخير والزكاة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة المحلية، وهذا يحدث بشكل سنوي تقريباً.

الجماعة الحوثية تسببت بانقسام نقدي وترفض تداول العملة الصادرة عن الحكومة اليمنية (رويترز)

وأبدى الحمادي قلقه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن يكون هذا التحسن بسبب تدخل سياسي لتطمين السكان بوجود مؤشرات جيدة للتحسن الاقتصادي والمعيشي بعد التطورات الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة، من دون وجود أسباب حقيقية ومستدامة لتحسن العملة المحلية.

ويشهد اليمن انقساماً اقتصادياً ونقدياً بسبب سيطرة الجماعة الحوثية على أجزاء واسعة من البلاد وعدد كبير من مؤسسات الدولة، بينها جهات إيرادية ضخمة، وفرضها، بالقوة، أسعاراً ثابتة وغير عادلة للعملات الأجنبية، ومنعها لتداول العملات الصادرة عن الحكومة في مناطق سيطرتها.


آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)

تتجَّه الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى مرحلة جديدة ومعقَّدة، بعد اضطرار الأمم المتحدة إلى اعتماد آليات بديلة لتوزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب إغلاق مكاتبها هناك ومصادَرة أصولها، في خطوة أعادت رسم خريطة العمل الإغاثي في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد العاصمة الأردنية لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين؛ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من توسُّع دائرة الجوع لتشمل ملايين إضافية خلال العام الحالي.

وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 22.3 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية هذا العام، بزيادة 2.8 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، وهو مؤشر يعكس عمق التدهور الاقتصادي واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق النزاع.

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

وبحسب مصادر إغاثية، تعمل الأمم المتحدة على إعادة تنظيم عملياتها عبر نقل مهام توزيع المساعدات المنقذة للحياة إلى شبكة من الشركاء، تشمل المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لا تزال قادرةً على العمل ميدانياً داخل تلك المناطق.

تحول اضطراري

يهدف هذا التحوُّل الأممي إلى ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء إلى الفئات الأكثر ضعفاً رغم غياب الوجود الأممي المباشر، الذي تعرَّض لانتكاسة واسعة جراء قيود الحوثيين وانتهاكاتهم.

ويعكس هذا التوجه تحولاً اضطرارياً في آليات العمل الإنساني، إذ باتت الوكالات الدولية تعتمد نموذج «الإدارة عن بُعد» لتقليل المخاطر على موظفيها والحفاظ على تدفق المساعدات.

غير أن خبراء الإغاثة يحذرون من أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على الرقابة الميدانية، وصعوبة ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين دون تدخلات أو قيود.

وتؤكد تقارير إغاثية أن القيود المفروضة على العمليات الإنسانية أسهمت في حرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الأساسية، في وقت يشهد فيه البلد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم ملايين يعيشون في مستويات طارئة وفق التصنيفات الدولية للأمن الغذائي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

ويمثل مؤتمر المانحين المرتقب في الأردن محطةً مفصليةً لإعادة حشد الدعم الدولي، إذ تسعى وكالات الإغاثة إلى سدِّ فجوة تمويلية متزايدة تهدِّد بتقليص البرامج الإنسانية الحيوية.

ومن المتوقع أن يناقش المشاركون آليات جديدة لضمان وصول المساعدات في ظل القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى تعزيز دور الشركاء المحليين بوصفهم الحلقة الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.

أزمات متعددة

لا تقتصر الأزمة في اليمن على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية متوقفة أو مُهدَّدة بالإغلاق؛ بسبب نقص التمويل. ويؤثر ذلك بشكل خاص على النساء والفتيات، مع تراجع خدمات الصحة الإنجابية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.

وتحذِّر منظمة الصحة العالمية من أن تدهور الوضع الصحي في اليمن أسهم في انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في ظل انخفاض معدلات التحصين، إذ لم يحصل سوى أقل من ثُلثي الأطفال على اللقاحات الأساسية.

وقد سُجِّلت أكثر من 18600 إصابة بالحصبة و188 وفاة خلال العام الماضي، إضافة إلى تسجيل اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا عالمياً بين مارس (آذار) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نحو 350 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 1100 وفاة.

ويرتبط تفشي الأمراض بشكل مباشر بتفاقم سوء التغذية، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل يمني دون سنِّ الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 570 ألف حالة شديدة الخطورة، بينما يواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة؛ نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتؤكد المنظمات الإنسانية أن نجاح مؤتمر المانحين لن يُقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد آليات مستدامة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، ومنع تحوُّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة طويلة الأمد يصعب احتواؤها مستقبلاً.