الأسد يوجه ضربة لـ«جنيف 2» بإقالة جميل

محللون: إما أنه تجاوز ما هو مرسوم له أو انتهى دوره.. أو حاول تسويق نفسه كبديل مقبول > نائب رئيس الوزراء المعزول: خروجنا من الحكومة أسهل من دخولنا إليها

قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
TT

الأسد يوجه ضربة لـ«جنيف 2» بإقالة جميل

قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)

تلقت جهود عقد مؤتمر «جنيف 2» الخاص بسوريا ضربة جديدة تشكك في جدية نظام بشار الأسد في الجهود التي بنت عليها واشنطن آمالا في تحقيق حل سياسي. ففي بيان رسمي مفاجئ من الرئاسة السورية، أعلن عزل نائب رئيس مجلس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية، قدري جميل، إثر لقائه مع مسؤولين أميركيين.
وبينما برر النظام السوري قرار إعفاء جميل بـ«تغيبه عن مقر عمله وقيامه بـ(لقاءات في الخارج من دون التنسيق مع الحكومة) السورية»، أكدت وزارة الخارجية الأميركية لقاء السفير الأميركي الخاص بسوريا روبرت فورد بجميل السبت الماضي. وفسر محللون في لندن وواشنطن الخطوة التي أثارت تساؤلات في عواصم العالم المعنية بأنه إما أن يكون جميل قد استنفد الغرض المطلوب منه بعد أن بدأت الريح تتجه لصالح الأسد، أو أنه قد يكون قد تخطى الدور المرسوم له والذي كان يقوم خلاله بإطلاق بالونات اختبار.
وربط أحمد رمضان، القيادي في الائتلاف السوري المعارض، بين إعفاء جميل من منصبه ولقاءات مع مسؤولين أميركيين أجراها في جنيف، التي زارها انطلاقا من موسكو، مكان إقامته في الأسابيع الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأميركيين سبق أن أبلغوا معارضين في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بأن جميل التقى مسؤولين أميركيين، بناء على طلبه، وأبدى أمامهم الاستعداد للقبول بمرحلة انتقالية لا يكون الرئيس السوري بشار الأسد جزءا منها»، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن «الأميركيين لم يبدوا أي اهتمام بمواقفه لإدراكهم المسبق عدم تأثيره في صنع القرار السوري الرسمي».
وعقد جميل السبت الماضي لقاء في جنيف مع فورد، السفير الأميركي لدى سوريا، المقيم خارجها بسبب الأزمة والمكلف بالملف السوري، وبحث معه في التحضيرات لعقد مؤتمر «جنيف 2». وبحسب المصادر فإن جميل طلب من فورد المشاركة في «جنيف 2» كجزء من وفد المعارضة، إلا أن المسؤول الأميركي رفض شارحا أنه من الصعوبة بمكان أن يكون المرء في الحكومة والمعارضة في الوقت نفسه.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول «شرق أوسطي» قوله إن جميل «قدم ما اعتبره فورد في ما يبدو مقترحات غير قابلة للتنفيذ في ما يتعلق بمحادثات جنيف. وحاول أيضا دون جدوى كسب الدعم الأميركي لضمه إلى صف المعارضة في محادثات جنيف». وكان من اللافت أن جميل سعى إلى قيادة وفد ثالث في مفاوضات «جنيف 2» على أساس مستقل.
وذكرت رئاسة مجلس الوزراء السوري، في مرسوم الإعفاء الذي نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، أمس، أنه نتيجة «لغياب جميل عن مقر عمله ومن دون إذن مسبق، وعدم متابعته لواجباته المكلف بها كنائب اقتصادي في ظل الظروف التي تعاني منها البلاد، إضافة إلى قيامه بنشاطات ولقاءات خارج الوطن من دون التنسيق مع الحكومة وتجاوزه العمل المؤسساتي والهيكلية العامة للدولة، صدر مرسوم رئاسي بإعفائه من منصبه».
وجميل عضو في ما يصفه الرئيس السوري «بالمعارضة الوطنية»، وهي أحزاب سياسية تعتبر نفسها منافسة للرئيس لكن لم تنضم للانتفاضة المندلعة ضد حكمه منذ سنتين ونصف السنة، ويطلق عليها البعض بـ«معارضة الداخل». وفي رد أولي على القرار، كتب جميل على صفحته على موقع «فيس بوك»: «نقول منذ زمن إن خروجنا من الحكومة أسهل بكثير من دخولنا إليها».
ويبدو أن نبأ إعفاء جميل من منصبه، مع تسارع التحضيرات لعقد مؤتمر «جنيف 2» وبالتزامن مع وجود المبعوث العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي في دمشق، لم يفاجئ السوريين أنفسهم، لا سيما أنه موجود منذ أسابيع في إجازة يقضيها مع عائلته في روسيا، وفق ما سبق أن أعلنته مصادر في الحكومة السورية الأسبوع الماضي.
وقال أندرو تابلر، الباحث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، إنه من غير الواضح أبعاد إقدام الأسد على إقالة جميل و«هل سيتم القبض عليه لأنه اجتمع مع مسؤولين أميركيين». وأوضح تابلر أن جميل يتواصل مع المعارضة السورية ويحاول التعاون معها، ويعد أحد أعضاء ما يطلق عليه المعارضة الوطنية التي لم تشارك في «العنف المسلح» ضد نظام الأسد، وهذا لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع السوري، فلا يمكن أن يكون أحد رموز النظام وعضو المعارضة في وقت واحد. واستبعد تابلر أن تقبل المعارضة السورية تعاونا مع جميل الذي يعد أحد رموز حكومة الأسد، كما استبعد أن تؤثر إقالة جميل من منصبه على قدرة الأسد على التفاوض في «جنيف 2»، والذي يصر على رفض أي شروط مسبقة لها.
وعلق ديفيد باتلر، المحلل في برنامج الشرق الأوسط بالمعهد الملكي «تشاتام هاوس» في لندن، قائلا إن إقالة جميل ليست مفاجأة، فالرجل كان يقوم بإعطاء تصريحات تبدو كبالونات اختبار، أو ربما تكون لخدمة أهدافه هو. وأضاف أنه عندما أجرى الأسد التعديل الأخير في حكومته سحب بعض اختصاصاته، فالفكرة الأساسية بأن يكون قائد الفريق الاقتصادي في الحكومة لم تنجح على ما يبدو. أما على الجانب السياسي فرأى باتلر أنه ربما يكون هناك شعور لدى النظام أن جميل يقدم نفسه كبديل مقبول، أو أنه قد تكون الفائدة منه انتهت. ويتابع باتلر قائلا إن «جنيف 2» بالنسبة إلى الأسد هي فرصة ليجمع بقية العالم على طاولة حول رؤيته للحل السياسي التي تتماشى سواء أزيد أو أقل مع خريطة الطريق التي أعلنها سابقا.
وأعرب عن اعتقاده أن الأسد يريد العملية السياسية بهدف أن يرى العالم الأزمة من خلال رؤيته هو. وعن جميل، يرى باتلر أنه «ليس رقما مهما في النظام السوري، وأنه قد يكون مفيدا لبعض الوقت، وأنه يمثل معارضة في إطار النظام ولكن الآن مع اتجاه الريح لصالح الأسد لم تعد هناك حاجة له، وربما حدثت لديه أوهام حول مقدار نفوذه».
أما أندرو بوين، من معهد بيكر لأبحاث الشرق الأوسط، فقال إنه يعتقد أن الأسد جاد حول التفاوض، لكنه سيطيح بأي شخص يحاول التفاوض يتجاوز ما هو محدد له لتفادي أي واسطة أو صفقة قد تخرج عن شروطه. وقال إن فصله لا بد أن يكون سببه مناقشة لم يكن يجب أن تحدث، أو شيئا قوى مركزه وليس موقف بشار. وقال «أعتقد أيضا أن الدائرة المحيطة به لم تقرر بعد من يجب أن يمثلهم، أو كيف سيكون شكل المفاوضات أو ما هي التنازلات المستعد النظام تقديمها».
كريستوفر فيليبس، المحاضر في جامعة «كوين ماري» والزميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» أوضح «قد يكن الأمر متعلقا بترتيب المنزل من الداخل، ولتوصيل رسالة لأي طرف قد يفكر في التآمر: لا تتآمرو وراء ظهري» (أي ظهر الأسد) وغير ذلك. أو قد تكون إشارة إلى الروس وآخرين بأنه «إما تعملون من خلالي أو لا تعملون كليا». وأضاف «أعتقد أن الأسد ليس جادا في ما يخص التخلي عن السلطة، هكذا أنظر إلى الأمر. إذا كان ينوي التوجه إلى جنيف من أجل مسايرة الروس، فسيفعل ذلك، وأعتقد أن ما نراه حاليا مسرحية من النظام في ما يخص جنيف».
ومن جهته، أوضح فيصل ايتاني، الباحث بمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع لمركز أتلانتك، أن قيام الرئيس بشار الأسد بطرد قدري جميل يرسل رسالتين، الأولى للمجتمع الدولي يؤكد فيها أنه يملك كل مفاتيح السلطة، وأنه يسيطر على مسار أي مفاوضات حول سوريا، وأنه الرجل القوي في الحكم ولديه كل القدرات والإمكانيات. والرسالة الثانية يرسلها إلى الروس، فمن المعروف أن قدري جميل من الشخصيات المقربة لدى الدوائر الروسية، وبتنحية قدري من منصبه يقول الأسد للروس إنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا آراءهم عليه أو أن يضغطوا عليه في أي مجال يتعلق بالمفاوضات مع المعارضة.
ويقول ايتاني «من الممكن أن قدري كان يحاول التوصل للتقارب بين النظام السوري والمعارضة، ومن الواضح أنه كان يعمل وراء ظهر الرئيس الأسد لذا كان قرار إقالته من منصبه رسالة واضحة بأنه لن يشارك في أي مفاوضات».
وجاءت إشارة المصادر الحكومية السورية إلى أن جميل يقضي إجازة، فيما يفترض أنه في مهمة عمل رسمية، عقب تصريحات أطلقها من موسكو، أعلن فيها تحديد موعد مؤتمر «جنيف 2» في الثالث والعشرين من الشهر المقبل، الأمر الذي أثار حفيظة «الخارجية الروسية». ووجه الناطق باسمها ما يشبه التوبيخ بقوله إن تحديد موعد المؤتمر «ليس من شأن المسؤولين السوريين».
بعد هذه الواقعة، كثرت الشائعات عن انشقاق جميل، لكن سرعان ما نفتها مصادر مقربة من الحكومة وبشكل غير رسمي، قبل أن يتبين عمليا أنه في إجازة مفتوحة في موسكو، وتلت ذلك توقعات بإعفائه من مهامه. ولهذا لم يكن مفاجئا أن يعفى من منصبه بل كان أمرا متوقعا، خصوصا مع استمرار عقده لقاءات مع المعارضة السورية في الخارج، تردد أنه يجريها من دون تنسيق.
وأفادت معلومات بلقائه قبل يومين «وفدا عالي المستوى من وزارة الخارجية الأميركية» بحث معه في «قضايا أساسية جدا»، بحسب ما صرح به جميل. وقال، في تصريحات صحافية، إنه التقى «ممثلين عن الخارجية الأميركية بصفتي ممثلا عن جزء من المعارضة السورية». ونقلت وسائل إعلام موالية لقائه أعضاء في هيئة التنسيق (معارضة الداخل)، مشيرة إلى أنه عقد «اجتماعات سرية مع رئيس هيئة التنسيق حسن عبد العظيم، وأطراف معارضة أخرى في إطار التحضير لانضمام هذه الأطراف إلى الائتلاف الوطني السوري للمشاركة في وفد معارض واحد في (جنيف 2)».
وكانت مصادر في دمشق كشفت في وقت سابق عن زيارات يجريها قدري جميل بين موسكو وجنيف، بالتنسيق مع النظام السوري ومسؤولين في القيادة الروسية. كما جرى اتصال هاتفي بين جميل والإبراهيمي، طالبه فيه بضرورة عدم التفكير في تأجيل مؤتمر «جنيف 2».
وأكدت وزارة الخارجية الأميركية أمس لقاء السفير الأميركي لدى سوريا روبرت فورد مع جميل السبت الماضي في جنيف. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إن جميل «كان يقود حزبا معارضا مرتبطا بالحكومة، ويبدو أنه ترك هذا المنصب الآن». وبينما أثيرت تساؤلات عن سبب لقاء فورد مع مسؤول سوري رفيع المستوى، أوضح المسؤول الأميركي: «إننا نلتقي بالكثير من السوريين من خلفيات سياسية كثيرة.. ونلتقي بشكل نظامي مع سوريين لديهم اتصال مباشر مع النظام في دمشق، ونحن نقوم بذلك لأننا نريد أن يصل النظام والمعارضة إلى اتفاق سياسي مثلما تم تحديده في بيان جنيف في يونيو (حزيران) 2012».
وكانت رسالة فورد واضحة لجميل ولمن يلتقيهم من سوريين من طرفي النظام والمعارضة، بأنه من الضروري ألا يكون الأسد والمقربون منه جزءا من أي حكومة انتقالية، وهذا أمر ترفضه الحكومة السورية. ويذكر أن اجتماع وزراء خارجية الدول الـ11 الأساسية الأسبوع الماضي شدد على ضرورة عدم إشراك الأسد في السلطة، وأن عليه أن يتخلى عن «السلطات التنفيذية» لحكومة انتقالية. وأوضح المسؤول الأميركي «اننا واضحون، لا يوجد حل عسكري للطرفين، يجب أن تكون هناك عملية تفاوض سياسي لا آلية حكم انتقالية جديدة بناء على التراضي وبسلطات تنفيذية كاملة». وأضاف المسؤول أن الولايات المتحدة ملتزمة بالبيان الختامي الصادر عن اجتماع لندن والذي «يطالب المعارضة بحضور اجتماع (جنيف 11) المزمع والذي يؤكد على ضرورة أن تكون المعارضة ممثلة عن الشعب السوري بالإضافة إلى ضرورة معالجة قضية توصيل المساعدات الإنسانية وإطلاق المعتقلين، ونحن نوصل هذه الرسائل لكل السرويين الذين نلقتي بهم».
وتعليقا على ما تناقلته وسائل الإعلام عن اجتماع عقد في جنيف بين مسؤولين أميركيين وجميل، قال وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية السوري علي حيدر أمس بعد لقائه الإبراهيمي «أظن أن واشنطن تفكر جديا في فتح قنوات مع سوريا. ولكن من المبكر التكلم عن ذلك وخصوصا أن أميركا لم تتوقف عن الدعم السياسي والإعلامي (للمعارضة السورية في الخارج) وحتى التكلم عن التسليح والتمويل والتدريب». وتمنى أن «يكون التغيير في الموقف الأميركي حقيقيا لا شكليا».
وفي غضون ذلك، التزمت مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية جانب الحذر في التعليق على إقالة جميل بسبب «الغموض» الذي يحيط بموضوع إقالته والأسباب التي أفضت إليه. بيد أن هذه المصادر بدت «واثقة» لجهة الرابط بين الإقالة وبين التحضيرات والاتصالات الجارية حاليا بشأن الدعوة إلى مؤتمر جنيف 2 وزيارة الإبراهيمي لدمشق.
وترى المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أن «مسارعة» الأسد للتخلص من قدري جميل تبين «خوفه» من تفكك الدائرة التي تلتف حوله مع اقتراب موعد المؤتمر الموعود حيث «تسعى كل مجموعة للعب ورقتها الخاصة إذا تيقنت أن مصير النظام لن يكون مضمونا للمستقبل». فضلا عن ذلك، تعتبر هذه المصادر أن الأسد «لا يريد أن يسمح لأي صوت بأن تكون له لهجة ونبرة مختلفتين عن لهجته ونبرته» وبالتالي فإن كل من يتجرأ على الابتعاد قيد أنملة عن الخط العام فإما يقال أو يجري التخلص منه».
وتربط هذه المصادر بين «خروج» اللواء علي حبيب قبل أسابيع و«انشقاق» جميل لجهة المعنى السياسي من جانب ولجهة الغموض الذي يحيط بهما من جانب آخر. كما أنها تذكر بإبعاد نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع الذي لم يعلن عن انشقاقه بل عن «مقاربة مختلفة» لكيفية التعاطي مع الأزمة السورية وصعوبة الانتصار العسكري فيها لأي من الطرفين.
وتتوقع هذه المصادر أن تتكرر «حالة» قدري جميل في الأسابيع القادمة عندما يبدو أن «جنيف 2» سيعقد فعلا، وأن هناك «توافقا دوليا» خصوصا أميركيا - روسيا في الدفع باتجاه حل سياسي يبدأ بمرحلة انتقالية تحتاج لـ«إعادة تشكيل» صورة المشهد السياسي السوري.
من جهته، رجح الخبير في الشأن السوري وأستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس الجنوب، خطار أبو دياب، أن تكون إقالة جميل «رسالة سورية إلى الولايات المتحدة وروسيا تمنعهما من محاولة تركيب أي حل سياسي ينص على استثناء الأسد، على المدى المتوسط، من المرحلة الانتقالية»، مستندا إلى تفسير مؤتمر «جنيف 1» عن انتقال السلطة لهيئة انتقالية بصلاحيات كاملة، والتي «تعني أن يصبح الرئيس غير موجود».
ورأى أبو دياب أنه «حتى ضمن هذا الإطار، أراد النظام أن يقول إن أي حل سياسي لا يأتي وفق رؤية النظام.. هو حل غير مقبول». وأضاف «تؤكد هذه الفرضية، بعد إقالة جميل، أن النظام غير قابل للإصلاح»، مشيرا إلى أن «أي تغيير فيه، ولو كان طفيفا وديكوريا، فإنه لن يقبله كونه نظاما شموليا قائما على الشخص والمجموعة المرتبطة به والتي تدور في فلكه وحوله، وأي خلل ضمن النظام يعرضه للتصدع».
وعلى الرغم من ترجيحه هذه الفرضية، فإنه لم يستبعد احتمال أن تكون روسيا «أرادت إرسال جميل إلى المعارضة لتعزيز وجودها داخلها، ولتقول للغرب إنها الممسكة الفعلية بالقرار السوري والحلول للأزمة، على صعيد الحكم والمعارضة في آن معا». ولم يستبعد أن يكون اللقاء الذي جمع بين فورد والأميركيين «عقد بطلب روسي من جميل».
وبدوره، ربط عضو الائتلاف الوطني المعارض نجيب الغضبان بين قرار عزل جميل والتصريحات الأخيرة التي أدلى بها منذ شهر تقريبا بخصوص ضرورة وجود حل سياسي ما دام طرفا النزاع لم يتمكنا من إحراز نصر عسكري حاسم. وأوضح الغضبان، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، أن هذا «الكلام بالنسبة إلى نظام سلطوي مثل النظام السوري مرفوض تماما»، مشيرا إلى أن «كل مكونات الحكومة السورية عبارة عن تكنوقراط لا دور لهم في صنع القرار السياسي، ذلك أن القرار ينحصر في عائلة الأسد وبعض الضباط الممسكين بالأمن والجيش، وإذا ما حاول مسؤول حكومي تجاوز دوره التقني يتم عزله فورا كما حصل مع جميل».
ولفت المحلل السياسي السوري سمير التقي إلى أن الروس «كلفوا جميل بأن يلعب دورا داخل أوساط النظام لتهيئة الأجواء لتقديم بعض التعهدات التي قطعوها للأميركيين، بخصوص مصير الأسد والحلول الوسط». لكن النظام «وكما فعل مع معظم الشخصيات التي كان يمكنها أن تلعب دورا وسطيا، أبعد جميل»، معتبرا أن هذا الفعل «يعد أبرز مؤشرات فشل الدبلوماسية الروسية التي لن تتمكن من أخذ شيء من الأسد».
وأعرب التقي عن اعتقاده أن الأسد «يرى حلفاءه بحاجة إليه، وليس هو من يحتاج إليهم»، معتبرا أن ما حصل مع جميل «يؤكد أن كل كلام روسيا والصين عن إمكانية التوصل إلى حل سياسي «لا يتخطى كونه مناورة لكسب الوقت»، مشيرا إلى أن النظام «لا يوجد عنده ما يقدمه».



أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.


سجال مصري - إثيوبي «غير مباشر» بشأن البحر الأحمر خلال القمة الأفريقية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
TT

سجال مصري - إثيوبي «غير مباشر» بشأن البحر الأحمر خلال القمة الأفريقية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)

شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر، فبينما ربطت أديس أبابا استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصولها على منفذ بحري، جددت القاهرة تأكيدها على أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».

وقال رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، السبت، خلال كلمته ضمن فعاليات القمة الـ39 للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، إن «أمن القرن الأفريقي واستقراره يعتمد على حصول بلاده على منفذ بحري»، مؤكداً أن بلاده التي يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة «تحتاج الوصول إلى خيارات متعددة لضمان النمو المستدام».

وأشار إلى «ضرورة ضمان وصول أديس أبابا الآمن إلى المنفذ البحري، من خلال مبدأ التعاون السلمي»، معتبراً أن امتلاك بلاده منفذاً بحرياً «أساسي لضمان الازدهار والنمو المستدام والاستقرار الإقليمي».

ولم تمر ساعات قليلة، حتى جددت مصر التأكيد على «مواقفها الثابتة بشأن المياه والبحر الأحمر. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقائه مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة، إن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط».

وأكد عبد العاطي، بحسب إفادة رسمية الأحد، «رفض مصر القاطع لأي محاولات من أطراف خارجية لفرض نفسها شريكاً في حوكمة البحر الأحمر»، مشدداً على أنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة».

ورغم أن هذه ليست المرة الأولي التي يتحدث فيها آبي أحمد عن طموح بلاده حبيسة البَر في الوصول إلى منفذ بحري، فإن تصريحاته أثارت ردود فعل مصرية «غاضبة» على منصات التواصل الاجتماعي.

وعدّ الإعلامي المصري أحمد موسى، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، حديث آبي أحمد «تهديداً خطيراً يكشف نواياه لزعزعة الاستقرار والأمن في القرن الأفريقي».

بينما رأى المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على «إكس»، أن حديث آبي أحمد «تحدٍّ وتهديد مباشر لدول المنطقة، خصوصاً الدول المشاطئة للبحر الأحمر».

وانتقد الإعلامي المصري نشأت الديهي تصريحات آبي أحمد، وعدَّها في برنامجه «بالورقة والقلم» المذاع على فضائية «تن» مساء السبت، «بلطجة سياسية».

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، واعتمدت على مواني جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وطموح آبي أحمد في الوصول إلى البحر الأحمر ليس وليد اللحظة، حيث يسعى لتحقيق ذلك منذ توليه مهام منصبه في أبريل (نيسان) 2018، عبر ما يسمى «دبلوماسية المواني». وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو والقاهرة و«الجامعة العربية».

بدوره، قال نائب رئيس المركز المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، إن «مساعي آبي أحمد للحصول على منفذ بحري لبلاده تخالف القانون والمواثيق الدولية»، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى محاولة إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر اتفاق مع إقليم «أرض الصومال الانفصالي».

وأشار حليمة إلى أن مصر ترفض أي دور لدول غير مشاطئة في البحر الأحمر، وأن هذا هو موقف مشترك مع كل الدول المشاطئة.

وكان عبد العاطي قد بحث في اتصال هاتفي مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، السبت، التطورات المرتبطة بأمن البحر الأحمر. وأكد الوزيران، بحسب إفادة رسمية لـ«الخارجيّة» المصرية، «أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، للحفاظ على أمن واستقرار هذا الممر البحري الحيوي، وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية».

وشدد عبد العاطي على «ثوابت الموقف المصري بضرورة قصر ترتيبات حوكمة البحر الأحمر على الدول المطلة عليه، ورفض أي محاولات لفرض أدوار خارجية في إدارته، بما يسهم في دعم استقرار المنطقة وحماية حركة التجارة العالمية».

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره البوروندي بعد تسلمه رئاسة الاتحاد الأفريقي (الخارجية المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال وزير الخارجية المصري إنه لا يحق لأي دولة غير مطلة على البحر الأحمر، التدخل أو المشاركة في آليات حوكمته، مضيفاً: «أتحدث عن الدول الحبيسة في أفريقيا، تحديداً إثيوبيا».

ورغم الرفض المصري المتكرر لوجود أي دولة غير مشاطئة في البحر الأحمر، لا تنفك إثيوبيا تتحدث عن الأمر؛ ففي كلمة أمام مجلس الشعب في 4 فبراير (شباط) الحالي، قال آبي أحمد إن «إثيوبيا والبحر الأحمر كيانان لا ينفصلان»، مشدداً على «ضرورة وصول البلاد إلى هذا الممر المائي الحيوي»، بحسب ما نقلته وكالة «الأنباء الإثيوبية» آنذاك.


حريق في مركز تجاري بمأرب في اليمن يودي بحياة شخص ويصيب 13

مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
TT

حريق في مركز تجاري بمأرب في اليمن يودي بحياة شخص ويصيب 13

مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)

قالت ​وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) إن شخصاً واحداً ‌لقي حتفه ‌وأُصيب ​13 ‌آخرون ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليوم ⁠الأحد.

وأضافت الوكالة ‌أن ‌الحريق، ​الذي ‌اندلع ‌بعد منتصف الليلة الماضية، دمر المركز التجاري ‌وألحق أضراراً بمحال مجاورة. وأوضحت ⁠أن ⁠الوفاة والإصابات جميعها نتجت عن الاختناق.