«التيار المدخلي».. صداع في رأس «داعش ليبيا»

يدعو في خطابه إلى الوسطية ونبذ العنف.. ويحظى بقبول في أوساط قبلية

عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
TT

«التيار المدخلي».. صداع في رأس «داعش ليبيا»

عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)

يوم السابع من مارس (آذار) الماضي، تقدمت قافلة «مدرعات النمر» في الليل لمداهمة وكر لتنظيم داعش في العاصمة الليبية طرابلس. كانت القافلة تابعة لكتائب ما يعرف باسم «التيار المدخلي»، وتقوم بأول نشاط فيه تحد للخصوم الأقوياء من المتشددين في العاصمة. وهذا التحرك أقلق الدوريات الرئيسية في المدينة التي تحكمها ميليشيات أخرى، منها ميليشيات تقودها «الجماعة الليبية المقاتلة» الموالية لتنظيم القاعدة، وأخرى موالية لتنظيم جماعة الإخوان. وشعرت دوريات «الفرقة الثانية» التابعة لميليشيا «الجماعة المقاتلة» بالغضب. وشاركها في هذا الغضب أيضًا كل من قيادات تنظيم داعش وجماعة الإخوان. ومنذ ذلك الوقت، أصبح «التيار المدخلي» رقمًا مهمًا في المعادلة، ليس في طرابلس فقط، ولكن في كثير من المدن الليبية.
يدعو «التيار المدخلي»، وفقًا لخطابه ونشاطه وكتبه التي تباع في المدن الليبية، إلى الوسطية والاعتدال ونبذ العنف، ويحظى بقبول في أوساط القبائل التي ملت من الاقتتال والتنازع الأهلي، وفقًا لمصادر قبلية وأمنية في طرابلس الغرب. ومن ناحية ثانية، رغم الحرب ضد تنظيم داعش ليبيا في مدينة سرت طوال نحو ستة أشهر، فإن التنظيم المتطرف تمكن من الانتشار والتمدد في كثير المدن والبلدات الأخرى، خصوصا في الجنوب، وفي طرابلس ومناطق غرب العاصمة، بما فيها تلك المطلة على شواطئ البحر المتوسط، قرب الحدود مع تونس. لكن أكبر مشكلة يواجهها «داعش» اليوم أصبحت تتمثل في «التيار المدخلي». فمنذ ظهور «داعش» بقوة في سرت في صيف عام 2015، تدور حرب مستعرة بين أفكاره ذات الطابع «الاستئصالي»، و«التيار المدخلي» الذي يميل إلى الاعتدال، وترك الأمور لتصرف الحاكم أو ولي أمر البلاد «تجنبًا للفتنة». هذا التوجه لم يعجب أيضًا قادة في جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة». ودخلت «المقاتلة» منذ الثالث من أبريل (نيسان) الماضي في حرب شوارع، في طرابلس، مع قوات «المداخلة» (أي «التيار المدخلي»)، وهو أمر أسعد قيادات «داعش».
وقد تمكن التنظيم الداعشي، منذ دخوله إلى مدينة درنة في شمال شرقي ليبيا عام 2014، من الانتشار في سرت والعاصمة طرابلس ومدينتي صبراتة والخُمس، بشمال غربي البلاد. وعلى عكس ما عرف من انغلاق التنظيم في العراق والشام على نفسه، قام التنظيم في ليبيا بنسج علاقات تواصل وتعاون مع قادة لمجاميع متشددة، ليس في الداخل فقط، ولكن في أفريقيا أيضًا، من بينها قيادات من «الإخوان» ومن «المقاتلة» ومن جماعة «المرابطون» الجزائرية و«جند الحق» الماليّة و«بوكو حرام» النيجيرية، بالإضافة إلى ميليشيات المهربين وقطاع الطرق التي تنشط في جنوب ليبيا وعلى شواطئها الشمالية. ويبدو أنه لم يسلم من شباك التنظيم العنكبوتية إلا «التيار المدخلي» الأقرب إلى الوسطية الدينية لكثير من الليبيين.
بطبيعة الحال لا توجد صفوف متراصة لعناصر «داعش» مع عناصر التنظيمات المتشددة الأخرى، ولكن يوجد ما يشبه الاتفاق غير المكتوب على أن يعمل كل فريق بعيدًا عن الفريق الآخر؛ لا صدام، مع إمكانية التعاون.. التعاون في بيع الأسلحة، وفي فتح الطرق لمرور قوافل المقاتلين، والتعاون في فك الحصار الذي يتعرض له هذا التنظيم أو تلك المجموعة من جانب العدو المشترك المتمثل في السلطة أيا كان نوعها، سواء سلطة البرلمان برئاسة عقيلة صالح والجيش الوطني في الشرق، أو سلطة المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج والميليشيات التي تسانده في الغرب.
* قواعد شرقًا وغربًا
ومثل كل شيء مبعثر في ليبيا، أصبح لـ«التيار المدخلي» قواعد موالية لجنرال الجيش خليفة حفتر في الشرق، وقواعد موالية لخصمه السراج في الغرب. ويقف هذا التيار الذي تمكن من إثبات وجوده في كثير من المدن الليبية مع «الحاكم» وعدم محاربته، ولهذا فإنه يعد مصدر ثقة في الشرق وفي الغرب و«نواة للتوافق في عموم البلاد»، رغم الخلافات بين الحكام هنا وهناك. فحين انقلبت عدة ميليشيات كانت توالي السراج على مجلسه الرئاسي، قبل أسبوع، ظل «التيار المدخلي» على عهده في موالاة «المجلس الرئاسي». وتلقف تنظيم داعش غضب ميليشيات إخوانية وأخرى من «الجماعة المقاتلة» من موقف «المداخلة»، وأخذ في إعادة نسج خيوط التواصل مع تلك الجماعات المتشددة مرة أخرى، للانتقام من قوات «التيار المدخلي».
يعتقد كثيرون أن القضاء على «داعش» في سرت يعني القضاء عليه في عموم ليبيا. لكن هذا ربما لن يكون صحيحا، إذا ما وضعت في الحسبان عملية الخروج المنظم للدواعش من سرت، قبل أيام من بدء اقتحام المدينة على يدي قوات «البنيان المرصوص». إذ توجهت قوافل كل منها يتكون من عدة مئات من دواعش سرت إلى مدن ليبية أخرى، منها الخُمس وزوارة وصبراتة والزاوية، بالإضافة إلى الانتشار في الوديان الجنوبية، ومنها وديان مدينة بني وليد ومناطق القلعة والجفرة وهون ومناطق جنوب سبها، وهي مناطق تنتشر في بعضها أيضًا مجاميع لكل من الإخوان و«الجماعة المقاتلة». ومعروف أنه سبق لـ«داعش» أن تمركز في صبراتة - غرب طرابلس - قبل أن يتعرض لضربات أميركية جوية، وكان هذا في مطلع العام الحالي.
ولكن بعدما بدأت الحرب ضده في سرت، عاد التنظيم لتأسيس غرف عمليات جديدة في صبراتة، وزاد من تعزيز وجوده حول العاصمة، بتأسيس غرف أخرى في مدينة الخُمس - شرق طرابلس - بالإضافة إلى خلاياه النائمة في قلب العاصمة نفسها. ويعد العدو الرئيسي له من بين الجماعات المنتشرة في هذه المنطقة «التيار المدخلي» بقواته المتمركزة في منطقة معيتيقة، وأنصاره في سوق الجمعة بطرابلس.
* الصدام مع «داعش»
يعود أول صدام دموي بين «داعش» و«التيار المدخلي» إلى أكثر من 15 شهرًا. ففي العام الماضي، بدأت فلول تنظيم داعش المهزومة في مدينة درنة، في شرق البلاد، تنتقل إلى سرت التي تقع في الشمال الأوسط من ليبيا، لتأسيس عاصمة في المكان الذي ولد فيه معمر القذافي، وقتل فيه أيضا. لكن «داعش» فوجئ بميليشيا مسلحة ذات صبغة قبلية ومسحة دينية وسطية كانت تقوم على إدارة شؤون المدينة.
بدأ الصدام كالتالي.. تقدم أحد قادة «داعش» لاحتلال مسجد قرطبة، أشهر المساجد في الحي رقم ثلاثة في سرت، وكانت هذه أولى محاولاته للبدء في ممارسة نشاطه، وإلقاء الخطب التحريضية الخاصة بالتنظيم في هذا المسجد، إلا أن شيخ المسجد الموالي لـ«التيار المدخلي»، ويدعى خالد الفرجاني، المحسوب على الميليشيا القبيلة، رفض الامتثال لرغبة الدواعش الذين كانوا يشعرون بالغضب جراء طردهم من درنة على أيدي جيش حفتر وخصوم آخرين من بينهم موالون لـ«التيار المدخلي» نفسه.
ويقول أحد القيادات المحلية ممن نزحوا عن المدينة من قبيلة الفرجان إن «الشيخ خالد تصدى لهم في البداية.. وشن ضدهم هجومًا في خطبه من فوق المنبر.. أما الدواعش، فيبدو أنهم كانوا قد قرروا احتلال المدينة بأي ثمن، وبالتالي القضاء على كل من يبدي معارضة لهم فيها، وكان الشيخ خالد على رأس هؤلاء المعارضين، ليس بالسلاح، ولكن بكلام القرآن والسنة».
ووفقا لروايات من شخصيات من سرت كانت تحضر خطب ودروس الشيخ خالد في أيامه الأخيرة، فقد حذر من الفتنة التي يقوم بها «داعش»، وتحدث عن عمليات الذبح والقتل التي يقوم بها التنظيم في العراق وسوريا ودرنة الليبية، وكيف أن هذه التصرفات ليست من الدين الإسلامي، وأنه لا بد من الوقوف مع ولي الأمر حتى لو كان البعض يرى أن أفعاله لا تتوافق مع الشريعة الإسلامية، وأن رجال الدين عليهم نصيحة الحاكم وجهًا لوجه، وليس بإثارة العامة ضده، لأن في هذا فتنة تؤدي لهدم بلاد المسلمين».
إذ ذاك، شعر «داعش» بأن الشيخ خالد يهدد العاصمة التي يريد أن يؤسسها التنظيم في المدينة، خصوصًا أن سرت كانت خالية تقريبا من الميليشيات المسلحة، فيما عدا قوات ميليشيا الفرجان ذات الإمكانات المحدودة، مقارنة بالقدرات التي جلبها معه التنظيم من درنة، والمساعدات التي كانت تصله من ميناء سرت عقب سيطرته عليه. وفي تلك الأيام، زار «داعش» في مدينة سرت قيادات من التنظيم تعمل في العراق بالقرب من زعيمه «أبو بكر البغدادي»، من بينهم مفتي «داعش» تركي البنعلي. وتقول تقارير أمنية إن البنعلي أعطى إشارة البدء لإخلاء المدينة من أتباع المنهج «المداخلي».
* تصفية خالد الفرجاني
وفي مساء يوم العاشر من أغسطس (آب) من العام الماضي، كان الشيخ خالد يقف على منبر مسجد قرطبة كالمعتاد، وشن هذه المرة هجومًا شديد اللهجة على غزاة المدينة الذين كانوا قد تجرأوا على مد أيديهم على حرمات أهالي سرت، وأفتى بضرورة مقاتلة هؤلاء الغرباء كما قاتلهم أبناء درنة. إلا أنه لم يكن يعلم أن «داعش» قد قرر التخلص منه. وبالفعل، عقب الصلاة، خرج الشيخ خالد من المسجد متوجهًا إلى بيته في الشارع المجاور، لكن ثلاثة من عناصر التنظيم المتطرف كانوا ينتظرون هذه اللحظة وأيديهم على أسلحتهم في سيارة تقف في الجانب المظلم من الطريق. وتحركت السيارة وأطلقت النار على الرجل، فلقي حتفه في الحال.
وفي اليوم التالي، جاءت مجموعة جديدة من الدواعش وأحرقت مكتبة المسجد، وكل ما يشير إلى الفكر الديني الوسطي، بما في ذلك أشرطة وأسطوانات كانت تحوي خطبا للشيخ خالد ولشيوخ وسطيين آخرين من خارج ليبيا. وفي أول صلاة للجمعة في المسجد بعد عملية الاغتيال، نزع «داعش» اللافتة التي تحمل اسم «مسجد قرطبة»، ووضع لافتة جديدة تحت اسم مسجد «أبو مصعب الزرقاوي». وبعد صلاة الظهر، مثّلت عناصر التنظيم بجثة الشيخ، في محاولة لبث الرعب في أرجاء المدينة، ونفذ الدواعش بعد ذلك حملة لإخضاع أهالي سرت لسلطاتهم، بذبح المعارضين وتعليق جثثهم على أعمدة الإنارة.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت سرت إلى وجهة لكل الدواعش الفارين من الحملة الدولية ضد التنظيم المتطرف في العراق وسوريا، بالإضافة إلى من يصلون من مطاريد أنظمة الحكم من الدول المجاورة. وكانت مسألة مواجهتهم من جانب «التيار المدخلي» في سرت أمرًا صعبًا. ولهذا انتقل من تبقى من «مداخلة» سرت إما إلى مساندة حفتر في الشرق، أو إلى الوقوف مع السلطة القائمة في الغرب. وكان من بين هؤلاء شقيق للشيخ خالد. ولفت نشاط «المداخلة» في العاصمة انتباه باقي المجموعات المتطرفة، وليس «داعش» فقط، خصوصًا بعد أن أعطى قادة «التيار المدخلي» في طرابلس الضوء الأخضر لشقيق الشيخ خالد بتأسيس كتيبة قوامها نحو خمسمائة عنصر. وهكذا أصبحت قوة «المداخلة» ذات شأن.
هنا تقدم أحد مؤسسي جماعة «جند الحق»، ويدعى «رشيد»، المتعاون مع «داعش»، باقتراح للتنظيم المتطرف بشق صفوف «التيار المدخلي»، عن طريق محاولة استقطاب قيادات محسوبة على هذا التيار، لكن زعيم «داعش»، ويدعى «المدهوني»، حذر من هذه الخطوة، وقال - وفقا لمصدر قريب من الجماعات المتشددة - إن الشخصيات المقترح استقطابها «ليست محل ثقة.. هم يحملون الفكر المدخلي أيضًا، ويؤمنون به، ومن توجيهات هذا الفكر عدم تقديم النصيحة للمسؤولين إلا سرًا، ويؤمنون بأن السمع والطاعة واجبة لكل حاكم مسلم».
* حلقة وصل داعشية
ومن المعروف أن دواعش محليين من ليبيا تمكنوا منذ عام 2014 من تشكيل ما يشبه حلقة الوصل بين التنظيم المتطرف وقيادات من عدة مجموعات متشددة، مثل جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» وغيرها. وحين بدأت الحرب على «داعش» في سرت، كانت عناصر تابعة لـ«التيار المدخلي»، ومنها كتيبة شقيق الشيخ خالد، في مقدمة الصفوف. ولوحظ أن زعماء «الإخوان» و«المقاتلة» ما كانوا من المتحمسين للحرب على التنظيم المتطرف في سرت، بل تركوا مسألة مواجهة الدواعش لشبان مدينة مصراتة المتحمسين، وغضوا البصر عن تحركات «داعش»، بل اتهمهم البعض بتقديم دعم للتنظيم في سرت وفي البلدات التي انتقل إليها.
كانت التقديرات تقول إن عدد الدواعش في سرت لا يقل عن ثلاثة آلاف عنصر. وكان لديهم ما يقارب الألف آلية، من بينها مركبات الدفع الرباعي المجهزة تجهيزًا عسكريًا، ودبابات ومدرعات ومدفعية وراجمات صواريخ. والآن، معظم هذا العتاد اختفى قبل دخول قوات «البنيان المرصوص» إلى قلب المدينة. ويعتقد أن الدوعش تمكنوا من نقل التجهيزات المهمة التي كانت في سرت إلى مناطق أخرى، بدعم من قيادات متشددة تتعاون مع التنظيم في الخفاء. وليس من بين هؤلاء «التيار المدخلي» بطبيعة الحال. بل إن «داعش» يخشى من تهديد فروع هذا التيار لمراكزه الجديدة التي انتقل إليها عقب خروجه من سرت.
وعلى سبيل المثال، وجد «داعش» انتشارًا غير مسبوق للفكر «المدخلي» قد سبقه إلى مدينة الزاوية، عبر «كتب وأشرطة وأسطوانات تناقض توجهات الدواعش، ويجري بيعها في المكتبات والدكاكين، كما يقوم بعض الموسرين بشراء كميات منها وإعادة توزيعها على المواطنين مجانًا»، وفقا لبلاغ من المدينة بعث به قيادي في جماعة الإخوان، يدعى «مشري»، إلى زعماء من التيارات المتشددة في طرابلس.
وتضمن البلاغ عناوين لبعض من هذه الكتب، منها «المحجة البيضاء في حماية السنة الغراء» و«صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين» و«العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم». كما توالت البلاغات بهذا الشأن في الأيام الأخيرة، من انتشار «الفكر المدخلي» في سوق الجمعة، إحدى أهم المناطق في العاصمة، إضافة إلى تاجوراء والخُمس، إلى جانب إنشاء مدرسة دينية تصب في الاتجاه نفسه في طرابلس.
ليس «داعش» فقط الذي بدأ في وضع الحسابات لقوة «التيار المدخلي»، بل هناك أيضًا أطراف أخرى متشدّدة، منها الإخوان و«الجماعة المقاتلة». فخلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأ قادة من الإخوان و«المقاتلة» في تبادل الاتهامات بشأن «مَن الذي بادر منهما بإصدار فتاوى ضد المداخلة»، لأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى استفزاز أنصار «التيار المدخلي». وهذا الموقف في حد ذاته لم يكن موجودًا في السابق، خصوصًا في طرابلس، حيث لم يكن التيار بهذه القوة.
* رصد التطورات
مصدر أمني في العاصمة الليبية يقول إنه توجد مؤشرات على أن تنظيم داعش يحاول الزج بمن يتواصل معهم من جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» للوقوف ضد «المداخلة»، وإصدار الفتاوى في محاولة للحط من قدر تيارهم، لأنه يعد خصمًا حقيقيًا لـ«داعش». وفي ملاسنة بين قائد من «الجماعة المقاتلة» وزميل له من الجماعة نفسها كان قد أصدر فتوى ضد «المداخلة»، قال له غاضبًا: أعدوا أنفسكم لحرب لا قبل لكم بها مع «التيار المدخلي».. من الذي ورطكم في هذا؟ تنظيم داعش أم ورطتكم جماعة الإخوان في مثل هذه الفتوى؟ من الآن فصاعدًا، دعوا الأمر للمفتي (المقصود به مفتى البلاد السابق صادق الغرياني)، ولا أحد يأتي على ذكر المداخلة.
كذلك احتد قائد «الجماعة المقاتلة» نفسه على زعيم في جماعة الإخوان الليبية، يدعى «غويل»، بسبب فتوى مماثلة، وقال له - وفقا للمصدر الأمني - إن التيار المدخلي أصبح متغلغلا في أوساط القبائل الليبية، لأن هناك من ينظر إليه على أنه يتبع منهج هو الأقرب إلى «روح التوافق والتقريب»، و«الناس تريد هذا»، ثم «إننا لا نريد استعداء المداخلة علينا بالفتاوى العلنية».
ومعروف أن كتائب «التيار المدخلي» نأت بنفسها عن التجاذبات الحالية بين الميليشيات، ووجهت عملها لمكافحة الجريمة وتأمين المواطنين في المدن التي توجد فيها، خصوصًا أن البلاد تعاني من انفلات أمني وضعف إمكانات الجيش والشرطة. بيد أن محاولات تشويه هذا التيار لم تتوقف. ويقوم بهذا الأمر، وفقا للمصدر نفسه، تحالف غير معلن بين التيارات المتطرفة المختلفة، على رأسها «داعش». وبعدما رفضت «الجماعة المقاتلة» الزج بها وبجماعة الإخوان التي تتعاون معها في محاولات إصدار فتاوى علنية لتشويه «التيار المدخلي»، ظهرت في شوارع طرابلس منشورات تهاجم «المداخلة»، لكنها تحمل شعارًا منسوبًا لإحدى روابط العلماء المسلمين في شمال أفريقيا.
ويقول المصدر الأمني إنه حين جرى التحقيق في منبع هذه المنشورات، تبين أن وراءه تحالف المتطرفين المشار إليه نفسه. وبحسب المصدر، وصف قيادي في الجماعة المقاتلة هذه العملية الالتفافية في مهاجمة «التيار المدخلي» بأنها «وسيلة عقيمة ستزيد من الغضب ضدنا»، وقال لأنصاره بعد أن اتهمهم بالوقوف وراء توزيع تلك المنشورات: «إن ما تقومون به يعبر عن إفلاسكم؛ هذا سيزيد من قوة المداخلة».



«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
TT

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا، وذلك بعد أن قامت طهران بعمليات تغيير ديموغرافي في المنطقة، وإحلال سكان جدد من ميليشياتها بدل السكان الأصليين الذين تم تهجير غالبيتهم والاستيلاء على أملاكهم. الزائر اليوم للمنطقة يدرك، من أحاديث السكان، أن العام الذي مضى على إسقاط الأسد، «شهد عودة أعداد كبيرة من السكان الذين هجّرهم نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والميليشيات الأخرى التابعة لإيران و(حزب الله) قسراً من منطقتهم ومنازلهم».

تقع «السيدة زينب»، على أطراف دمشق الجنوبية، وتتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن مركز العاصمة نحو 8 كيلومترات. وقبل اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) 2011 كانت التركيبة السكانية للمنطقة عبارة عن خليط غالبيته من السُّنة، ويضم السكان الأصليين (الفلاحين) المنحدرين من الغوطة الشرقية، وآخرين من نازحي هضبة الجولان السوري المحتل، ولاجئين فلسطينيين، بالإضافة إلى قلة من أتباع المذهب الشيعي المنحدرين من بلدتي الفوعة وكفريا بريف إدلب، وآخرين غير سوريين قدِموا إليها من لبنان والعراق وبلدان الخليج وأقاموا فيها.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد سكانها؛ إذ يتحدث نشطاء عن أن عددهم بلغ نحو 136 ألف نسمة حسب إحصاء عام 2004، في حين تذكر دراسات أخرى أن العدد وصل إلى نحو 400 ألف شخص قبل اندلاع الثورة.

سوق «شارع التنين» حيث الحركة أفضل منها في سوق «بهمن» (الشرق الأوسط)

التغيير الديموغرافي تجاوز 08 %

منذ العام الأول لاندلاع الثورة، تدخلت إيران إلى جانب نظام الأسد، واتخذت من مسألة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» الذي كان يؤمُّه آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، حجّة لجذب عشرات آلاف المسلحين إلى سوريا. وعملت، حسب تأكيدات مصادر محلية، مع نظام الأسد، على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومنحها لعائلات مقاتلي الميليشيات التابعة لها في المنطقة التي باتت المعقل الرئيسي لإيران في جنوب دمشق، وأُلبست الصبغة الإيرانية، وباتت توصف بأنها «مدينة إيرانية» وليست سورية، في ضوء تغيير أسماء شوارعها، والانتشار الكبير لصور رموز لإيران وأعلامها ورايات ميليشياتها، وتشييد وافتتاح مزيد من المراكز الدينية فيها.

تؤكد مصادر مقربة من الحكومة السورية، وأخرى محلية، لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة التغيير الذي أحدثته إيران في التركيبة السكانية لـ«السيدة زينب» والبلدات المحيطة بها، تجاوز الـ80 في المائة، بحيث أصبح السكان الأصليون أقلية ومعظمهم من كبار السن.

يذكر عنصر من قوى الأمن الداخلي، وهو من سكان المنطقة الأصليين، أنه عاد مع عائلته إلى منزله بعد تهجيرهم إلى الشمال السوري لأكثر من 12 عاماً. ويؤكد أنه «بعد بضعة أيام من سيطرة فصائل المعارضة وسقوط الأسد وفراره، وهروب الطغاة (في إشارة إلى قادة ومقاتلي الميليشيات الإيرانية) بدأ سكان المنطقة يعودون من الشمال ومحافظات أخرى، كما من دول اللجوء، والحكومة تعمل على إعادة أملاكهم إليهم، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو أرضاً».

ولا يزال عدد كبير من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا يقيمون في «السيدة زينب» بعد أن تم نقلهم إليها ضمن ما يُعرف بـ«اتفاق المدن الأربع» الذي تم التوصل إليه في عام 2017 بين «هيئة تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام» من جهة، والنظام السوري و«حزب الله» والجانب الإيراني من جهة أخرى.

عرّف شاب على نفسه باسم «صالح»، وقال إنه تم إخراجه من بلدة الفوعة ونقله مع آخرين إلى «السيدة زينب»، حيث لا يزال يقيم فيها مع عائلته حتى اليوم. وبعد أن يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه مدني ولم ينضم إلى الميليشيات التابعة لإيران أو للنظام السابق، يؤكد أن أهالي الفوعة وكفريا المدنيين الذين لا يزالون يقيمون في «السيدة زينب»، لم يتعرضوا لأي مضايقات من سلطات الحكم الجديد، لكن من ارتكبوا جرائم بحق الأهالي واختفوا عن الأنظار تجري ملاحقتهم للقبض عليهم ومحاسبتهم.

وبموجب «اتفاق البلدات الأربع» تم إخراج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، من منطقة الزبداني بريف دمشق الغربي باتجاه محافظة إدلب، وإخراج 8000 شخص بينهم مسلحون من الميليشيات الموالية لنظام الأسد من بلدتي كفريا والفوعة باتجاه مناطق سيطرة النظام السابق وحلفائه.

سوق «بهمن» المجاور لمقام «السيدة زينب» وهو شبه خالٍ من المارة ويطلق عليه الأهالي حالياً اسم «شارع عبد الرحمن بن عوف» (الشرق الأوسط)

إعادة الحقوق لأصحابها

وتعمل الجهات المعنية في الحكومة السورية الجديدة على إعادة أملاك أهالي «السيدة زينب» الأصليين، إليهم. وتوضح المصادر المقربة من الحكومة أن العملية تتم «وفق ضوابط قانونية، تتضمن أن يقدم صاحب الحق طلباً إلى الجهة الحكومية المعنية، مرفقاً بأوراق ثبوتية تؤكد ملكيته المنزل أو المحل التجاري أو العقار... وبالنسبة إلى من أجبرتهم إيران على بيع ممتلكاتهم بالإكراه، فيجب عليهم أن يُحضروا شهوداً على ذلك، وفي حال ثبت أنهم أصحاب حقوق، تعاد أملاكهم إليهم».

وتتم إعادة الحقوق بعد عمليات تدقيق كبيرة في الأوراق الثبوتية التي يقدمها الأهالي، من الجهات المعنية؛ لأن هناك عمليات تزوير لوثائق ملكية جرت خلال سنوات الحرب، وفق قول المصادر نفسها.

ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن عملية إعادة الأملاك إلى أصحابها تجري «بوتيرة سريعة؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتُعاد فيه أملاك إلى أصحابها، لكن الانتهاء من هذه العملية سيستغرق وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى العدد الكبير للطلبات وعمليات التدقيق».

بدورها، تذكر مصادر محلية عدة أن طلبات إعادة الأملاك تُقدَّم إلى «هيئة الأملاك» في ناحية ببيلا الواقعة شمال «السيدة زينب». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول منها على إحصائية لعدد العقارات والمنازل والمحال التجارية التي استولت عليها إيران، لكن لم يتسنَّ لها ذلك، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يكون العدد كبيراً جداً.

وكشفت مصادر مطلعة، تتردد دائماً على «الهيئة»، عن أن طلبات استعادة الأملاك باتت تشكل «مجلداً ضخماً للغاية»، لافتةً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عمليات استيلاء إيران على الأملاك وصلت إلى المناطق المحيطة بـ«السيدة زينب» من كل الجهات، حيث كانت تخطط لإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية.

وبينما لا يزال مقام «السيدة زينب» يفتح أبوابه أمام زواره، يلفت الانتباه حالياً انعدام أفواج الزوار الذين كانوا يقصدونه بالآلاف من إيران والعراق ولبنان في سنوات ما قبل إسقاط النظام السابق.

وكانت مصادر محلية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل سقوط النظام، عن أن قادة الميليشيات الإيرانية اشتروا بالإكراه عدداً كبيراً من المحال التجارية في أسواق «السيدة زينب»؛ طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن المنطقة تُعدّ وجهة للسياحة الدينية، حيث يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل، بالتوازي مع عمليات شراء مماثلة لأبنية ذات مساحات كبيرة وتحويلها فنادق، وصل عددها إلى نحو 50 فندقاً.

ووصلت عملية استملاك إيران وشرائها العقارات والأبنية خلال سنوات الحرب إلى مدينة دمشق؛ إذ سبق لخبير اقتصادي أن تحدث إلى «الشرق الأوسط»، بأنها سيطرت على سوق العقارات عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقدمت تسهيلات، ومنحت قروضاً كبيرة للراغبين في شراء العقارات في سوريا، فتملّك إيرانيون ومقاولون ورجال أعمال، وقادة وعناصر الميليشيات، آلاف العقارات في أكثر المناطق حيوية في دمشق وفي الوسط التجاري، في حين استملكت السفارة الإيرانية فنادق عدة، ومساحات واسعة خلف «مستشفى الرازي» على أوتوستراد المزة لإنشاء أبراج سكنية، إضافةً إلى تملك أراضٍ وعقارات في ريف دمشق.


تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
TT

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً سياسياً مثيراً للجدل في أفريقيا الوسطى، يخوض واحدة من أكثر الرحلات تعقيداً فيما يُعرف على نطاق واسع بـ«أرض الغابات». فمن قاعات الرياضيات إلى «دهاليز السلطة»، برز الرجل بوصفه أهم لاعب سياسي منذ التسعينات، حاملاً مشروعه لإعادة تشكيل موازين الحكم في دولة أرهقتها الحروب وخلخلتها هشاشة المؤسسات. دولة تتنازعها القوى الإقليمية والدولية، ويُثقل تاريخها إرثٌ طويل من الانقلابات التي هزّت أفريقيا الوسطى وغرب القارة، بحسب ما يقول محللون. في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي توجه أكثر من مليوني مواطن إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشمل الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية، وهي انتخابات تمثّل اختباراً سياسياً حاسماً لتواديرا؛ إذ يتشابك الاستحقاق الانتخابي مع جدل حول تمديد الولاية الرئاسية، وسط تطلعات لتعزيز الشرعية وبناء المؤسسات الهشة للدولة المثقلة بتحديات الأمن والتنمية.

من رحم أسرة بسيطة، ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحه، وأظهر تفوقاً نادراً فيه، حتى التحق بالقسم العلمي في بانغي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا عام 1976.

استمر في مساره الأكاديمي، فحصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة بانغي عام 1981، ثم الماجستير في ساحل العاج، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1986.

وبعد عودته، التحق تواديرا بالعمل الأكاديمي، حيث أصبح عميد كلية ورئيساً في جامعة بانغي، واستمر في التدريس حتى بعد انتقاله للعمل الحكومي، متمسكاً برغبته في التواصل المباشر مع الطلاب والجمهور.

فمشوار أكاديمي استثنائي للبروفسور تواديرا في بلد يعاني من ندرة الأساتذة المؤهلين، أهداه صورة قيادية بعيدة عن الخطاب العسكري التقليدي، لكنه لم يبعده عن صراعات السلطة.

تحالفات محلية ودولية

وعلى الرغم من خلفيته العلمية، دخل تواديرا عالم السياسة الواقعية، حيث فرضت عليه الظروف بناء تحالفات محلية ودولية، خصوصاً مع روسيا والفصائل المسلحة المحلية والدولية. وقبل وصوله إلى قصر الرئاسة في 2016، شغل منصب رئيس الحكومة، ما منح مسار حكمه بعد ذلك قاعدة سياسية متينة، وخبرة واسعة أهلته لتكون صورة واضحة لمعادلات السياسية المعقدة في بلاده.أُعيد انتخاب تواديرا في 2020، وواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإبرام اتفاقات سلام متقطعة مع فصائل مسلحة، مع اللجوء أحياناً إلى أدوات وأحلاف مثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي.

ولطالما كان الأمن نقطة ضعف رئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى لسنوات، وقد ورث الرئيس تركة صراع بين تحالف «سليكا» المسلم وميليشيات «أنتي بالاكا» المسيحية، أدى إلى صراع طائفي واسع بعد الإطاحة بالرئيس فرنسوا بوزيزي عام 2013. وازدادت فصائل مسلحة محلية وتدخلات دولية وروسية وفرنسية أزمة البلاد تعقيداً، بحسب «مجموعة الأزمات الدولية».

وبعد انسحاب فرنسا من معادلة النفوذ في أفريقيا الوسطى، وتراجع فاعلية بعثات حفظ السلام التقليدية، اتجه قصر الرئاسة في عهد تواديرا نحو شراكة أمنية واقتصادية مع روسيا وشبكات مقاتلين خاصة تعرف إعلامياً بـ«فاغنر»، ثم وريثتها مجموعة «الفيلق الأفريقي».

الاعتماد على روسيا

ويبدو أن هذه المعادلة غير قابلة للتغيير؛ إذ لا يستبعد باحثون، ومنهم مستشارة «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتورة أماني الطويل، «استمرار تكريس اعتماد النظام الحاكم في أفريقيا الوسطى على الشركاء الخارجيين، وخصوصاً روسيا؛ إذ إن موسكو هي الضامن الأمني الأول لنظام الرئيس تواديرا، نظراً لسيطرتها الواسعة على الموارد الطبيعية وغياب أي منافس غربي بعد انسحاب فرنسا»، وفق ما قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط».هذا الوضع منح الرئيس هامش مناورة داخلياً لمواجهة التهديدات، لكنه أثار اتهامات بانتهاكات حقوقية ومخاوف من فقدان السيادة الوطنية مقابل تنازلات على الموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن.

«أرض الغابات» ودوامة الانقلابات

وعلى الصعيد الإقليمي، عزز تواديرا مكانته بتعيينه في 2023 ميسراً للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا خلال الأزمة في الغابون، ما أسهم في صورته كقائد قادر على لعب دور إقليمي. كما ألغى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2024 الحظر عن الأسلحة المفروض على قواته المسلحة. كذلك أنهت عملية «كيمبرلي» تعليقها لصادرات الألماس الخام من أفريقيا الوسطى، علماً بأنها نظام دولي تم إنشاؤه للحد من تجارة الألماس الدموي؛ أي الألماس الذي يُستخدم لتمويل النزاعات المسلحة.وفي بلد لم تبارحه دوامة الانقلابات منذ استقلاله في ستينات القرن الماضي، لم تكن فترة ولاية الرئيس المنتخب تواديرا استثناءً من هذه الدائرة. ففي عام 2021، قاد الرئيس السابق فرنسوا بوزيزي محاولة «انقلاب فاشلة» ضد تواديرا، فانخرط الجيش الوطني، بدعم من قوات روسية ورواندية، في صدّ الجماعات المسلحة ودفعها إلى حدود البلاد، ما منح الرئيس تواديرا «نصراً عسكرياً» مؤقتاً استغله لتعزيز موقعه في حملته الانتخابية.

وتزداد المفارقات في «أرض الغابات» وضوحاً حين يظهر تدخل محمد حمدان دقلو «حميدتي» عام 2023، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، لإحباط مخطط انقلاب في جمهورية أفريقيا الوسطى عبر ضبط الحدود وتعطيل تحركات فصائل مسلحة.

محاولتا الانقلاب العسكري على حكم تواديرا لم تمنعاه من القيام بـ«انقلاب دستوري»، وفق وصف أماني الطويل، في 2023، حين أقرّت البلاد استفتاءً دستورياً أثار جدلاً واسعاً، مدّد فترة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، وألغى القيد المتعلق بحصرها في ولايتين، ما فتح المجال أمام ترشحه لولاية ثالثة.

استقرار أم تمديد للحكم؟

مؤيدوه رأوا في ذلك خطوة نحو الاستقرار المؤسسي، بينما أعرب معارضون عن خشيتهم من مسار لتمديد الحكم بطريقة غير ديمقراطية، وهو ما حدا بمنظمة «المرصد من أجل الحوكمة الديمقراطية» إلى التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الدستوري للطعن في ترشحه.أما على مستوى حياة المواطن العادي، فما زال البطء يهيمن على مؤشرات التنمية بشكل واضح؛ إذ يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى محور تنافس داخلي وخارجي.

ورغم رهان الحكومة على استثمارات جديدة لتمويل تكاليف الأمن، فإن مشكلات الشفافية والحوكمة ظلّت عقبة بنيوية حالت دون تحويل الثروات إلى نمو فعلي داخل الاقتصاد الوطني. وبقيت مناطق الشمال الشرقي مهمّشة ومحرومة من الخدمات والمشروعات الأساسية، في مقابل تركّز الجهود الحكومية في بانغي والمناطق الأكثر نمواً، وفق تقديرات منظمات المجتمع المدني وتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

المعارضة عاجزة

ومع ذلك، يستبعد محللون، ومنهم الطويل، أي فرص للإطاحة بحكم تواديرا عبر صناديق الاقتراع، أو حتى اندلاع احتجاجات واسعة ضده، وهو ما عزته إلى «عجز المعارضة عن خلق وجود فعلي على الأرض بسبب التضييق والانقسام في بلد أنهكته الحروب بين المسلمين والمسيحيين».ويشار إلى أن أبرز خصوم فاوستين تواديرا في الانتخابات (تُعلن نتائجها خلال أيام)، هم أنيست جورج دولوغليه عن حزب «الاتحاد من أجل النهضة»، وهنري ماري دوندرا، مرشح مستقل ورئيس وزراء سابق، إلى جانب عدد من المرشحين الصغار المحدودي التأثير.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن المفارقات والصراعات بعيدة عن حياة الرئيس تواديرا لكن بشكل ناعم، فهو «متعدد الزوجات»؛ إذ إنه متزوج من كل من بريجيت، وكذلك تينا تواديرا، ولديه ثلاثة أبناء، بينما ترد تقارير عن منافسة بين الزوجتين على لقب «السيدة الأولى» خلف الكواليس.

وسط هذه التفاعلات، يبقى السؤال المحوري أمام الرئيس تواديرا: هل سيقدّم تمديد فترة حكمه إطاراً حقيقياً لإرساء السلام والمؤسسات، أم أنه سيُعمّق الانقسام ويزيد الاعتماد على الفاعلين الخارجيين؟


الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأنها أرض تئن تحت وطأة الصراعات المتواصلة.

ومع اندلاع حرب أهلية عام 2013، إثر انقلاب أطاح بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، تصاعدت التحديات والاقتتال الأهلي على أساس ديني بين فصيلين، أحدهما مسلم، والآخر مسيحي، ما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المدنيين ودعم الاستقرار، رغم إدراك الجميع أن الحل لن يكون سريعاً أو سهلاً.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في أفريقيا الوسطى، المعروفة باسم «مينوسكا»، لتكون ركيزة أساسية لمحاولة إعادة الاستقرار. وصُممت بعثة حفظ السلام لتعمل كـ«فرقة إطفاء دولية» تحاول السيطرة على ألسنة اللهب الصراعية المشتعلة في بلد تعصف به النزاعات المسلحة، وتتفكك فيه الدولة.

وتكفلت «مينوسكا» بمهام شاملة، شملت حماية المدنيين، ودعم الانتقال السياسي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، في محاولة لإعادة بناء الدولة وسط فوضى مستمرة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، حقّقت البعثة بعض الإنجازات الملموسة. فقد نجحت في منع موجات من العنف الجماعي، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف 2025، كما دمّرت بنية تحتية للفصائل المسلحة، ما ساهم في تقليل التهديد على المناطق السكنية. كما دعمت «مينوسكا» المسار السياسي، وعزّزت سلطة الدولة، وشجّعت على تنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني، ما مثّل خطوة مهمة نحو استقرار جزئي.

وفيما يعكس التحديات السياسية والدولية المحيطة بعمل البعثة الدولية، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لعام إضافي، وسط تحفظ أميركي عن القرار، تمثّل في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

إضافة إلى المهام الأمنية، لعبت «مينوسكا» دوراً محورياً في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية، ما ساعد في دعم العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب. ففي مناطق ساخنة مثل أوت مبومو، جنوب شرقي البلاد، وسّعت البعثة وجودها منذ 2024 لتخفيف تهديد الفصائل المسلحة، وتمكين السلطات المدنية من استعادة السيطرة على الأرض.

ومع ذلك، لم تكن الإنجازات شاملة. فقد رفضت بعض الجماعات المسلحة الالتزام الكامل باتفاقيات السلام، واستمرت في نشاطها في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما واجهت قوات حفظ السلام هجمات مباشرة واحتجاجات محلية، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وصعوبة بناء ثقة كاملة مع السكان. كما عانت البعثة من تحديات هيكلية، مثل نقص الموارد وتأخر الانتشار في البداية، ما أعاق السيطرة الفورية على بعض المناطق.

ويبقى دور الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى رمزاً مزدوجاً، فهي تحمي المدنيين وتتيح وصول المساعدات، لكنها عاجزة عن إخماد الحرائق بالكامل. القوة موجودة، لكن تأثيرها محدود، والسلام جزئي وهشّ.

ويعتقد محللون أن السلام المستدام لن يتحقق إلا بتكامل الدعم الدولي مع بناء دولة وطنية قوية قادرة على توفير أمن دائم، وعدالة حقيقية، وتنمية شاملة، وهو تحدٍ عسير يشكّل رهاناً استراتيجياً للرئيس فاوستين أركانج تواديرا في الولاية الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتبرز هذه التحديات نفسها، بصورة أو أخرى، في دول أفريقية مختلفة، تضم بعثات للأمم المتحدة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، والسودان (إقليم دارفور سابقاً)، والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تقديم نموذج محدود لسلام مستدام في قارة تعاني أزمات متكررة ومعقدة.