«التيار المدخلي».. صداع في رأس «داعش ليبيا»

يدعو في خطابه إلى الوسطية ونبذ العنف.. ويحظى بقبول في أوساط قبلية

عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
TT

«التيار المدخلي».. صداع في رأس «داعش ليبيا»

عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)

يوم السابع من مارس (آذار) الماضي، تقدمت قافلة «مدرعات النمر» في الليل لمداهمة وكر لتنظيم داعش في العاصمة الليبية طرابلس. كانت القافلة تابعة لكتائب ما يعرف باسم «التيار المدخلي»، وتقوم بأول نشاط فيه تحد للخصوم الأقوياء من المتشددين في العاصمة. وهذا التحرك أقلق الدوريات الرئيسية في المدينة التي تحكمها ميليشيات أخرى، منها ميليشيات تقودها «الجماعة الليبية المقاتلة» الموالية لتنظيم القاعدة، وأخرى موالية لتنظيم جماعة الإخوان. وشعرت دوريات «الفرقة الثانية» التابعة لميليشيا «الجماعة المقاتلة» بالغضب. وشاركها في هذا الغضب أيضًا كل من قيادات تنظيم داعش وجماعة الإخوان. ومنذ ذلك الوقت، أصبح «التيار المدخلي» رقمًا مهمًا في المعادلة، ليس في طرابلس فقط، ولكن في كثير من المدن الليبية.
يدعو «التيار المدخلي»، وفقًا لخطابه ونشاطه وكتبه التي تباع في المدن الليبية، إلى الوسطية والاعتدال ونبذ العنف، ويحظى بقبول في أوساط القبائل التي ملت من الاقتتال والتنازع الأهلي، وفقًا لمصادر قبلية وأمنية في طرابلس الغرب. ومن ناحية ثانية، رغم الحرب ضد تنظيم داعش ليبيا في مدينة سرت طوال نحو ستة أشهر، فإن التنظيم المتطرف تمكن من الانتشار والتمدد في كثير المدن والبلدات الأخرى، خصوصا في الجنوب، وفي طرابلس ومناطق غرب العاصمة، بما فيها تلك المطلة على شواطئ البحر المتوسط، قرب الحدود مع تونس. لكن أكبر مشكلة يواجهها «داعش» اليوم أصبحت تتمثل في «التيار المدخلي». فمنذ ظهور «داعش» بقوة في سرت في صيف عام 2015، تدور حرب مستعرة بين أفكاره ذات الطابع «الاستئصالي»، و«التيار المدخلي» الذي يميل إلى الاعتدال، وترك الأمور لتصرف الحاكم أو ولي أمر البلاد «تجنبًا للفتنة». هذا التوجه لم يعجب أيضًا قادة في جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة». ودخلت «المقاتلة» منذ الثالث من أبريل (نيسان) الماضي في حرب شوارع، في طرابلس، مع قوات «المداخلة» (أي «التيار المدخلي»)، وهو أمر أسعد قيادات «داعش».
وقد تمكن التنظيم الداعشي، منذ دخوله إلى مدينة درنة في شمال شرقي ليبيا عام 2014، من الانتشار في سرت والعاصمة طرابلس ومدينتي صبراتة والخُمس، بشمال غربي البلاد. وعلى عكس ما عرف من انغلاق التنظيم في العراق والشام على نفسه، قام التنظيم في ليبيا بنسج علاقات تواصل وتعاون مع قادة لمجاميع متشددة، ليس في الداخل فقط، ولكن في أفريقيا أيضًا، من بينها قيادات من «الإخوان» ومن «المقاتلة» ومن جماعة «المرابطون» الجزائرية و«جند الحق» الماليّة و«بوكو حرام» النيجيرية، بالإضافة إلى ميليشيات المهربين وقطاع الطرق التي تنشط في جنوب ليبيا وعلى شواطئها الشمالية. ويبدو أنه لم يسلم من شباك التنظيم العنكبوتية إلا «التيار المدخلي» الأقرب إلى الوسطية الدينية لكثير من الليبيين.
بطبيعة الحال لا توجد صفوف متراصة لعناصر «داعش» مع عناصر التنظيمات المتشددة الأخرى، ولكن يوجد ما يشبه الاتفاق غير المكتوب على أن يعمل كل فريق بعيدًا عن الفريق الآخر؛ لا صدام، مع إمكانية التعاون.. التعاون في بيع الأسلحة، وفي فتح الطرق لمرور قوافل المقاتلين، والتعاون في فك الحصار الذي يتعرض له هذا التنظيم أو تلك المجموعة من جانب العدو المشترك المتمثل في السلطة أيا كان نوعها، سواء سلطة البرلمان برئاسة عقيلة صالح والجيش الوطني في الشرق، أو سلطة المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج والميليشيات التي تسانده في الغرب.
* قواعد شرقًا وغربًا
ومثل كل شيء مبعثر في ليبيا، أصبح لـ«التيار المدخلي» قواعد موالية لجنرال الجيش خليفة حفتر في الشرق، وقواعد موالية لخصمه السراج في الغرب. ويقف هذا التيار الذي تمكن من إثبات وجوده في كثير من المدن الليبية مع «الحاكم» وعدم محاربته، ولهذا فإنه يعد مصدر ثقة في الشرق وفي الغرب و«نواة للتوافق في عموم البلاد»، رغم الخلافات بين الحكام هنا وهناك. فحين انقلبت عدة ميليشيات كانت توالي السراج على مجلسه الرئاسي، قبل أسبوع، ظل «التيار المدخلي» على عهده في موالاة «المجلس الرئاسي». وتلقف تنظيم داعش غضب ميليشيات إخوانية وأخرى من «الجماعة المقاتلة» من موقف «المداخلة»، وأخذ في إعادة نسج خيوط التواصل مع تلك الجماعات المتشددة مرة أخرى، للانتقام من قوات «التيار المدخلي».
يعتقد كثيرون أن القضاء على «داعش» في سرت يعني القضاء عليه في عموم ليبيا. لكن هذا ربما لن يكون صحيحا، إذا ما وضعت في الحسبان عملية الخروج المنظم للدواعش من سرت، قبل أيام من بدء اقتحام المدينة على يدي قوات «البنيان المرصوص». إذ توجهت قوافل كل منها يتكون من عدة مئات من دواعش سرت إلى مدن ليبية أخرى، منها الخُمس وزوارة وصبراتة والزاوية، بالإضافة إلى الانتشار في الوديان الجنوبية، ومنها وديان مدينة بني وليد ومناطق القلعة والجفرة وهون ومناطق جنوب سبها، وهي مناطق تنتشر في بعضها أيضًا مجاميع لكل من الإخوان و«الجماعة المقاتلة». ومعروف أنه سبق لـ«داعش» أن تمركز في صبراتة - غرب طرابلس - قبل أن يتعرض لضربات أميركية جوية، وكان هذا في مطلع العام الحالي.
ولكن بعدما بدأت الحرب ضده في سرت، عاد التنظيم لتأسيس غرف عمليات جديدة في صبراتة، وزاد من تعزيز وجوده حول العاصمة، بتأسيس غرف أخرى في مدينة الخُمس - شرق طرابلس - بالإضافة إلى خلاياه النائمة في قلب العاصمة نفسها. ويعد العدو الرئيسي له من بين الجماعات المنتشرة في هذه المنطقة «التيار المدخلي» بقواته المتمركزة في منطقة معيتيقة، وأنصاره في سوق الجمعة بطرابلس.
* الصدام مع «داعش»
يعود أول صدام دموي بين «داعش» و«التيار المدخلي» إلى أكثر من 15 شهرًا. ففي العام الماضي، بدأت فلول تنظيم داعش المهزومة في مدينة درنة، في شرق البلاد، تنتقل إلى سرت التي تقع في الشمال الأوسط من ليبيا، لتأسيس عاصمة في المكان الذي ولد فيه معمر القذافي، وقتل فيه أيضا. لكن «داعش» فوجئ بميليشيا مسلحة ذات صبغة قبلية ومسحة دينية وسطية كانت تقوم على إدارة شؤون المدينة.
بدأ الصدام كالتالي.. تقدم أحد قادة «داعش» لاحتلال مسجد قرطبة، أشهر المساجد في الحي رقم ثلاثة في سرت، وكانت هذه أولى محاولاته للبدء في ممارسة نشاطه، وإلقاء الخطب التحريضية الخاصة بالتنظيم في هذا المسجد، إلا أن شيخ المسجد الموالي لـ«التيار المدخلي»، ويدعى خالد الفرجاني، المحسوب على الميليشيا القبيلة، رفض الامتثال لرغبة الدواعش الذين كانوا يشعرون بالغضب جراء طردهم من درنة على أيدي جيش حفتر وخصوم آخرين من بينهم موالون لـ«التيار المدخلي» نفسه.
ويقول أحد القيادات المحلية ممن نزحوا عن المدينة من قبيلة الفرجان إن «الشيخ خالد تصدى لهم في البداية.. وشن ضدهم هجومًا في خطبه من فوق المنبر.. أما الدواعش، فيبدو أنهم كانوا قد قرروا احتلال المدينة بأي ثمن، وبالتالي القضاء على كل من يبدي معارضة لهم فيها، وكان الشيخ خالد على رأس هؤلاء المعارضين، ليس بالسلاح، ولكن بكلام القرآن والسنة».
ووفقا لروايات من شخصيات من سرت كانت تحضر خطب ودروس الشيخ خالد في أيامه الأخيرة، فقد حذر من الفتنة التي يقوم بها «داعش»، وتحدث عن عمليات الذبح والقتل التي يقوم بها التنظيم في العراق وسوريا ودرنة الليبية، وكيف أن هذه التصرفات ليست من الدين الإسلامي، وأنه لا بد من الوقوف مع ولي الأمر حتى لو كان البعض يرى أن أفعاله لا تتوافق مع الشريعة الإسلامية، وأن رجال الدين عليهم نصيحة الحاكم وجهًا لوجه، وليس بإثارة العامة ضده، لأن في هذا فتنة تؤدي لهدم بلاد المسلمين».
إذ ذاك، شعر «داعش» بأن الشيخ خالد يهدد العاصمة التي يريد أن يؤسسها التنظيم في المدينة، خصوصًا أن سرت كانت خالية تقريبا من الميليشيات المسلحة، فيما عدا قوات ميليشيا الفرجان ذات الإمكانات المحدودة، مقارنة بالقدرات التي جلبها معه التنظيم من درنة، والمساعدات التي كانت تصله من ميناء سرت عقب سيطرته عليه. وفي تلك الأيام، زار «داعش» في مدينة سرت قيادات من التنظيم تعمل في العراق بالقرب من زعيمه «أبو بكر البغدادي»، من بينهم مفتي «داعش» تركي البنعلي. وتقول تقارير أمنية إن البنعلي أعطى إشارة البدء لإخلاء المدينة من أتباع المنهج «المداخلي».
* تصفية خالد الفرجاني
وفي مساء يوم العاشر من أغسطس (آب) من العام الماضي، كان الشيخ خالد يقف على منبر مسجد قرطبة كالمعتاد، وشن هذه المرة هجومًا شديد اللهجة على غزاة المدينة الذين كانوا قد تجرأوا على مد أيديهم على حرمات أهالي سرت، وأفتى بضرورة مقاتلة هؤلاء الغرباء كما قاتلهم أبناء درنة. إلا أنه لم يكن يعلم أن «داعش» قد قرر التخلص منه. وبالفعل، عقب الصلاة، خرج الشيخ خالد من المسجد متوجهًا إلى بيته في الشارع المجاور، لكن ثلاثة من عناصر التنظيم المتطرف كانوا ينتظرون هذه اللحظة وأيديهم على أسلحتهم في سيارة تقف في الجانب المظلم من الطريق. وتحركت السيارة وأطلقت النار على الرجل، فلقي حتفه في الحال.
وفي اليوم التالي، جاءت مجموعة جديدة من الدواعش وأحرقت مكتبة المسجد، وكل ما يشير إلى الفكر الديني الوسطي، بما في ذلك أشرطة وأسطوانات كانت تحوي خطبا للشيخ خالد ولشيوخ وسطيين آخرين من خارج ليبيا. وفي أول صلاة للجمعة في المسجد بعد عملية الاغتيال، نزع «داعش» اللافتة التي تحمل اسم «مسجد قرطبة»، ووضع لافتة جديدة تحت اسم مسجد «أبو مصعب الزرقاوي». وبعد صلاة الظهر، مثّلت عناصر التنظيم بجثة الشيخ، في محاولة لبث الرعب في أرجاء المدينة، ونفذ الدواعش بعد ذلك حملة لإخضاع أهالي سرت لسلطاتهم، بذبح المعارضين وتعليق جثثهم على أعمدة الإنارة.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت سرت إلى وجهة لكل الدواعش الفارين من الحملة الدولية ضد التنظيم المتطرف في العراق وسوريا، بالإضافة إلى من يصلون من مطاريد أنظمة الحكم من الدول المجاورة. وكانت مسألة مواجهتهم من جانب «التيار المدخلي» في سرت أمرًا صعبًا. ولهذا انتقل من تبقى من «مداخلة» سرت إما إلى مساندة حفتر في الشرق، أو إلى الوقوف مع السلطة القائمة في الغرب. وكان من بين هؤلاء شقيق للشيخ خالد. ولفت نشاط «المداخلة» في العاصمة انتباه باقي المجموعات المتطرفة، وليس «داعش» فقط، خصوصًا بعد أن أعطى قادة «التيار المدخلي» في طرابلس الضوء الأخضر لشقيق الشيخ خالد بتأسيس كتيبة قوامها نحو خمسمائة عنصر. وهكذا أصبحت قوة «المداخلة» ذات شأن.
هنا تقدم أحد مؤسسي جماعة «جند الحق»، ويدعى «رشيد»، المتعاون مع «داعش»، باقتراح للتنظيم المتطرف بشق صفوف «التيار المدخلي»، عن طريق محاولة استقطاب قيادات محسوبة على هذا التيار، لكن زعيم «داعش»، ويدعى «المدهوني»، حذر من هذه الخطوة، وقال - وفقا لمصدر قريب من الجماعات المتشددة - إن الشخصيات المقترح استقطابها «ليست محل ثقة.. هم يحملون الفكر المدخلي أيضًا، ويؤمنون به، ومن توجيهات هذا الفكر عدم تقديم النصيحة للمسؤولين إلا سرًا، ويؤمنون بأن السمع والطاعة واجبة لكل حاكم مسلم».
* حلقة وصل داعشية
ومن المعروف أن دواعش محليين من ليبيا تمكنوا منذ عام 2014 من تشكيل ما يشبه حلقة الوصل بين التنظيم المتطرف وقيادات من عدة مجموعات متشددة، مثل جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» وغيرها. وحين بدأت الحرب على «داعش» في سرت، كانت عناصر تابعة لـ«التيار المدخلي»، ومنها كتيبة شقيق الشيخ خالد، في مقدمة الصفوف. ولوحظ أن زعماء «الإخوان» و«المقاتلة» ما كانوا من المتحمسين للحرب على التنظيم المتطرف في سرت، بل تركوا مسألة مواجهة الدواعش لشبان مدينة مصراتة المتحمسين، وغضوا البصر عن تحركات «داعش»، بل اتهمهم البعض بتقديم دعم للتنظيم في سرت وفي البلدات التي انتقل إليها.
كانت التقديرات تقول إن عدد الدواعش في سرت لا يقل عن ثلاثة آلاف عنصر. وكان لديهم ما يقارب الألف آلية، من بينها مركبات الدفع الرباعي المجهزة تجهيزًا عسكريًا، ودبابات ومدرعات ومدفعية وراجمات صواريخ. والآن، معظم هذا العتاد اختفى قبل دخول قوات «البنيان المرصوص» إلى قلب المدينة. ويعتقد أن الدوعش تمكنوا من نقل التجهيزات المهمة التي كانت في سرت إلى مناطق أخرى، بدعم من قيادات متشددة تتعاون مع التنظيم في الخفاء. وليس من بين هؤلاء «التيار المدخلي» بطبيعة الحال. بل إن «داعش» يخشى من تهديد فروع هذا التيار لمراكزه الجديدة التي انتقل إليها عقب خروجه من سرت.
وعلى سبيل المثال، وجد «داعش» انتشارًا غير مسبوق للفكر «المدخلي» قد سبقه إلى مدينة الزاوية، عبر «كتب وأشرطة وأسطوانات تناقض توجهات الدواعش، ويجري بيعها في المكتبات والدكاكين، كما يقوم بعض الموسرين بشراء كميات منها وإعادة توزيعها على المواطنين مجانًا»، وفقا لبلاغ من المدينة بعث به قيادي في جماعة الإخوان، يدعى «مشري»، إلى زعماء من التيارات المتشددة في طرابلس.
وتضمن البلاغ عناوين لبعض من هذه الكتب، منها «المحجة البيضاء في حماية السنة الغراء» و«صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين» و«العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم». كما توالت البلاغات بهذا الشأن في الأيام الأخيرة، من انتشار «الفكر المدخلي» في سوق الجمعة، إحدى أهم المناطق في العاصمة، إضافة إلى تاجوراء والخُمس، إلى جانب إنشاء مدرسة دينية تصب في الاتجاه نفسه في طرابلس.
ليس «داعش» فقط الذي بدأ في وضع الحسابات لقوة «التيار المدخلي»، بل هناك أيضًا أطراف أخرى متشدّدة، منها الإخوان و«الجماعة المقاتلة». فخلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأ قادة من الإخوان و«المقاتلة» في تبادل الاتهامات بشأن «مَن الذي بادر منهما بإصدار فتاوى ضد المداخلة»، لأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى استفزاز أنصار «التيار المدخلي». وهذا الموقف في حد ذاته لم يكن موجودًا في السابق، خصوصًا في طرابلس، حيث لم يكن التيار بهذه القوة.
* رصد التطورات
مصدر أمني في العاصمة الليبية يقول إنه توجد مؤشرات على أن تنظيم داعش يحاول الزج بمن يتواصل معهم من جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» للوقوف ضد «المداخلة»، وإصدار الفتاوى في محاولة للحط من قدر تيارهم، لأنه يعد خصمًا حقيقيًا لـ«داعش». وفي ملاسنة بين قائد من «الجماعة المقاتلة» وزميل له من الجماعة نفسها كان قد أصدر فتوى ضد «المداخلة»، قال له غاضبًا: أعدوا أنفسكم لحرب لا قبل لكم بها مع «التيار المدخلي».. من الذي ورطكم في هذا؟ تنظيم داعش أم ورطتكم جماعة الإخوان في مثل هذه الفتوى؟ من الآن فصاعدًا، دعوا الأمر للمفتي (المقصود به مفتى البلاد السابق صادق الغرياني)، ولا أحد يأتي على ذكر المداخلة.
كذلك احتد قائد «الجماعة المقاتلة» نفسه على زعيم في جماعة الإخوان الليبية، يدعى «غويل»، بسبب فتوى مماثلة، وقال له - وفقا للمصدر الأمني - إن التيار المدخلي أصبح متغلغلا في أوساط القبائل الليبية، لأن هناك من ينظر إليه على أنه يتبع منهج هو الأقرب إلى «روح التوافق والتقريب»، و«الناس تريد هذا»، ثم «إننا لا نريد استعداء المداخلة علينا بالفتاوى العلنية».
ومعروف أن كتائب «التيار المدخلي» نأت بنفسها عن التجاذبات الحالية بين الميليشيات، ووجهت عملها لمكافحة الجريمة وتأمين المواطنين في المدن التي توجد فيها، خصوصًا أن البلاد تعاني من انفلات أمني وضعف إمكانات الجيش والشرطة. بيد أن محاولات تشويه هذا التيار لم تتوقف. ويقوم بهذا الأمر، وفقا للمصدر نفسه، تحالف غير معلن بين التيارات المتطرفة المختلفة، على رأسها «داعش». وبعدما رفضت «الجماعة المقاتلة» الزج بها وبجماعة الإخوان التي تتعاون معها في محاولات إصدار فتاوى علنية لتشويه «التيار المدخلي»، ظهرت في شوارع طرابلس منشورات تهاجم «المداخلة»، لكنها تحمل شعارًا منسوبًا لإحدى روابط العلماء المسلمين في شمال أفريقيا.
ويقول المصدر الأمني إنه حين جرى التحقيق في منبع هذه المنشورات، تبين أن وراءه تحالف المتطرفين المشار إليه نفسه. وبحسب المصدر، وصف قيادي في الجماعة المقاتلة هذه العملية الالتفافية في مهاجمة «التيار المدخلي» بأنها «وسيلة عقيمة ستزيد من الغضب ضدنا»، وقال لأنصاره بعد أن اتهمهم بالوقوف وراء توزيع تلك المنشورات: «إن ما تقومون به يعبر عن إفلاسكم؛ هذا سيزيد من قوة المداخلة».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.