«التيار المدخلي».. صداع في رأس «داعش ليبيا»

يدعو في خطابه إلى الوسطية ونبذ العنف.. ويحظى بقبول في أوساط قبلية

عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
TT

«التيار المدخلي».. صداع في رأس «داعش ليبيا»

عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)

يوم السابع من مارس (آذار) الماضي، تقدمت قافلة «مدرعات النمر» في الليل لمداهمة وكر لتنظيم داعش في العاصمة الليبية طرابلس. كانت القافلة تابعة لكتائب ما يعرف باسم «التيار المدخلي»، وتقوم بأول نشاط فيه تحد للخصوم الأقوياء من المتشددين في العاصمة. وهذا التحرك أقلق الدوريات الرئيسية في المدينة التي تحكمها ميليشيات أخرى، منها ميليشيات تقودها «الجماعة الليبية المقاتلة» الموالية لتنظيم القاعدة، وأخرى موالية لتنظيم جماعة الإخوان. وشعرت دوريات «الفرقة الثانية» التابعة لميليشيا «الجماعة المقاتلة» بالغضب. وشاركها في هذا الغضب أيضًا كل من قيادات تنظيم داعش وجماعة الإخوان. ومنذ ذلك الوقت، أصبح «التيار المدخلي» رقمًا مهمًا في المعادلة، ليس في طرابلس فقط، ولكن في كثير من المدن الليبية.
يدعو «التيار المدخلي»، وفقًا لخطابه ونشاطه وكتبه التي تباع في المدن الليبية، إلى الوسطية والاعتدال ونبذ العنف، ويحظى بقبول في أوساط القبائل التي ملت من الاقتتال والتنازع الأهلي، وفقًا لمصادر قبلية وأمنية في طرابلس الغرب. ومن ناحية ثانية، رغم الحرب ضد تنظيم داعش ليبيا في مدينة سرت طوال نحو ستة أشهر، فإن التنظيم المتطرف تمكن من الانتشار والتمدد في كثير المدن والبلدات الأخرى، خصوصا في الجنوب، وفي طرابلس ومناطق غرب العاصمة، بما فيها تلك المطلة على شواطئ البحر المتوسط، قرب الحدود مع تونس. لكن أكبر مشكلة يواجهها «داعش» اليوم أصبحت تتمثل في «التيار المدخلي». فمنذ ظهور «داعش» بقوة في سرت في صيف عام 2015، تدور حرب مستعرة بين أفكاره ذات الطابع «الاستئصالي»، و«التيار المدخلي» الذي يميل إلى الاعتدال، وترك الأمور لتصرف الحاكم أو ولي أمر البلاد «تجنبًا للفتنة». هذا التوجه لم يعجب أيضًا قادة في جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة». ودخلت «المقاتلة» منذ الثالث من أبريل (نيسان) الماضي في حرب شوارع، في طرابلس، مع قوات «المداخلة» (أي «التيار المدخلي»)، وهو أمر أسعد قيادات «داعش».
وقد تمكن التنظيم الداعشي، منذ دخوله إلى مدينة درنة في شمال شرقي ليبيا عام 2014، من الانتشار في سرت والعاصمة طرابلس ومدينتي صبراتة والخُمس، بشمال غربي البلاد. وعلى عكس ما عرف من انغلاق التنظيم في العراق والشام على نفسه، قام التنظيم في ليبيا بنسج علاقات تواصل وتعاون مع قادة لمجاميع متشددة، ليس في الداخل فقط، ولكن في أفريقيا أيضًا، من بينها قيادات من «الإخوان» ومن «المقاتلة» ومن جماعة «المرابطون» الجزائرية و«جند الحق» الماليّة و«بوكو حرام» النيجيرية، بالإضافة إلى ميليشيات المهربين وقطاع الطرق التي تنشط في جنوب ليبيا وعلى شواطئها الشمالية. ويبدو أنه لم يسلم من شباك التنظيم العنكبوتية إلا «التيار المدخلي» الأقرب إلى الوسطية الدينية لكثير من الليبيين.
بطبيعة الحال لا توجد صفوف متراصة لعناصر «داعش» مع عناصر التنظيمات المتشددة الأخرى، ولكن يوجد ما يشبه الاتفاق غير المكتوب على أن يعمل كل فريق بعيدًا عن الفريق الآخر؛ لا صدام، مع إمكانية التعاون.. التعاون في بيع الأسلحة، وفي فتح الطرق لمرور قوافل المقاتلين، والتعاون في فك الحصار الذي يتعرض له هذا التنظيم أو تلك المجموعة من جانب العدو المشترك المتمثل في السلطة أيا كان نوعها، سواء سلطة البرلمان برئاسة عقيلة صالح والجيش الوطني في الشرق، أو سلطة المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج والميليشيات التي تسانده في الغرب.
* قواعد شرقًا وغربًا
ومثل كل شيء مبعثر في ليبيا، أصبح لـ«التيار المدخلي» قواعد موالية لجنرال الجيش خليفة حفتر في الشرق، وقواعد موالية لخصمه السراج في الغرب. ويقف هذا التيار الذي تمكن من إثبات وجوده في كثير من المدن الليبية مع «الحاكم» وعدم محاربته، ولهذا فإنه يعد مصدر ثقة في الشرق وفي الغرب و«نواة للتوافق في عموم البلاد»، رغم الخلافات بين الحكام هنا وهناك. فحين انقلبت عدة ميليشيات كانت توالي السراج على مجلسه الرئاسي، قبل أسبوع، ظل «التيار المدخلي» على عهده في موالاة «المجلس الرئاسي». وتلقف تنظيم داعش غضب ميليشيات إخوانية وأخرى من «الجماعة المقاتلة» من موقف «المداخلة»، وأخذ في إعادة نسج خيوط التواصل مع تلك الجماعات المتشددة مرة أخرى، للانتقام من قوات «التيار المدخلي».
يعتقد كثيرون أن القضاء على «داعش» في سرت يعني القضاء عليه في عموم ليبيا. لكن هذا ربما لن يكون صحيحا، إذا ما وضعت في الحسبان عملية الخروج المنظم للدواعش من سرت، قبل أيام من بدء اقتحام المدينة على يدي قوات «البنيان المرصوص». إذ توجهت قوافل كل منها يتكون من عدة مئات من دواعش سرت إلى مدن ليبية أخرى، منها الخُمس وزوارة وصبراتة والزاوية، بالإضافة إلى الانتشار في الوديان الجنوبية، ومنها وديان مدينة بني وليد ومناطق القلعة والجفرة وهون ومناطق جنوب سبها، وهي مناطق تنتشر في بعضها أيضًا مجاميع لكل من الإخوان و«الجماعة المقاتلة». ومعروف أنه سبق لـ«داعش» أن تمركز في صبراتة - غرب طرابلس - قبل أن يتعرض لضربات أميركية جوية، وكان هذا في مطلع العام الحالي.
ولكن بعدما بدأت الحرب ضده في سرت، عاد التنظيم لتأسيس غرف عمليات جديدة في صبراتة، وزاد من تعزيز وجوده حول العاصمة، بتأسيس غرف أخرى في مدينة الخُمس - شرق طرابلس - بالإضافة إلى خلاياه النائمة في قلب العاصمة نفسها. ويعد العدو الرئيسي له من بين الجماعات المنتشرة في هذه المنطقة «التيار المدخلي» بقواته المتمركزة في منطقة معيتيقة، وأنصاره في سوق الجمعة بطرابلس.
* الصدام مع «داعش»
يعود أول صدام دموي بين «داعش» و«التيار المدخلي» إلى أكثر من 15 شهرًا. ففي العام الماضي، بدأت فلول تنظيم داعش المهزومة في مدينة درنة، في شرق البلاد، تنتقل إلى سرت التي تقع في الشمال الأوسط من ليبيا، لتأسيس عاصمة في المكان الذي ولد فيه معمر القذافي، وقتل فيه أيضا. لكن «داعش» فوجئ بميليشيا مسلحة ذات صبغة قبلية ومسحة دينية وسطية كانت تقوم على إدارة شؤون المدينة.
بدأ الصدام كالتالي.. تقدم أحد قادة «داعش» لاحتلال مسجد قرطبة، أشهر المساجد في الحي رقم ثلاثة في سرت، وكانت هذه أولى محاولاته للبدء في ممارسة نشاطه، وإلقاء الخطب التحريضية الخاصة بالتنظيم في هذا المسجد، إلا أن شيخ المسجد الموالي لـ«التيار المدخلي»، ويدعى خالد الفرجاني، المحسوب على الميليشيا القبيلة، رفض الامتثال لرغبة الدواعش الذين كانوا يشعرون بالغضب جراء طردهم من درنة على أيدي جيش حفتر وخصوم آخرين من بينهم موالون لـ«التيار المدخلي» نفسه.
ويقول أحد القيادات المحلية ممن نزحوا عن المدينة من قبيلة الفرجان إن «الشيخ خالد تصدى لهم في البداية.. وشن ضدهم هجومًا في خطبه من فوق المنبر.. أما الدواعش، فيبدو أنهم كانوا قد قرروا احتلال المدينة بأي ثمن، وبالتالي القضاء على كل من يبدي معارضة لهم فيها، وكان الشيخ خالد على رأس هؤلاء المعارضين، ليس بالسلاح، ولكن بكلام القرآن والسنة».
ووفقا لروايات من شخصيات من سرت كانت تحضر خطب ودروس الشيخ خالد في أيامه الأخيرة، فقد حذر من الفتنة التي يقوم بها «داعش»، وتحدث عن عمليات الذبح والقتل التي يقوم بها التنظيم في العراق وسوريا ودرنة الليبية، وكيف أن هذه التصرفات ليست من الدين الإسلامي، وأنه لا بد من الوقوف مع ولي الأمر حتى لو كان البعض يرى أن أفعاله لا تتوافق مع الشريعة الإسلامية، وأن رجال الدين عليهم نصيحة الحاكم وجهًا لوجه، وليس بإثارة العامة ضده، لأن في هذا فتنة تؤدي لهدم بلاد المسلمين».
إذ ذاك، شعر «داعش» بأن الشيخ خالد يهدد العاصمة التي يريد أن يؤسسها التنظيم في المدينة، خصوصًا أن سرت كانت خالية تقريبا من الميليشيات المسلحة، فيما عدا قوات ميليشيا الفرجان ذات الإمكانات المحدودة، مقارنة بالقدرات التي جلبها معه التنظيم من درنة، والمساعدات التي كانت تصله من ميناء سرت عقب سيطرته عليه. وفي تلك الأيام، زار «داعش» في مدينة سرت قيادات من التنظيم تعمل في العراق بالقرب من زعيمه «أبو بكر البغدادي»، من بينهم مفتي «داعش» تركي البنعلي. وتقول تقارير أمنية إن البنعلي أعطى إشارة البدء لإخلاء المدينة من أتباع المنهج «المداخلي».
* تصفية خالد الفرجاني
وفي مساء يوم العاشر من أغسطس (آب) من العام الماضي، كان الشيخ خالد يقف على منبر مسجد قرطبة كالمعتاد، وشن هذه المرة هجومًا شديد اللهجة على غزاة المدينة الذين كانوا قد تجرأوا على مد أيديهم على حرمات أهالي سرت، وأفتى بضرورة مقاتلة هؤلاء الغرباء كما قاتلهم أبناء درنة. إلا أنه لم يكن يعلم أن «داعش» قد قرر التخلص منه. وبالفعل، عقب الصلاة، خرج الشيخ خالد من المسجد متوجهًا إلى بيته في الشارع المجاور، لكن ثلاثة من عناصر التنظيم المتطرف كانوا ينتظرون هذه اللحظة وأيديهم على أسلحتهم في سيارة تقف في الجانب المظلم من الطريق. وتحركت السيارة وأطلقت النار على الرجل، فلقي حتفه في الحال.
وفي اليوم التالي، جاءت مجموعة جديدة من الدواعش وأحرقت مكتبة المسجد، وكل ما يشير إلى الفكر الديني الوسطي، بما في ذلك أشرطة وأسطوانات كانت تحوي خطبا للشيخ خالد ولشيوخ وسطيين آخرين من خارج ليبيا. وفي أول صلاة للجمعة في المسجد بعد عملية الاغتيال، نزع «داعش» اللافتة التي تحمل اسم «مسجد قرطبة»، ووضع لافتة جديدة تحت اسم مسجد «أبو مصعب الزرقاوي». وبعد صلاة الظهر، مثّلت عناصر التنظيم بجثة الشيخ، في محاولة لبث الرعب في أرجاء المدينة، ونفذ الدواعش بعد ذلك حملة لإخضاع أهالي سرت لسلطاتهم، بذبح المعارضين وتعليق جثثهم على أعمدة الإنارة.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت سرت إلى وجهة لكل الدواعش الفارين من الحملة الدولية ضد التنظيم المتطرف في العراق وسوريا، بالإضافة إلى من يصلون من مطاريد أنظمة الحكم من الدول المجاورة. وكانت مسألة مواجهتهم من جانب «التيار المدخلي» في سرت أمرًا صعبًا. ولهذا انتقل من تبقى من «مداخلة» سرت إما إلى مساندة حفتر في الشرق، أو إلى الوقوف مع السلطة القائمة في الغرب. وكان من بين هؤلاء شقيق للشيخ خالد. ولفت نشاط «المداخلة» في العاصمة انتباه باقي المجموعات المتطرفة، وليس «داعش» فقط، خصوصًا بعد أن أعطى قادة «التيار المدخلي» في طرابلس الضوء الأخضر لشقيق الشيخ خالد بتأسيس كتيبة قوامها نحو خمسمائة عنصر. وهكذا أصبحت قوة «المداخلة» ذات شأن.
هنا تقدم أحد مؤسسي جماعة «جند الحق»، ويدعى «رشيد»، المتعاون مع «داعش»، باقتراح للتنظيم المتطرف بشق صفوف «التيار المدخلي»، عن طريق محاولة استقطاب قيادات محسوبة على هذا التيار، لكن زعيم «داعش»، ويدعى «المدهوني»، حذر من هذه الخطوة، وقال - وفقا لمصدر قريب من الجماعات المتشددة - إن الشخصيات المقترح استقطابها «ليست محل ثقة.. هم يحملون الفكر المدخلي أيضًا، ويؤمنون به، ومن توجيهات هذا الفكر عدم تقديم النصيحة للمسؤولين إلا سرًا، ويؤمنون بأن السمع والطاعة واجبة لكل حاكم مسلم».
* حلقة وصل داعشية
ومن المعروف أن دواعش محليين من ليبيا تمكنوا منذ عام 2014 من تشكيل ما يشبه حلقة الوصل بين التنظيم المتطرف وقيادات من عدة مجموعات متشددة، مثل جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» وغيرها. وحين بدأت الحرب على «داعش» في سرت، كانت عناصر تابعة لـ«التيار المدخلي»، ومنها كتيبة شقيق الشيخ خالد، في مقدمة الصفوف. ولوحظ أن زعماء «الإخوان» و«المقاتلة» ما كانوا من المتحمسين للحرب على التنظيم المتطرف في سرت، بل تركوا مسألة مواجهة الدواعش لشبان مدينة مصراتة المتحمسين، وغضوا البصر عن تحركات «داعش»، بل اتهمهم البعض بتقديم دعم للتنظيم في سرت وفي البلدات التي انتقل إليها.
كانت التقديرات تقول إن عدد الدواعش في سرت لا يقل عن ثلاثة آلاف عنصر. وكان لديهم ما يقارب الألف آلية، من بينها مركبات الدفع الرباعي المجهزة تجهيزًا عسكريًا، ودبابات ومدرعات ومدفعية وراجمات صواريخ. والآن، معظم هذا العتاد اختفى قبل دخول قوات «البنيان المرصوص» إلى قلب المدينة. ويعتقد أن الدوعش تمكنوا من نقل التجهيزات المهمة التي كانت في سرت إلى مناطق أخرى، بدعم من قيادات متشددة تتعاون مع التنظيم في الخفاء. وليس من بين هؤلاء «التيار المدخلي» بطبيعة الحال. بل إن «داعش» يخشى من تهديد فروع هذا التيار لمراكزه الجديدة التي انتقل إليها عقب خروجه من سرت.
وعلى سبيل المثال، وجد «داعش» انتشارًا غير مسبوق للفكر «المدخلي» قد سبقه إلى مدينة الزاوية، عبر «كتب وأشرطة وأسطوانات تناقض توجهات الدواعش، ويجري بيعها في المكتبات والدكاكين، كما يقوم بعض الموسرين بشراء كميات منها وإعادة توزيعها على المواطنين مجانًا»، وفقا لبلاغ من المدينة بعث به قيادي في جماعة الإخوان، يدعى «مشري»، إلى زعماء من التيارات المتشددة في طرابلس.
وتضمن البلاغ عناوين لبعض من هذه الكتب، منها «المحجة البيضاء في حماية السنة الغراء» و«صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين» و«العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم». كما توالت البلاغات بهذا الشأن في الأيام الأخيرة، من انتشار «الفكر المدخلي» في سوق الجمعة، إحدى أهم المناطق في العاصمة، إضافة إلى تاجوراء والخُمس، إلى جانب إنشاء مدرسة دينية تصب في الاتجاه نفسه في طرابلس.
ليس «داعش» فقط الذي بدأ في وضع الحسابات لقوة «التيار المدخلي»، بل هناك أيضًا أطراف أخرى متشدّدة، منها الإخوان و«الجماعة المقاتلة». فخلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأ قادة من الإخوان و«المقاتلة» في تبادل الاتهامات بشأن «مَن الذي بادر منهما بإصدار فتاوى ضد المداخلة»، لأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى استفزاز أنصار «التيار المدخلي». وهذا الموقف في حد ذاته لم يكن موجودًا في السابق، خصوصًا في طرابلس، حيث لم يكن التيار بهذه القوة.
* رصد التطورات
مصدر أمني في العاصمة الليبية يقول إنه توجد مؤشرات على أن تنظيم داعش يحاول الزج بمن يتواصل معهم من جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» للوقوف ضد «المداخلة»، وإصدار الفتاوى في محاولة للحط من قدر تيارهم، لأنه يعد خصمًا حقيقيًا لـ«داعش». وفي ملاسنة بين قائد من «الجماعة المقاتلة» وزميل له من الجماعة نفسها كان قد أصدر فتوى ضد «المداخلة»، قال له غاضبًا: أعدوا أنفسكم لحرب لا قبل لكم بها مع «التيار المدخلي».. من الذي ورطكم في هذا؟ تنظيم داعش أم ورطتكم جماعة الإخوان في مثل هذه الفتوى؟ من الآن فصاعدًا، دعوا الأمر للمفتي (المقصود به مفتى البلاد السابق صادق الغرياني)، ولا أحد يأتي على ذكر المداخلة.
كذلك احتد قائد «الجماعة المقاتلة» نفسه على زعيم في جماعة الإخوان الليبية، يدعى «غويل»، بسبب فتوى مماثلة، وقال له - وفقا للمصدر الأمني - إن التيار المدخلي أصبح متغلغلا في أوساط القبائل الليبية، لأن هناك من ينظر إليه على أنه يتبع منهج هو الأقرب إلى «روح التوافق والتقريب»، و«الناس تريد هذا»، ثم «إننا لا نريد استعداء المداخلة علينا بالفتاوى العلنية».
ومعروف أن كتائب «التيار المدخلي» نأت بنفسها عن التجاذبات الحالية بين الميليشيات، ووجهت عملها لمكافحة الجريمة وتأمين المواطنين في المدن التي توجد فيها، خصوصًا أن البلاد تعاني من انفلات أمني وضعف إمكانات الجيش والشرطة. بيد أن محاولات تشويه هذا التيار لم تتوقف. ويقوم بهذا الأمر، وفقا للمصدر نفسه، تحالف غير معلن بين التيارات المتطرفة المختلفة، على رأسها «داعش». وبعدما رفضت «الجماعة المقاتلة» الزج بها وبجماعة الإخوان التي تتعاون معها في محاولات إصدار فتاوى علنية لتشويه «التيار المدخلي»، ظهرت في شوارع طرابلس منشورات تهاجم «المداخلة»، لكنها تحمل شعارًا منسوبًا لإحدى روابط العلماء المسلمين في شمال أفريقيا.
ويقول المصدر الأمني إنه حين جرى التحقيق في منبع هذه المنشورات، تبين أن وراءه تحالف المتطرفين المشار إليه نفسه. وبحسب المصدر، وصف قيادي في الجماعة المقاتلة هذه العملية الالتفافية في مهاجمة «التيار المدخلي» بأنها «وسيلة عقيمة ستزيد من الغضب ضدنا»، وقال لأنصاره بعد أن اتهمهم بالوقوف وراء توزيع تلك المنشورات: «إن ما تقومون به يعبر عن إفلاسكم؛ هذا سيزيد من قوة المداخلة».



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.