يزعم المحللون السياسيون أن الهند عالقة في مثلث ود استراتيجي «مفرغ» بين الصين وباكستان، والشريك الروسي الذي تم العثور عليه مؤخرًا. خلال القمة الأخيرة لمجموعة بريكس التي تضم البرازيل، وروسيا، والصين، والهند، وجنوب أفريقيا، عندما وصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي باكستان بأنها «الدولة الأم للإرهاب»، اتخذت الصين، صديقة باكستان، موقفًا وصرحت بأنها «تعارض ربط الإرهاب بأي دولة، أو عرق، أو دين»، ونجحت في إفساد «الخطط الهندية» لذكر باكستان كمصدر للإرهاب العالمي في الإعلان الصادر عن القمة، مما يشير إلى الاختلافات بين نيودلهي والصين، التي تعد واحدة من أقوى حلفاء إسلام آباد.
وصبّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الزيت على النار عندما اتفقت روسيا مع باكستان، خصمها السابق خلال الحرب الباردة، على موعد للمشاركة في أول تدريبات عسكرية مشتركة، مما سبب إرباكا للهنود، ودفعهم للتساؤل عما إذا كانت موسكو قد أنهت علاقة ود دامت 70 عامًا مع الهند. وتأتي التدريبات العسكرية الباكستانية - الروسية في وقت وصلت فيه التوترات بين الدولتين النوويتين، باكستان والهند، إلى ذروتها عقب هجوم على معسكر أوري في إقليم كشمير الذي يخضع لسيطرة الهند. وقد اقترب الموقف الروسي من الموقف الصيني، حيث لم يعد ينظر إلى باكستان كمركز للإرهاب كما كانت في نظر الروس من قبل.
وعلّق شيام ساران، وزير الخارجية الهندي السابق، قائلا: «قد ترى روسيا أن تواصلها مع باكستان عنصر مهم للحفاظ على حصتها في سوق الدفاع في ظل تقارب الهند من الولايات المتحدة الأميركية مؤخرًا». وتشير وسائل الإعلام الروسية إلى أسباب أخرى تجعل تقرب موسكو من إسلام آباد مهمًا. ومن تلك الأسباب أفغانستان، إضافة إلى «الهلال الإسلامي» المتاخم لحدود روسيا في وسط آسيا.
على الجانب الآخر، تشهد العلاقات الروسية - الصينية، خصوصا في مجال الأمن، تقدمًا ملحوظًا خلال السنوات القليلة الماضية، حيث تشترك الدولتان في كثير من التدريبات العسكرية «الاستفزازية» من بينها تدريبات في منطقة بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها. وازدادت مبيعات السلاح الروسي للصين بشكل كبير. وهناك دافع قوي آخر يوحد الصين وروسيا وهو مواجهة الغرب. وزاد اعتماد روسيا على الدعم الصيني في ظل فرض الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على روسيا، واستهدافها لها في أوروبا بشكل واضح وصريح. واكتسبت السوق الصينية أهمية أكبر بالنسبة إلى روسيا خصوصا كمستورد لمصادر الطاقة الروسية، في حقبة يسودها انخفاض ممتد لأسعار النفط. لذا لا يعد من المفاجئ أن تبدأ روسيا في التوافق بشكل أكبر مع مواقف الصين تجاه عدد من القضايا الإقليمية والدولية. وربما يأتي التواصل مع باكستان في هذا الإطار. ولا يختلف ذلك عما حدث عام 1971 عندما سعت الولايات المتحدة، خلال فترة حكم إدارة ريتشارد نيكسون، إلى الحفاظ على مصالح باكستان من قبيل تقديم المعروف للدولة التي بدأت تصبح حليفة للصين وقتها. وتضررت الهند كثيرًا بهذا الأمر. قد يكون الأمر غير رسمي، لكن دول الصين، وروسيا، وباكستان تشكل تحالفًا لمواجهة الهيمنة الأميركية على العالم. من المؤكد أن تأسيس عالم ثنائي القطب تكون فيه روسيا، والصين، وباكستان في جبهة واحدة، والولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها على الجبهة الأخرى، أمر مثير للقلق بالنسبة للهند.
وأشار جاي كومار فيرما، محلل استراتيجي مقيم في دلهي، إلى أن باكستان، تقيم علاقة وطيدة مع روسيا، إلى جانب علاقة «الصداقة الدائمة» التي تقيمها مع الصين. مع ذلك لا تستعين باكستان بالصين فحسب، فالعلاقة القوية التي تربط روسيا بالصين تزداد قوة. لذا لا يمكن استبعاد احتمال إقامة محور صيني - باكستاني - روسي، وعلى صناع السياسة في الهند وضع ذلك الأمر في الاعتبار.
إلى جانب ذلك، تزداد علاقة الهند بالولايات المتحدة الأميركية قوة بخطى سريعة. وربما ترغب روسيا في مواجهة هذا بالتقارب مع الصين وباكستان.
لطالما كانت الصين على مدى التاريخ حليفًا استراتيجيًا قويًا لباكستان. واستمرت العلاقات العسكرية بما قدمته الصين من مساعدات في تطوير البنية الدفاعية في باكستان، وما قدمته من مساعدات عسكرية في المنطقة، حيث زودت الصين باكستان بصواريخ وطائرات، وتساعدها بشكل غير شرعي في برنامجها النووي.
مع ذلك يمثل مشروع «الممر الاقتصادي للصين وباكستان» جوهر التقارب الجديد، حيث دشّن الرئيس الصيني جين بينغ خلال شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي أكثر المشروعات طموحًا وهو مشروع الممر الاقتصادي للصين وباكستان باستثمار أولي قدره 46 مليار دولار من أجل إعادة إحياء طريق الحرير التجاري القديم. ولدى المشروع أبعاد عسكرية واضحة؛ حيث من المقرر أن يمر جزء من ذلك الممر عبر كلكت وبلتستان، في جامو وكشمير وهي من المناطق المتنازع عليها بين الهند وباكستان، مما أثار غضبًا عارمًا في نيودلهي. ويقول محللون في الدفاع إنه في حال نشوب صراع بين الهند وباكستان، سوف يسمح هذا الرابط للصين بنقل المواد، وتقديم العون سريعًا، حتى وإن لم تتدخل بقواتها مباشرة كما هو مرجح.
ويضطلع الجيش الباكستاني بدور بارز في تطوير الممر الاقتصادي، حيث زاد عدد أفراد وحدة الأمن الخاصة إلى 15 ألفا من أجل حماية المشروعات الصينية، في حين قام رحيل شريف، رئيس أركان الجيش الباكستاني، بعدة زيارات إلى بكين من أجل تقديم ضمانات لسلامة الصينيين، وذلك بعد مقتل صينيين على أيدي متمردين معارضين للاحتلال الباكستاني لإقليم بلوشستان.
ويفضل كثير من المسؤولين الصينيين الجيش كطرف في دفع المشروع عن حكومة مدنية ضعيفة. لذا يعد المشروع ضد المصالح الجغرافية والاستراتيجية للهند. وترى الصين تزايدا في قوة المثلث الهندي - الأميركي - الياباني في مواجهتها. ويعد هذا من الأمور الخطيرة التي تتم مناقشتها في دائرة صنع السياسات في بكين. لدى الهند والصين حدود مشتركة يبلغ طولها 4 آلاف كم. وتشعر الهند أن وجود الصين في باكستان يحاصرها اقتصاديا واستراتيجيًا. وتزعم كل من الصين وباكستان أن مشروع الممر الاقتصادي ليس له أبعاد اقتصادية بحتة، في حين تشعر كل من الهند والولايات المتحدة الأميركية أن أهميته الاستراتيجية أكبر. وسيكون غوادر في المستقبل ميناء بحريا يمكن أن يكون للصين من خلاله موطئ قدم في منطقة المحيط الهندي. كذلك سوف يمكّن هذا الميناء الصين من دخول بحر العرب، وسيقلل ذلك المسافة بينها وبين مضيق هرمز، الذي يعد أكبر نقطة تفتيش للنفط في العالم، وهو ما يمنح الصين مزايا استراتيجية كثيرة. وتمر نحو 80 في المائة من واردات الصين من الطاقة عبر المحيط الهندي، ومضيق ملقة، وبحر الصين الجنوبي، مما قد يتسبب في حدوث مشكلة خطيرة في التوريد بالنسبة إلى الصين خلال أوقات الاضطرابات والنزاعات.
وكتب ساجاد أشرف، دبلوماسي باكستاني سابق: «في ظل إدارة الصينيين لميناء غوادر حاليًا، سيكون رسو سفن البحرية الصينية في الميناء مسألة وقت فقط، وهو ما سيمنح الصين ميزة في مواجهة أعدائها في أنحاء المنطقة وخارجها. وبالنظر إلى نقاط ضعف باكستان، ستكون مرحبة بتزويد الصين بكل ما تحتاجه من وسائل للعب على رقعة الشطرنج العالمية. ومع استعداد وجاهزية قاعدة جيبوتي البحرية في باب المندب، في البحر الأحمر، يقدم الصينيون للولايات المتحدة والهند تحديًا كبيرًا». كذلك تشعر الهند أن الصين قد حاصرتها بالفعل من خلال تعزيزها للعلاقات التجارية وعلاقات الدفاع مع عدة دول، ومنها باكستان، وميانمار، وبنغلاديش، وسريلانكا، وجزر المالديف، والصومال. وسوف يعزز الممر الاقتصادي أيضًا هذا الحصار؛ فبعد إتمام مشروع الممر الاقتصادي، سوف يزداد الوجود الصيني في إقليم كشمير الذي تديره باكستان، وهو أمر يضرّ بالهند. خلال الأشهر القليلة الماضية، شعرت الهند بالقلق من مدى إذعان الصين مرة أخرى لمصالح باكستان في القضايا الثنائية الرئيسية، وهو ما يقوض نهجا دام عقدين من الزمان تمثل في محاولة بكين تحقيق توازن بين علاقاتها التاريخية بإسلام آباد من جانب، وعلاقتها الحساسة المتنامية بدلهي من جانب آخر. وتحاول الولايات المتحدة الأميركية دعم جهود الهند للحاق بتقدم الصين المتفوقة عسكريًا، وتعزيز موقف نيودلهي على مستوى العالم. ويدعم الرئيس باراك أوباما طلب الهند للحصول على عضوية مجموعة موردي المواد النووية، التي تسيطر على تجارة التكنولوجيا النووية. ولا تدعم الصين طلب الهند، حيث تقول إنه على نيودلهي التوقيع أولا على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
وتحرص الصين، نظرًا لأهمية باكستان بالنسبة لها، على التصدي لباقي أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل حماية الدولة الصديقة لها، حيث عرقلت مرتين محاولة الهند للحصول على تصريح من الأمم المتحدة لفرض حظر على مسعود أزهر، زعيم جماعة جيش محمد الموجود في باكستان. ويقول أنانث كريشنان، مراسل صحيفة «إنديا توداي»: «لا تعد الهند مصدر القلق الرئيسي بالنسبة إلى الصين؛ فهي منشغلة بقدر أكبر بالتحدي المتزايد الذي تفرضه الولايات المتحدة وشركاؤها على حدودها. أكبر مخاوف بكين هو أن تصبح الهند مثل اليابان أو كوريا الجنوبية». ويأتي دعم الصين لباكستان كمحاولة لضمان استمرار وضع التحديات أمام الهند لتكون منشغلة دائمًا بشؤونها الداخلية، وحتى لا تصبح قوة صاعدة إقليمية تواجه الصين في المنطقة.
الهند عالقة في مثلث ود استراتيجي «مفرغ» بين الصين وباكستان
مشروع «الممر الاقتصادي» ودخول روسيا على المحور يزيدان من قلقها
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ولعبة التوازن بين الرئيس الصيني ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي خلال قمة بريكس التي استضافتها الهند (أ.ب)
الهند عالقة في مثلث ود استراتيجي «مفرغ» بين الصين وباكستان
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ولعبة التوازن بين الرئيس الصيني ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي خلال قمة بريكس التي استضافتها الهند (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

