نائب رئيس آخر حكومة للقذافي لـ «الشرق الأوسط»: أدعو الليبيين لمصالحة شاملة وطي صفحة الماضي

الطيب الصافي حذَّر من خطر تعدد الحكومات.. ونصح السراج بالبحث عن شرعيته لدى الليبيين وليس الأجانب

الطيب الصافي يرعى إبله في منطقة الطرشة الصحراوية جنوب طبرق شرق ليبيا («الشرق الأوسط»)
الطيب الصافي يرعى إبله في منطقة الطرشة الصحراوية جنوب طبرق شرق ليبيا («الشرق الأوسط»)
TT

نائب رئيس آخر حكومة للقذافي لـ «الشرق الأوسط»: أدعو الليبيين لمصالحة شاملة وطي صفحة الماضي

الطيب الصافي يرعى إبله في منطقة الطرشة الصحراوية جنوب طبرق شرق ليبيا («الشرق الأوسط»)
الطيب الصافي يرعى إبله في منطقة الطرشة الصحراوية جنوب طبرق شرق ليبيا («الشرق الأوسط»)

في منطقة الطرشة الصحراوية، جنوب مدينة طبرق بنحو 40 كيلومترا، في شرق ليبيا، يقف الطيب الصافي، نائب رئيس آخر حكومة في عهد معمر القذافي، مع قطيع من النوق والجمال.
إنها حياة صحراوية بامتياز يلجأ إليها كلما أراد أن يعيد التفكير في مجريات الأمور. عمل الصافي مع رئيس الحكومة المسجون حاليا في طرابلس، البغدادي المحمودي. وقال في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» إنه لا بد من تنفيذ قرار العفو العام عن الموقوفين منذ عام 2011، ومن بين هؤلاء رئيس المخابرات في عهد القذافي، عبد الله السنوسي، وغيره. ويوجد عداء لدى بعض قيادات المنطقة الغربية لكل من عمل مع نظام القذافي، لكن الصافي أوضح أن ليبيا الجديدة لا بد أن يشارك في بنائها كل الليبيين، وأن يكون المعيار هو الكفاءة والنزاهة وليس أي شيء آخر. وقال: «لا بد أن نخرج من دوامة (هذا كان يعمل في النظام السابق)، وعلينا أن نستفيد بالخبرات الليبية الموجودة بالفعل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه».
الصافي غادر البلاد مع تحرير طرابلس في أغسطس (آب) قبل خمس سنوات، وعاد إلى مسقط رأسه في شرق ليبيا أخيرا، ليستفيد من قرار العفو العام الذي أصدره البرلمان، لكنه أبدى استغرابه من عدم رضوخ القيادات التي تدير السجون في المنطقة الغربية من ليبيا، لقرار العفو، وقال: «هذا من شأنه أن يعرقل أي محاولات لتحقيق المصالحة والتوافق وطي صفحة الماضي بما لها وما عليها»، مشددا على أن حل القضية الليبية لن يكون إلا بأيدي الليبيين أنفسهم، وبحوار «ليبي - ليبي».
* كيف ترى التطورات في ليبيا بعد عودة خليفة الغويل للعمل كرئيس لحكومة الإنقاذ انطلاقا من طرابلس؟
- نحن لسنا مع تعدد الحكومات. تعددها ظاهرة سلبية.. مسألة أن يكون لدينا ثلاث حكومات الآن، وهي حكومة عبد الله الثني وحكومة الغويل وحكومة فايز السراج، أمر غير مقبول لأن فيه عرقلة لعمل الدولة. هذا تسبب في أن يصبح لدينا مصرفان مركزيان، مصرف في الغرب ومصرف في الشرق. وتسبب أيضا في أن يكون لدينا مؤسستان للنفط، ومؤسستان ليبيتان للاستثمار. هذه، كلها، مسائل سلبية. وربما تكون آثارها السلبية أكثر من إيجابياتها. لهذا أنا أدعو الجميع لتوحيد الجهود. هذه دعوة أوجهها للأستاذ المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب. وهو أن يتبنى توحيد كل الأُطر الليبية، من الحكومة إلى المصرف المركزي، ومن المؤسسة الليبية للاستثمار إلى المؤسسة الوطنية للنفط.. لهذا عندما نتحدث عن هذه المبادرة التي تفضل بها الأستاذ الغويل، فأنا أعتبرها شيئا من التفكير بصوت مرتفع، وتفكيرا إيجابيا أيضا.. لهذا يجب أن ينسق مع إخوته في البرلمان وأن يحيل هذه المقترحات للأستاذ عقيلة صالح، وأن يكون البرلمان هو مَن يتبنى مثل هذه المقترحات. وأي تبن لأي حكومة جديدة لا بد أن يمر من خلال البرلمان.. البرلمان هو الذي يقول فيها كلمته وليس أي جهة أخرى أيا كانت.
* ما الشروط التي تراها لوجود حكومة قادرة على إنقاذ البلاد في مثل هذه الظروف؟
- نتطلع إلى حكومة كفاءات، وليس حكومة محاصصة. أنت تعلم ظروف ليبيا السياسية والاقتصادية وظروفها التنموية.. بلد يحتاج لإنقاذ. ولهذا فالدولة تحتاج لكفاءات. تحتاج لأناس لديهم القدرة على فتح الكثير من الملفات الشائكة. ليس فقط الملفات السياسية.. هناك ملفات تمس التفاصيل اليومية لحياة المواطنين.. مثلا ملف الصحة وملف التعليم وملف النفط.. هناك أيضا قضية الإنتاج والخدمات والاستثمار.. الخلاصة هو أن لدينا الكثير من الملفات التي تحتاج إلى عناصر ذات كفاءة. وليبيا ليست خالية من مثل هذه الكفاءات. وعلى سبيل المثال لا الحصر لديك الكثير من الأسماء المعروفة.. خذ عندك أمين عام منظمة الأوبك، الأستاذ عبد الله البدري، ابن بلدة قمينص الليبية.. أقصد أن أقول إنه لو بحثنا بشكل جدي يمكن أن نخرج بعناصر جيدة.. عناصر لديها خبرة وتستطيع أن تقود المرحلة المقبلة بكل كفاءة. لكن كل هذا لا يمكن أن يتم إلا في وجود حكومة واحدة يتم اعتمادها من البرلمان، وهو الوحيد الذي يملك الشرعية في ليبيا.
* هل ترى في تحرك الغويل نهاية للمجلس الرئاسي وحكومته المقترحة من الأمم المتحدة، بحسب اتفاق الصخيرات؟
- اتفاق الصخيرات، كما تعلم، مجرد اتفاق بين أفراد معدودين. أولا لم يشارك فيه ممثلون للشعب الليبي كله. مَن شارك فيه فئة محدودة لا أكثر. وبصراحة لم يعكس هذا الاتفاق تطلعات الشعب الليبي نحو المصالحة الحقيقية ونحو الانطلاق إلى الأمام. لهذا، ولغاية اليوم، اتفاق الصخيرات غير قادر على الخروج إلى النور لأن الشعب رفضه رفضا تاما. حتى الحكومة التي قدمها السراج لم يقبلها البرلمان. اليوم لا بد أن يكون أمام كل سياسي رؤية تتماس مع متطلبات الشعب. ولا بد من أن يوضع في الاعتبار أن البرلمان رفض حكومة السراج الأولى ورفض حكومته الثانية. والبرلمان ينتظر اليوم الحكومة الثالثة التي لم يقدمها الأستاذ السراج حتى الآن.
* كيف تنظر للسراج. ماذا تقول له؟
- السراج يعتقد أن لديه الشرعية من خلال المجتمع الدولي. هذه، شرعية وهمية. أنا أقول له، وأنصحه: شرعيتك يا أخ السراج لدى الشعب الليبي.. وليست عند الأجانب. أنت لا بد أن تتجه للبرلمان الذي كنت عضوا فيه بالأمس وأقسمت فيه اليمين على أن ترعى مصالح الشعب كعضو في مجلس النواب. كيف الآن تترك مجلس النواب وتقول والله أنا أحظى باعتراف العالم وبالدول الفلانية.. كيف تفعل هذا وتترك شعبك وناسك. أرى أن السراج لا بد أن يعود للبرلمان ولزملائه من أعضاء مجلس النواب، وللأستاذ عقيلة صالح رئيس المجلس.
* وما شكل الحكومة التي تحتاجها ليبيا اليوم؟
- كما قلت.. مطلوب وبشكل عاجل، وقبل فوات الأوان، حكومة كفاءات، وليست حكومة محاصصة، لأنك إذا لجأت للمحاصصة ستجد أن في ليبيا أكثر من 300 قبيلة. ومن المستحيل أن تخصص حقيبة وزارية لكل قبيلة. هذا أمر مستحيل. الشعب الليبي يفرح حين يجد من يفكر في إنقاذه من هذه المصيبة ومن هذه الفتنة التي وجد نفسه فيها.
* كيف يمكن حل المشكلة مع قيادات في المؤتمر الوطني معروف أنها ترفض التعامل مع المشير خليفة حفتر رفضا تاما؟
- أولا خليفة حفتر لم يأتِ ويُعين نفسه قائدا عاما للجيش الليبي. مجلس النواب، الذي يمثل السلطة التشريعية الوحيدة في ليبيا هو مَن أصدر قرارا سياديا بهذا الشأن.. وخليفة حفتر يقوم بواجباته بناء على هذا التكليف. مَن يملك إلغاء هذا التكليف هو مجلس النواب وليس أي جهة أخرى.. وهو (أي حفتر) مشكورا، بدأ الآن يعمل بشكل إيجابي.. حاول منذ البداية أن يعيد الجيش الليبي. الآن أصبح لدينا جيش فيه قوات برية وقوات بحرية وقوات جوية.. وفيه دفاع جوي وكليات عسكرية تدرب وتُخرِّج ضباطا، وإلى آخره.. في الحقيقة حفتر قاد، بشرف ونزاهة، مع الضباط المخلصين ومع الجنود المخلصين ومع المساندين.. قاد معركة شريفة ضد الإرهاب. مثل هذه المعارك تقوم بها دول ويقوم بها العالم ضد «داعش» في الموصل وغيرها في العراق وفي الرقة وغيرها في سوريا، ضد تنظيم داعش. ومع ذلك، ورغم ما لدى تلك الدول من إمكانات مهولة، لم يتغلبوا بعد على هذا التنظيم. إذن خليفة حفتر قائم بهذه المعركة وفقا لإمكاناته المحدودة. فهو عليه حظر دولي في استيراد السلاح، وليس لديه تلك الإمكانات المطلوبة.. مثلا هو غير قادر على الحصول على أجهزة الكشف عن الألغام التي يزرعها الدواعش.. ولهذا توجد صعوبة في تطهير الضواحي التي جرى طرد المتطرفين منها.. لو جرى تطهير تلك الضواحي من الألغام لتمكن المواطنون الأبرياء من العودة سريعا لبيوتهم.
* يوجد الكثير من قيادات النظام السابق في سجون مصراتة وطرابلس وغيرهما في غرب البلاد، ومن بينهم رئيس الوزراء البغدادي المحمودي ورئيس المخابرات عبد الله السنوسي، وغيرهما. كيف تتعاملون مع هذه القضية؟
- لقد أصدر البرلمان عفوا عاما، لكن للأسف هذا العفو لم ينفذ حتى الآن. أنا أستغرب من (تصرفات) الناس الذين يتولون إدارة هذه السجون. وأستغرب من الناس الذين يديرون بلادنا في المنطقة الغربية. من جهة هم ينتظرون البرلمان حتى يعتمد حكومة السراج، ومن جهة لا يعترفون بقانون العفو العام الذي أصدره البرلمان نفسه. بعد صدور هذا القانون بدقيقة واحدة لم يعد يوجد مبرر لبقاء أي سجين في محبسه.. من البغدادي المحمودي إلى آخر سجين. هؤلاء السجناء موجودون منذ عام 2011، لا تحقيق ولا سؤال ولا شيء.. ولا محامين، وربي يعلم بحالات التعذيب التي مروا بها. والقضية الأخرى تتعلق بالنساء السجينات. نحن الليبيين نحترم المرأة. ولا يعقل أن بنات كن يؤدين واجبهن، كشرطيات أو كمجندات يتم الزج بهن في السجون منذ عام 2011 حتى الآن. ولهذا أقول للإخوة المسؤولين عن السجون وعن حبس هؤلاء الناس: أنتم تقومون الآن بحبس تعسفي يعاقب عليه القانون. أنتم تعتقلون أناسا ليس لديكم الحق في اعتقالهم. لهذا على الأخ خالد الشريف (مدير سجن الهضبة في طرابلس) والإخوة الموجودين في إدارات السجون، أن يرتقوا.. وأن يتجهوا للعفو وإلى التسامح، لأنه لا إمكانية لبناء ليبيا الجديدة إلا بالعفو والتسامح والود. أما العمل بطريقة الانتقام والإقصاء والتخوين والتهميش فهذه الأمور لن تحقق الغاية.. بالعكس سنظل في نفس المشكلة إلى أبد الآبدين. وأنت تعلم أن خالد الشريف كان مسجونا (في عهد القذافي). وحين جرى الإفراج عنه بقانون العفو (من النظام السابق) وعمن كانوا معه مثل عبد الحكيم بلحاج وسامي الساعدي، كانوا فرحين، وتحدثوا في التلفزيون والإذاعات.. يعني أنت حين تخرج من السجن بقانون عفو عام، يكون أمرا ممتازا، وحين يصدر قانون عفو عام من السلطة التشريعية اليوم لا تطبق هذا الأمر.
* بعض القيادات في الغرب الليبي لديهم مخاوف وهواجس مما يسمونه عودة النظام السابق. كيف ترد على هذا؟
- حين يكون لديك شخص نزيه ومخلص في عمله فلماذا لا تستفيد منه ليبيا من جديد.. لدينا كفاءات وخبرات من كل مكان في ليبيا من الشرق والغرب.. نحن لا بد أن نخرج من قضية أن هذا كان يعمل في النظام السابق. لا.. هذا كان يعمل في ليبيا. من كان يعمل في الكهرباء لم يكن ينير بيت فلان أو علان فقط.. بل كان يعمل لتقديم الكهرباء لكل الليبيين. ومن كان يعمل في التعليم كان يعمل لليبيا كلها، وكذلك في الصحة وفي باقي القطاعات. من يقول إن هذا أو ذاك كان يعمل في النظام السابق هو حقد وانتقام.. هذا لا يبني البلاد. أنا أنصح إخوتي أن يقيّموا الناس بأعمالهم. هل فلان مخلص ولديه كفاءة وناجح في مجاله أم لا.. وأرجو من إخوتي في مصراتة أو طرابلس أو أي موقع كان.. أي مواطن ليبي لديه هذه العقلية أرجوه أن يتخلص منها. نحن لا بد أن ننطلق انطلاقة جديدة.. انطلاقة عاقلة ووطنية.. هذه هي التي تبني ليبيا.
* ما الدول الكبرى أو حتى الإقليمية التي ترى أنها سبب من أسباب استمرار الأزمة في ليبيا، صراحة؟
- أولا نحن نشكر كل الذين يسعون لحل مشاكلنا من الدول القريبة والبعيدة، لكن أصبح لدى كل الشعب الليبي قناعة، وهي أن يحل الليبيون مشاكلهم بأنفسهم. نحن لو جلسنا في قاعة واحدة كليبيين مستعدون للتفاهم ولا توجد مشكلة بيننا. لكن تدخُل القوى الإقليمية أو الدولية في الشأن الليبي هو الذي أوصل ليبيا لهذه المرحلة. لهذا أدعو كل إخوتي الليبيين إلى حوار «ليبي–ليبي». أدعو كل الدول الصديقة والشقيقة أن تترك الليبيين لشأنهم. أو أن توجههم لحل مشاكلهم بأنفسهم. ولا بد أن نبدأ مرحلة جديدة بحوار جاد «ليبي–ليبي».
* كان هناك حوار «ليبي–ليبي» بالفعل عقد في بلدة نالوت قبل شهرين، فما السبب في تعثره برأيك؟
- فكرة المؤتمر كانت ممتازة لكن الإعداد لها كان فيه بعض الاستعجال باختصار شديد. مثل هذه الأمور تحتاج إلى تهيئة. لا ينبغي أن تأتي بالناس مباشرة وجها لوجه. كان من الممكن عمل تحضير وترتيب جيد ويكون في إطار مصغر ثم يكبر بشكل تدريجي. ثم الآن توجد قضايا خلافية نتمنى أن تحسم، مثل عملية وضع الدستور. فأعضاء لجنة الدستور أنفسهم لديهم اعتراضات. نحن ننظر إليه كمشروع دستور، ونتمنى أن يشكل السيد رئيس البرلمان وأعضاء مجلس النواب مجموعة من اللجان، وأن يختاروا، أولا، مجموعة من المختصين في الدستور وفي السياسة والإدارة العامة ومن الشباب والمرأة ومن الصحافيين والكتاب والمثقفين.. أي ثلة طيبة من أبناء ليبيا تتولى النظر إلى مشروع الدستور. ثم بعد ذلك يجب ألا يصاغ صياغة نهائية إلا عقب الاستفتاء على بعض القضايا الخلافية.
* مثل ماذا؟
- أول قضية هي نظام الحكم. أي ما هو نوع نظام الحكم الذي يريده الشعب.. هل يريده ملكيا أم جمهوريا أم جماهيريا أم ماذا.. مثلا حين يقول الشعب الليبي إنه يريد نظاما جمهوريا، فلا بد أن يحدد هل الصلاحيات ستكون عند الرئيس أم رئيس الحكومة أم البرلمان. وهل البرلمان نفسه سيكون مجلس نواب فقط أم مجلس نواب ومجلس شيوخ.. توجد الكثير من الرؤى. هذه بنود يجب أن يُستفتى عليها الشعب قبل وضعها في الدستور، بما في ذلك شكل علم الدولة. هذا ما زال محل خلاف. هناك من يرفع علم المملكة الليبية المتحدة. وهناك من لديه قناعة بأن العلم هو العلم الأخضر. وهناك من يريد علم اتحاد الجمهوريات العربية، وهو، بالمناسبة، الوحيد الذي استفتى عليه الشعب الليبي في السابق. وهناك من يقول فليكن علم الجمهورية العربية الليبية. إلى آخره. ولهذا.. العلم لا بد أن يكون موجودا في الدستور. وكذلك نشيد الدولة. لا نريد نظرية الغالب والمغلوب، ولكن نظرية التفاهم والتشاور على فكرة معينة.
* عند عودتك إلى ليبيا أخيرا، لأول مرة، بعد خروجك منها في 2011، كيف كان شعورك؟
- كنت مطمئنا. كان لدي ثقة في ناسي وفي أهلي.. كان لدي ثقة في الأستاذ المستشار عقيلة صالح وأعضاء مجلس النواب وثقة في قانون العفو العام. وفي كل القبائل الشريفة. والحمد لله.. نحن عملنا في ليبيا بشرف وكرامة وبذلنا ما نستطيع من جهد، وأدينا واجبنا حسب الاستطاعة، ولهذا كنا مطمئنين تماما. بالعكس.. كنت مثل العائد لحضن والدته أو عائد لبيته أو لأسرته بعد غياب أكثر من خمس سنوات في الغربة. خرجت من ليبيا مع سقوط طرابلس. خرجت عن طريق البر عبر الحدود المجاورة. وسارت الأمور بشكل ميسر والحمد لله. علاقاتنا بالناس طيبة، وأهلنا الليبيين يحبوننا.. كل شيء تم في إطار سلمي وأخلاقي وطبيعي.. في ذلك الوقت كان الناس يتحركون بحماس ودون معرفة تامة بالأمور السياسية والقانونية والإدارية وإلى آخره. ولهذا تجنبت هذه المواقف حتى يعود الناس إلى رشدهم ونعود لنتحدث معهم ونتفاهم، وأعتقد أن هذه المرحلة مرحلة أن يجلس الناس مع بعضهم بعضا وأن يتفاهموا.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended